HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٩٠٣

وحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ. حَدَّثَنَا بَهْزٌ. حَدَّثَنَا سليمان ن الْمُغِيرَةِ عَنْ ثَابِتٍ. قَالَ: قَالَ أَنَسٌ: عَمِّيَ الَّذِي سُمِّيتُ بِهِ لَمْ يَشْهَدْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَدْرًا. قَالَ: فَشَقَّ عَلَيْهِ. قَالَ: أَوَّلُ مَشْهَدٍ شَهِدَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ غُيِّبْتُ عَنْهُ. وَإِنْ أَرَانِيَ اللَّهُ مَشْهَدًا، فِيمَا بَعْدُ، مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، لَيَرَانِي اللَّهُ مَا أَصْنَعُ. قَالَ: فَهَابَ أَنْ يَقُولَ غَيْرَهَا. قَالَ: فَشَهِدَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ. قَالَ: فَاسْتَقْبَلَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ. فَقَالَ لَهُ أَنَسٌ: يَا أبا عمرو! أين؟ فَقَالَ: وَاهًا لِرِيحِ الْجَنَّةِ. أَجِدُهُ دُونَ أُحُدٍ. قَالَ: فَقَاتَلَهُمْ حَتَّى قُتِلَ. قَالَ: فَوُجِدَ فِي جَسَدِهِ بِضْعٌ وَثَمَانُونَ. مِنْ بَيْنِ ضَرْبَةٍ وَطَعْنَةٍ وَرَمْيَةٍ. قَالَ فَقَالَتْ أُخْتُهُ، عَمَّتِيَ الرُّبَيِّعُ بِنْتُ النَّضْرِ: فَمَا عَرَفْتُ أَخِي إِلَّا بِبَنَانِهِ. وَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلا﴾ [٣٣ /الأحزاب] قَالَ: فَكَانُوا يرون أنها نزلت فيه وفي أصحابه.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج6 ص45
ج ٣ ص ١٥١٢

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٣ مصادر جامع الترمذي, صحيح البخاري, مسند أحمد
التحرير في شرح صحيح مسلم · قوام السنة الأصبهاني · ج١ ص٤٥٧
[٥٠٥] وفي حديث أنس بن النضر: (وَاهًا لِرِيحِ الجَنَّةِ) ؛ قال أهل اللغة : وَاهًا: كلمة تعجُّب، قال أبو النَّجم: واهًا لِرَيَّا ثُمَّ وَاهَا وَاهَا يَا لَيْتَ عَيْنَيْهَا لَنَا وَفَاهَا بِثَمَنٍ نُّرْضِي بِهِ أَبَاهَا و(البَنَانُ): أطراف الأصابع، وقوله: ﴿قَضَى نَحْبَهُ﴾ [الأحزاب: ٢٣]، النَّحبُ: النَّذر، أي: وَفَى بعهده. ومن باب من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣٢ ص٥٤٨
على الآخر بشيءٍ . ١١ - (ومنها): إثبات صفة الرضا لله - ﷾ -، وهو على ظاهره، من غير تأويل، ولا تحريف، ولا تمثيل، بل على ما يليق بجلاه - ﷾ -، وأما قول النوويّ، وقال معناه القرطبيّ، من أن الرضا من الله تعالى إفاضة الخير، والإحسان، والرحمة، فيكون من صفات الأفعال، وهو أيضًا بمعنى إرادته، فيكون من صفات الذات. انتهى، فمن قبيل التأويل المذموم؛ إذ فيه صَرْف صفة الرضا عن معناها الحقيقيّ إلى المعنى المجازيّ، وهو المذهب الذي سلكه النوويّ وغيره من المتأخّرين تبعًا للأشاعرة المتكلّمين، وأهل التأويل، وقد سبق لنا غير مرّة الردّ عليه، والتحذير منه؛ لأنه مذهب مخالف لظواهر الكتاب والسُّنَّة، ولِمَا كان عليه السلف الصالح، فعليك أيها العاقل اللبيب أن تتجنّبه، وأن تتّبع مذهب السلف، فإنه الحقّ الواضح، والصراط المستقيم، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. ١٢ - (ومنها): جواز وضع الماء المسبّل، ونحوه في المسجد لمن يريد الانتفاع به، ولا ينافي ذلك حرمة المسجد، قال النوويّ - ﵀ - ما حاصله: كانوا يضعون الماء في المسجد مُسَبَّلًا لمن أراد استعماله لطهارة، أو شرب، أو غيرهما، وقد كانوا يضعون أيضًا أعذاق التمر لمن أرادها في المسجد، في زمن النبيّ - ﷺ -، ولا خلاف في جواز هذا، وفضله. انتهى ، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٤٩١٠] (١٩٠٣) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، عَنْ ثَابِتٍ، قَالَ: قَالَ أنَسٌ عَمِّي الَّذِي سُمِّيتُ بِهِ، لَمْ يَشْهَدْ مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - بَدْرًا، قَالَ: فَشَقَّ عَلَيْهِ، قَالَ: أَوَّلُ مَشْهَدٍ شَهِدَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - غُيِّبْتُ عَنْهُ، وَإِنْ أَرَانِي اللهُ مَشْهَدًا فِيمَا بَعْدُ مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - لَيَرَانِيَ اللهُ مَا أَصْنَعُ، قَالَ: فَهَابَ أَنْ يَقُولَ غَيْرَهَا، قَالَ: فَشَهِدَ مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - يَوْمَ أُحُدٍ، قَالَ: فَاسْتَقْبَلَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ، فَقَالَ لَهُ أَنَسٌ: يَا أَبا عَمْرٍو أَيْنَ؟ فَقَالَ: وَاهًا لِرِيحِ الْجَنَّةِ، أَجِدُهُ دُونَ أُحُدٍ، قَالَ: فَقَاتَلَهُمْ حَتَّى قُتِلَ، قَالَ: فَوُجِدَ فِي جَسَدِهِ بِضْعٌ وَثَمَانُونَ، مِنْ بَيْنِ ضَرْبَةٍ، وَطَعْنَةٍ، وَرَمْيَةٍ، قَالَ: فَقَالَتْ أُخْتُهُ عَمَّتِي الرُّبَيِّعُ بِنْتُ النَّضْرِ: فَمَا عَرَفْتُ أَخِي إِلَّا بِبَنَانِهِ. ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (٢٣)﴾ [الأحزاب]، قال: فَكَانوا يُرَوْنَ أنَّها نَزَلَتْ فِيهِ وفِي أَصْحَابِهِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (بَهْزُ) بن أسد، تقدّم قبل بابين. والباقون ذُكروا في الباب. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف، وأنه مسلسل بالبصريين، غير شيخه، فبغداديّ، وفيه ثابت ألزم الناس لأنس - ﵁ - لَزِمه أربعين سنة، وفيه أنس - ﵁ - من المكثرين السبعة. شرح الحديث: (عَنْ ثَابِت) بن أسلم البنانيّ أنه (قَالَ: قَالَ أنَسٌ)؛ أي: ابن مالك - ﵁ - (عَمِّي الَّذِي سُمِّيتُ بِهِ) بتشديد الميم، مبنيًّا للمفعول، يقال: سمّاه فلانًا، وبفلان، وأسماه إياه، وأسماه به، وسمّاه إياه، وبه؛ أي: جعله له اسمًا، وعَلَمًا عليه . والمعنى هنا: أن أنسًا سُمّي باسم عمّه أنس بن النضر - ﵁ -، استُشهد بأُحُد، وكان من فضلاء الصحابة - ﵃ -، وقد أخرج البخاريّ في «صحيحه» عن أنس، أن الرُّبَيِّع بنت النضر عمته لطمت إنسانًا، فطلبوا العفو، فأبوا، فطلبوا الأرش، فأبوا، فقال رسول الله - ﷺ -: «كتابُ الله القصاصُ»، فقال أنس بن النضر: أيكسَر سنّ الربيّع؟ لا، والذي بعثك بالحقّ لا يُكسر سنها، فَرَضُوا بالأرش، فقال رسول الله - ﷺ -: «إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبرّه، منهم أنس بن النضر». (لَمْ يَشْهَدْ مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - بَدْرًا)؛ أي: غزوة بدر الكبرى. (قَالَ) أنس بن مالك (فَشَقَّ عَلَيْهِ)؛ أي: شقّ على عمّه أنس - ﵁ - غَيْبته عن بدر، وفي رواية: «فكبُر عليه ذلك». (قَالَ) أنس بن النضر (أَوَّلُ مَشْهَدٍ)؛ أي: معركة لقتال المشركين، (شَهِدَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -)؛ أي: لأن بدرًا أول غزوة خرج فيها النبيّ - ﷺ - بنفسه مقاتلًا، وقد تقدّمها غيرها، لكن ما خرج فيه - ﷺ - بنفسه مقاتلًا. (غِبْتُ عَنْهُ) - بكسر الغين المعجمة، وسكون الموحّدة -، كذا في النسخة الهنديّة، ووقع في غيرها بلفظ: «غُيِّبْتُ عَنْهُ» بضمّ أوله، وتشديد التحتانيّة، مبنيًّا للمفعول، والأول أوضح. (وَإِنْ أرَانِي اللهُ مَشْهَدًا)؛ أي: محلّ شهود لقتال العدوّ؛ أي: معركة من المعارك، (فِيمَا بَعْدُ)؛ أي: في الزمن الذي بعد بدر، (مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - لَيَرَانِيَ اللهُ مَا أَصْنَعُ) - بفتح ياء المتكلّم، وسكونها - قال النوويّ - ﵀ -: هكذا هو في أكثر النسخ: «لَيَراني» بالألف، وهو صحيح، ويكون «ما أصنع» بدلًا من الضمير في «لَيَراني»؛ أي: لَيَرى الله ما أصنع، ووقع في بعض النسخ: «لَيَرَيَنَّ الله» بياء، بعد الراء، ثم نون مشدّدة، وهكذا وقع في «صحيح البخاريّ»، وعلى هذا ضبطوه بوجهين: أحدهما: «لَيَرَيَنَّ» بفتح الياء، والراء؛ أي: يراه الله واقعًا، بارزًا. والثاني: «لَيُرِيَنَّ» بضم الياء، وكسر الراء، ومعناه: ليرينّ اللهُ الناسَ ما أصنعه، ويُبْرِزه الله تعالى لهم. انتهى . وقال في «الفتح»: قوله: «لَيَرَيَنَّ اللهُ ما أصنع» - بتشديد النون -؛ للتأكيد، واللام جواب القَسَم المقدّر، قال: وفي رواية للبخاريّ في «المغازي»: «لَيَرينّ الله ما أُجِدّ»، وهو بضم الهمزة، وكسر الجيم، وتشديد الدال، أو بفتح الهمزة، وضم الجيم، مأخوذ من الْجِدّ ضد الهزل. انتهى . وقال القرطبيّ - ﵀ -: كلام أنس بن النضر - ﵁ - هذا تضمَّنَ أنه ألزمَ نفسه إلزامًا مؤكدًا، وهو الإبلاءُ في الجهاد، والانتهاض فيه، والإبلاغُ في بذل ما يقدر عليه منه، ولم يصرِّح بذلك مخافةَ ما يتوقَّع من التقصير في ذلك، وتبرُئًا مِن حوله وقوته؛ ولذلك قال: «فهاب أن يقول غيرها»، ومع ذلك فنَوَى بقلبه، وصمّم على ذلك، بصحيح قصده، ولذلك سمَّاه الله تعالى عهدًا في الآية، حيث قال: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ الآية [الأحزاب: ٢٣]، فسمَّاه عهدًا. انتهى . (قَالَ: فَهَابَ أَنْ يَقُولَ غَيْرَهَا) قال النوويّ: معناه: أنه اقتَصَر على هذه اللفظة المبهمة؛ أي: قوله: «لَيَرَيَنَّ اللهُ ما أصنع»؛ مخافةَ أن يُعاهد الله على غيرها، فيَعْجز عنه، أو تضعُف بُنْيَته عنه، أو نحو ذلك، وليكون إبراءً له من الحول والقوة. انتهى . وقال في «الفتح»: أي خَشِي أن يلتزم شيئًا، فَيَعْجِزَ عنه، فأَبْهم، وعُرِف من السياق أن مراده أنه يبالغ في القتال، وعدم الفرار. (قَالَ) أنس بن مالك (فَشَهِدَ)؛ أي: عمّه (مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - يَوْمَ أُحُدٍ) بضمّتين: اسم جبل بقرب مدينة النبيّ - ﷺ -، من جهة الشام، وكانت به الوقعة المشهورة في أوائل شوّال سنة ثلاث من الهجرة، وهو مذكّر، فينصرف، وقيل: يجوز تأنيثه على توهّم البُقعة، والأول هو الصحيح . (قَالَ: فَاسْتَقْبَلَ) أنس بن النضر (سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ) بالنصب على المفعوليّة، ويَحْتَمِل أن يكون سعد مرفوعًا على الفاعليّة، والمفعول محذوف؛ أي: فاستقبله؛ أي: أنسًا سعدُ بنُ معاذ، وهو الذي في رواية البخاريّ، ولفظه: «فاستقبله سعدُ بنُ معاذ». وفي «مسند الطيالسيّ»: «فاستقبله سعدُ بنُ معاذ، منهزِمًا»، ولفظ البخاريّ: «فلمّا كان يوم أُحُد، وانكشف المسلمون قال: اللهمّ إني أعتذر إليك مما صَنَع هؤلاء؛ يعني: أصحابه، وأبرأ إليك مما صَنَع هؤلاء؛ يعني: المشركين، ثم تقدّم، فاستقبله سعد بن معاذ. . .». (فَقَالَ لَهُ أَنَسٌ)؛ أي: قال أنس بن النضر لسعد بن معاذ (يَا أَبَا عَمْرٍو) كنية سعد، (أَيْنَ؟)؛ أي: إلى أي موضع تفرّ، وذلك لأنه استقبله منهزمًا، حينما انهزم الناس، (فَقَالَ) أنس لسعد حين استقبله متقدّمًا إلى المشركين، ففي رواية البخاريّ: «ثمّ تقدّم، فاستقبله سعد بن معاذ، فقال: يا سعد بن معاذ الجنّة، وربّ النضر، إني أجد ريحها من دون أُحد». (وَاهًا لِرِيحِ الْجَنَّةِ) «واهًا» كلمة تحنّن، وتلهّف، قاله النوويّ ، وقال القرطبيّ: أي عَجَبًا منه، فهي هنا كلمة تعجّب، وقد تأتي للترحّم، والتلهّف، والاستهانة . وقال في «اللسان»: واه تلهّفٌ، وتلوّذٌ، وقيل: استطابة، ويُنَوَّنُ، فيقال: واهًا لفلانٍ، قال أَبو النجم [من الرجز]: وَاهًا لِرَيَّا ثُمَّ وَاهًا وَاهَا … يَا لَيْتَ عَيْناهَا لَنَا وَفَاهَا بِثَمَنٍ نُرْضِي بِهِ أَبَاهَا … فَاضَتْ دُمُوعُ الْعَيْنِ مِنْ جَرَّاها هِيَ الْمُنَى لَوْ أنَّنَا نِلْناها (أَجِدُهُ دُونَ أُحُدٍ) قال النوويّ - ﵀ -: محمول على ظاهره، وأن الله تعالى أوجد له ريحها من موضع المعركة، وقد ثبتت الأحاديث أن ريحها توجد من مسيرة خمسمائة عام. انتهى . وقال القرطبيّ - ﵀ -: ظاهره الحملُ على أنه وجده حقيقةً، كما جاء في الحديث الآخر: «إن ريح الجنّة يوجد على مسيرة خمسمائة عام». ويَحْتَمِل أن يكون قاله على معنى التمثيل؛ أي: إن القتل دون أُحد موجب لدخول الجنة، ولإدراك ريحها ونعيمها. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى أن الاحتمال الأول هو الحقّ، كما اقتصر عليه النوويّ؛ لأن نصوص الشرع إذا أمكن حَمْلها على ظاهرها لا يُعدل إلى غيره إلا لمانع، ولا مانع من ذلك هنا، فتبصّر، والله تعالى أعلم. وقال في «الفتح»: قوله: «إني أجد ريحها»؛ أي: ريح الجنة، «من دون أُحُد»، وفي رواية ثابت: «واهًا لريح الجنة، أجدها دون أُحد». قال ابن بطال، وغيره: يَحْتَمِل أن يكون على الحقيقة، وأنه وجد ريح الجنة حقيقةً، أو وَجَد ريحًا طيبةً، ذَكَّره طيبُها بطِيب ريح الجنة، ويجوز أن يكون أراد أنه استحضر الجنة التي أُعدّت للشهيد، فتصوّر أنها في ذلك الموضع الذي يقاتِل فيه، فيكون المعنى: إني لأعلم أن الجنة تُكتَسب في هذا الموضع، فأشتاق لها، وقوله:»واهًا«قاله إما تعجبًا، وإما تشوّقًا إليها، فكأنه لمّا ارتاح لها، واشتاق إليها، صارت له قُوّةُ من استنشقها حقيقةً. انتهى . قال الجامع: قد عرفت أن الحقّ حمل الحديث على ظاهره، فهو وَجَد ريح الجنّة حقيقةً، فتنبّه. [تنبيه]: زاد في رواية البخاريّ:»قال سعد: فما استطعتُ يا رسول الله ما صنع أنس«، وسعد هو ابن معاذ الذي استقبله. قال ابن بطال: يريد: ما استطعتُ أن أصف ما صنع أنس، من كثرة ما أغنى، وأبلى في المشركين. قال الحافظ: وقع عند يزيد بن هارون عن حُميد:»فقلت: أنا معك، فلم أستطع أن أصنع ما صنع»، وظاهره أنه نفى استطاعة إقدامه الذي صَدَر منه، حتى وقع له ما وقع، من الصبر على تلك الأهوال، بحيث وُجِد في جسده ما يزيد على الثمانين، من طعنة، وضربة، ورَمية، فاعترَفَ سعد بأنه لم يستطع أن يُقدم إقدامه، ولا يصنع صنيعه، وهذا أَولى مما تأوله ابن بطال. انتهى . (قَالَ) الراوي، وهو أنس بن مالك - ﵁ -، (فَقَاتَلَهُمْ)؛ أي: قاتل المشركين أنس بن النضر - ﵁ - (حَتَّى قُتِلَ) بالبناء للمفعول؛ أي: استُشهِد في تلك المعركة. قال القرطبيّ - ﵀ -: ظاهره أنه قاتَلهم وحده، فيكون فيه دليلٌ على جواز الاستقتال، بل على ندبيّته، كما تقدّم . (قَالَ) أنس بن مالك (فَوُجِدَ فِي جَسَدِهِ) ببناء الفعل للمفعول؛ أي: وُجد في جسد أنس بن النضر - ﵁ -، وللبخاريّ: «فوجدنا به»، وفي رواية: «قال أنس: فوجدناه بين القتلى، وبه. . .». (بِضْعٌ وَثَمَانُونَ) قال الفيّوميّ - ﵀ -: «البِضْعُ» في العدد بكسر الموحّدة، وبعضُ العرب يفتحها، واستعماله من الثلاثة إلى التسعة، وعن ثعلب من الأربعة إلى التسعة، يستوي فيه المذكر والمؤنث، فيقال: بِضْعُ رجال، وبِضْعُ نسوة، ويُستعمل أيضًا من ثلاثة عشر إلى تسعة عشر، لكن تثبت الهاء في بِضْعٍ مع المذكر، وتحذف مع المؤنث، كالنّيِّفِ، ولا يُستعمل فيما زاد على العشرين، وأجازه بعض المشايخ، فيقول: بِضْعَةٌ وعشرون رجلًا، وبِضْعٌ وعشرون امرأةً، وهكذا قاله أبو زيد، وقالوا على هذا: معنى البِضْعِ، والبِضْعَةِ في العدد قطعةٌ مُبْهَمَةٌ، غير محدودة. انتهى . قال الحافظ - ﵀ -: لم أر في شيء من الروايات بيان هذا الْبِضع، وقد تقدّم أنه ما بين الثلاث والتسع. انتهى . وقوله: (مِنْ بَيْنِ ضَرْبَةٍ) بالفتح المرّة من الضرب، (وَطَعْنَةٍ) بالفتح أيضًا: المرّة من الطعن، (وَرَمْيَةٍ) بالفتح أيضًا: المرّة من الرمي، وفي رواية البخاريّ: «قال أنس: فوجدنا به بضعًا وثمانين ضربةً بالسيف، أو طعنةً برمح، أو رَميةً بسهم»، قال في «الفتح»: «أو» هنا للتقسيم، ويَحْتَمِل أن تكون بمعنى الواو، وتفصيل مقدار كلّ واحدة من المذكورات غير معيّن. انتهى . زاد في رواية البخاريّ: «ووجدناه، قد قُتل، وقد مَثَلَ به المشركون»: قوله: وقد مَثل به بفتح الميم، والمثلثة، وتخفيفها، وقد تُشَدّد، وهو من المُثلة بضم الميم، وسكون المثلثة، وهو قطع الأعضاء، من أنف، وأذن، ونحوها . (قَالَ) أنس بن مالك (فَقَالَتْ أُخْتُهُ)؛ أي: أخت أنس بن النضر، وقوله: «فقالت. . . إلخ» هذا صريح في رواية أنس عن عمته الربَيِّع، قال الحافظ - ﵀ -: وقد أخَلّ صاحب «الأطراف»، فلم يترجم للربَيِّع بنت النضر. انتهى . وقوله: (عَمَّتِي) بدل من «أُخته»، وقوله: (الرُّبَيِّعُ) بضمّ الراء، وفتح الموحّدة، وتشديد التحتانيّة، مصغّرًا، (بِنْتُ النَّضْرِ) بن ضَمْضَم بن زيد بن حرام الأنصاريّة، أخت أنس بن النضر، وعمة أنس بن مالك، وهي من بني عديّ بن النجار، وهي والدة حارثة بن سُراقة الذي استُشهد في بدر، فقالت للنبيّ - ﷺ -: أخبرني عن حارثة، فإن يكن في الجنة صبرت، واحتسبت، وإن كان غير ذلك اجتهدت في البكاء، فقال لها النبيّ - ﷺ -: «إنه أصاب الفردوس. . .» الحديث. (فَمَا عَرَفْتُ أَخِي) أنسًا - ﵁ - (إِلَّا بِبَنَانِهِ) زاد في رواية النسائيّ: «وكان حسَنَ البنان»، والبنان: الأصابع، وقيل: طرف الأصابع، قال القرطبيّ: ومنه قوله تعالى: ﴿عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ [القيامة: ٤]. انتهى . وقال الفيّوميّ - ﵀ -: البَنَانُ: الأصابع، وقيل: أطرافها، الواحدة بنانة، قيل: سُمّيت بنَانًا؛ لأن بها صلاح الأحوال التي يستقرّ بها الإنسان؛ لأنه يقال: أَبَنَّ بالمكان: إذا استقرّ به. انتهى . (وَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ) وقوله: (﴿رِجَالٌ صَدَقُوا﴾) بدل من اسم الإشارة، و﴿رِجَالٌ﴾ مبتدأ مؤخّر، خبره قوله: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قبله. (﴿مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾) «من» في موضع رفع بالابتداء، وكذا قوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾ والخبر الجارّ والمجرور قبله، و«النحب»: النذر والعهد، يقال: نحب ينحُب، من باب نصر: إذا نذر، ومنه قول الشاعر [من الطويل]: إِذَا نَحَبَتْ كَلْبٌ عَلَى النَّاسِ إِنَّهُمْ … أَحَقُّ بِتَاجِ الْمَاجِدِ الْمُتَكَرِّمِ وقال آخر [من الطويل]: أَلَا تَسْأَلانِ المرءَ ماذا يُحاولُ … أنحبٌ فيُقضَى أم ضلالٌ وباطلُ وقال آخر: قَدْ نَحَبَ الْمَجْدُ عَلَيْنَا نَحْبَا وقيل: قضى أجله على ما عاهد عليه، قال ذُو الرمّة [من الطويل]: عَشِيَّةَ فَرَّ الْحَارِثيُّونَ بَعْدَمَا … قَضَى نَحْبَهُ فِي مُلْتَقَى الْجَيْشِ هَوْبَرُ والمعنى هنا: أي منهم من بذل جهده على الوفاء بعهده حتى قُتل، كأنس بن النضر، وحمزة بن عبد المطّلب، ومصعب بن عُمير، وغيرهم. (﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾)؛ أي: الوفاء بما نذر من الموت على ما عاهد عليه، فهو منتظر للشهادة في سبيل الله تعالى. (﴿وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾)؛ أي: استمرّوا على ما التزموا، ولم يقع منهم نقضٌ لِمَا أبرموا . وقوله: (قَالَ) قال القرطبيّ - ﵀ -: هذا القائل هو ثابتٌ، والله تعالى أعلم. قال الجامع عفا الله عنه: بل الظاهر أن القائل هو أنس - ﵁ -، فتأمله والله تعالى أعلم. (فَكَانُوا يُرَوْنَ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِيهِ وَفِي أَصْحَابِهِ) وفي رواية البخاريّ: «قال أنسٌ: كنا نرى أو نظنّ أن هذه الآية نزلت فيه، وفي أشباهه». قال في «الفتح»: قوله: «قال أنس: كنا نُرَى، أو نَظُنّ» شك من الراوي، وهما بمعنى واحد، وفي رواية أحمد، عن يزيد بن هارون، عن حميد: «فكنا نقول»، وكذا لعبد الله بن بكر، وفي رواية أحمد بن سنان، عن يزيد: «وكانوا يقولون»، أخرجه ابن أبي حاتم عنه، وكأن التردد فيه من حميد، ووقع في رواية ثابت: «وأُنزلت هذه الآية» بالجزم. انتهى . والمعنى: أن الصَّحابةَ - ﵃ - كانوا يظنّون أنَّ هذه الآية الكريمة نزلتْ في أنس بن النضر، وأصحابِهِ الذين استُشهدوا معه، قال القرطبيّ: وقد قيل: نزلت في السَّبعين الذين بايعوا النبيّ - ﷺ - على أن يمنعوه مما يمنعون منه نساءهم، وأبناءهم، فوفَّوا بذلك؛ قاله الكلبيُّ، وقد قيل غير هذا ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤١/ ٤٩١٠] (١٩٠٣)، و(البخاريّ) في «الجهاد» (٢٨٠٥) و«المغازي» (٤٠٤٨) و«التفسير» (٤٧٨٣)، و(الترمذيّ) في «التفسير» (٣٢٠٠)، و(النسائيّ) في «الكبرى» (٥/ ٧٩ و٦/ ٤٣١)، و(ابن المبارك) في «الجهاد» (١/ ٦٧)، و(الطيالسيّ) في «مسنده» (٢٠٤٤)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (١٤/ ٣٩٥)، و(أحمد) في «مسنده» (٣/ ١٩٤ و٢٠١ و٢٥٣)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٤٧٧٢ و٧٠٢٣)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٤/ ٣٢٥)، و(الطبريّ) في «التفسير» (٢١/ ١٤٦ - ١٤٧)، و(ابن أبي عاصم) في «الجهاد» (٢/ ٥٦٤)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٩/ ٤٣ - ٤٤) و«دلائل النبوّة» (٣/ ٢٤٤ - ٢٤٥)، و(البغويّ) في «التفسير» (٣/ ٥٢٠)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان جواز بذل النفس في الجهاد. ٢ - (ومنها): بيان فضل الوفاء بالعهد، ولو شقّ على النفس حتى يَصِل إلى إهلاكها. ٣ - (ومنها): أن طلب الشهادة في الجهاد لا يتناوله النهي عن إلقاء النفس إلى التهلكة. ٤ - (ومنها): بيان فضيلةٍ ظاهرةٍ لأنس بن النضر - ﵁ -، وبيان ما كان عليه من صحة الإيمان، وكثرة التوقي، والتورّع، وقوّة اليقين. ٥ - (ومنها): ما قاله الزين ابن الْمُنَيِّر - ﵀ -: من أبلغ الكلام، وأفصحه قول أنس بن النضر - ﵁ - في حقّ المسلمين: «أعتذر إليك»، وفي حقّ المشركين: «أبرأ إليك»، فأشار إلى أنه لم يرض الأمرين جميعًا مع تغايرهما في المعنى. انتهى ، والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
مصادر المؤلف (٣١)

١. «المفهم» ٣/ ٧٤١.

٢. «شرح النوويّ» ١٣/ ٤٧.

٣. وفي نسخة بإسقاط لفظة: «الذي».

٤. وفي نسخة: «ليرينّ الله».

٥. راجع: «القاموس المحيط» ص ٦٤٣، و«المصباح المنير» ١/ ٢٩١.

٦. «شرح النوويّ» ١٣/ ٤٨.

٧. «الفتح» ٧/ ٦٨، كتاب «الجهاد» رقم (٢٨٠٥).

٨. »المفهم«٣/ ٧٣٨.

٩. »شرح النوويّ«١٣/ ٤٨.

١٠. راجع:»المصباح المنير«١/ ٦.

١١. شرح النوويّ«١٣/ ٤٨.

١٢. »المفهم«٣/ ٧٣٩.

١٣. قوله:»عيناها«هو على لغة من يُلزم المثنى الألف في الأحوال كلّها.

١٤. »لسان العرب«١٣/ ٥٦٢.

١٥. »شرح النوويّ«١٣/ ٤٨.

١٦. »المفهم«٣/ ٧٣٩.

١٧. «الفتح» ٧/ ٦٨، كتاب «الجهاد» رقم (٢٨٠٥).

١٨. «الفتح» ٧/ ٦٨، كتاب «الجهاد» رقم (٢٨٠٥).

١٩. «المفهم» ٣/ ٧٣٩.

٢٠. «المصباح المنير» ١/ ٥٠ - ٥١.

٢١. «الفتح» ٧/ ٦٨، كتاب «الجهاد» رقم (٢٨٠٥).

٢٢. «الفتح» ٧/ ٦٨، كتاب «الجهاد» رقم (٢٨٠٥).

٢٣. «الفتح» ٧/ ٦٨، كتاب «الجهاد» رقم (٢٨٠٥).

٢٤. «الإصابة في تمييز الصحابة» ٧/ ٦٤٢.

٢٥. «المفهم» ٣/ ٧٣٩.

٢٦. «المصباح المنير» ١/ ٦٢.

٢٧. هو: هوبر بن يزيد الحارثيّ.

٢٨. «المفهم» ٣/ ٧٤٠.

٢٩. «الفتح» ٧/ ٦٨، كتاب «الجهاد» رقم (٢٨٠٥).

٣٠. «المفهم» ٣/ ٧٤٠.

٣١. «الفتح» ٧/ ٦٨، كتاب «الجهاد» رقم (٢٨٠٥).