HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٩٠٥

حدثنا يحيى بن حبيب الحارثي. حدثنا خالد بْنُ الْحَارِثِ. حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ. حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ يُوسُفَ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ. قَالَ: تَفَرَّقَ النَّاسُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. فَقَالَ لَهُ نَاتِلُ أَهْلِ الشَّامِ: أَيُّهَا الشَّيْخُ! حَدِّثْنَا حَدِيثًا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. قَالَ: نَعَمْ. سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ (إِنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يُقْضَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَيْهِ، رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ. فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا. قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: قَاتَلْتُ فِيكَ حَتَّى اسْتُشْهِدْتُ. قَالَ: كَذَبْتَ. وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ لِأَنْ يُقَالَ جَرِيءٌ. فَقَدْ قِيلَ. ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ. وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ وَعَلَّمَهُ وَقَرَأَ الْقُرْآنَ. فَأُتِيَ بِهِ. فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا. قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: تَعَلَّمْتُ الْعِلْمَ وَعَلَّمْتُهُ وَقَرَأْتُ فِيكَ الْقُرْآنَ. قَالَ: كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ الْعِلْمَ لِيُقَالَ عَالِمٌ. وَقَرَأْتَ الْقُرْآنَ لِيُقَالَ هُوَ قَارِئٌ. فَقَدْ قِيلَ. ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ. وَرَجُلٌ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَعْطَاهُ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ كُلِّهِ. فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا. قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلٍ تُحِبُّ أَنْ يُنْفَقَ فِيهَا إِلَّا أَنْفَقْتُ فِيهَا لَكَ. قَالَ: كَذَبْتَ. وَلَكِنَّكَ فَعَلْتَ لِيُقَالَ هُوَ جَوَادٌ. فَقَدْ قِيلَ. ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ. ثُمَّ أُلْقِيَ في النار).
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج6 ص47
ج ٣ ص ١٥١٣

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في مصدرين سنن النسائي, مسند أحمد
التحرير في شرح صحيح مسلم · قوام السنة الأصبهاني · ج١ ص٤٥٨
[٥٠٧] فيه حديث أبي هريرة ﵁: (فَقَالَ لَهُ نَاتِلُ؛ أَحَدٌ أَهلِ الشّامِ) :، وفي رواية: (أَخُو أَهْلِ الشّامِ) ؛ يقول: العرب: يا أخا العرب، أي: يا واحدًا من العرب، و(نَاتِلٌ): بالنون والتاء المعجمة بنقطتين من فوقها. في الحديث دلالة على فضيلة تعليم القرآن، ووعيد لمن تعلَّم وعلَّم رياءً. * * *
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣٢ ص٥٧٠
(٤٣) - (بَابٌ مَنْ قَاتَلَ لِلرِّيَاءِ، وَالسُّمْعَةِ، اسْتَحَقَّ النَّارَ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٤٩١٥] (١٩٠٥) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، قَالَ: تَفَرَّقَ النَّاسُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَقَالَ لَهُ نَاتِلُ أَهْلِ الشَّامِ: أَيُّهَا الشَّيْخُ حَدِّثْنَا حَدِيثًا سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، قَالَ: نَعَمْ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «إنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يُقْضَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَيْهِ، رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ، فَأُتِيَ بِهِ، فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ ، فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: قَاتَلْتُ فِيكَ حَتَّى اسْتُشْهِدْتُ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ؛ لأَنْ يُقَالَ: جَرِيءٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ، فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ، حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ، وَعَلَّمَهُ، وَقَرَأَ الْقُرْآنَ، فَأُتِيَ بِهِ، فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ، فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: تَعَلَّمْتُ الْعِلْمَ، وَعَلَّمْتُهُ، وَقَرَأْتُ فِيكَ الْقُرْآنَ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ الْعِلْمَ؛ لِيُقَالَ: عَالِمٌ، وَقَرَأْتَ الْقُرْآنَ؛ لِيُقَالَ: هُوَ قَارِئٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ، فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ، حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ وَسَّعَ اللهُ عَلَيْهِ، وَأَعْطَاهُ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ كُلِّهِ، فَأُتِيَ بِهِ، فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ، فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلٍ تُحِبُّ أَنْ يُنْفَقَ فِيهَا، إِلَّا أَنْفَقْتُ فِيهَا لَكَ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ فَعَلْتَ؛ لِيُقَالَ: هُوَ جَوَادٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ، فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ، ثُمَّ أُلْقِيَ فِي النَّارِ»). رجال هذا الإسناد: ستّةٌ: ١ - (يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِيُّ) البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٨) أو بعدها (م ٤) تقدّم في«الإيمان»١٤/ ١٦٥. ٢ - (خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ) بن عُبيد بن سُليم الْهُجيميّ، أبو عثمان البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٦) (ع) تقدّم في«الإيمان»٣٥/ ٢٤٣. ٣ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج الأمويّ مولاهم، أبو خالد، وأبو الوليد المكيّ، ثقةٌ فقيهٌ فاضلٌ، لكنه يُدلّس [٦] (ت ١٥٠) أو بعدها (ع) تقدّم في«الإيمان»٦/ ١٢٩. ٤ - (يُونُسُ بْنُ يُوسُفَ) بن حِمَاس بن عَمرو الليثيّ المدنيّ، ثقةٌ عابدٌ [٦] وقال ابن حبّان: هو يوسف بن يونس، ووهِمَ من قَلَبه (م س ق) تقدّم في«الحج»٧٦/ ٣٢٨٩. ٥ - (سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ) الهلاليّ المدنيّ، مولى ميمونة، وقيل: أم سلمة، ثقةٌ فقيهٌ فاضل، من كبار [٣] مات بعد المائة، وقيل: قبلها (ع) تقدّم في«شرح المقدّمة»جـ ٢ ص ٤٨٩. ٦ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) - ﵁ - تقدّم في«المقدمة»٢/ ٤. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُداسيّات المصنّف - ﵀ -، وأن فيه أبا هريرة - ﵁ - رأس المكثرين السبعة، وفيه سليمان بن يسار أحد الفقهاء السبعة المشهورين بالمدينة، وقد جمعهم الحافظ العراقيّ في«ألفيّته» بقوله: وَفِي الْكِبَارِ الْفُقَهَاءُ السَّبْعَةُ … خَارِجَةُ الْقَاسِمُ ثُمَّ عُرْوَةُ ثُمَّ سُلَيْمَانُ عُبَيْدُ اللهِ … سَعِيدُ وَالسَّابِعُ ذُو اشْتِبَاهِ إِمَّا أَبُو سَلَمَةٍ أَوْ سَالِمُ … أَوْ فَأَبُو بَكْرٍ خِلَافٌ قَائِمُ شرح الحديث: (عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ) أبي أيوب المدنيّ، أخي عطاء بن يسار، أنه (قَالَ: تَفَرَّقَ النَّاسُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - ﵁ -؛ أي: تفرّقوا بعد اجتماعهم عنده ليسمعوا أحاديثه، (فَقَالَ لَهُ نَاتِلُ أَهْلِ الشَّامِ) هو ناتل - بالنون في أوّله، وبعد الألف تاء مثنّاة فوق - ابن قيس الْجُذَاميّ الشاميّ، من أهل فلسطين، وهو تابعيّ، وكان أبوه صحابيًّا، وكان ناتل كبير قومه، قاله النوويّ . وقال في «التقريب»: ناتل - بمثنّاة - ابن قيس الشاميّ الْفِلَسطينيّ، أحد الأمراء لمعاوية، وولده، من الثالثة، قُتل سنة (٦٦ هـ). وقال في «تهذيب التهذيب»: ناتل بن قيس بن زيد بن حياء بن امرئ القيس الْجُذاميّ، من أهل فِلسطين، يقال له: ناتلٌ أخو أهل الشام، وكان أبوه قيس ممن وَفَد على رسول الله - ﷺ -، وكان ناتلٌ مع معاوية في صِفِّين، وكان من سادات أهل الشام، قاله ابن سعد، وقال ابن معين: ما أعلمه رُويَ عنه شيءٌ، وقال خليفة بن خيّاط: مات يزيد بن معاوية، وعلى الأردنّ حسان بن مالك، وعلى فِلسطين رَوْح بن زِنباع، فأخرج ناتل بن قيس روح بن زنباع، ودعا إلى ابن الزبير، وقال أبو أحمد العسكريّ: وأما ناتل، فهو من سادات جُذام بالشام، خرج على عبد الملك بن مروان، فبعث إليه عبد الملك عمرو بن سعيد، فقتله، وحُكي عن الليث أنه قُتل سنة ست وستين . قال الجامع: قد تبيّن بما ذُكر أن ناتلًا عَلَم، فتكون إضافته إلى الشام على مذهب من يُجيز إضافة الأعلام للتخصيص، كما في قوله: عَلَا زَيْدُنَا يَوْمَ النَّقَا رَأْسَ زَيْدِكُمْ … بِأَبْيَضَ مِنْ مَاءِ الْحَدِيدِ يَمَانِي وأشار في هامش النسخة الهنديّة بأنه يوجد في بعض النسخ: «ناتلٌ أحدُ أهل الشام»، وعلى هذا فلا إضافة، و«أحدُ» صفة لـ «ناتلٌ»، فلا إشكال فيه. وأما ما ذكره في «التهذيبين» بأنه وقع عند النسائيّ «ناتلٌ أخو أهل الشام»، فلم أره عند النسائيّ، وإنما هو في «المستدرك» للحاكم، و«تهذيب الآثار» للطبريّ، و«التاريخ الكبير» للبخاريّ، و«الحلية» لأبي نعيم، فتنبّه، والله تعالى أعلم. (أَيُّهَا الشَّيْخُ حَدِّثْنَا حَدِيثًا سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، قَالَ) أبو هريرة - ﵁ - (نَعَمْ) أحدّثك به، (سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «إِنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يُقْضَى) بالبناء للمفعول (يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَيْهِ، رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ) بالبناء للمفعول أيضًا؛ أي: قُتل في مواجهة العدوّ، وفي رواية النسائيّ: «أَوَّلُ النَّاس يُقْضَى لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ثَلَاثَةٌ»، والمراد: ثلاثة أصناف، لا ثلاثة أشخاص. وقال القرطبيّ - ﵀ -: قوله: «إن أول الناس يُقضى عليه. . . إلخ» هذا يخالفُه قوله: «أول ما يحاسب به العبد المسلم من عمله صلاته. . .» الحديث، وقوله: «أول ما يُقْضَى فيه بين الناس في الدِّماء» قد يسبق إلى الوَهَم أن هذه الأحاديثَ متعارضة من حيث الأولية المذكورة في كل حديث منها؛ وليس كذلك؛ فإنه إنَّما كان يلزم ذلك لو أريد بكل أوّلٍ منها أنه أوَّلٌ بالنسبة إلى كل ما يُسأل عنه، ويقضى فيه، وليس في شيءٍ من تلك الأحاديث ما ينصُّ على ذلك، وإنما أراد - والله أعلم - أن كل واحد من تلك الأوليات أوَّلٌ بالنسبة إلى ما في بابه، فأول ما يحاسبُ به من أركان الإسلام الصلاة، وأول ما يحاسب به من المظالم الدِّماء، وأول ما يحاسب به مما ينتشر فيه صِيتُ فاعله تلك الأمور، وهذا أوَّلُ ما يقاربه ويناسبه، وهكذا تَعْتَبِر كل ما يَرِدُ عليك من هذا الباب، والله تعالى أعلم. انتهى كلام القرطبيّ - ﵀ - ، وهو بحث نفيسٌ، والله تعالى أعلم. (فَأُتِيَ بِهِ) بالبناء للمفعول أيضًا، (فَعَرَّفَهُ) بتشديد الراء، من التعريف، (نِعَمَهُ) وفي بعض النسخ: «نعمته» بالإفراد؛ أي: عرّفه الله - ﷿ - النعم التي أنعم بها عليه، والظاهر أن المراد: النعم التي تتعلّق بالجهاد، من تيسير أسبابه، وصحّة جسده، ونحو ذلك، يدلّ على ذلك جوابه لَمّا سأله ما عملت فيها؟ قال: «قاتلت فيك. . . إلخ». (فَعَرَفَهَا) بتخفيف الراء: أي عرف ذلك الرجل تلك النعم، (قَالَ) الله تعالى (فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟) «ما» استفهاميّة؛ أي: أيَّ شيء عَمِلت بتلك النعم؟ (قَالَ) الرجل (قَاتَلْتُ فِيكَ)؛ أي: في طلب مرضاتك، ورجاء مثوبتك (حَتَّى اسْتُشْهِدْتُ) بالبناء للمفعول؛ أي: حتى قُتلتُ شهيدًا صورةً في اعتقاد الناس، وإلا فليس شهيدًا حقيقةً. (قَالَ) الله تعالى الذي يعلم السرّ وأخفى لَمّا علم سوء نيته، وخُبث طويّته؛ ردًّا عليه دعواه الاستشهاد في مرضاته، (كَذَبْتَ) بتخفيف الذال المعجمة؛ أي: كَذَبت في دعواك أنك استُشهدت فيّ، وزاد في رواية الترمذيّ الآتية في المواضع الثلاثة: «وتقول له الملائكة: كذبتَ». (وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ؛ لأَنْ يُقَالَ)؛ أي: ليتحدّث الناس، ويقولوا فلانٌ (جَرِيءٌ) بالهمز، فعيلٌ بمعنى فاعل، من جرُؤَ جَرَاءة، كشَجُعَ شَجَاعَةً وزنًا ومعنًى، وقال القرطبيّ: الجريء بالهمز: هو الْمِقدام على الشيء، لا ينثني عنه، وإن كان هائلًا، مأخوذ من الجرأة. انتهى ؛ أي: قاتلت ليقول الناس: إنك شُجاع، (فَقَدْ قِيلَ)؛ أي: قال الناس ذلك، واستوفيتَ ما طلبتَ، فلا أجر لك عندي، وهذا مبنيّ على أن العادة حصول هذا القول، وإلا فحَبَطُ العمل لا يتوقّف على هذا القول، بل يكفي فيه أن ينوي الرياء، والله تعالى أعلم. (ثُمَّ أُمِرَ بِهِ، فَسُحِبَ)؛ أي: جُرّ (عَلَى وَجْهِهِ، حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ) ببناء الأفعال الثلاثة للمفعول؛ أي: ثم بعد أن قال الله تعالى له: إن ما كنت تطلبه من الناس قد حصل لك، أمر ملائكته أن يدخلوه النار، جزاءَ سوء فعله، فسحبوه؛ أي: جرّوه إلى أن قذفوه في النار. ثم ذكر الرجل الثاني من الثلاثة الذين هم أول من يُقضى عليه، بقوله: (وَرَجُلٌ)؛ أي: الثاني رجلٌ (تَعَلَّمَ الْعِلْمَ) لنفسه (وَعَلَّمَهُ) الناسَ (وَقَرَأَ الْقُرْآنَ، فَأُتِيَ بِهِ) بالبناء للمفعول، (فَعَرَّفَهُ) بتشديد الراء، (نِعَمَهُ، فَعَرَفَهَا) بتخفيف الراء. (قَالَ) الله تعالى (فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: تَعَلَّمْتُ الْعِلْمَ، وَعَلَّمْتُهُ) ابتغاء وجهك (وَقَرَأْتُ فِيكَ الْقُرْآنَ، قَالَ) الله تعالى (كَذَبْتَ) بتخفيف الذال، وفي رواية الترمذيّ: «وتقول الملائكة: كذبتَ»، (وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ الْعِلْمَ؛ لِيُقَالَ: عَالِمٌ) خبر لمحذوف؛ أي: هو، أو أنت، (وَقَرَأْتَ الْقُرْآنَ؛ لِيُقَالَ: هُوَ قَارِئٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ، فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ، حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ) ببناء الأفعال الثلاثة للمفعول، كما تقدّم. ثم ذكر الثالث ممن يُقضى عليه أول الناس، بقوله: (وَرَجُلٌ)؛ أي: والثالث رجلٌ (وَسَّعَ اللهُ عَلَيْهِ) بتشديد السين المهملة، من التوسيع، (وَأَعْطَاهُ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ كُلِّهِ) بيان وتوضيح لمعنى التوسيع، (فَأُتِيَ بِهِ) بالبناء للمفعول، (فَعَرَّفَهُ) من التعريف، (نِعَمَهُ، فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلٍ تُحِبُّ أَنْ يُنْفَقَ فِيهَا) بالبناء للمفعول، (إِلَّا أَنْفَقْتُ فِيهَا لَكَ)؛ أي: في تلك السبيل؛ لابتغاء مرضاتك، وطلب مثوبتك، و«السبيل»: الطريق، يُذكّر، ويؤنّث، قال ابن السّكّيت: والجمع على التأنيث: سُبُولٌ، كما قالوا: عُنُوق، وعلى التذكير: سُبُلٌ، وسُبْلٌ . (قَالَ) الله تعالى (كَذَبْتَ) بالتخفيف، وفي رواية الترمذيّ: «وقالت الملائكة: كَذَبْتَ»، (وَلَكِنَّكَ فَعَلْتَ)؛ أي: لكن أنفقت (لِيُقَالَ)؛ أي: ليقول الناس (هُوَ جَوَادٌ) بفتح الجيم، وتخفيف الواو: هو الكثير العطاء، والجُود: الكرم . (فَقَدْ قِيلَ)؛ أي: تحدّث الناس بذلك، كما أردت (ثُمَّ أُمِرَ بِهِ، فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ، ثُمَّ أُلْقِيَ) ببناء الأفعال الثلاثة للمفعول، كما تقدّم، وفي بعض النسخ: «فألقي» (فِي النَّارِ«) زاد في رواية الترمذيّ:»ثم ضرب رسول الله - ﷺ - على ركبتي، فقال: يا أبا هريرة أولئك الثلاثة أول خلق الله تُسْعَر بهم النار يوم القيامة«. [تنبيه]: حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا ساقه الترمذيّ - ﵀ - في«جامعه» مطوّلًا، فقال: (٢٣٨٢) - حدثنا سويد بن نصر، أخبرنا عبد الله بن المبارك، أخبرنا حَيْوَة بن شُرَيح، أخبرني الوليد بن أبي الوليد، أبو عثمان المدائنيّ، أن عقبة بن مسلم حدّثه، أن شُفَيًّا الأَصْبَحِيَّ، حدّثه، أنه دخل المدينة، فإذا هو برجل، قد اجتمع عليه الناس، فقال: من هذا؟ فقالوا: أبو هريرة، فدنوت منه، حتى قعدت بين يديه، وهو يحدّث الناس، فلما سكت، وخلا، قلت له: أنشدك بِحَقِّ وبِحَقِّ لَمَا حدّثتني حديثًا سمعته من رسول الله - ﷺ -، عَقَلْتَهَ وعَلِمته، فقال أبو هريرة: أَفْعَلُ، لأُحدّثَنَّك حديثًا، حدّثنيه رسول الله - ﷺ -، عَقَلته وعَلِمته، ثم نَشَغَ أبو هريرة، نَشْغَةً، فمكث قليلا، ثم أفاق، فقال: لأحدّثنك حديثًا، حدثنيه رسول الله - ﷺ -، في هذا البيت، ما معنا أحد غيري وغيره، ثم نَشَغَ أبو هريرة، نَشْغَةً أخرى، ثم أفاق، فمسح وجهه، فقال: لأحدثّنك حديثًا، حدثنيه رسول الله - ﷺ -، وأنا وهو في هذا البيت، ما معنا أحد غيري وغيره، ثم نَشَغ أبو هريرة نَشْغة أخرى، ثم أفاق، ومسح وجهه، فقال: أفعل، لأحدثّنك حديثًا، حدثنيه رسول الله - ﷺ -، وأنا معه في هذا البيت، ما معه أحد غيري وغيره، ثم نشغ أبو هريرة نشغة شديدة، ثم مال خَارًّا على وجهه، فأسندته عليّ طويلًا، ثم أفاق، فقال: حدثني رسول الله - ﷺ -: «أن الله ﵎، إذا كان يومُ القيامة، ينزل إلى العباد، ليقضي بينهم، وكلُّ أمة جاثية، فأول من يدعو به، رجل جمع القرآن، ورجل يَقتَتِل في سبيل الله، ورجل كثير المال، فيقول الله للقارئ: ألم أعلمك ما أنزلت على رسولي، قال: بلى يا رب، قال: فماذا عملت فيما علمت؟، قال: كنت أقوم به آناء الليل، وآناء النهار، فيقول الله - ﷿ - له: كَذَبْتَ، وتقول له الملائكة: كذبت، ويقول الله: بل أردت أن يقال: إن فلانًا قارئ، فقد قيل ذاك، ويُؤْتَى بصاحب المال، فيقول الله له: ألم أُوَسِّعْ عليك، حتى لم أَدَعْكَ تحتاج إلى أحد؟، قال: بلى يا رب، قال: فماذا عملت فيما آتيتك؟ قال: كنت أَصِلُ الرحم، وأتصدق، فيقول الله له: كذبتَ، وتقول له الملائكة: كذبتَ، ويقول الله تعالى: بل أردت أن يقال: فلان جواد، فقد قيل ذاك، ويُؤتَى بالذي قُتِلَ في سبيل الله، فيقول الله له: فيماذا قُتلتَ؟ فيقول: أَمَرْتَ بالجهاد في سبيلك، فقاتلت، حتى قُتلتُ، فيقول الله تعالى له: كذبت، وتقول له الملائكة: كذبتَ ويقول الله: بل أردت أن يقال: فلان جَرِيءٌ، فقد قيل ذاك، ثم ضَرَبَ رسولُ الله - ﷺ - على ركبتي، فقال: يا أبا هريرة، أولئك الثلاثة، أول خلق الله، تُسْعَرُ بهم النارُ يوم القيامة». وقال الوليد، أبو عثمان: فأخبرني عقبة بن مسلم، أن شُفَيًّا، هو الذي دَخَل على معاوية، فأخبره بهذا، قال أبو عثمان: وحدّثني العلاء بن أبي حكيم، أنه كان سَيّافًا لمعاوية، فدخل عليه رجل، فأخبره بهذا، عن أبي هريرة، فقال معاوية: قد فُعِلَ بهؤلاء هذا، فكيف بمن بقي من الناس؟ ثم بَكَى معاوية بكاء شديدًا، حتى ظننا أنه هالك، وقلنا: قد جاءنا هذا الرجل بشرّ، ثم أفاق معاوية، ومسح عن وجهه، وقال: صدق الله ورسوله: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٦)﴾ [هود: ١٥، ١٦]. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب. انتهى. وصححه ابن خُزيمة، وابن حبّان. قال الجامع عفا الله عنه: الظاهر أن رواية الترمذيّ غير رواية مسلم، فالواقعتان مختلفتان؛ إذ السائل في رواية مسلم هو ناتل الشاميّ، وأما في رواية الترمذي، فهو شُفيّ الأصبحيّ، ويَحتَمِل أن تكونا متّحدتين، لكن الأول هو الظاهر، فتأمل، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا من أفراد المصنّف - ﵀ -. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٣/ ٤٩١٥ و٤٩١٦] (١٩٠٥)، و(الترمذيّ) في «الزهد» (٢٣٨٢)، و(النسائيّ) في «الجهاد» (٦/ ٢٣) و«الكبرى» (٥/ ٣٠ و٦/ ٤٧٧)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٣٢١)، و(الحاكم) في «المستدرك» (٢/ ١٢٠)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٤/ ٤٨٩)، و(الطبريّ) في «تهذيب الآثار» (٢/ ٧٩٢)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان وعيد من قاتل ليُقال: فلان جريء. ٢ - (ومنها): أن فيه دليلًا على تغليظ تحريم الرياء، وشدّة عقوبته. ٣ - (ومنها): الحثّ على لزوم الإخلاص في الأعمال، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ [البينة: ٥]. ٤ - (ومنها): بيان أن العمومات الواردة في فضل الجهاد في سبيل الله تعالى، إنما هي لمن أراد به وجه الله تعالى. ٥ - (ومنها): أن الثناء الوارد على العلماء والمنفقين في وجوه الخيرات كله محمول على من فعل ذلك كله ابتغاء وجه الله تعالى، مخلصًا، لا يشوبه شيء من الرياء والسمعة، ونحو ذلك، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: إنما كان هؤلاء الثلاثة أول خلق الله تعالى تُسعر بهم النار - والله تعالى أعلم - لكون هذه العبادات رفيعةَ القدر عند الله تعالى، فإنه لا يخفى تنويه الله تعالى في محكم كتابه، بفضل الجهاد، ورفع منزلة العلماء، على سائر الناس، وتخصيص المنفقين في سبيله بالدرجات العلى، فلمّا لم يَبتغ أصحابها بها وجه الله تعالى الذي عظّم شأنها، ورَفَع قدْرها، والذي يُجازي عليها بما لا عين رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر، بل طلبوا بها العاجل، وآثروا الفاني على الباقي، جازاهم الله تعالى بأن جعلهم أول من تُسعر بهم النار؛ إذ العقاب على قَدْر عِظَمِ الْجُرْم، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٤٩١٦] (. . .) - (وَحَدَّثَنَاهُ عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ، أَخْبَرَنَا الْحَجَّاجُ - يَعْنِي: ابْنَ مُحَمَّدٍ - عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، قَالَ: تَفَرَّجَ النَّاسُ عَنْ أَبِي هرَيْرَةَ، فَقَالَ لَهُ نَاتِلٌ الشَّامِيُّ ، وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ، بِمِثْلِ حَدِيثِ خَالِدِ بْنِ الْحَارِثِ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ) المروزيّ، ثقةٌ، من صغار [١٠] (ت ٢٥٧) أو بعدها، وقد قارب المائة (م ت س) تقدّم في «المقدمة» ٤/ ٢٥. ٢ - (الْحَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ) الْمِصِّيصيّ الأعور، أبو محمد الترمذيّ الأصل، نزيل بغداد، ثمّ المصّيصة، ثقةٌ ثبتٌ، اختلط بآخره [٩] (ت ٢٠٦) (ع) تقدّم في «المقدمة» ٦/ ٩٤. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (نَاتِلٌ الشَّامِيُّ) وفي بعض النسخ: «ناتلُ الشام» بالإضافة، وقد تقدّم توجيهه.
مصادر المؤلف (١٣)

١. وفي نسخة:«حدّثني».

٢. وفي نسخة:«نعمته»في الموضعين.

٣. وفي نسخة:«فأُلقيَ».

٤. بكسر الحاء المهملة، وتخفيف الميم، آخره سين مهملة.

٥. «شرح النوويّ ١٣/ ٥٠.

٦. «تهذيب التهذيب» ٤/ ٢٠٣، و«تهذيب الكمال» ٢٩/ ٢٥٢.

٧. راجع: «لسان العرب» ٣/ ٣٠٠.

٨. وفي نسخة: «حدّثني».

٩. «المفهم» ٣/ ٧٤٦ - ٧٤٧.

١٠. «المفهم» ٣/ ٧٤٧.

١١. «المصباح المنير» ١/ ٢٦٥.

١٢. «المفهم» ٣/ ٧٤٧.

١٣. وفي نسخة: «ناتل الشام».