HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٩١٤

حَدَّثَنَا يَحْيَي بْنُ يَحْيَي. قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ سُمَيٍّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ (بَيْنَمَا رَجُلٌ، يَمْشِي بِطَرِيقٍ، وَجَدَ غُصْنَ شَوْكٍ عَلَى الطَّرِيقِ. فَأَخَّرَهُ. فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ. فَغَفَرَ لَهُ). وَقَالَ (الشُّهَدَاءُ خَمْسَةٌ: الْمَطْعُونُ، وَالْمَبْطُونُ، وَالْغَرِقُ، وَصَاحِبُ الْهَدْمِ، وَالشَّهِيدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﷿).
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج6 ص51
ج ٣ ص ١٥٢١

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٤ مصادر سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, صحيح البخاري, مسند أحمد
التحرير في شرح صحيح مسلم · قوام السنة الأصبهاني · ج١ ص٤٦٠
[٥١٣] وفي حديث أبي هريرة ﵁: (المَطعُونُ، وَالمَبْطُونُ، وَالغَرقُ، وَصَاحِبُ الهَدم، وَالشَّهِيدُ فِي سَبيل الله) ؛ المَطْعُونُ: الذي أصابه الطَّاعون، والمَبْطُونُ: الذي أصابه علَّةُ البطن. * * *
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣٢ ص٧٠٠
(٥١) - (بَابُ بَيَانِ الشُّهَدَاءِ) «الشُّهَداء»: جمع شهيد، قال الفيّوميّ - ﵀ -: هو: من قَتَله الكفّار في المعركة، فَعِيلٌ بمعنى مفعول؛ لأن ملائكة الرحمة شَهِدت غَسله، أو شَهِدت نَقْل روحه إلى الجنّة، أو لأن الله شَهِد له بالجنّة. انتهى. وقال في «الفتح»: اختُلِف في سبب تسمية الشهيد شهيدًا، فقال النضر بن شُميل: لأنه حَيٌّ، فكأن أرواحهم شاهدةٌ؛ أي: حاضرة، وقال ابن الأنباريّ: لأن الله، وملائكته يشهدون له بالجنة، وقيل: لأنه يَشْهَد عند خروج روحه ما أُعِدّ له من الكرامة، وقيل: لأنه يُشهد له بالأمان من النار، وقيل: لأن عليه شاهدًا بكونه شهيدًا، وقيل: لأنه لا يشهده عند موته إلا ملائكة الرحمة، وقيل: لأنه الذي يَشهد يوم القيامة بإبلاع الرسل، وقيل: لأن الملائكة تشهد له بحسن الخاتمة، وقيل: لأن الأنبياء تشهد له بحسن الاتّباع، وقيل: لأن الله يشهد له بحسن نيّته، وإخلاصه، وقيل: لأنه يشاهد الملائكة عند احتضاره، وقيل: لأنه يشاهد الملكوت من دار الدنيا ودار الآخرة، وقيل: لأنه مشهود له بالأمان من النار، وقيل: لأن عليه علامةً شاهدةً بأنه قد نجا. قال: وبعض هذه يَختص بمن قُتل في سبيل الله، وبعضها يعمّ غيره، وبعضها قد يُنازَع فيه. انتهى . وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٤٩٣٢] (١٩١٤) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ سُمَيٍّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ وَجَدَ غُصْنَ شَوْكٍ عَلَى الطَّرِيقِ، فَأَخَّرَهُ، فَشَكَرَ اللهُ لَهُ، فَغَفَرَ لَهُ»، وَقَالَ: «الشُهَدَاءُ خَمْسَةٌ: الْمَطْعُونُ، وَالْمَبْطُونُ، وَالْغَرِقُ، وَصَاحِبُ الْهَدْمِ، وَالشَّهِيدُ فِي سَبِيلِ اللهِ - ﷿ -»). رجال هذا الإسناد: خمسة: وكلّهم تقدّموا في الباب الماضي، وقبله بباب. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان السّمّان الزّيّات (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - ﵁ - (أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «بَيْنَمَا) تقدّم أن أصلها»بَيْنَ«، فأُشبعت الفتحة، فصارت ألفًا، وزيدت فيه الميم، فصارت»بينما«، ويقال أيضًا:»بينا«بدون الميم، وهما ظرفا زمان، بمعنى المفاجأة، ويضافان إلى جملة من فعل وفاعل، ومبتدأ وخبر - وهو قوله:»رجلٌ يمشي«- ويحتاجان إلى جواب يتم به المعنى، وهو قوله:»وَجَد. . . إلخ« . وقوله: (رَجُلٌ) مبتدأ سوّغه وَصْفه بقوله: (يَمْشِي بِطَرِيقٍ وَجَدَ غُصْنَ شَوْكٍ) - بضمّ الغين المعجمة، وسكون الصاد المهملة - هو: ما تشعّب من ساق الشجر، دِقاقها، وغِلاظها، والصغيرة: بِهاء، وجمعه غُصُونٌ، وَغِصَنة - بكسر، ففتح - وأغصان، قاله المجد - ﵀ - . (عَلَى الطَّرِيقِ، فَأَخَّرَهُ)؛ أي: أبعده عن الطريق؛ لئلا يؤذي مسلِمًا، (فَشَكَرَ اللهُ لَهُ)؛ أي: أثنى عليه، يقال: شكرته، وشكرت له بمعنى واحد ، وقال المجد - ﵀ -: «الشُّكْرُ» بالضمّ: عِرْفان الإحسان، ونشرُهُ، أو لا يكون إلا عن يَدٍ، ومن الله تعالى الْمُجَازاة، والثناء الجميل، شَكَره، وله، شُكْرًا، وشُكُورًا، وشُكْرانًا، وشكر اللهَ، ولله، وبالله، ونِعمةَ الله، وبها. انتهى . وقال الفيّوميّ - ﵀ -: شَكَرتُ للهِ: اعترفتُ بنِعَمه، وفعلتُ ما يجب من فِعل الطاعة، وتَرْك المعصية، ولهذا يكون الشكر بالقول والعمل، ويتعدّى في الأكثر باللام، فيقال: شكرت له شُكرًا، وشُكرانًا، وربّما تعدّى بنفسه، فيقال: شكرته، وأنكره الأصمعيّ، في السَّعَةِ، وقال: بابه الشِّعر، وقول الناس في القنوت: «نشكرك، ولا نكفرك» لم يثبُت في الرواية المنقولة عن عمر - ﵁ -، على أن له وجهًا، وهو الازدواج، وتشكّرت له مثلُ شكَرتُ له. انتهى . (فَغَفَرَ لَهُ») بالبناء للفاعل، وفي رواية لابن حبّان:«حُوسب رجل ممن كان قبلكم، فلم يوجد له من الخير إلا غُصن شوك كان على الطريق، كان يؤذي الناس، فعزله، فغُفر له»، وفي رواية له:«غُفر لرجل أخذ غُصن شوك عن طريق الناس ما تقدّم من ذنبه، وما تأخّر». قال النوويّ - ﵀ -: وفيه فضيلة إماطة الأذى عن الطريق، وهو كلُّ مُؤْذٍ، وهذه الإماطة أدنى شُعَب الإيمان، كما سبق الحديث في ذلك في«كتاب الإيمان». وقوله: (وَقَالَ - ﷺ -:«الشُّهَدَاءُ خَمْسَةٌ) هكذا بالهاء، وهو الأصل، لكن هذا إذا كان المميَّز مذكورًا بعد العدد، وأما إذا لم يكن مذكورًا كما هنا جاز الأمران، ووقع في رواية أبي ذرّ، عن الحمويّ عند البخاريّ بلفظ: »خمس«، وفي رواية الباقين: »خمسة«. وقال الطيبيّ - ﵀ -: فإن قلت: «خمسة» خبر المبتدأ، والمعدود هذا بيان له، فكيف يصحّ قوله في الخامس: «والشهيد في سبيل الله - ﷿ -»، فإن فيه حمل الشيء على نفسه، فكأنه قال: الشهيد هو الشهيد؟. أجيب بأنه من باب: أَنَا أَبُو النَّجْمِ وَشِعْرِي شِعْرِي وقال الكرمانيّ: الأَولى أن يقال: المراد بالشهيد: القتيل، فكأنه قال: الشهداء كذا، وكذا، والقتيل في سبيل الله. انتهى . وقال في «الفتح» بعد ذكر نحو ما تقدّم: ويَحْتَمل أن يكون المراد بالشهيد في سبيل الله: المقتول، فكأنه قال: والمقتولُ، فعبَّر عنه بالشهيد، ويؤيده قوله في رواية جابر بن عَتِيك: «الشهداء سبعة، سوى القتيل في سبيل الله»، ويجوز أن يكون لفظ «الشهيد» مكرّرًا في كل واحد منها، فيكون من التفصيل بعد الإجمال، والتقدير: الشهداء خمسة: الشهيد كذا، والشهيد كذا إلى آخره. انتهى . [تنبيه]: قوله: «الشهداء خمسة» هذا الجزء من الحديث لا مناسَبة له لِمَا قبله، وإنما ساقه المصنّف - ﵀ - مساقًا واحدًا؛ لأنه سمعه من شيخه كذلك، فلم ير أن يتصرّف فيه، والله تعالى أعلم. (الْمَطْعُونُ) هو الذي يموت في الطاعون، وهو الوباء، كما فُسّر في الرواية الآتية: «الطاعون شهادة لكلّ مسلم»، ولم يُرِد المطعون بالسِّنان؛ لأنه المقتول في سبيل الله المذكور من جملة الخمسة ، وسيأتي بيان اختلاف العلماء في معنى الطاعون في المسألة الرابعة - إن شاء الله تعالى -. (وَالْمَبْطُونُ) هو صاحب داء البطن، وهو الإسهال، قال القاضي عياض: وقيل: هو الذي به الاستسقاء، وانتفاخ البطن، وقيل: هو الذي تشتكي بطنه، وقيل: هو الذي يموت بداء بطنه مطلقًا. (وَالْغَرِقُ) - بفتح الغين المعجمة، وكسر الراء بغير ياء -، كحَذِرٍ: هو الذي يموت غَرَقًا في الماء، قال القرطبيّ: ويُروَى غَرِيق بالياء، وهو للمبالغة، كعليم. (وَصَاحِبُ الْهَدْمِ) - بفتح، فسكون - أي: الذي ينهدم عليه البيت، أو نحوه، فيموت تحت الهدم. (وَالشَّهِيدُ فِي سَبِيلِ اللهِ - ﷿ -»)؛ أي: الذي مات في الجهاد، وقتله الكفّار. وقال النوويّ - ﵀ -: وفي رواية مالك في«الموطأ»من حديث جابر بن عَتِيك:«الشهداء سبعة، سوى القتل في سبيل الله - فذكر - المطعون، والمبطون، والغَرِق، وصاحب الهدم، وصاحب ذات الجَنْب، والحَرِق، والمرأة تموت بجُمع»، وفي رواية لمسلم:«مَن قُتِل في سبيل الله فهو شهيد، ومن مات في سبيل الله فهو شهيد»، وهذا الحديث الذي رواه مالك صحيح بلا خلاف، وإن كان البخاريّ ومسلم لم يُخْرجاه. ثم ذكر معاني الخمسة التي تقدّمت، ثم قال: وصاحب ذات الجنب معروف، وهي قُرْحة تكون في الجنب باطنًا، والحريق الذي يموت بحريق النار، وأما المرأة تموت بِجُمْع، فهو بضم الجيم، وفتحها، وكسرها، والضم أشهر، قيل: التي تموت حاملًا جامعةً ولدها في بطنها، وقيل: هي البكر، والصحيح الأول. وأما قوله - ﷺ -:«ومن مات في سبيل الله فهو شهيد»فمعناه بأيّ صفة مات، وقد سبق بيانه، قال العلماء: وإنما كانت هذه الموتات شهادة بتفضّل الله تعالى بسبب شدتها، وكثرة ألمها. وقد جاء في حديث آخر في«الصحيح»:«مَن قُتل دون ماله فهو شهيد، ومن قُتل دون أهله فهو شهيد»، وسَبَق بيانه في«كتاب الإيمان». وفي حديث آخر صحيح:«مَن قُتل دون سيفه فهو شهيد». قال العلماء: المراد بشهادة هؤلاء كلِّهم غير المقتول في سبيل الله: أنهم يكون لهم في الآخرة ثواب الشهداء، وأما في الدنيا فيُغْسَلون، ويُصَلَّى عليهم، وقد سبق في«كتاب الإيمان» بيان هذا، وأن الشهداء ثلاثة أقسام: شهيد في الدنيا والآخرة، وهو المقتول في حرب الكفار، وشهيد في الآخرة دون أحكام الدنيا، وهم هؤلاء المذكورون هنا، وشهيد في الدنيا دون الآخرة، وهو مَن غَلَّ في الغنيمة، أو قُتل مُدْبِرًا. انتهى . وقال القرطبيّ - ﵀ - بعد ذكر الغَرِق، وصاحب الهدم، والحريق ما نصّه: وهؤلاء الثلاثة إنما حَصَلت لهم مرتبة الشهادة لأجل تلك الأسباب؛ لأنهم لم يُغَرِّروا بنفوسهم، وفرَّطوا في التحرّز، ولكن أصابتهم تلك الأسباب بقضاء الله تعالى وقَدَره، فأما من غرّر، أو فَرّط في التحرّز حتى أصابه شيء من ذلك، فمات فهو عاصّ، وأمْره إلى الله تعالى، إن شاء عذّبه، وإن شاء عفا عنه. انتهى ، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥١/ ٤٩٣٢] (١٩١٤)، و(البخاريّ) في «الأذان» (٦٥٣) و«الجهاد» (٢٨٢٩) و«الطبّ» (٥٧٣٣)، و(الترمذيّ) في «الجنائز» (١٠٦٣)، و(النسائيّ) في «الكبرى» (٤/ ٣٦٣)، و(مالك) في «الموطأ» (١/ ١٣١)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٣٢٤ و٣٢٥ و٥٣٣)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٣١٨٨)، و(البيهقيّ) في «شعب الإيمان» (٧/ ١٦٩)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): قال الإمام البخاريّ - ﵀ -: «بابٌ الشهادةُ سبعٌ سوى القتل»، فقال في «الفتح»: وهذه الترجمة لفظ حديث أخرجه مالك من رواية جابر بن عَتِيك - بفتح المهملة، وكسر المثناة، بعدها تحتانية ساكنة، ثم كاف - «أن النبيّ - ﷺ - جاء يعود عبد الله بن ثابت. . .»، فذكر الحديث، وفيه: «ما تَعُدُّون الشهيد فيكم؟» قالوا: مَن يُقْتَل في سبيل الله، وفيه: «الشهداء سبعةٌ، سوى القتل في سبيل الله. . .»، فذكر زيادة على حديث أبي هريرة: الحريق، وصاحب ذات الجنب، والمرأة تموت بِجُمْع، وتوارد مع أبي هريرة في المبطون، والمطعون، والغريق، وصاحب الهدم. فأما صاحب ذات الجنب: فهو مرض معروف، ويقال له الشوصة، وأما المرأة تموت بِجُمع، فهو بضم الجيم، وسكون الميم، وقد تُفتح الجيم، وتُكسر أيضًا، وهي النُّفَساء، وقيل: التي يموت ولدها في بطنها، ثم تموت بسبب ذلك، وقيل: التي تموت بمزدلفة، وهو خطأ ظاهر، وقيل: التي تموت عَذْراء، والأول أشهر. قال: حديث جابر بن عَتِيك أخرجه أيضًا أبو داود، والنسائيّ، وابن حبان، وقد رَوَى مسلم من طريق أبي صالح، عن أبي هريرة - يعني: حديث الباب - شاهدًا لحديث جابر بن عَتيك، ولفظه: «ما تَعُدُّون الشهداء فيكم؟»، وزاد فيه، ونقص، فمِن زيادته: «ومن مات في سبيل الله فهو شهيد»، ولأحمد من حديث عُبادة بن الصامت نحو حديث جابر بن عَتيك، ولفظه: «وفي النفساء يقتلها ولدها جمعًا شهادة»، وله من حديث راشد بن حبيش نحوه، وفيه: «والسِّلّ»، وهو بكسر المهملة، وتشديد اللام. وللنسائيّ من حديث عقبة بن عامر: «خمس مَن قُبض فيهنّ فهو شهيد، فذَكر فيهم النفساء». ورَوَى أصحاب «السنن»، وصححه الترمذيّ من حديث سعيد بن زيد، مرفوعًا: «من قُتل دون ماله فهو شهيد»، وقال في الدِّين، والدَّم، والأهل مثل ذلك. وللنسائيّ من حديث سُويد بن مقرِّن مرفوعًا: «مَن قُتل دون مظلمته فهو شهيد». وفي رواية لأحمد: «والمجنوب شهيد»؛ يعني: صاحب ذات الجنب. قال الحافظ - ﵀ -: والذي يظهر أنه - ﷺ - أُعْلِم بالأقلّ، ثم أُعلم زيادة على ذلك، فذكرها في وقت آخر، ولم يقصد الحصر في شيء من ذلك. قال: وقد اجتمع لنا من الطرق الجيِّدة أكثر من عشرين خصلة، فإن مجموع ما قدّمْتُه مما اشتملت عليه الأحاديث التي ذكرتُها أربع عشرة خصلة، وتقدم في «باب من يُنكب في سبيل الله» حديث أبي مالك الأشعريّ مرفوعًا: «من وَقَصه فرسه، أو بعيره، أو لدغته هامّة، أو مات على فراشه على أيّ حتف شاء الله تعالى فهو شهيد». وصَحَّح الدارقطني من حديث ابن عمر: «موت الغريب شهادة»، ولابن حبان من حديث أبي هريرة: «من مات مرابطًا مات شهيدًا» الحديث، وللطبراني من حديث ابن عباس مرفوعًا: «المرء يموت على فراشه في سبيل الله شهيد»، وقال ذلك أيضًا في المبطون، واللَّدِيغ، والغريق، والشَّرِيق، والذي يفترسه السبع، والخارّ عن دابته، وصاحب الهدم، وذات الجنب. ولأبي داود من حديث أم حرام: «المائد في البحر الذي يصيبه القيء له أجر شهيد»، وقد تقدمت أحاديث فيمن طلب الشهادة بنيّة صادقة أنه يُكتب شهيدًا، وصحّ حديث فيمن صبر في الطاعون أنه شهيدٌ، وفي حديث عقبة بن عامر فيمن صرعته دابته، وهو عند الطبرانيّ، وعنده من حديث ابن مسعود بإسناد صحيح: «أن من يتردَّى من رؤوس الجبال، وتأكله السباع، ويغرق في البحار لشهيد عند الله». ووردت أحاديث أخرى في أمور أخرى لم أُعَرِّج عليها؛ لِضَعفها. قال ابن التين - ﵀ -: هذه كلها مِيتات فيها شدّة تفضّل الله على أمة محمد - ﷺ - بأن جعلها تمحيصًا لذنوبهم، وزيادة في أجورهم، يبلّغهم بها مراتب الشهداء. قال الحافظ: والذي يظهر أن المذكورين ليسوا في المرتبة سواءً، ويدلّ عليه ما روى أحمد، وابن حبان في «صحيحه» من حديث جابر، والدارميّ، وأحمد، والطحاويّ، من حديث عبد الله بن حُبْشيّ، وابن ماجه من حديث عمرو بن عَبسة: أن النبيّ - ﷺ - سئل أيُّ الجهاد أفضل؟ قال: «مَن عُقِر جواده، وأهريق دمه». ورَوَى الحسن بن عليّ الحلوانيّ في «كتاب المعرفة» له بإسناد حسن من حديث ابن أبي طالب - ﵁ - قال: «كل موتة يموت بها المسلم فهو شهيد، غير أن الشهادة تتفاضل». قال: ويتحصّل مما ذُكر في هذه الأحاديث أن الشهداء قسمان: شهيد الدنيا، وشهيد الآخرة، وهو من يُقتَل في حرب الكفار، مُقْبِلًا غير مُدْبِر، مخلصًا، وشهيد الآخرة، وهو من ذُكر بمعنى أنهم يُعطون من جنس أجر الشهداء، ولا تجري عليهم أحكامهم في الدنيا. وفي حديث العِرْباض بن سارية عند النسائيّ، وأحمد، ولأحمد من حديث عتبة بن عبد نحوه، مرفوعًا: «يختصم الشهداء، والمتوفون على الفُرش في الذين يتوفون من الطاعون، فيقول: انظروا إلى جراحهم، فإن أشبهت جراح المقتولين، فإنهم معهم، ومنهم، فإذا جراحهم قد أشبهت جراحهم». وإذا تقرر ذلك فيكون إطلاق الشهداء على غير المقتول في سبيل الله مجازًا، فيَحتج به من يُجيز استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه، والمانع يجيب بأنه من عموم المجاز، فقد يُطلق الشهيد على من قُتل في حرب الكفار، لكن لا يكون له ذلك في حكم الآخرة لعارض يمنعه؛ كالانهزام، وفساد النية، والله أعلم. انتهى كلام الحافظ - ﵀ - ، وهو بحث نفيسٌ جدًّا، وقد ألّف السيوطيّ - ﵀ - رسالة جمع فيها ما ورد في أسباب الشهادة، من الأخبار، وقد نظمت تلك الرسالة، ودونك نظمي المذكور: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ يَقُولُ رَاجِي رَبِّهِ سُبْحَانَهُ … مُحَمَّدٌ مُسْتَمْنِحًا غُفْرَانَهُ حَمْدًا لِمَنْ قَدْ مَنَحَ الشَهَادَهْ … لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ ذَوِي السَّعَادَهْ ثُمَّ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ سَرْمَدَا … عَلَى النَّبِيِّ الْمُصْطَفَى مُحَمَّدَا وَآلِهِ وَصَحْبِهِ الْكِرَامِ … وَالتَّابِعِينَ سُبُلَ السَّلَامِ وَبَعْدَهُ فَهَذِهِ إِفَادَهْ … لِمَنْ أَرَادَ طُرُقَ الشَّهَادَهْ نَظَمْتُهَا مِمَّا السُّيُوطِي جَمَعَهْ … لِيَسْهُلَ الْحِفْظُ لِمَنْ لَهُ سَعَهْ سَمَّيْتُهَا إِتْحَافَ ذِي السَّعَادَهْ … بِذِكْرِ مَا يُوصِلُ لِلشَّهَادَهْ وَأَسْأَلُ اللهَ الْقَبُولَ وَالرِّضَا … وَالْخَتْمَ بِالْحُسْنَى إِذَا الْعُمْرُ انْقَضَى (مِنْهَا) الشَّهَادَةُ لِمَبْطُونٍ تُرَى … وَالتَّاجِرِ الصَّدُوقِ نِعْمَ مَتْجَرَا وَالْحَرْقُ وَالْحُمَّى وَذَا قَدْ ضُعِّفَا … وَمَنْ مِنَ الْمَرْكُوبِ صَرْعُهُ وَفَا وَمَنْ دَعَا بِدَعْوَةٍ لِيُونِسِ … لَكِنَّهُ وَاهٍ فَلَا تَسْتَأْنِسِ وَرَجُلٌ قَامَ إِلَى إِمَامِ … ذِي الْجَوْرِ آمِرًا بِأَمْرٍ سَامِي وَالسِّلُّ وَالشَّرِيقُ وَالشَّهِيدُ … أَيْ فِي سَبِيلِ اللهِ نِعْمَ الْعِيدُ صَاحِبُ ذَاتِ الْجَنْبِ أَوْ ذُو الْهَدْمِ … وَالطَّعْنُ وَالطَّاعُونُ خُذْ بِالْفَهْمِ كَذَا الْغَرِيبُ وَالْحَدِيثُ ضُعِّفَا … وَلِلْغَرِيقِ ثَابِتٌ فَلْتَعْرِفَا وَكُلُّ مُؤْمِنٍ يَمُوتُ ذَا لَهُ … إِنْ ثَبَتَ الْحَدِيثُ مَا أَجْمَلَهُ وَمَنْ يُزَكِّي طَيِّبَ النَّفْسِ إِذَا … قُتِلَ مَظُلُومًا شَهِيدٌ حَبَّذَا وَمَنْ تَرَدَّى مِنْ جِبَالٍ أَوْ عَدَا … عَلَيْهِ سَبْعٌ فَرَمَاهُ بِالرَّدَى وَمَنْ إِلَى مِصْرٍ طَعَامًا جَلَبَا … لَكِنْ حَدِيثُهُ لِضُعْفٍ نُسِبَا وَمَنْ لَهُ السُّلْطَانُ ظُلْمًا حَبَسَا … أَوْ مَاتَ بِالضَّرْبِ فَمَا بِهِ أَسَى وَمَنْ بِصِدْقٍ طَلَبَ الشَّهَادَهْ … يُعْطَى وَإِنْ يَمُتْ عَلَى الْوِسَادَهْ كَذَاكَ مَنْ سَعَى عَلَى الْعِيَالِ … بِسَنَدٍ وَاهٍ فَلَا تُبَالِي وَامْرَأَةٌ غَيْرَى صَبُورٌ وَطَعَنْ … فِي صِحَّةِ الْحَدِيثِ بَعْضُ مَنْ فَطَنْ وَامْرَأَةٌ مَاتَتْ بِجُمْعٍ أَيْ وَلَدْ … فِي بَطْنِهَا وَقِيلَ بِكْرٌ يَا سَنَدْ كَذَاكَ مَنْ صَلَّى الضُّحَى وَصَامَا … ثَلَاثَةً وَالْوِتْرَ قَدْ أَدَامَا لَكِنَّ فِي إِسْنَادِهِ أَيُّوبُ … اِبْنُ نَهِيكٍ عِنْدَهُمْ مَعْيُوبُ كَذَاكَ مَنْ عَاشَ مُدَارِيًا فَلَمْ … أَعْرِفْ حَدِيثَهُ بِصِحَّةٍ تُؤَمّْ وَمَنْ يَمُتْ بِعِشْقِهِ إِذَا كَتَمْ … وَعَفَّ وَالْحَدِيثُ بِالضَّعْفِ اتَّسَمْ كَذَاكَ مَنْ يَقُلْ صَبَاحًا وَمَسَا … أَعُوذُ بِاللهِ السَّمِيعِ ذَا ائْتِسَا مَعَ قِرَاءَةِ انْتِهَاءِ «الْحَشْرِ» … لَكِنْ حَدِيثُهُ ضَعِيفُ الْقَدْرِ كَذَاكَ مَا أَخْرَجَ الاصْبَهَانِي … لَكِنَّهُ وَاهٍ فَلَا تُعَانِي وَمَنْ يَقُلْ بَارِكْ لِيَ الْمَوْتَ وَمَا … مِنْ بَعْدِهِ خَمْسًا وَعِشْرِينَ نَمَا فَمَاتَ فِي الْفِرَاشِ لَكِنِ الْخَبَرْ … مَا صَحَّ فِي هَذَا فَلَا تُلْقِ النَّظَرْ كَذَاكَ مَنْ صَلَّى عَلَى النَّبِي مِائَهْ … وَفِيهِ مَجْهُولٌ فَكُنْ خَيْرَ فِئَهْ كَذَاكَ مَنْ قُتِلَ دُونَ أَهْلِهِ … أَوْ دَمِهِ أَوْ دِينِهِ أَوْ مَالِهِ أَوْ دُونَ مَظْلِمَتِهِ أَوْ لَدَغَتْ … أَفْعَى وَلَكِنِ الْحَدِيثُ مَا ثَبَتْ وَمَنْ تَلَا الْحَشْرَ لَدَى الْمَنَامِ قَدْ … نَالَ وَمَا فِيهِ أَتَى لَا يُعْتَمَدْ كَذَلِكَ الْمَلْدُوغُ فِيهِ وَرَدَا … مَا ضُعْفُهُ لَدَى الْوُعَاةِ قَدْ بَدَا وَمَنْ عَلَى فِرَاشِهِ يَمُوتُ … فِي حَالَةِ الْغَزْوِ وَنِعْمَ الْمَوْتُ وَمَنْ يَمُتْ بِمَرَضٍ وَعُلِّلَا … بِكَوْنِهِ مُصَحَّفًا قَدْ بُدِّلَا مِنْ قَوْلِهِ «مُرَابِطًا» وَإِنْ يَمَتْ … فِي طَلَبِ الْعِلْمِ وَلَكِنْ مَا ثَبَتْ وَمَوْتُ جُمْعَةٍ إِذَا صَحَّ كَذَا … مَوْقُوصُ مَرْكُوبٍ إِذَا مَاتَ بِذَا مَوْتُ الْمُسَافِرِ إِذَا صَحَّ الْخَبَرْ … وَمَائِدُ الْبَحْرِ لَهُ جَاءَ الأَثَرْ وَالْمُتَمَسِّكُ بِسُنَّةِ النَّبِي … عِنْدَ الْفَسَادِ وَالْحَدِيثُ مَا اجْتُبِي وَحَامِلٌ لِلْوَضْعِ وَالْفِصَالِ … فَكَالْمُرَابِطِ لِحُسْنِ الْحَالِ فَإِنْ تَمُتْ أَجْرُ الشَّهِيدِ نَالَهَا … إِنْ ثَبَتَ الْحَدِيثُ مَا أَجَلَّهَا وَمَنْ يَمُتْ مُرَابِطًا وَالْخَبَرُ … بِذِكْرِهِ شَهَادَةً قُلْ مُنْكَرُ مُؤَذِّنُ مُحْتَسِبٌ مِثْلُ الشَّهِيدْ … لَكِنَّ مَا أَتَى بِهِ غَيْرُ سَدِيدْ وَالنُّفَسَاءُ ذَا لَهَا قَدْ وَرَدَا … وَنَسْأَلُ الإِلَهَ حَظَّ الشُّهَدَا وَيَجْعَلَ الْفِرْدَوْسَ أَعْلَى الْجَنَّهْ … مَنْزِلَنَا فَضْلًا لَهُ وَمِنَّهْ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَعَالَى وَحْدَهُ … يُعْطِي الشَّهَادَةَ بِيُسْرٍ عَبْدَهُ ثُمَّ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَبَدَا … عَلَى رَسُولِ اللهِ خَيْرِ مَنْ هَدَى وَآلِهِ وَصَحْبِهِ الأَكَارِمِ … أَهْلِ التُّقَى وَالْفَضْلِ وَالْمَرَاحِمِ مَا اشْتَاقَ مُؤْمِنٌ إِلَى الْجِهَادِ … وَفَازَ بِالْفِرْدَوْسِ بِاسْتِشْهَادِ أَبْيَاتُهَا خَمْسُونَ مَعْ زِيَادَهْ … نَظَمْتُهَا أَرْجُو بِهَا الإِفَادَهْ وَاخْتِمْ لَنَا بِالْخَيْرِ وَالْعِبَادَهْ … وَاكْتُبْ لَنَا الْحُسْنَى مَعَ الزِّيَادَهْ انتهت المنظومة الميمونة بعد صلاة العشاء ليلة السبت المبارك ٢٣/ ٢/ ١٤٢٦ هـ. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في معنى الطاعون: قال في «الفتح»: الطاعون بوزن فاعول، من الطعن، عَدَلوا به عن أصله، ووضعوه دالًّا على الموت العامّ؛ كالوباء، ويقال: طُعِن فهو مطعون، وطَعِين: إذا أصابه الطاعون، وإذا أصابه الطعن بالرمح فهو مطعون، هذا كلام الجوهريّ. وقال الخليل: الطاعون الوباء. وقال صاحب «النهاية»: الطاعون: المرض العامّ الذي يفسد له الهواء، وتفسد به الأمزجة، والأبدان. وقال أبو بكر ابن العربيّ: الطاعون: الوجع الغالب الذي يُطفئ الروح؛ كالذبحة، سُمِّي بذلك؛ لعموم مصابه، وسرعة قتله. وقال أبو الوليد الباجيّ: هو مرض يعمّ الكثير من الناس، في جهة من الجهات، بخلاف المعتاد من أمراض الناس، ويكون مرضهم واحدًا، بخلاف بقية الأوقات، فتكون الأمراض مختلفة. وقال الداوديّ: الطاعون: حَبّة تخرج من الأرقاع، وفي كل طيّ من الجسد، والصحيح أنه الوباء. وقال عياض: أصل الطاعون: القروح الخارجة في الجسد، والوباء عموم الأمراض، فسُمّيت طاعونًا؛ لِشَبَهِها بها في الهلاك، وإلا فكل طاعون وباء، وليس كل وباء طاعونًا، قال: ويدلّ على ذلك أن وباء الشام الذي وقع في عَمَوَاس إنما كان طاعونًا، وما ورد في الحديث أن الطاعون وَخْز الجنّ. وقال ابن عبد البرّ: الطاعون: غُدَّة تخرج في الْمَرَاقّ، والآباط، وقد تخرج في الأيدي، والأصابع، وحيث شاء الله. وقال النوويّ في «الروضة»: قيل: الطاعون: انصباب الدم إلى عضو، وقال آخرون: هو هَيَجان الدم، وانتفاخه، قال المتولي: وهو قريب من الجذام، مَن أصابه تأكّلت أعضاؤه، وتساقط لحمه. وقال الغزالي: هو انتفاخ جميع البدن من الدم، مع الحمى، أو انصباب الدم إلى بعض الأطراف، فينتفخ، ويحمرّ، وقد يذهب ذلك العضو. وقال النووي أيضًا في «تهذيبه»: هو بَئْرٌ، ووَرَمٌ مؤلم جدًّا يخرج مع لهب، ويسوَدّ ما حواليه، أو يخضرّ، أو يحمرّ حمرة شديدة بنفسجية، كَدِرةً، ويحصل معه خفقان، وقيء، ويخرج غالبًا في المراقّ والآباط، وقد يخرج في الأيدي، والأصابع، وسائر الجسد. وقال جماعة من الأطباء، منهم أبو عليّ بن سينا: الطاعون مادّة سُمّيّة تُحْدِثُ وَرَمًا قتّالًا، يَحْدُث في المواضع الرِّخْوة، والمغابن من البدن، وأغلب ما تكون تحت الإبط، أو خلف الأذن، أو عند الأرنبة، قال: وسببه دم رديءٌ مائل إلى العفونة والفساد، يستحيل إلى جوهر سُمّيٍّ يُفسد العضو، ويغيِّر ما يليه، ويؤدي إلى القلب كيفية رديئة، فيحدث القيء، والغثيان، والغشي، والخفقان، وهو لرداءته لا يقبل من الأعضاء إلا ما كان أضعف بالطبع، وأردؤه ما يقع في الأعضاء الرئيسية، والأسود منه قَلَّ من يسلم منه، وأسلمه الأحمر، ثم الأصفر، والطواعين تكثر عند الوباء في البلاد الوبئة، ومن ثَمّ أُطلق على الطاعون وباء، وبالعكس. وأما الوباء فهو فساد جوهر الهواء الذي هو مادّة الروح، ومدده. قال الحافظ: فهذا ما بلَغَنا من كلام أهل اللغة، وأهل الفقه، والأطباء في تعريفه. والحاصل أن حقيقته: وَرَمٌ ينشأ عن هَيَجان الدم، أو انصباب الدم إلى عضو فيفسده، وأن غير ذلك من الأمراض العامّة الناشئة عن فساد الهواء يُسَمّى طاعونًا بطريق المجاز؛ لاشتراكهما في عموم المرض به، أو كثرة الموت. والدليل على أن الطاعون يغاير الوباء ما جاء في «الصحيح»: «أن الطاعون لا يدخل المدينة»، وما في حديث عائشة: «قَدِمنا المدينة، وهي أوبأ أرض الله»، وفيه قول بلال: «أخرجونا إلى أرض الوباء»، وما في حديث أبي الأسود: «قدِمت المدينة في خلافة عمر، وهم يموتون موتًا ذريعًا»، وما في حديث العرنيين: «أنهم استوخموا المدينة»، وفي لفظ: «أنهم قالوا: إنها أرض وبئة»، فكل ذلك يدلّ على أن الوباء كان موجودًا بالمدينة، وقد صرح الحديث الأول بأن الطاعون لا يدخلها، فدلّ على أن الوباء غير الطاعون، وأن من أطلق على كل وباء طاعونًا فبطريق المجاز. قال أهل اللغة: الوباء هو المرض العامّ، يقال: أوبأت الأرض فهي موبئة، ووَبئت بالفتح فهي وبئة، وبالضم فهي موبوءة، والذي يفترق به الطاعون من الوباء: أصل الطاعون الذي لم يتعرض له الأطباء، ولا أكثر من تكلم في تعريف الطاعون، وهو كونه من طَعْن الجنّ، ولا يخالف ذلك ما قال الأطباء من كون الطاعون ينشأ عن هَيَجان الدم، أو انصبابه؛ لأنه يجوز أن يكون ذلك يحدث عن الطعنة الباطنة، فتحدث منها المادّة السُّمّيّة، ويهيج الدم بسببها، أو ينصبّ، وإنما لم يتعرض الأطباء لكونه من طعن الجنّ؛ لأنه أمْر لا يُدرك بالعقل، وإنما يُعرف من الشارع، فتكلموا في ذلك على ما اقتضته قواعدهم. وقال الكلاباذيّ في «معاني الأخبار»: يَحْتَمِل أن يكون الطاعون على قسمين: قسم يحصل من غلبة بعض الأخلاط من دم، أو صفراء محترقة، أو غير ذلك من غير سبب يكون من الجنّ، وقسم يكون من وخز الجنّ كما تقع الجراحات من القروح التي تخرج في البدن من غلبة بعض الأخلاط، وإن لم يكن هناك طعن، وتقع الجراحات أيضًا من طعن الإنس. انتهى. ومما يؤيد أن الطاعون إنما يكون من طعن الجنّ: وقوعه غالبًا في أعدل الفصول، وفي أصح البلاد هواءً، وأطيبها ماءً، ولأنه لو كان بسبب فساد الهواء لدام في الأرض؛ لأن الهواء يفسد تارةً، ويصح أخرى، وهذا يذهب أحيانًا، ويجيء أحيانًا على غير قياس، ولا تجربة، فربما جاء سَنة على سَنة، وربما أبطأ سنين، وبأنه لو كان كذلك لعمّ الناس، والحيوان، والموجود بالمشاهدة أنه يصيب الكثير، ولا يصيب من هم بجانبهم، مما هو في مثل مزاجهم، ولو كان كذلك لعمّ جميع البدن، وهذا يختص بموضع من الجسد، ولا يتجاوزه، ولأن فساد الهواء يقتضي تغيّر الأخلاط، وكثرة الأسقام، وهذا في الغالب يقتل بلا مرض، فدلّ على أنه مِن طَعْن الجنّ، كما ثبت في الأحاديث الواردة في ذلك. منها: حديث أبي موسى رفعه: «فناء أمتي بالطعن والطاعون»، قيل: يا رسول الله هذا الطعن قد عرفناه، فما الطاعون؟ قال: «وخز أعدائكم من الجنّ، وفي كلٍّ شهادة»، أخرجه أحمد من رواية زياد بن عِلاقة، عن رجل، عن أبي موسى، وفي رواية له عن زياد، حدّثني رجل من قومي، قال: كنا على باب عثمان ننتظر الإذن، فسمعت أبا موسى، قال زياد: فلم أرْضَ بقوله، فسألت سيد الحيّ، فقال: صدق، وأخرجه البزار، والطبرانيّ من وجهين آخرين، عن زياد، فسمّيا المبهَم يزيد بن الحارث، وسمّاه أحمد في رواية أخرى: أسامة بن شريك، فأخرجه من طريق أبي بكر النَّهْشليّ، عن زياد بن عِلاقة، عن أسامة بن شريك، قال: خرجنا في بضع عشرة نفسًا من بني ثعلبة، فإذا نحن بأبي موسى. ولا معارضة بينه وبين من سمّاه: يزيد بن الحارث؛ لأنه يُحمل على أن أسامة هو سيد الحيّ الذي أشار إليه في الرواية الأخرى، واستثبته فيما حدّثه به الأول، وهو يزيد بن الحارث، ورجاله رجال «الصحيحين»، إلا المبهَم، وأسامة بن شريك صحابيّ مشهور، والذي سمّاه، وهو أبو بكر النهشليّ من رجال مسلم، فالحديث صحيح بهذا الاعتبار، وقد صححه ابن خزيمة، والحاكم، وأخرجاه، وأحمد، والطبرانيّ من وجه آخر، عن أبي بكر بن أبي موسى الأشعريّ، قال: سألت أبا موسى - ﵁ - عن الطاعون، فقال: سئل رسول الله - ﷺ -، فقال: «هو وخز أعدائكم من الجنّ، وهو لكم شهادة»، ورجاله رجال «الصحيح» إلا أبا بلج - بفتح الموحدة، وسكون اللام، بعدها جيم - واسمه يحيى، وثَّقه ابن معين، والنسائيّ، وجماعة، وضعّفه جماعة بسبب التشيّع، وذلك لا يقدح في قبول روايته عند الجمهور. وللحديث طريق ثالثة: أخرجها الطبرانيّ من رواية عبد الله بن المختار، عن كريب بن الحارث بن أبي موسى، عن أبيه، عن جدّه، ورجاله رجال «الصحيح» إلا كريبًا، وأباه، وكريب وثّقه ابن حبان، وله حديث آخر في الطاعون، أخرجه أحمد، وصححه الحاكم، من رواية عاصم الأحول، عن كريب بن الحارث، عن أبي بردة بن قيس، أخي أبي موسى الأشعريّ، رفعه: «اللهم اجعل فناء أمتي قتلًا في سبيلك بالطعن، والطاعون».
مصادر المؤلف (١٢)

١. «الفتح» ٧/ ١٠٠، كتاب «الجهاد» (٢٨٢٩).

٢. راجع: «عمدة القاري» ٥/ ١٧١.

٣. «القاموس المحيط» ص ٩٥٠.

٤. «عمدة القاري» ٥/ ١٧١.

٥. «القاموس المحيط» (٧٠٠).

٦. «المصباح المنير» ١/ ٣٢٠.

٧. «عمدة القاري» ٥/ ١٧١.

٨. «الفتح» ٧/ ١٠٣، كتاب «الجهاد» (٢٨٢٩).

٩. «المفهم»٣/ ٧٥٧.

١٠. «شرح النوويّ» ١٣/ ٦٢ - ٦٣.

١١. «المفهم» ٣/ ٧٥٧.

١٢. «الفتح» ٧/ ١٠٠ - ١٠٣، كتاب «الجهاد» رقم (٢٨٢٩).