HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٩١٦

حدثنا حَامِدُ بْنُ عُمَرَ الْبَكْرَاوِيُّ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ (يَعْنِي ابْنَ زِيَادٍ). حَدَّثَنَا عَاصِمٌ عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ. قَالَتْ: قَالَ لِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: بِمَ مَاتَ يَحْيَي بْنُ أَبِي عمرة؟ قالت قلت: بالطاعون. قالت فقالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (الطَّاعُونُ شَهَادَةٌ لِكُلِّ مُسْلِمٍ).
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج6 ص52
ج ٣ ص ١٥٢٢

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في مصدرين صحيح البخاري, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣٢ ص٧١٩
٢ - (بَهْزُ) بن أسد الْعَميّ البصريّ، تقدّم أيضًا قريبًا. ٣ - (وُهَيْبُ) بن خالد بن عجلان الباهليّ مولاهم، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ لكنه تغيّر قليلًا في الآخر [٧] (ت ١٦٥)، أو بعدها (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ٢ ص ٤١٣. و«سُهيل» ذُكر قبله. [تنبيه]: رواية وُهيب، عن سُهيل هذه ساقها أبو عوانة - ﵀ - في «مسنده»، فقال: (٧٤٧٢) - حدّثنا يونس بن حبيب، قثنا أبو داود، قثنا وهيب، قال: ثنا سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ما تَعُدّون الشهيد فيكم؟» قالوا: يا رسول الله مَن قُتل في سبيل الله فهو شهيد، قال رسول الله - ﷺ -: «إن شهداء أمتي إذًا لقليل»، قالوا: فمن هم يا رسول الله؟ قال: «مَن قُتل في سبيل الله فهو شهيد، ومن مات في سبيل الله فهو شهيد، والمطعون فهو شهيد، والمبطون فهو شهيد»، قال سهيل: وحدّثني عبيد الله بن مِقْسَم، عن أبي، ولم أسمعه منه، أنه زاد في هذا الحديث: «والغريق». انتهى . وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٤٩٣٦] (١٩١٦) - (حَدَّثَنَا حَامِدُ بْنُ عُمَرَ الْبَكْرَاوِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ - يَعْنِي: ابْنَ زِيَادٍ - حَدَّثَنَا عَاصِمٌ، عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ، قَالَتْ: قَالَ لِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: بِمَ مَاتَ يَحْيَى بْنُ أَبِي عَمْرَةَ؟ قَالَتْ: قُلْتُ: بِالطَّاعُونِ، قَالَتْ: فَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «الطَّاعُونُ شَهَادَةٌ لِكُلِّ مُسْلِمٍ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (حَامِدُ بْنُ عُمَرَ الْبَكْرَاوِيُّ) أبو عبد الرحمن البصريّ، قاضي كرمان، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٣) (ح م) تقدّم في «الطهارة» ٢٦/ ٦٤٩. ٢ - (عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ) العبديّ مولاهم، البصريّ، ثقةٌ [٨] (ت ١٧٦)، أو بعدها (ع) تقدّم في «الطهارة» ١١/ ٥٨٤. ٣ - (عَاصِمُ) بن سليمان الأحول، أبو عبد الرحمن البصريّ، ثقةٌ [٤] مات بعد سنة (١٤٠) (ع) تقدّم في «المقدمة» ٥/ ٢٧. ٤ - (حَفْصَةُ بِنْتُ سِيرِينَ) أم الهذيل الأنصاريّة البصرية ثقةٌ [٣] ماتت بعد المائة (ع) تقدّمت في «العيدين» ٢/ ٢٠٥٥. ٥ - (أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ) - ﵁ - تقدّم قبل باب. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف، وأنه مسلسل بالبصريين من أوله إلى آخره، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّة، وفيه أنس - ﵁ - تقدّم الكلام عليه قريبًا. شرح الحديث: (عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ) أنها (قَالَتْ: قَالَ لِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ) - ﵁ - (بِمَ مَاتَ) «ما» استفهاميّة، ولذا حُذفت ألفها، كما هو الغالب فيها، كما قال في «الخلاصة»: وَ«مَا» فِي الاسْتِفْهَامِ إِنْ جُرَّتْ حُذِفْ … أَلِفُهَا وَأَوْلِهَا الْهَا إِنْ تَقِفْ وَلَيْسَ حَتْمَا فِي سِوَى مَا انْخَفَضَا … بِاسْمٍ كَقَوْلِكَ اقْتِضَاءَ مَا اقْتَضَى ووقع في رواية عند البخاريّ: «بما مات» بإثبات الألف، وهي رواية للأصيليّ، كما قال في «الفتح». أي: بأيّ شيء مات (يَحْيَى بْنُ أَبِي عَمْرَةَ؟) هو ابن سيرين، أخو حفصة، وأبو عمرة: كنية سيرين، قال في «التقريب»: يحيى بن سيرين الأنصاريّ مولاهم، أبو عمرو البصريّ، ثقةٌ من الثالثة، مات قبل أخيه محمد. انتهى . وقال في «التهذيب»: النسائي في مسند علي: يحيى بن سيرين الأنصاريّ مولاهم، أبو عمرو البصريّ، رَوَى عن أنس بن مالك، وعَبيدة بن عمرو السَّلْمانيّ، وعنه أخوه محمد، ويحيى بن عَتيق، ذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال: رُوي عن هشام بن حسان قال: يحيى يُفَضَّل على أخيه محمد، وعلى أخته حفصة، وقال العجليّ: تابعيّ ثقةٌ. قال: وكانت وفاته بالطاعون الذي وقع بالبصرة بعد سُكنى الحَجَّاج بلدة واسط في حدود التسعين، وقال ابن سعد: أنا بكار بن محمد، قال: بلغني أن سيرين بعث بَنِيه إلى أبي هريرة، فلمّا قَدِموا كان يحيى أحفظهم، وكان ثقةً، قليل الحديث، مات قبل محمد، أخرج له النسائيّ في «مسند عليّ». انتهى . وقال ابن سعد في «الطبقات»: يحيى بن سيرين أخو محمد بن سيرين لأمه، أمهما صفية، قال: أخبرنا بكار بن محمد، قال: بلغني أن سيرين بعث ببنيه إلى أبي هريرة، فلمّا قَدِموا كان يحيى ابنه أحفظهم، فكَنَاه أبو هريرة لِحفظه، وكان ثقةً قليلَ الحديث، ومات بجرجرايا، فقبره هناك، ومات قبل محمد بن سيرين. انتهى . وقال في «الفتح»: وكانت وفاة يحيى في حدود التسعين من الهجرة على ما يورد من هذا الحديث، لكن أخرج البخاريّ في «التاريخ الأوسط» من طريق حماد، عن يحيى بن عَتيق، سمعت يحيى بن سيرين، ومحمد بن سيرين يتذاكران الساعة التي في الجمعة، نَقَله بعد موت أنس بن مالك، أراد أن يحيى بن سيرين مات بعد أنس بن مالك، فيكون حديث حفصة خطأ. انتهى. وتخريجه لحديث حفصة في «الصحيح» يقتضي أنه ظهر له أن حديث يحيى بن عتيق خطأ، وقد قال في «التاريخ الصغير»: حديث يحيى بن عتيق، عن حفصة خطأ، فإذا جُوِّز عليه الخطأ في حديثه عن حفصة، جاز تجويزه عليه في قوله: يحيى بن سيرين، فلعله كان أنس بن سيرين، والله أعلم. انتهى . (قَالَتْ) حفصة (قُلْتُ: بِالطَّاعُونِ)؛ أي: مات بسبب الطاعون، (قَالَتْ: فَقَالَ) أنس - ﵁ - (قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «الطَّاعُونُ شَهَادَةٌ لِكُلِّ مُسْلِمٍ»)؛ أي: ولكلّ مسلمة؛ لأن النساء شقائق الرجال. ثم إن ظاهر حديث أنس - ﵁ - هذا يدلّ على أن الطاعون شهادة مطلقًا، لكن قال في «الفتح»: هكذا جاء مطلقًا في حديث أنس - ﵁ -، وسيأتي مقيّدًا بثلاثة قيود في حديث عائشة - ﵂ - الآتي. قال الجامع عفا الله عنه: الذي يظهر لي أن إطلاق حديث أنس - ﵁ - لا يحتاج إلى التقييد بالقيود المذكورة في حديث عائشة - ﵂ -؛ لأن حديثها بيّن حُكْم من صبر، محتسبًا إذا وقع الطاعون في بلده، سواء مات أو لم يمت، وحديث أنس - ﵁ - بيّن حُكم من مات بالطاعون، كما هو ظاهر قصّة أنس في يحيى، وحديث عائشة - ﵂ - سيأتي الكلام عليه في المسألة الثالثة - إن شاء الله تعالى -. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥١/ ٤٩٣٦ و٤٩٣٧] (١٩١٦)، و(البخاريّ) في «الجهاد» (٢٨٣٠) و«الطبّ» (٥٧٣٢)، و(أحمد) في «مسنده» (٣/ ١٥٠ و٢٢٠ و٢٢٣ و٢٥٨ و٢٦٥)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٤/ ٥٠٠)، و(ابن سعد) في «الطبقات» (٧/ ٢٠٦)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في إتمام البحث في حديث عائشة - ﵂ - الموعود به آنفًا: قال الإمام البخاريّ - ﵀ - في «صحيحه»: (٣٢٨٧) - حدّثنا موسى بن إسماعيل، حدّثنا داود بن أبي الفرات، حدّثنا عبد الله بن بُريدة، عن يحيى بن يعمر، عن عائشة - ﵂ - زوج النبيّ - ﷺ - قالت: سألت رسول الله - ﷺ - عن الطاعون، فأخبرني: «أنه عذاب يبعثه الله على من يشاء، وأن الله جعله رحمة للمؤمنين، ليس من أحد يقع الطاعون، فيمكث في بلده، صابرًا، محتسبًا، يعلم أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له، إلا كان له مِثل أجر شهيد». انتهى، وهو من أفراد البخاريّ، ولم يُخرجه مسلم. قوله: «فجعله الله رحمة للمؤمنين»؛ أي: من هذه الأمة، وفي حديث أبي عَسِيب عند أحمد: «فالطاعون شهادة للمؤمنين، ورحمةٌ لهم، ورجس على الكافر»، وهو صريح في أن كون الطاعون رحمة إنما هو خاصّ بالمسلمين، وإذا وقع بالكفار، فإنما هو عذاب عليهم، يُعَجَّل لهم في الدنيا قبل الآخرة، وأما العاصي من هذه الأمة، فهل يكون الطاعون له شهادة، أو يختص بالمؤمن الكامل؟ فيه نظر، والمراد بالعاصي: من يكون مرتكب الكبيرة، ويَهْجُم عليه ذلك، وهو مصرّ، فإنه يَحْتَمِل أن يقال: لا يُكْرَم بدرجة الشهادة؛ لشؤم ما كان متلبسًا به؛ لقوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ الآية [الجاثية: ٢١]. وأيضًا فقد وقع في حديث ابن عمر - ﵄ - ما يدلّ على أن الطاعون ينشأ عن ظهور الفاحشة، أخرجه ابن ماجه، والبيهقيّ، بلفظ: «لم تظهر الفاحشة في قوم قطّ حتى يُعلنوا بها، إلا فشا فيهم الطاعون، والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم» الحديث، وفي إسناده خالد بن يزيد بن أبي مالك، وكان من فقهاء الشام، لكنه ضعيف عند أحمد، وابن معين، وغيرهما، ووثقه أحمد بن صالح المصريّ، وأبو زرعة الدمشقيّ، وقال ابن حبان: كان يخطئ كثيرًا. وله شاهد عن ابن عباس - ﵄ - في «الموطأ» بلفظ: «ولا فشا الزنا في قوم قطّ إلا كَثُر فيهم الموت» الحديث، وفيه انقطاع، وأخرجه الحاكم من وجه آخر موصولًا بلفظ: «إذا ظهر الزنا، والربا في قرية، فقد أحلّوا بأنفسهم عذاب الله». وللطبرانيّ موصولًا من وجه آخر، عن ابن عباس نحو سياق مالك، وفي سنده مقال. وله من حديث عمرو بن العاص بلفظ: «ما من قوم يظهر فيهم الزنا، إلا أُخِذوا بالفناء» الحديث، وسنده ضعيف. وفي حديث بُريدة عند الحاكم، بسند جيِّد بلفظ: «ولا ظهرت الفاحشة في قوم إلا سَلَّط الله عليهم الموت». ولأحمد من حديث عائشة، مرفوعًا: «لا تزال أمتي بخير ما لم يَفْشُ فيهم وَلَدُ الزنا، فماذا فشا فيهم وَلَدُ الزنا أوشك أن يعمّهم الله بعقاب»، وسنده حسن. ففي هذه الأحاديث أن الطاعون قد يقع عقوبة بسبب المعصية، فكيف يكون شهادة؟. ويَحْتَمِل أن يقال: بل تحصل له درجة الشهادة؛ لعموم الأخبار الواردة، ولا سيما حديث أنس: «الطاعون شهادة لكل مسلم»، ولا يلزم من حصول درجة الشهادة لمن اجترح السيئات مساواة المؤمن الكامل في المنزلة؛ لأن درجات الشهداء متفاوتة؛ كنظيره من العصاة، إذا قُتل مجاهدًا في سبيل الله؛ لتكون كلمة الله هي العليا، مقبلًا غير مُدْبِر، ومن رحمة الله بهذه الأمة المحمدية أن يعجِّل لهم العقوبة في الدنيا. ولا ينافي ذلك أن يحصل لمن وقع به الطاعون أجر الشهادة، ولا سيما وأكثرهم لم يباشر تلك الفاحشة، وإنما عمّهم - والله أعلم - لِتقاعدهم عن إنكار المنكر. وقد أخرج أحمد، وصححه ابن حبان من حديث عتبة بن عبيد، رفعه: «القتل ثلاثة: رجل جاهد بنفسه وماله في سبيل الله، حتى إذا لَقِي العدوَّ قاتلهم حتى يُقْتَل فذاك الشهيد المفتخِر في خيمة الله تحت عرشه، لا يَفْضُله النبيّون إلا بدرجة النبوّة، ورجل مؤمن قَرَف على نفسه من الذنوب والخطايا، جاهد بنفسه وماله في سبيل الله، حتى إذا لقي العدوَّ قاتلهم، حتى يُقتل، فانمحت خطاياه، إن السيف مَحَّاء للخطايا، ورجل منافق جاهد بنفسه وماله، حتى يُقتل فهو في النار، إن السيف لا يمحو النفاق». وأما الحديث الآخر الصحيح أن الشهيد يُغفر له كل شيء إلا الدَّين، فإنه يستفاد منه أن الشهادة لا تكفر التَّبِعات، وحصول التبعات لا يمنع حصول درجة الشهادة، وليس للشهادة معنى إلا أن الله يُثيب من حصلت له ثوابًا مخصوصًا، ويُكرمه كرامةً زائدةً، وقد بيّن الحديث أن الله يتجاوز عنه ما عدا التبعات، فلو فُرض أن للشهيد أعمالًا صالحةً، وقد كَفَّرت الشهادة أعماله السيئة غير التبعات، فإن أعماله الصالحة تنفعه في موازنة ما عليه من التبعات، وتبقى له درجة الشهادة خالصة، فإن لم يكن له أعمال صالحة، فهو في المشيئة، والله أعلم. وقوله: «فليس من عبد»؛ أي: مسلم، «يقع الطاعون»؛ أي: في مكان هو فيه، «فيمكث في بلده» في رواية أحمد: «في بيته»، وللبخاريّ في «القدر» بلفظ: «يكون فيه، ويمكث فيه، ولا يخرج من البلد»؛ أي: التي وقع فيها الطاعون. وقوله: «صابرًا»؛ أي: غير منزعج، ولا قَلِق، بل مُستسلمًا لأمر الله، راضيًا بقضائه، وهذا قَيْد في حصول أجر الشهادة لمن يموت بالطاعون، وهو أن يمكث بالمكان الذي يقع به، فلا يخرج فرارًا منه، كما ثبت النهي عنه صريحًا. وقوله: «يعلم أنه لن يصيبه إلا ما كتب الله له» قَيْد آخر، وهي جملة حالية تتعلق بالإقامة، فلو مكث، وهو قَلِقٌ، أو متندِّم على عدم الخروج ظانًّا أنه لو خرج لَمَا وقع به أصلًا ورأسًا، وأنه بإقامته يقع به، فهذا لا يحصل له أجر الشهيد، ولو مات بالطاعون. هذا الذي يقتضيه مفهوم هذا الحديث، كما اقتضى منطوقه أن من اتُّصف بالصفات المذكورة يحصل له أجر الشهيد، وإن لم يمت بالطاعون. قال الجامع عفا الله عنه: هكذا قرّر الحافظ - ﵀ -، وفي قوله: «لا يحصل له أجر الشهيد، ولو مات. . . إلخ» نظر، قد قدّمت التنبيه عليه، فلا تنس، والله تعالى أعلم. قال: ويدخل تحته ثلاث صور: من اتصف بذلك، فوقع به الطاعون، فمات به، أو وقع به، ولم يمت به، أو لم يقع به أصلًا، ومات بغيره عاجلًا أو آجلًا. وقوله: «مثل أجر الشهيد» قال الحافظ: لعل السرّ في التعبير بالمِثلية مع ثبوت التصريح بأن من مات بالطاعون كان شهيدًا، أن من لم يمت من هؤلاء بالطاعون كان له مثل أجر الشهيد، وإن لم تحصل له درجة الشهادة بعينها، وذلك أن من اتصف بكونه شهيدًا أعلى درجة ممن وُعد بأنه يُعطَى مثل أجر الشهيد، ويكون كمن خرج على نية الجهاد في سبيل الله لتكون كلمة الله هي العليا، فمات بسبب غير القتل. وأما ما اقتضاه مفهوم حديث الباب أن من اتصف بالصفات المذكورة، ووقع به الطاعون، ثم لم يمت منه أنه يحصل له ثواب الشهيد، فيشهد له حديث ابن مسعود - ﵁ - الذي أخرجه أحمد، من طريق إبراهيم بن عُبيد بن رفاعة، أن أبا محمد أخبره، وكان من أصحاب ابن مسعود، أنه حدثه عن رسول الله - ﷺ - قال: «إن أكثر شهداء أمتي لأصحاب الفُرُش، ورُبَّ قتيل بين الصفَّين الله أعلم بنيّته»، والضمير في قوله: «أنه» لابن مسعود، فإن أحمد أخرجه في مسند ابن مسعود، ورجال سنده موثّقون. واستُنْبِط من الحديث أن من اتّصف بالصفات المذكورة، ثم وقع به الطاعون، فمات به أن يكون له أجر شهيدين، ولا مانع من تعدد الثواب بتعدد الأسباب، كمن يموت غريبًا بالطاعون، أو نُفَساء مع الصبر والاحتساب. والتحقيق فيما اقتضاه حديث الباب أنه يكون شهيدًا بوقوع الطاعون به، ويضاف له مثل أجر الشهيد لصبره وثباته، فإن درجة الشهادة شيء، وأجر الشهادة شيء. وقد أشار إلى ذلك الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة، وقال: هذا هو السر في قوله: «والمطعون شهيد»، وفي قوله في هذا: «فله مثل أجر شهيد». ويمكن أن يقال: بل درجات الشهداء متفاوتة، فأرفعها من اتصف بالصفات المذكورة، ومات بالطاعون، ودونه في المرتبة من اتصف بها، وطُعِن، ولم يمت به، ودونه من اتصف، ولم يُطْعَن، ولم يمت به. ويستفاد من الحديث أيضًا أن من لم يتصف بالصفات المذكورة لا يكون شهيدًا، ولو وقع الطاعون، ومات به، فضلًا عن أن يموت بغيره، وذلك ينشأ عن شؤم الاعتراض الذي ينشأ عنه التضجر، والتسخط لقدر الله، وكراهة لقاء الله، وما أشبه ذلك من الأمور التي تفوت معها الخصال المشروطة، والله أعلم. وقد جاء في بعض الأحاديث استواء شهيد الطاعون، وشهيد المعركة، فأخرج أحمد بسند حسن، عن عتبة بن عبد السّلَميّ، رفعه: «يأتي الشهداء، والمتوفون بالطاعون، فيقول أصحاب الطاعون: نحن شهداء، فيقال: انظروا، فإن كان جراحهم كجراح الشهداء، تسيل دمًا، وريحها كريح المسك، فَهُم شهداء، فيجدونهم كذلك». وله شاهد من حديث العِرْباض بن سارية، أخرجه أحمد أيضًا، والنسائيّ بسند حسن أيضًا، بلفظ: «يختصم الشهداء، والمتوفون على فُرُشهم إلى ربنا - ﷿ - في الذين ماتوا بالطاعون، فيقول الشهداء: إخواننا قُتلوا كما قُتلنا، ويقول الذين ماتوا على فرشهم: إخواننا ماتوا على فرشهم، كما متنا، فيقول الله - ﷿ -: انظروا إلى جراحهم، فإن أشبهت جراح المقتولين، فإنهم منهم، فإذا جراحهم أشبهت جراحهم». زاد الكلاباذيّ في «معاني الأخبار» من هذا الوجه في آخره: «فيُلْحَقون بهم». انتهى ما في «الفتح» ، وهو تحقيق مفيد جدًّا، ولذا نقلته بطوله؛ تكميلًا للفائدة، وتتميمًا للعائدة؛ لأن كتابي بحر، ولا بدّ أن يحتوي على الفوائد الكثيرة؛ ليطابق اسمه مسمّاه، والله تعالى وليّ التوفيق، ومنه العون وله الحمد على ما أنعم، وألهم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٤٩٣٧] (. . .) - (وَحَدَّثَنَاهُ الْوَلِيدُ بْنُ شُجَاعٍ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ عَاصِمٍ، فِي هَذَا الْإِسْنَادِ بِمِثْلِهِ). رجال هذا الإسناد: ثلاثة: ١ - (الْوَلِيدُ بْنُ شُجَاعِ) بن الوليد بن قيس السَّكونيّ، أبو همّام بن أبي بدر الكوفيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٣) على الصحيح (م د ت ق) تقدّم في «الإيمان» ٧٧/ ٤٠٢. ٢ - (عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ) القرشيّ الكوفيّ، قاضي الْمَوْصل، ثقةٌ [٨] (ت ١٨٩) (ع) تقدّم في «المقدمة» ٢/ ٦. و«عاصم» ذُكر قبله. [تنبيه]: رواية عليّ بن مسهر، عن عاصم الأحول هذه ساقها ابن حبّان - ﵀ - في «الثقات»، فقال: ثنا محمد بن إسحاق الثقفيّ، قال: ثنا أبو همام، قال: ثنا عليّ بن مُسهر، عن عاصم، عن حفصة، قالت: سألني أنس بن مالك عن يحيى بن أبي عمرة، قلت: تُوُفّي، قال: في أيّ شيء؟ قلت: في الطاعون، فقال: إن رسول الله - ﷺ - كان يقول: «الطاعون شهادة لكل مسلم». انتهى ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. قال الجامع الفقير إلى مولاه الغنيّ القدير محمد ابن الشيخ العلامة عليّ بن آدم بن موسى خُويدم العلم بمكة المكرّمة: قد انتهيتُ من كتابة الجزء الثاني والثلاثين من «شرح صحيح الإمام مسلم» المسمَّى «البحرَ المحيطَ الثّجّاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجّاج» بعد صلاة العصر يوم الجمعة المبارك، وهو اليوم الثالث عشر من شهر رجب (١٣/ ٧/ ١٤٣١ هـ) الموافق (٢٥ يونيه ٢٠١٠ م). أسأل الله العليّ العظيم ربّ العرش العظيم أن يجعله خالصًا لوجهه الكريم، وسببًا للفوز بجنات النعيم لي ولكلّ من تلقّاه بقلب سليم، إنه بعباده رؤوف رحيم. وآخر دعوانا: ﴿أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠]. ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ الآية [الأعراف: ٤٣]. ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٢)﴾ [الصافات: ١٨٠ - ١٨٢]. «اللهم صلّ على محمد، وعلى آل محمد، كما صلّيت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد». «السلام على النبيّ ورحمة الله وبركاته». ويليه - إن شاء الله تعالى - الجزء الثالث والثلاثون مفتتحًا بـ (٥٢) - (بَابُ فَضْلِ الرَّمْيِ، وَالْحَثِّ عَلَيْهِ، وَذَمِّ مَنْ عَلِمَهُ، ثُمَّ نَسِيَهُ) رقم [٤٩٣٨] (١٩١٧). «سبحانك اللهمّ وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك». * * *
مصادر المؤلف (٨)

١. قوله: «قثنا» في الموضعين مختصر من «قال: حدّثنا»، فتنبّه.

٢. «مسند أبي عوانة» ٤/ ٤٩٨ - ٤٩٩.

٣. «تقريب التهذيب» ص ٣٧٦.

٤. «تهذيب التهذيب» ١١/ ٢٠٠.

٥. «الطبقات الكبرى» لابن سعد ٧/ ٢٠٦.

٦. «الفتح» ١٣/ ١٤٩، كتاب «الطبّ» رقم (٥٧٣٢).

٧. «الفتح» ١٣/ ١٥٠ - ١٥٣، كتاب «الطبّ» رقم (٥٧٣٤).

٨. «الثقات» لابن حبّان - ﵀ - ٤/ ١٩٥.