مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عقبة بن عامر - ﵁ - هذا من أفراد المصنّف - ﵀ -.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٢/ ٤٩٤١] (١٩١٩)، و(ابن ماجه) في «الجهاد» (٢٨١٤)، و(أحمد) في «مسنده» (٤/ ١٤٨)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٤/ ٥٠٣ و٥٠٤)، و(الطبراني) في «الكبير» (١٧/ ٣١٨)، و(الرويانيّ) في «مسنده» (١/ ١٩٦)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (١٠/ ١٣)، والله تعالى أعلم.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٥٣) - (بَابُ قَوْلِهِ - ﷺ -: «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي، ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ»)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٤٩٤٢] (١٩٢٠) - (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَأَبُو الرَّبِيعِ الْعَتَكِيُّ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ - وَهُوَ ابْنُ زَيْدٍ - عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَبِي أَسْمَاءَ، عَنْ ثَوْبَانَ، قَالَ: فَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أمَّتِي، ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ، حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللهِ، وَهُمْ كَذَلِكَ»، وَلَيْسَ: فِي حَدِيثِ قُتَيْبَةَ: «وَهُمْ كَذَلِكَ»).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ) الْخُرَاسانيّ، نزيل مكة، تقدّم قريبًا.
٢ - (أَبُو الرَّبِيعِ الْعَتَكِيُّ) سليمان بن داود، تقدّم أيضًا قريبًا.
٣ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قبل بابين.
٤ - (حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) تقدّم أيضًا قبل بابين.
٥ - (أَيُّوبُ) بن أبي تميمة كيسان السَّخْتيانيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حجةٌ فقيهٌ عابد [٥] (ت ١٣١) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٠٥.
٦ - (أَبُو قِلَابَةَ) عبد الله بن زيد بن عمرو، أو عامر الْجَرْميّ البصريّ، ثقةٌ فاضلٌ كثير الإرسال، قيل: فيه نَصْبٌ يسير [٣] (١٠٤) أو بعدها (ع) تقدم في «الإيمان» ١٧/ ١٧٣.
٧ - (أَبُو أَسْمَاءَ) الرَّحَبيّ، عمرو بن مَرْثد الدمشقيّ، ويقال: اسمه عبد الله، ثقةٌ [٣] مات في خلافة عبد الملك (بخ م ٤) تقدم في «الحيض» ٧/ ٧٢٢.
٨ - (ثَوْبَانُ) بن بُجدُد الهاشميّ، مولى النبيّ - ﷺ -، صَحِبه، ولازمه، ونزل بعده الشام، ومات بحمص سنة (٥٤) (بخ م ٤) تقدم في «الحيض» ٧/ ٧٢٢.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُداسيّات المصنّف، وأن نصفه الأول مسلسل بالبصريين، سوى سعيد، فخراسانيّ، ثم مكيّ، وقتيبة، فبغلانيّ، ونصفه الثاني مسلسل بالشاميين، وفيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض: أيوب، عن أبي قلابة، وهو عمّه، عن أبي أسماء، وفيه ثوبان - ﵁ -، لا يوجد أحد شاركه في الكتب الستّة.
شرح الحديث:
(عَنْ ثَوْبَانَ) - ﵁ - أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لَا تَزَالُ)»لا«نافية، ولذا رُفع الفعل بعدها، و»تزال« مضارع زِيلَ، كعَلِمَ، قال الفيّوميّ - ﵀ -: وما زال يفعل كذا، ولا أزال أفعله، لا يُتكلّم به إلا بحرف النفي، والمراد به: ملازمة الشيء، والحالُ الدائمة، مثلُ ما بَرِحَ وزنًا ومعنًى، وقد تكلّم بعض العرب على أصله، فقال: ما زَيلَ زيد يفعل كذا. انتهى.
وهي من الأفعال التي ترفع الاسم، وتنصب الخبر واسمها، قوله: (طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي)؛ أي: جماعة منهم، وَهُم الذين قال الله تعالى في حقّهم: ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٨١)﴾ [الأعراف: ١٨١]، والطائفة: الفِرْقة من الناس، والقطعة من الشيء، وأقلها ثلاثة، وربما أُطلقت على الواحد والاثنين، وقوله: (ظَاهِرِينَ)؛ أي: غالبين أعداءهم، أو مَن خالفهم، أو المراد بالظهور: أنهم غير مستترين، بل مشهورون، والأول أَولى؛ لحديث عقبة الآتي: «قاهرين لعدوّهم»، وقوله: (عَلَى الْحَقِّ) متعلّق بحال مقدّر؛ أي: حال
كونهم كائنين على الحقّ؛ أي: الثابت من الله - ﷿ - على لسان نبيّه - ﷺ -. (لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ)؛ أي: تَرَك نُصرتهم وإعانتهم، يقال: خذله، من باب قَتَلَ: إذا ترك نصرته وإعانته، وتأخّر عنه، (حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللهِ)؛ أي: إلى أن تأتي العلامة التي يؤذن بقيام الساعة، وهي الريح التي تقبض روح كلّ مؤمن ومؤمنة، كما سيأتي في حديث عقبة بن عامر - ﵁ - في الباب، وقوله: (وَهُمْ كَذَلِكَ») جملة في محلّ نَصب على الحال؛ أي: والحال أنهم ظاهرون عن أعدائهم.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الحديث سَبَق شرحه مع ما يُشبهه في أواخر«كتاب الإيمان»، وذَكَرْنا هناك الجمع بين الأحاديث الواردة في هذا المعنى، وأن المراد بقوله - ﷺ -:«حتى يأتي أمر الله»هي الريح التي تأتي، فتأخذ روح كل مؤمن ومؤمنة، وأن المراد برواية من روى:«حتى تقوم الساعة»؛ أي: تَقْرُب الساعة، وهو خروج الريح المذكورة.
وأما هذه الطائفة فقال البخاريّ: هم أهل العلم، وقال أحمد بن حنبل: إن لم يكونوا أهل الحديث فلا أدري من هم؟ قال القاضي عياض: إنما أراد أحمد أهلَ السُّنَّة والجماعة، ومن يعتقد مذهب أهل الحديث.
قال النوويّ: ويَحْتَمِل أن هذه الطائفة مفرّقة بين أنواع المؤمنين، منهم شجعان مقاتلون، ومنهم فقهاء، ومنهم محدِّثون، ومنهم زهاد، وآمرون بالمعروف، وناهون عن المنكر، ومنهم أهل أنواع أخرى من الخير، ولا يلزم أن يكونوا مجتمعين، بل قد يكونون متفرقين في أقطار الأرض.
وفي هذا الحديث معجزة ظاهرة للنبيّ - ﷺ -، فإن هذا الوصف ما زال - بحمد الله تعالى - من زمن النبيّ - ﷺ - إلى الآن، ولا يزال حتى يأتي أمر الله المذكور في الحديث.
وفيه دليل لكون الإجماع حجةً، وهو أصحّ ما استُدلّ به له من الحديث، وأما حديث: «لا تجتمع أمتي على ضلالة» فضعيف، والله أعلم. انتهى .
وقوله: (وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ قُتَيْبَةَ: «وَهُمْ كذَلِكَ») بيّن به اختلاف شيوخه
في ذِكر جملة: «وهم كذلك»، فذَكَره سعيد، وأبو الربيع، وأسقطه قتيبة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ثوبان - ﵁ - هذا من أفراد المصنّف - ﵀ -.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٣/ ٤٩٤٢] (١٩٢٠)، و(أبو داود) في «الفتن» (٤٢٥٢)، و(الترمذيّ) في «الفتن» (٢٣٣٠)، و(ابن ماجه) في «المقدّمة» (١٠) و«الفتن» (٣٩٥٢)، و(أحمد) في «مسنده» (٥/ ٢٧٩)، و(سعيد بن منصور) في «سننه» (٢/ ١٧٧)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٤/ ٥٠٨)، و(ابن أبي عاصم) في «الآحاد والمثاني» (١/ ٣٣٢)، و(الحاكم) في «المستدرك» (٤/ ٤٩٦)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٩/ ٢٢٦)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): حديث ثوبان - ﵁ - هذا أخرجه المصنّف مختصرًا، وسيأتي له في «كتاب الفتن» بأطول مما هنا، ونصّه:
(٢٨٨٩) - حدّثنا أبو الربيع العتكيّ، وقتيبة بن سعيد، كلاهما عن حماد بن زيد، واللفظ لقتيبة، حدّثنا حماد، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء، عن ثوبان، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إن الله زوى لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ مُلكها ما زوى لي منها، وأُعطيت الكنزين: الأحمر والأبيض، وإني سألت ربي لأمتي أن لا يهلكها بسُنَّة عامّة، وأن لا يسلط عليهم عدوًّا من سوى أنفسهم، فيستبيح بيضتهم، وإن ربي قال: يا محمد إني إذا قضيت قضاءً، فإنه لا يُردُّ، وإني أعطيتك لأمتك أن لا أهلكهم بسُنَّة عامة، وأن لا أسلّط عليهم عدوًّا من سوى أنفسهم، يستبيح بيضتهم، ولو اجتمع عليهم مَنْ بأقطارها - أو قال: من بين أقطارها - حتى يكون بعضهم يُهلك بعضًا، ويَسبي بعضهم بعضًا». انتهى .
وقد ساقه أبو داود في«سننه»بأتمّ من هذا، فقال: