HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٩٢٨

حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبي طلحة، عن أنس بن مالك؛ أن رسول الله ﷺ كان لَا يَطْرُقُ أَهْلَهُ لَيْلًا. وَكَانَ يَأْتِيهِمْ غُدْوَةً أو عشية.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج6 ص55
ج ٣ ص ١٥٢٧

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في مصدرين صحيح البخاري, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣٣ ص٥٢
(٥٦) - (بَابُ كَرَاهَةِ الطُّرُوقِ، وَهُوَ الدُّخُولُ لَيْلًا لِمَنْ وَرَدَ مِنْ سَفَرٍ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٤٩٥٤] (١٩٢٨) - (حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا بَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كَانَ لَا يَطْرُقُ أَهْلَهُ لَيْلًا، وَكَانَ يَأْتِيهِمْ غُدْوَةً، أَوْ عَشِيَّةً»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم قبل بابين. ٢ - (يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ) تقدّم قريبًا. ٣ - (هَمَّامُ) بن يحيى بن دينار الْعَوْذيّ، أبو عبد الله، أو أبو بكر البصريّ، ثقةٌ [٧] (ت ٤ أو ١٦٥) (ع) تقدم في «الإيمان» ٦/ ٧٠. ٤ - (إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ) الأنصاريّ، تقدّم قريبًا. ٥ - (أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ) - ﵁ -، تقدّم قبل أربعة أبواب. شرح الحديث: (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) - ﵁ - (أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كَانَ لَا يَطْرُقُ) بفتح أوله، وضمّ ثالثه، يقال: طَرَق النجم، يطرُقُ، من باب قعد: طَلَع، وكلّ ما أتى ليلًا، فقد طرق، وهو طارقٌ . (أَهْلَهُ) منصوب على المفعوليّة، (لَيْلًا) منصوب على الظرفيّة. والمعنى: أنه - ﷺ - لا يَقْدَم على أهله من سفر، ولا غيره في الليل، على غفلة؛ لئلا يرى ما يكرهه؛ لأن القادم إما أن يجد أهله على غير أُهْبة، من نحو تَنَظُّف، أو يجدهم بحالة غير مرضية، فتحصل منه النفرة، والوحشة، فلا ينبغي أن يبغتهم في وقت غير مناسب، والله تعالى أعلم. (وَكَانَ يَأْتِيهِمْ)؛ أي: أهله، (غُدْوَةً) بضمّ الغين المعجمة، وسكون الدال المهملة: ما بين طلوع الصبح وطلوع الشمس، وجمعها غُدًى، مثلُ مُدْية ومُدًى، هذا أصله، ثم كثُر حتى استُعمل في الذهاب والانطلاق أيَّ وقت كان، ومنه قوله - ﷺ -: «واغْدُ يا أنيس» ؛ أي: وانطلق . (أَوْ عَشِيَّةً) قال ابن الأنباريّ: العشيّة مؤنّثةٌ، وربّما ذكّرتها العرب على معنى الْعَشيّ، وقال بعضهم: العشيّة واحدة، جَمْعها عشيّ، قيل: العشيّ ما بين الزوال إلى الغروب، ومنه يقال للظهر والعصر: صلاتا العشيّ، وقيل: هو آخر النهار، وقيل: العشيّ من الزوال إلى الصباح، وقيل: العشيّ، والعشاء من صلاة المغرب إلى العتمة، وعليه قول ابن فارس: العشاءان: المغرب والعتمة . وقال الطيبيّ - ﵀ -: لم يُرد بالعشيّة الليل، كقوله: «لا يطرُق ليلًا»، وإنما المراد بعد العصر، كقوله تعالى: ﴿وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [الروم: ١٨] قال في «الكشّاف»: «عشيًّا»: صلاة العصر، و«تظهرون»: صلاة الظهر، وقال في «النهاية»: الطُّرُوق من الطَّرْق، وهو الدقّ، وسُمّي الآتي بالليل طارقًا لحاجته إلى دقّ الباب. انتهى ، والله تعالى أعلم. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥٦/ ٤٩٥٤ - ٤٩٥٥] (١٩٢٨)، و(البخاريّ) في «العمرة» (١٨٠٠)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (٦/ ٥٣٧)، و(أحمد) في «مسنده» (٣/ ١٢٥ و٢٠٤ و٢٤٠)، و(النسائيّ) في «الكبرى» (٥/ ٣٦٢)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٤/ ٥١١)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٥/ ٢٥٩ و٢٦٠)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٤٩٥٥] (. . .) - (وَحَدَّثَنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عبد الوَارِثِ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - بِمِثْلِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: «كَانَ لَا يَدْخُلُ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قبل باب. ٢ - (عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عبد الوَارِثِ) بن سعيد بن ذكوان العنبريّ مولاهم، أبو سهل التنّوريّ البصريّ، ثقة، ثبتٌ في شعبة [٩] (ت ٢٠٧) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٨٢. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: «كَانَ لَا يَدْخُلُ») الضمير لعبد الصمد؛ أي: قال عبد الصمد في روايته: «لا يدخل» بدل قول يزيد بن هارون: «لا يطرُق»، والمعنى متقارب، هكذا قال المصنّف: إن رواية عبد الصمد بلفظ: «لا يدخل»، ولكن الذي في رواية أحمد الآتية أنه بلفظ: «لا يطرُق»، كلفظ هارون، ولكن قال في آخره: «كان يدخل عليهم» بدل: «وكان يأتيهم»، ولعلّ المصنّف وقع في روايته هكذا، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: رواية عبد الصمد، عن همّام هذه ساقها الإمام أحمد - ﵀ - في «مسنده» فقال: (١٢٢٨٥) - حدّثنا عبد الله، حدّثني أبي، حدّثنا عبد الصمد، ثنا همام، ثنا إسحاق بن عبد الله، عن أنس بن مالك: «أن النبيّ - ﷺ - كان لا يطرُق أهله ليلًا، كان يدخل عليهم غُدْوةً، أو عشيّةً». انتهى ، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٤٩٥٦] (٧١٥) - (حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ سَالِمٍ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا سَيَّارٌ (ح) وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى - وَاللَّفْظُ لَهُ - حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ سَيارٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فِي غَزَاةٍ، فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ ذَهَبْنَا لِنَدْخُلَ، فَقَالَ: «أَمْهِلُوا حَتَّى نَدْخُلَ لَيْلًا - أَيْ: عِشَاءً - كَيْ تَمْتَشِطَ الشَّعِثَةُ، وَتَسْتَحِدَّ الْمُغِيبَةُ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ سَالِمٍ) الصائغ البغداديّ، نزيل مكة، ثقةٌ [١٠] (م) من أفراد المصنّف) تقدم في «الحيض» ١٠/ ٧٤٨. ٢ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) المذكور قبل حديثين. ٣ - (هُشَيْمُ) بن بشير، تقدّم قبل بابين. ٤ - (سَيَّارُ) بن أبي سيّار، أبو الحكم الْعَنَزيّ، واسم أبيه: وَرْدان، وقيل: وَرْد، وقيل غيره، الواسطيّ، ويقال: البصريّ، ثقةٌ [٦] (١٢٠) (ع) تقدم في «الإيمان» ٢٥/ ٢٠٩. ٥ - (الشَّعْبِيُّ) عامر بن شَرَاحيل، أبو عمرو الكوفيّ، ثقةٌ فقيه فاضلٌ مشهور [٣] مات بعد المائة، وله نحو ثمانين سنة (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥٠. ٦ - (جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عمرو بن حرام - ﵄ -، تقدّم قبل بابين. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف، وفيه جابر بن عبد الله - ﵄ - الصحابيّ ابن الصحابيّ، أحد المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثًا. شرح الحديث: (عَنِ الشَّعْبِيِّ) في رواية أبي عوانة من طريق شُرَيح بن النعمان، عن هشيم، حدّثنا سيّار، حدّثنا الشعبيّ، ولأحمد من وجه آخر: سمعت الشعبيّ (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) - ﵄ -، أنه (قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فِي غَزَاةٍ) بالفتح، بمعنى الغَزْو، (فَلَمَّا قَدِمْنَا) بكسر الدال، (الْمَدِينَةَ ذَهَبْنَا)؛ أي: مضينا (لِنَدْخُلَ) المدينة، (فَقَالَ) - ﷺ - («أَمْهِلُوا) بقطع الهمزة، أمْرٌ من الإهمال رباعيًّا؛ أي: اتّئدوا، ولا تَعْجلوا، قال الفيّوميّ: أَمْهَلْتُهُ إِمْهَالًا: أنظرته، وأخّرت طلبه، ومَهَّلْتُهُ تَمْهِيلًا مثله، وفي التنزيل: ﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا (١٧)﴾ [الطارق: ١٧]، والاسم: المَهْلُ بالسكون، والفتحُ لغةٌ، وأَمْهِلْ إِمْهَالًا، وتَمَهَّلْ في أمرك تَمَهُّلًا؛ أي: اتَّئِد في أمرك، ولا تَعْجَل، والمُهْلَةُ مثلُ غُرْفة كذلك، وهي الرفق، وفي الأمر مُهْلَةٌ؛ أي: تأخير، وتَمَهَّلَ في الأمر: تَمَكَّثَ، ولم يَعْجَلْ. انتهى . (حَتَّى نَدْخُلَ لَيْلًا - أَيْ: عِشَاءً -) قال في «الفتح»: هذا التفسير في نفس الخبر، وفيه إشارة إلى الجمع بين هذا الأمر بالدخول ليلًا، والنهي عن الطُّرُوق ليلًا بأن المراد بالأمر الدخول في أوّلَ الليل، وبالنهي الدخول في أثنائه، ويَحْتَمِل أن يكون الأمر بالدخول ليلًا لمن أَعْلَم أهله بقدومه، فاستعدُّوا له، والنهي عمن لم يفعل ذلك . وفي الرواية التالية: «إذا قَدِم أحدكم ليلًا، فلا يأتينّ أهله طُرُوقًا»، وفي رواية البخاريّ: «كان النبيّ - ﷺ - يَكرَه أن يأتي الرجل أهله طُرُوقًا». قال في «الفتح»: قال أهل اللغة: الطُّروق بالضم: المجيء بالليل من سفر، أو من غيره، على غفلة، ويقال لكل آتٍ بالليل: طارقٌ، ولا يقال بالنهار إلا مجازًا. وقال بعض أهل اللغة: أصل الطُّروق: الدفع، والضرب، وبذلك سُمِّيت الطريق؛ لأن المارّة تدقّها بأرجلها، وسُمَّي الآتي بالليل طارقًا؛ لأنه يحتاج غالبًا إلى دقّ الباب. وقيل: أصل الطروق: السكون، ومنه: أطرق رأسه، فلما كان الليل يُسْكَن فيه سُمّي الآتي فيه طارقًا. (كَيْ تَمْتَشِطَ)؛ أي: لتستعمل الْمُشط، وهو بضمّ الميم: الذي يُمْتشط به، وبنو تميم يكسرون الميم، وهو القياس؛ لأنه آلة، والجمع أَمْشاطٌ، يقال: مَشَطت الشعر مَشْطًا، من بابي قتل، وضرب: سرّحته، والتثقيل مبالغة، وامتشطَت المرأة: مشَطَت شعرها . (الشَّعِثَةُ) بفتح الشين المعجمة، وكسر العين المهملة؛ أي: المرأة التي أصابها الشَّعَث، وهو الوسخ، يقال: شَعِثَ الشعرُ شَعْثًا، فهو شَعِثٌ، من باب تَعِبَ: تَغَيَّرَ، وتَلَبَّد لقلة تعَهُّده بالدهن، ورجلٌ أَشْعَثُ، وامرأة شَعْثَاءُ، مثلُ أحمر وحمراء، والشَّعَثُ أيضًا: الوسخُ، ورجلٌ شَعِثٌ: وَسِخُ الجسد، شَعِثُ الرأس أيضًا، وهو أَشْعَثُ أغبر؛ أي: من غير استحداد، ولا تنظّف، والشَّعَثُ أيضًا: الانتشار، والتفرق، قاله الفيّوميّ . (وَتَسْتَحِدَّ)؛ أي: تستعمل الحديدة في حلق الشعر، قال المجد: الاستحداد: الاحتلاق بالحديد . (الْمُغِيبَةُ»)؛ أي: المرأة التي غاب زوجها، يقال: أغابت المرأة بالألف: إذا غاب زوجها، فهي مُغِيبٌ، ومُغيبةٌ، قاله الفيّومي ، وقال المجد: وامرأةٌ مُغِيبٌ، ومُغِيبةٌ، ومُغْيِبٌ، كمُحْسِنٍ: غاب زوجها. انتهى . وقال القرطبيّ: قوله:«وتستحد»: تفتعل؛ أي: تستعمل الحديدة في حلق الشعر. و«المغيبة»؛ أي: التي غاب عنها زوجها، وهو مِن: أغابت، تُغِيب، فهي: مُغِيبة. و«الشعثة»: التي علاها الشَّعَث، وهو: الغبار، والوسخ في الشعر؛ يعني بذلك: أن المرأة في حال غيبة زوجها متبذلة، لا تمتشط، ولا تدَّهن، ولا تتنظف، فلو بَغَتها زوجها من سفره، وهي على تلك الحال، استقذرها، ونفرت نفسه منها، وربما يكون ذلك سبب فراقها، فإذا قَدِم نهارًا سَمِعت بخبر قدومه، فأصلحت من شأنها، وتهيأت له، فحسنت الحال، وأُمِنت النفرة المذكورة. وفيه من الفقه: أن المرأة ينبغي لها أن تتحسَّن، وتتزيَّن، وتتطيَّب وتتصنَّع للزوج بما أمكنها، وتجتهد في أن لا يرى منها زوجها ما تنفر نفسه منها بسببه؛ من الشَّعَث والوسخ، وغير ذلك. قال: وأما نهيه - ﷺ - في حديث جابر عن الطُّرُوق: فلمعنًى آخر، وهو: أن يظن بهنّ خبانةً في أنفسهن، أو فيما في أيديهن مما أمَّنهنّ عليه، وهو ظنّ لا يَحِلّ، وتخمين منهيّ عنه، فصار النهي عن طروق الرجل أهله معَلّلًا بعلّتين، بالأولى، وبالثانية، والله تعالى أعلم. انتهى . [تنبيه]: هذا الحديث اختصره المصنّف هنا، وقد ساقه في «كتاب الرضاع» [٣٦٤٠] مطوّلًا، بسند يحيى بن يحيى، ولفظه: عن جابر بن عبد الله، قال: كنا مع رسول الله - ﷺ - في غَزَاة، فلما أقبلنا تعجَّلت على بعير لي قَطُوف، فلحقني راكب خلفي، فنخس بعيري بعنزة كانت معه، فانطلق بعيري كأجود ما أنت راء من الإبل، فالتفتّ، فإذا أنا برسول الله - ﷺ -، فقال: «ما يُعجلك يا جابر؟» قلت: يا رسول الله إني حديث عهد بعُرس، فقال: «أبكرًا تزوجتها أم ثيبًا؟» قال: قلت: بل ثيبًا، قال: «هلّا جاريةً تلاعبها، وتلاعبك؟» قال: فلما قَدِمنا المدينة ذهبنا لندخل، فقال: «أَمْهِلُوا حتى ندخل ليلًا - أي: عشاء - كي تمتشط الشَّعِثة، وتَستحدّ الْمُغِيبة». قال: وقال: «إذا قَدِمتَ، فالكيسَ، الكيسَ». انتهى، وقد مضى شرحه هناك، مستوفًى، فراجعه تستفد. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله - ﵄ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥٦/ ٤٩٥٦ و٤٩٥٧ و٤٩٥٨ و٤٩٥٩ و٤٩٦٠ و٤٩٦١ و٤٩٦٢ و٤٩٦٣] (٧١٥)، و(البخاريّ) في «النكاح» (٥٠٧٩ و٥٢٤٧)، و(أبو داود) في «الجهاد» (٢٧٧٦ و٢٧٧٨)، و(الترمذيّ) في «الاستئذان» (٢٧١٢)، و(النسائيّ) في «الكبرى» (٥/ ٣٦٢)، و(الطيالسيّ) في «مسنده» (١٧٢٤ و١٧٨٦)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (١٢/ ٥٢٣)، و(أحمد) في «مسنده» (٣/ ٣٠٢ و٣٠٣ و٣١٠ و٣٩٩)، و(الدارميّ) في «سننه» (٢/ ١٤٦)، و(سعيد بن منصور) في «سننه» (١/ ١٦٩)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٣/ ٢٥٤ و٤/ ٥١٢)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (٣/ ٣٧٧)، و(ابن الجعد) في «مسنده» (١/ ٢٦٠)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٢٧١٣ و٢٧١٤)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٥/ ٢٦٠ و٧/ ٢٥٤)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان النهي عن طُرُوق الأهل، وهو الدخول ليلًا لمن ورد من السفر. ٢ - (ومنها): الحثّ على التوادّ، والتحابّ خصوصًا بين الزوجين؛ لأن الشارع راعى ذلك بين الزوجين، مع اطّلاع كل منهما على ما جرت العادة بستره، حتى إن كل واحد منهما لا يخفى عنه من عيوب الآخر شيء في الغالب، ومع ذلك فنهى عن الطُّروق؛ لئلا يطّلع على ما تنفر نفسه عنه، فيكون مراعاة ذلك في غير الزوجين بطريق الأَولى. ٣ - (ومنها): أنه يؤخذ منه أن الاستحداد، ونحوه، مما تتزين به المرأة ليس داخلًا في النهي عن تغيير الخِلقة. ٤ - (ومنها): التحريض على ترك التعرّض لِمَا يوجب سوء الظنّ بالمسلم. ٥ - (ومنها): أن في تقييده بطول الغَيبة في رواية عاصم، الآتية، حيث قال: «إذا أطال أحدكم الغيبة، فلا يَطرُق أهله ليلًا» إشارةً إلى أن علة النهي إنما توجد حينئذ، فالحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، فلما كان الذي يخرج لحاجته مثلًا نهارًا، ويرجع ليلًا لا يتأتى له ما يُحْذَر من الذي يطيل الغيبة، كان طول الغيبة مظنّة الأمن من الهجوم، فيقع للذي يَهْجُم بعد طول الغيبة غالبًا ما يَكْرَه: إما بأن يجد أهله على غير أُهبة، من التنظّف، والتزين المطلوب من المرأة، فيكون ذلك سبب النَّفْرة بينهما، وقد أشار إلى ذلك بقوله في هذا الحديث: «كي تمتشط الشعثة، وتَستحِدّ المغيبة»، ويؤخذ منه كراهة مباشرة المرأة في الحالة التي تكون فيها غير متنظفة؛ لئلا يطّلع منها على ما يكون سببًا لنفرته منها. وإما بأن يجدها على حالة غير مرضيّة، والشرع مُحَرِّضٌ على الستر، وقد أشار إلى ذلك بقوله: «أن يتخوَّنهم، ويتطلب عَثَراتهم»، فعلى هذا مَن أَعْلَم أهله بوصوله، وأنه يَقْدَم في وقت كذا مثلًا لا يتناوله هذا النهي، وقد صَرَّح بذلك ابن خزيمة في «صحيحه»، في حديث ابن عمر قال: «قَدِم النبيّ - ﷺ - من غزوة، فقال: لا تطرقوا النساء، وأرسل من يُؤْذِن الناسَ أنهم قادمون». قال ابن أبي جمرة - ﵀ -: فيه النهي عن طروق المسافر أهله على غِرّة من غير تقدّم إعلام منه لهم بقدومه، والسبب في ذلك ما وقعت إليه الإشارة في الحديث، قال: وقد خالف بعضهم، فرأى عند أهله رجلًا، فعوقب بذلك على مخالفته. انتهى. وأشار بذلك إلى حديث أخرجه ابن خزيمة، عن ابن عمر قال: «نهى رسول الله - ﷺ - أن تُطْرَق النساء ليلًا، فطَرَق رجلان، كلاهما وجد مع امرأته ما يكره»، وأخرجه من حديث ابن عباس نحوه، وقال فيه: «فكلاهما وجد مع امرأته رجلًا». ووقع في حديث مُحارب، عن جابر، أن عبد الله بن رواحة أتى امرأته ليلًا، وعندها امرأة تَمْشُطها، فظنها رجلًا، فأشار إليها بالسيف، فلما ذَكَر للنبيّ - ﷺ - نَهَى أن يَطْرُق الرجل أهله ليلًا. أخرجه أبو عوانة في «صحيحه» ، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٤٩٥٧] (. . .) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنِي عَبْدُ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَيَّارٍ، عَنْ عَامِرٍ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إِذا قَدِمَ أَحَدُكُمْ لَيْلًا فَلَا يَأْتِيَنَّ أَهْلَهُ طُرُوقًا، حَتَّى تَسْتَحِدَّ الْمُغِيبَةُ، وَتَمْتَشِطَ الشَّعِثَةُ»). رجال هذا الإسناد: ستة: وكلّهم ذُكروا في الباب، وقبل بابين، و«عبد الصمد» هو: ابن عبد الوارث المذكور قبل حديث، و«عامر» هو الشعبيّ. وقوله: (فَلَا يَأْتِيَنَّ أَهْلَهُ طُرُوقًا) بضمّ الطاء المهملة: هو الإتيان في الليل، وكلّ آتٍ في الليل فهو طارق . وقوله: (حَتَّى تَسْتَحِدَّ الْمُغِيبَةُ) قال النوويّ: معنى «تستحدّ المغيبة»؛ أي: تزيل شَعْر عانتها، والمغيبة التي غاب زوجها، والاستحداد: استفعال من استعمال الحديدة، وهي الْمُوسَى، والمراد: إزالته كيف كان. انتهى . والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفًى في الحديث الماضي، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٤٩٥٨] (. . .) - (وَحَدَّثَنِيهِ يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا سَيَّارٌ، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ). رجال هذا الإسناد: ثلاثة: ١ - (يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ) بن عربيّ البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٨) أو بعدها (م ٤) تقدم في «الإيمان» ١٤/ ١٦٥. ٢ - (رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ) بن العلاء القيسيّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ فاضلٌ، له تصانيف [٩] (ت ٥ أو ٢٠٧) (ع) تقدم في «الإيمان» ٩٠/ ٤٧٦. و«شُعبة» ذُكر قبله. [تنبيه]: رواية روح عن شعبة هذه ساقها أبو عوانة - ﵀ - في «مسنده»، فقال: (٧٥٢٧) - حدّثنا الصغانيّ، قال: ثنا رَوْح بن عُبادة، عن شعبة، عن عاصم الأحول، قال: سمعت الشعبيّ، عن جابر بن عبد الله، أن رسول الله - ﷺ -: «نَهَى إذا أطال الرجل الغيبة أن يطرق أهله ليلًا». انتهى . وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٤٩٥٩] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ - يَعْنِي: ابْنَ جَعْفَرٍ - حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِذَا أَطَالَ الرَّجُلُ الْغَيْبَةَ أَنْ يَأْتِيَ أَهْلَهُ طُرُوقًا»). رجال هذا الإسناد: ستة: وكلهم تقدّموا في الباب، وقبل بابين، والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفى قبل حديثين، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٤٩٦٠] (. . .) - (وَحَدَّثَنِيهِ يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ، حَدَّثَنَا رَوْحٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، بِهَذَا الإِسْنَادِ). رجال هذا الإسناد: ثلاثة: وهم المذكورون قبل حديث. قال الحافظ أبو عوانة - ﵀ - في «مسنده» بعد إخراج الحديث من رواية شعبة، عن عاصم ما نصّه: عند روح عن شعبة الحديثين جميعًا، عن سيّار، وعاصم. انتهى. يعني: أن روح بن عبادة روى الحديث عن شعبة بالإسنادين: إسناده عن سيّار، عن الشعبيّ، عن جابر، وإسناده عن عاصم، عن الشعبيّ، عن جابر - ﵁ -. وبالسند المتصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٤٩٦١] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مُحَارِبٍ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَنْ يَطْرُقَ الرَّجُلُ أهْلَهُ لَيْلًا، يَتَخَوَّنُهُمْ، أَوْ يَلْتَمِسُ عَثَرَاتِهِمْ »). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (وَكِيعُ) بن الجرّاح، تقدّم قبل بابين. ٢ - (سُفْيَانُ) بن سعيد بن مسروق الثوريّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقة حافظ فقيه عابد إمام حجة، وربما دلّس، من رؤوس [٧] (ت ١٦١) (ع) تقدم في «المقدمة» ١/ ١. ٣ - (مُحَارِبُ) بن دثار السَّدوسيّ الكوفيّ القاضي، ثقةٌ إمام زاهدٌ [٤] (١١٦) (ع) تقدم في «الصلاة» ٤٠/ ١٠٦٩. والباقيان ذُكرا في الباب. قوله: (نَهَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَنْ يَطْرُقَ الرَّجُلُ أَهْلَهُ لَيْلًا) مؤكّد لمعنى «يطرُق» لأن الطروق يكون بالليل، فتنبّه. وقوله: (يَتَخَوَّنُهُمْ) قال النوويّ - ﵀ -: معناه: يظنّ خيانتهم، ويكشف أستارهم، ويكشف هل خانوا أم لا؟. قال: ومعنى هذه الروايات كلها أنه يُكره لمن طال سفره أن يُقدِم على امرأته ليلًا بغتةً، فأما من كان سفره قريبًا تتوقع امرأته إتيانه ليلًا فلا بأس، كما قال في إحدى هذه الروايات: «إذا أطال الرجل الغيبة»، وإذا كان في قَفْل عظيم، أو عَسْكَرٍ ونحوهم، واشتهر قدومهم ووصولهم، وعَلِمت امرأته وأهله أنه قادم معهم، وأنهم الآن داخلون فلا بأس بقدومه متى شاء؛ لزوال المعنى الذي نُهي بسببه، فإن المراد أن يتأهبوا، وقد حصل ذلك، ولم يَقدَم بغتة، ويؤيد ما ذكرناه ما جاء في الحديث الآخر: «أمهلوا حتى ندخل ليلًا - أي: عشاءً - كي تمتشط الشَّعِثَة، وتَسْتَحِدّ الْمُغِيبة»، فهذا صريح فيما قلناه، وهو مفروض في أنهم أرادوا الدخول في أوائل النهار بغتةً، فأمرهم بالصبر إلى آخر النهار؛ ليبلغ قدومهم إلى المدينة، وتتأهب النساء، وغيرهنّ، والله أعلم. انتهى . وقوله: (أَوْ يَلْتَمِسُ عَثَرَاتِهِمْ) «أو» للشكّ من الراوي، ووقع في بعض النسخ: «عَثْرتهم» بفتح، فسكون؛ أي: زلَّتهم، يقال: عَثَرَ الرجل في ثوبه يَعْثُرُ، والدابة أيضًا، من باب قتل، وفي لغة من باب ضرب عِثَارًا بالكسر، والعَثْرَةُ: المرة، ويقال للزلة: عَثْرَةٌ؛ لأنها سقوط في الإثم، وفرّق بينهما في «مختصر العين»، فقال: عَثَرَ الرجل عُثُورًا، وعَثَرَ الفرس عِثَارًا، وعَثَرَ عليه عَثْرًا، من باب قتل، وعُثُورًا: اطّلع عليه، وأَعْثَرَهُ غيره: أعلمه به. انتهى . وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٤٩٦٢] (. . .) - (وَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: قَالَ سُفْيَانُ: لَا أَدْرِي هَذَا فِي الْحَدِيثِ، أَمْ لَا؟، يَعْنِي: أَنْ يَتَخَوَّنَهُمْ، أَوْ يَلْتَمِسَ عَثَرَاتِهِمْ). رجال هذا الإسناد: ثلاثة: ١ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ) بن مهديّ بن حسّان العنبريّ مولاهم، أبو سعيد البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ عارف بالرجال والحديث [٩] (ت ١٩٨) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٨٨. والباقيان ذُكرا في الباب. وقوله: (قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ)؛ يعني: ابن مهديّ، (قَالَ سُفْيَانُ) الثوريّ (لَا أَدْرِي هَذَا فِي الْحَدِيثِ، أَمْ لَا؟، يَعْنِي: أَنْ يَتَخَوَّنَهُمْ، أَوْ يَلْتَمِسَ عَثَرَاتِهِمْ) أشار به إلى أن قوله: «يتخوّنهم. . . إلخ» مما شكّ فيه سفيان، هل هو من جملة الحديث المرفوع، أم لا؟، والظاهر أنه ليس من الحديث، وإلى هذا أشار المصنّف برواية شُعبة التالية، حيث روى الحديث عن محارب، كما روى سفيان، إلا أنه خالفه في الزيادة، فدلّ على أنها ليست منه، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٤٩٦٣] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ (ح) وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَا جَمِيعًا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مُحَارِبٍ، عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - بِكَرَاهَةِ الطُّرُوقِ، وَلَمْ يَذْكُرْ: يَتَخَوَّنُهُمْ، أَوْ يَلْتَمِسُ عَثَرَاتِهِمْ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ) العنبريّ مولاهم، أبو عمرو البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٧) (خ م د س) تقدم في «المقدمة» ٣/ ٧. ٢ - (أَبُوهُ) معاذ بن معاذ بن نصر بن حسّان العنبريّ مولاهم، أبو المثنّى البصريّ القاضي، ثقةٌ متقنٌ، من كبار [٩] (ت ١٩٦) (ع) تقدم في «المقدمة» ٣/ ٧. والباقون ذُكروا في الباب، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. ٣٣ - (كِتَابُ الصَّيْدِ وَالذَّبَائِحِ، وَمَا يُؤْكَلُ مِنَ الْحَيَوَانِ) مسائل تتعلّق بهذه الترجمة: (المسألة الأولى): في الكلام على الصيد: قال الفيّوميّ - ﵀ -: صاد الرجلُ الطيرَ يَصِيده صَيْدًا، فالطير مَصِيدٌ، والرجل صائدٌ، وصَيّادٌ. قال ابن الأعرابيّ: يقال: صَاد يَصَادُ، وباتَ يَبَاتُ، وعافَ يَعَافُ، وخالَ الغيثَ يَخَالُهُ، لغةٌ في يَفْعِلُ بالكسر في الكلّ، وسُمّي ما يُصاد: صَيْدًا، إمّا فَعْلٌ بمعنى مفعول، وإما تسميةٌ بالمصدر، والجمع: صُيُود، واصطاده مثلُ صاده، والمَصِيدة وزانُ كَرِيمة، والْمِصْيَدَة بكسر الميم، وسكون الصاد، والْمِصْيَدُ بحذف الهاء أيضًا: آلة الصيد، والجمع: مصايد بغير همز. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ومن إطلاق الصيد على الْمَصِيد قول الشاعر [من بحر الكامل]: صَيْدُ الْمُلُوكِ أَرَانِبٌ وَثَعَالِبُ … وَإِذَا رَكِبْتُ فَصَيْدِيَ الأَبْطَالُ وفي «حاشية» ابن عابدين على «الدرّ المختار»: الصيد مصدر صاده: إذا أخذه، فهو صائد، وذاك مَصِيدٌ، ويُسمّى المصِيد صيدًا، فيُجمع على صُيُود، وهو كلّ ممتنع، متوحّشٍ طبعًا، لا يُمكن أخذه إلا بحيلة. انتهى. «مُغرب». فخرج بـ «الممتنع» مثل الدجاج والبَطّ؛ إذ المراد منه أن يكون له قوائم، أو جناحان، يملك عليهما، ويقدر على الفرار من جهتهما. وبـ «المتوحّش» مثل الْحَمَام؛ إذ معناه أن لا يألف الناس ليلًا، ونهارًا. وبـ «طبعًا» ما يتوحّش من الأهليّات، فإنها لا تحل بالاصطياد، وتحِلّ بذكاة الضرورة، ودخل متوحّشٌ يألف، كالظبي، لا يمكن أخذه إلا بحيلة؛ أي: فإنه وإن كان مما يألف بعد الأخذ، إلا أنه صيد قبله، يحلّ بالاصطياد، ودخل فيه ما لا يُؤكل لحمه. انتهى كلام ابن عابدين - ﵀ - ببعض اختصار. وقال أبو العبّاس القرطبيّ - ﵀ -: الأصل في جواز الصيد على الجملة الكتاب، والسنّة، وإجماع الأمّة، فأما الكتاب فقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ الآية [المائدة: ٤]؛ أي: وصيد ما علّمتم، وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ﴾ الآية [المائدة: ٩٤]، وقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ [المائدة: ٩٦]. وأما السنّة فالأحاديث الآتية الصحيحة، وأما الإجماع فإنه قد أجمع أهل العلم على إباحة الاصطياد، والأكل من الصيد. والصيد ذكاة في المتوحّش طبعًا، غير المقدور عليه، المأكول نوعه، والنظر فيه في الصائد، والْمَصِيد، والآلة التي يُصاد بها، ولكلّ منها شروطٌ يأتي بيانها أثناء النظر في الأحاديث الآتية، إن شاء الله تعالى. انتهى كلام القرطبيّ ببعض تصرّف . وقال النوويّ - ﵀ -: الأحاديث المذكورة في هذا الكتاب في الاصطياد كلّها فيها إباحة الاصطياد، وقد أجمع المسلمون عليه، وتظاهرت عليه دلائل الكتاب، والسنّة، والإجماع. قال القاضي عياض: هو مباح لمن اصطاد للاكتساب، والحاجة، والانتفاع به بالأكل، وثمنه. قال: واختلفوا فيمن اصطاد للهو، ولكن قَصَد تذكيته، والانتفاع به، فكرهه مالكٌ، وأجازه الليث، وابن عبد الحكم، قال: فإنْ فَعَله بغير نيّة التذكية، فهو حرام؛ لأنه فساد في الأرض، وإتلاف نفس عَبَثًا. انتهى ، والله تعالى أعلم. (المسألة الثانية): في الكلام على الذبائح: «الذبائح»: جمع ذبيحة، من «الذبح» - بفتح، فسكون - وهو قطع الحلقوم من باطنٍ عند النَّصِيل، وهو موضع الذبح من الحلق، قال الفيّوميّ - ﵀ -: ذبحت الحيوان ذَبْحًا، فهو ذبيحٌ، ومذبوحٌ، والذبيحة: ما يُذبح، وجَمْعها ذبائح، مثلُ كريمة وكرائم، وأصل الذبح: الشَّقُّ، والذِّبْحُ وزانُ حِمْل: ما يُهيّأ للذَّبْح، والْمِذْبَحُ بالكسر: السكّين الذي يُذبح به، والْمَذْبَحُ بالفتح: الْحُلْقُوم. انتهى . وقال ابن منظور - ﵀ -: الذّبْحُ مصدر ذبحتُ الشاةَ، يقال: ذَبَحَه يَذْبَحُهُ ذَبْحًا، فهو مذبوحٌ، وذَبِيحٌ، من قوم ذَبْحَى، وذَبَاحَى، وكذلك التيس، والكبش من كِبَاش ذَبْحَى، وذَبَحَى. والذّبِيحَةُ: الشاة المذبوحة، وشاةٌ ذَبِيحة، وذَبيحٌ، من نِعَاج ذَبْحَى، وذَبَاحَى، وذَبَائح، وكذلك الناقة، قال الأزهريّ: الذَّبِيحة: اسم لِمَا يُذبَح من الحيوان، وأُنّث لأنه ذُهب به مذهب الأسماء، لا مذهب النعت، فإن قلت: شاة ذبيح، أو كبش ذبيح، أو نعجة ذبيحٌ لم تدخل فيه الهاء؛ لأن فعيلًا إذا كان نعتًا في معنى مفعول يُذكّر، يقال: امرأةٌ قتيلٌ، وكَفٌّ خَضِيبٌ. وقال أيضًا: الذبيح: المذبوح، والأنثى ذبيحة، وإنَّمّا جاءت بالهاء لغلبة الاسم عليها. والذِّبح - بكسر، فسكون -: اسم ما أُعدّ للذبح، وهو بمنزلة الذبيح، والمذبوح، كالطِّحْن بمعنى المطحون، والْقِطْف بمعنى المقطوف، قال الله تعالى: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (١٠٧)﴾ [الصافات: ١٠٧]؛ أي: بكبش يُذبح، وهو الكبش الذي فُدي به إسماعيل بن إبراهيم - صلى الله عليهما، وعلى نبيّنا وسلّم -. والذَّبْحُ أيضًا الشّقّ، وكلُّ ما شُقّ، فقد ذُبح، قال منظور بن مرثد الأسديّ [من مشطور الرجز]: يَا حَبَّذَا جَارِيَةٌ مِنْ عَكِّ … تُعَقِّدُ الْمِرْطَ عَلَى مِدَكِّ شِبْهِ كَثِيبِ الرَّمْلِ غِيْرِ رَكِّ … كَأَنَّ بَيْنَ فَكِّهَا وَالْفَكِّ فَأْرَةُ مِسْكٍ ذُبِحَتْ فِي سُكِّ أي: فُتقت. ذكر هذا كلّه في «لسان العرب» . [تنبيه]: إنما جمع الذبائح؛ لاختلاف أنواعها، من الإبل، والبقر، والغنم، وغيرها، وإنما أفرد الصيد؛ لأنه في الأصل مصدر، كما سبق، والمصدر يصدق بلفظه على القليل والكثير، والصيد بمعنى المصدر ذكاة في الحيون المتوحّش، طبعًا، غير المقدور عليه المأكول نوعه، وأما الصيد بمعنى المصيد، فهو الحيوان الذي يُقدر على ذكاته تارةً، ولا يُقدر عليها أخرى ، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في بيان بعض حكمة مشروعيّة الصيد والذبائح: (اعلم): أن الله - ﷾ - أكرم الإنسان، وفضّله على كثير ممن خلق تفضيلًا، وسخّر له الكون، فكله قائم بخدمته، وإنجاز ما يهواه، ويُعينه على أداء ما تُحمّله الأمانة، كما قال - ﷿ -: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ الآية [البقرة: ٢٩]، وهذا النصّ ظاهر في أن ما على الأرض جميعًا مخلوق؛ لينتفع به الإنسان بصورة من صور الانتفاع، غير أن الانتفاع ينبغي أن يكون على وجه جلب المنافع، وإقامة المصالح، لا على وجه يؤدّي إلى المفاسد فرديّة كانت أو اجتماعيّة، خُلُقيّة كانت أو نفسيّة، دينيّة كانت أو دنيويّة، ومن أجل ذلك شرع الله - ﷾ - الحلال والحرام، فأباح للإنسان ما ينفعه، وحرّم عليه ما يضرّه، على وجه اقتضته حكمته البالغة التي ربما لا تصل إليها هذه العقول القاصرة، فليس للإنسان إلا أن يستسلم لأوامر ربه - ﷿ -، وينتهي عن نواهيه، سواء أدرك حكمتها أم لم يدركها؛ لأنه - ﷾ - أعلم بمصالح عباده، وهم لا يعلمون، كما قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٢١٦)﴾ [البقرة: ٢١٦]. وإن الأكل والشرب من أعظم حاجات الإنسان التي لا يمكن أن يعيش بدونها، وإن لحم الحيوان الطيّبة من أعظم المآكل التي عرفها الإنسان، فإنها من ألذّ المأكولات طعمًا، وأنفعها للصحة البشريّة، وأكثرها تقويةً للجسم، وأوفرها وجودًا طبيعيًّا، لا يحتاج إلى غرس، أو زرع، وقد جُبل الإنسان على استحسان طعمه، والانتفاع بملاذّه. وقد ذكر صاحب «التكملة» عن الشيخ محمد قاسم النانوتويّ - ﵀ - في رسالة له أثناء ردّه على بعض الهنود الذين يُشَنِّعون على أكل اللحم، فقال: إن الله - ﷾ - خلق أعضاء كلّ حيوان وصوّرها بما يلائم فطرته في معيشته، وأكله، وشربه، فالطيور التي لها مناقير معوجّة تأكل اللحم، والتي لها مناقير مستقيمة ترعى الحشيش ونحوه، وكذلك الحيوانات التي ترعى العشب، ولا تأكل اللحم لها أضراس مدوّرة، وليس لها أنياب إلا نادرًا، كالبقر، والغنم، والإبل، والفرس، وأما الحيوانات التي تأكل اللحم فإن أضراسها عريضة، وليست مدوّرة، ولها أنياب حادّة، مثل جميع السباع. وإذا رأينا الإنسان على هذا العيار فإن له أضراسًا عريضةً، وأنيابًا حادّة، وهذا يدلّ على أن فطرته تقتضي أكل اللحم، دون الاقتصار على الخضروات والمزروعات. ونظرًا إلى هذه الأمور الفطريّة للإنسان أباح الله - ﷾ - لحم الحيوانات الطيّبة، وحرّم عليه منها ما يضرّ الصحّة الجسميّة، أو الروحيّة، أو النفسيّة، أو الخُلقيّة. ثم الحيوانات الطيّبة إنما أبيح لحومها إذا وقعت تذكيتها بطريق مشروعٍ، فإن الحيوانات التي تموت طبعًا، أو التي تموت بالخنق، أو الوقذ تحتبس دماؤها في أعضائها، فتتنجّس أعضاؤها، فإن أكل لحمها أورث أمراضًا جسميّةً، أو نفسيّةً، أو خلقيّة. فهذا هو السرّ في مشروعيّة الذبح والنحر، وطُرُق الذكاة الأخرى، فإنها تُنهر الدم من جسم الحيوان، وتفيضها إلى الخارج بما يجعل لحمها طاهرًا من أوساخها، فيطيب اللحم للآكل. وإن أفضل هذه الطرق هو الذبح والنحر، فإن إنهار الدم فيهما أكمل، وإزهاق الروح بهما أسهل، فأوجبت الشريعة في الأحوال الاختياريّة أن يكون قتل الحيوان بهذا الطريق المشروع فقط، فاشتُرِط في الحيوانات الأليفة أن تُذبح، أو تُنحر لقطع عروقها، وأما في الحيوانات الشاردة التي لا تقع تحت اختيار الإنسان، فاكتَفَى الشرع بمجرّد إنهار الدم بآلة محدودة، سواء كان هذا الإنهار عن طريق حلقومها، أو عن طريق غيرها من الأعضاء. ثم إن إنهار الدم طريق لتطهير ظاهر الحيوان، وشَرَع الله تعالى مع ذلك ما يُطهّر باطنه، وذلك ذِكْر اسم الله تعالى عليه من قبل الذابح، أو الصائد، واشترط أن يكون مسلمًا، أو كتابيًّا؛ لأنّ ذِكر غيرهما غير معتبَر شرعًا، فلا
مصادر المؤلف (٢٨)

١. «المصباح المنير» ١/ ٣٧٢.

٢. أشار به إلى ما أخرجه الشيخان في «صحيحيهما» من قوله - ﷺ -: «واغدُ يا أُنيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها».

٣. «المصباح المنير» ٢/ ٤٤٣.

٤. «المصباح المنير» ٢/ ٤١٢.

٥. «الكاشف عن حقائق السنن» ٨/ ٢٦٨٣.

٦. «مسند الإمام أحمد بن حنبل» ٣/ ١٢٥.

٧. هذا الرقم مكرّر، فقد تقدّم.

٨. «المصباح المنير» ٢/ ٥٨٣.

٩. «الفتح» ٩/ ٢٤١، كتاب «النكاح» رقم (٥٢٤٥).

١٠. راجع: «المصباح المنير» ٢/ ٥٧٤.

١١. راجع: «المصباح المنير» ١/ ٣١٤.

١٢. «القاموس المحيط» ص ٢٦٩.

١٣. راجع: «المصباح المنير» ٢/ ٤٥٨.

١٤. «القاموس المحيط» ص ٩٦٧.

١٥. «المفهم» ٣/ ٧٦٧.

١٦. راجع: «الفتح» ١١/ ٧٠١، كتاب «النكاح» (٥٢٤٣).

١٧. «شرح النووي» ١٣/ ٧١.

١٨. «شرح النووي» ١٣/ ٧١.

١٩. «مسند أبي عوانة» ٤/ ٥١٢.

٢٠. وفي نسخة: «أو يطلب عثراتهم».

٢١. «شرح النوويّ» ١٣/ ٧١ - ٧٢.

٢٢. «المصباح المنير» ٢/ ٣٩٣.

٢٣. وفي نسخة: «بكراهية».

٢٤. «المفهم» ٥/ ٢٠٤.

٢٥. «شرح النوويّ» ١٣/ ٧٥.

٢٦. «المصباح المنير» ١/ ٢٠٦.

٢٧. «لسان العرب» ٢/ ٤٣٨.

٢٨. راجع: شرح الشيخ الهرريّ ٢٠/ ٣٠٢.