HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٩٣٩

وحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ الأَزْدِيُّ. حَدَّثَنَا عُمَرُ بن حفص ابن غِيَاثٍ. حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ عَامِرٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: لَا أَدْرِي. إِنَّمَا نَهَى عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ كَانَ حَمُولَةَ النَّاسِ، فَكَرِهَ أَنْ تَذْهَبَ حَمُولَتُهُمْ. أَوْ حَرَّمَهُ فِي يوم خيبر. لحوم الحمر الأهلية.
ج ٣ ص ١٥٣٩

سلسلة الرواة

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣٣ ص١٨٣
نَضْجًا، من باب تَعِبَ: طاب أكله، والاسم: النُّضْجُ بضمّ النون، وفتحُها لغةٌ، والفاعل: ناضجٌ، ونَضِيجٌ، وأنضجته بالطبخ، فهو مُنْضَجٌ، ونَضِيجٌ أيضًا . وقوله: (ثُمَّ لَمْ يَأْمُرْنَا بِأَكْلِهِ) وفي رواية البخاريّ: «فلم يأمرنا بعدُ بأكله» بضم الدال؛ أي: بعد أمره - ﷺ - بإلقاء الحمر الأهلية، وفيه إشارة إلى استمرار تحريمه، وقد تقدّم البحث فيه مستوفًى في المسألة المذكورة في شرح حديث عليّ - ﵁ - أوّل الباب، والحديث متّفقٌ عليه. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٥٠٠٨] (. . .) - (وَحَدَّثَنِيهِ أَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ، حَدَّثَنَا حَفْصٌ - يَعْنِي: ابْنَ غِيَاثٍ - عَنْ عَاصِمٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ نَحْوَهُ). رجال هذا الإسناد: ثلاثة: ١ - (أَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ) عبد الله بن سعيد بن حُصين الْكِنْديّ الكوفيّ، ثقةٌ، من صغار [١٠] (ت ٢٥٧) (ع) تقدم في «المقدمة» ٤/ ١٧. ٢ - (حَفْصُ بْنُ غِيَاثِ) بن طلق بن معاوية النخعيّ، أبو عمر الكوفيّ القاضي، ثقةٌ فقيهٌ، تغيّر حفظه قليلًا في الآخر [٨] (ت ٤ أو ١٩٥) (ع) تقدم في «الإيمان» ٨/ ١٣٦. و«عاصم الأحول» ذُكر قبله. [تنبيه]: رواية حفص بن غياث عن عاصم الأحول هذه لم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٥٠٠٩] (١٩٣٩) - (وَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ الأَزْدِيُّ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ عَامِرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: لَا أَدْرِي إِنَّمَا نَهَى عَنْهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ كَانَ حَمُولَةَ النَّاسِ، فَكَرِهَ أَنْ تَذْهَبَ حَمُولَتُهُمْ، أَوْ حَرَّمَهُ فِي يَوْمِ خَيْبَرَ لُحُومَ الْحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ الأَزْدِيُّ) أبو الحسن النيسابوريّ المعروف بحمدان، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت ٢٦٤) وله ثمانون سنة (م د س ق) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٩٠. ٢ - (عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ) أبو حفص الكوفيّ، ثقةٌ ربّما وَهِمَ [١٠] (٢٢٢) (خ م د ت س) تقدم في «الطهارة» ٣٢/ ٦٧٥. ٣ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) - ﵄ -، تقدّم قبل باب. والباقون ذكروا قبله. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُداسيّات المصنّف، وأن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه ابن عبّاس - ﵄ - أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، والمشهورين بالفتوى. شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) - ﵄ - أنه (قَالَ: لَا أَدْرِي)؛ أي: لا أعلم (إِنَّمَا نَهَى عَنْهُ)؛ أي: عن لحم الحمر الأهلية، والهمزة فيه للاستفهام، على سبيل الاستخبار ، (رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ كَانَ حَمُولَةَ النَّاسِ) بفتح الحاء، وهي التي يَحْمِل عليها الناس متاعهم، من الدوابّ، سواءٌ كانت عليها الأحمال، أو لم تكن، كالرَّكُوبة، وقال الكرمانيّ: الحمولة كلُّ ما احتَمَل عليه الحيّ، من حمار وغيره . (فَكَرِهَ أَنْ تَذْهَبَ حَمُولَتُهُمْ، أَوْ حَرَّمَهُ فِي يَوْمِ خَيْبَرَ)؛ يعني: تحريمًا مطلقًا مؤبدًا، وقوله: (لُحُومَ الْحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ) بنصب «لحوم» بفعل مقدّر؛ أي: أعني، ويَحْتَمِل الرفع على تقدير مبتدأ؛ أي: هو. وفي رواية البخاريّ: «لحم الحمر الأهليّة» بإفراد لفظ «لحم»، قال في «العمدة»: هذا بيان للضمير الذي في «عنه»، وفي «حرّمه»، ويجوز فيه النصب على تقدير: أعني لحمَ الحمر الأهلية، والرفع على تقدير: هو لحم الحمر الأهلية، فالنصب على المفعولية، والرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف. انتهى . وهذا الذي قاله ابن عبّاس - ﵄ - هنا يبيّن أنه علم بالنهي، لكنه حمله على التنزيه توفيقًا بين الآية وعمومها، وبين أحاديث النهي. وقال أبو عمر بن عبد البرّ - ﵀ -: وفي إذن رسول الله - ﷺ - في أكل الخيل وإباحته لذلك يوم خيبر دليل على أن نهيه عن أكل لحوم الحمر يومئذ عبادة لغير علة؛ لأنه معلوم أن الخيل أرفع من الحمير، وأن الخوف على الخيل وعلى قيامها فوق الخوف على الحمير، وأن الحاجة في الغزو وغيره إلى الخيل أعظم. وبهذا يتبيّن أن أكل لحوم الحمر لم يكن لحاجة وضرورة إلى الظَّهر والحمل، وإنما كانت عبادةً وشريعةً، والذين ذهبوا إلى إباحة أكل لحوم الحمر الأهلية، وهم عاصم بن عمر بن قتادة، وعبيد بن الحسن، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وبعض المالكية، احتَجّوا بحديث غالب بن أبجر، قال: يا رسول الله إنه لم يبق من مالي شيء أستطيع أن أطعم منه أهلي غير حمر لي، أو حمرات لي، قال: «فأطعم أهلك من سمين مالك، وإنما قذرت لكم جوال القرية»، رواه الطحاويّ، وأبو داود، وأبو يعلى، والطبرانيّ. وأجيب عنه بأن هذا الحديث مختلَف في إسناده، ففي طريق عن ابن معقل، عن رجلين من مزينة، أحدهما عن الآخر، عبد الله بن عمرو بن لُويم - بضم اللام، وفتح الواو، وسكون الياء، آخر الحروف، وفي آخره ميم - والآخر غالب بن أبجر، وقال مِسْعَر: أرى غالبًا الذي سأل النبيّ - ﷺ -، وفي طريق عبد الرحمن بن معقل، وفي طريق عبد الله بن معقل، وفي طريق عبد الرحمن بن بشر، وفي طريق عبد الله بن بشر عوض عبد الرحمن، وهذا اختلاف شديد، فلا يقاوم الأحاديث الصحيحة التي وردت بتحريم لحوم الأهلية. وقال ابن حزم: هذا الحديث بطرقه باطل؛ لأنها كلها من طريق عبد الرحمن بن بشر، وهو مجهول، والآخر من طريق عبد الله بن عمرو بن لويم، وهو مجهول، أو من طريق شريك، وهو ضعيف، ثم عن ابن الحسن، ولا يُدْرَى من هو؟ أو من طريق سَلْمَى بنت النضر الخضرية، ولا يُدْرَى من هي؟ وقال البيهقيّ: هذا حديث معلول، ثم طوّل في بيانه. انتهى . مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس - ﵄ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥/ ٥٠٠٩] (١٩٣٩)، و(البخاريّ) في «المغازي» (٤٢٢٧)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٥/ ٣٢)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٩/ ٣٣٠)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٥٠١٠] (١٨٠٢) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا حَاتِمٌ - وَهُوَ ابْنُ إِسْمَاعِيلَ - عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - إِلَى خَيْبَرَ، ثُمَّ إِنَّ اللهَ فَتَحَهَا عَلَيْهِمْ، فَلَمَّا أَمْسَى النَّاسُ الْيَوْمَ الَّذِي فُتِحَتْ عَلَيْهِمْ، أَوْقَدُوا نِيرَانًا كَثِيرَةً، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَا هَذِهِ النِّيرَانُ؟ عَلَى أَيِّ شَيْءٍ تُوقِدُونَ؟»، قَالُوا: عَلَى لَحْمٍ، قَالَ: «عَلَى أَيِّ لَحْمٍ؟»، قَالُوا: عَلَى لَحْمِ حُمُرٍ إِنْسِيَّةٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «أَهْرِيقُوهَا ، وَاكْسِرُوهَا»، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَوْ نُهَرِيقُهَا، وَنَغْسِلُهَا؟ قَالَ: «أَوْ ذَاكَ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادِ) بن الزِّبْرِقان المكيّ نزيل بغداد، صدوقٌ يَهِمُ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م ت س ق) تقدم في «المقدمة» ٤/ ١٩. ٢ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قريبًا. ٣ - (حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) الحارثي مولاهم، أبو إسماعيل المدنيّ، كوفيّ الأصل، صحيح الكتاب، صدوقٌ يَهِم [٨] (ت ٦ أو ١٨٧) (ع) تقدم في «الصلاة» ٤٢/ ١٠٨٦. ٤ - (يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ) الأسلميّ، مولى سلمة بن الأكوع المدنيّ، ثقةٌ [٤] مات سنة بضع وأربعين ومائة (ع) تقدم في «الصلاة» ٥١/ ١١٤٠. ٥ - (سَلَمَةُ بْنُ الأَكْوَعِ) هو: سلمة بن عمرو بن الأكوع نُسب لجدّه الأسلميّ، أبو مسلم، أو أبو إياس الصحابيّ الشهير، شَهِدَ بيعة الرضوان، ومات بالمدينة سنة (٦٤) (ع) تقدم في «الإيمان» ٤٤/ ٢٨٨. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من رباعيّات المصنّف، وهو (٣٥٧) من رباعيّات الكتاب، وهو مسلسلٌ بالمدنيين، غير شيخيه، فالأول مكيّ، ثم بغداديّ، والثاني بغلانيّ. شرح الحديث: (عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ) - ﵁ - أنه (قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - إِلَى خَيْبَرَ)؛ أي: غزوها، (ثُمَّ إِنَّ اللهَ فَتَحَهَا عَلَيْهِمْ)؛ أي: على المسلمين، (فَلَمَّا أَمْسَى النَّاسُ)؛ أي: دخلوا في وقت المساء، وهو ما بين الظهر إلى المغرب، (الْيَوْمَ) منصوب على الظرفيّة لـ «أمسى»، (الَّذِي فُتِحَتْ) بالبناء للمفعول؛ أي: فُتحت خيبر (عَلَيْهِمْ)؛ أي: على المسلمين، (أَوْقَدُوا نِيرَانًا كَثِيرَةً) يطبخون بها لحوم الحمر الأهليّة، (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَا هَذِهِ النِّيرَانُ؟ عَلَى أَيِّ شَيْءٍ تُوقِدُونَ؟»، قَالُوا)؛ أي: الصحابة، (عَلَى لَحْمٍ)؛ أي: نوقدها لأجل طبخ لحم، (قَالَ) - ﷺ - («عَلَى أَيِّ لَحْمٍ؟»)؛ أي: على أيِّ لحم من أنواع اللحوم توقدونها؟ (قَالُوا: عَلَى لَحْمِ حُمُرٍ) وفي رواية البخاريّ: «قالوا: لحم حمر»، قال في «العمدة»: يجوز في لفظ «لحم» الرفع، والنصب، فالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، تقديره: هو لحم حمر، والنصب بنزع الخافض، والتقدير: على لحم حمر، والحمر بضمتين جمع حمار. انتهى . (إِنْسِيَّةٍ) بالجرّ صفة «حُمُرٍ»، وهو بكسر الهمزة، وسكون النون، وكسر السين المهملة، وتشديد الياء آخر الحروف: نسبة الحمر إلى الإنس، ومعناه: الحمر الأهلية، وفي «المطالع»: الأَنَسيّة بفتح الهمزة، وفتح النون، قاله في «العمدة» . (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «أَهْرِيقُوهَا)؛ أي: أريقوها، فالهاء فيه زائدة، ووقع في بعض النسخ:«هَرِيقوها» بلا همزة في أوله، وأصله: أريقوها بالهمز، فأُبدلت هاء، قال الفيّوميّ - ﵀ -: ورَاقَ الماءُ والدمُ، وغيره رَيْقًا، من باب باع: انصبّ، ويتعدى بالهمزة، فيقال: أَرَاقَهُ صاحبُهُ، والفاعل: مُرِيقٌ، والمفعول: مُرَاقٌ، وتُبدل الهمزة هاء، فيقال: هَرَاقَهُ، والأصل: هَرْيَقَهُ، وزانُ دَحْرَجَهُ، ولهذا تُفتح الهاء من المضارع، فيقال: يُهَريقه، كما تفتح الدال من يُدَحْرِجه، وتفتح من الفاعل، والمفعول أيضًا، فيقال: مُهَرِيقٌ، ومُهَرَاقٌ، والأمر: هَرِقْ ماءَكَ، والأصل: هَرْيِقْ، وزانُ دَحْرِج، وقد يُجْمَع بين الهاء والهمزة، فيقال: أَهْرَاقَهُ يُهْرِيقُهُ ساكن الهاء؛ تشبيهًا له بأسطاع يُسطيع، كأن الهمزة زيدت عوضًا عن حركة الياء في الأصل، ولهذا لا يصير الفعل بهذه الزيادة خماسيًّا. انتهى ، وقد تقدّم بأتمّ مما هنا في «كتاب الجهاد»، ولله الحمد والمنّة. (وَاكْسِرُوهَا»)؛ أي: اكسروا القدور التي تُطبخ فيها؛ لتنجّسها. (فَقَالَ رَجُلٌ) قيل: يَحْتَمِل أن يكون عمر - ﵁ -، وقد أسلفت في«الجهاد»أنه لم يذكر مستنده، والله تعالى أعلم. (يَا رَسُولَ اللهِ، أَوْ نُهَرِيقُهَا)؛ أي: أوْ نترك كَسْرها، بل نهريق ما فيها من اللحم (وَنَغْسِلُهَا؟ قَالَ) - ﷺ - («أَوْ ذَاكَ») مفعول لفعل مقدّر؛ أي: افعلوا ذاك؛ أي: الغسل. وقال السنوسي - ﵀ -: قوله:«أوْ ذاك»بسكون الواو، وقال الأبيّ - ﵀ -: الأظهر أنه تخيير في أحد الأمرين ؛ يعني: الكسر، أو الغسل. وقال القرطبيّ - ﵀ -: قوله - ﷺ - في القدور:«أهريقوها، واكسروها»، كان الأمر بكسر هذه القدور إنما صدر منه بناءً على أن هذه القدور لا يُنتفع بها مطلقًا، وأن الغسل لا يؤثّر فيها لِمَا يسري فيها من النجاسة، فلما قال له الرجل:«أو نهريقها، ونغسلها»فَهِم الرسول - ﷺ - أنها مِمَّا تَنْغَسل، فأباح له ذلك، فتبدَّل الحكم لتبَدُّل سببه، ولهذا في الشريعة نظائر، وهي تدل على أنَّه - ﷺ - كان يحكم بالاجتهاد فيما لم يُوح إليه فيه شيء، وقد تقدم التنبيه على هذا في الحجِّ عند قول العباس:«إلا الإذخر»، وفيه دليلٌ: على أن إزالة النجاسات إنما تكون بالماء، خلافًا لأبي حنيفة، وقد تقدم. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: حديث سلمة بن الأكوع - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه، وقد مضى للمصنّف مطوّلًا في«كتاب الجهاد» [٤١/ ٤٦٥٩] (١٨٠٢) وقد مرّ شرحه مستوفًى، وكذا وبيان مسائله هناك، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق. [تنبيه]: في الحديث أن الذكاة لا تطهّر ما لا يحل أكله، وأن كل شيء تنجّس بملاقاة النجاسة يكفي غسله مرة واحدةً؛ لإطلاق الأمر بالغسل، فإنه يصدُق بالامتثال بالمرة، والأصل أن لا زيادة عليها، وأن الأصل في الأشياء الإباحة؛ لكون الصحابة - ﵃ - أقدموا على ذبحها، وطبخها، كسائر الحيوان من قبل أن يستأمروا، مع توفّر دواعيهم على السؤال عما يُشكل، وأنه ينبغي لأمير الجيش تفقّد أحوال رعيته، ومن رآه فَعَل ما لا يَسوغ في الشرع أشاع منعه، إما بنفسه، كأن يخاطبهم، وإما بغيره بأن يأمر مناديًا فينادي؛ لئلا يغترّ به من رآه، فيظنه جائزًا، قاله في «الفتح» . وقال النوويّ - ﵁ -: هذا صريحٌ في نجاستها، وتحريمها، وتؤيده الرواية الأخرى: «فإنها رجس»، وفي الأخرى: «رجس، أو نجس». وفيه وجوب غسل ما أصابته النجاسة، وأن الإناء النجس يطهر بغسله مرةً واحدةً، ولا يحتاج إلى سبع، إذا كانت غير نجاسة الكلب والخنزير، وما تولّد من أحدهما. قال: وهذا مذهبنا، ومذهب الجمهور، وعند أحمد: يجب سبع في الجميع على أشهر الروايتين عنه، وموضع الدلالة أن النبيَّ - ﷺ - أطلق الأمر بالغسل، ويَصدُق ذلك على مرة، ولو وجبت الزيادة لبيّنها، فإن في المخاطَبِين من هو قريب العهد بالإسلام، ومن في معناه ممن لا يَفهم من الأمر بالغسل إلا مقتضاه عند الإطلاق، وهو مرةً. وأما أمْره - ﷺ - أوّلًا بكسرها، فيَحْتَمِل أنه كان بوحي، أو باجتهاد، ثم نُسِخَ، وتعيَّن الغسل، ولا يجوز اليومَ الكسرُ؛ لأنه إتلاف مال. وفيه دليلٌ على أنه إذا غُسل الإناء النجس فلا بأس باستعماله. انتهى ، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٥٠١١] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ مَسْعَدَةَ، وَصَفْوَانُ بْنُ عِيسَى (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ النَّضْرِ، حَدَّثَنَا أبُو عَاصِمٍ النَّبِيلُ، كُلُّهُمْ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (حَمَّادُ بْنُ مَسْعَدَةَ) التميميّ، أبو سعيد البصريّ، ثقةٌ [٩] (ت ٢٠٢) (ع) تقدم في «الصلاة» ٥١/ ١١٤٠. ٢ - (صَفْوَانُ بْنُ عِيسَى) الزهريّ، أبو محمد البصريّ القسّام، ثقةٌ [٩]. رَوَى عن يزيد بن أبي عبيد، وعبيد الله بن سعيد بن أبي هند، ومحمد بن عجلان، وهشام بن حسان، وعبد الله بن هارون، وهاشم بن هاشم، وغيرهم. وروى عنه أحمد، وإسحاق بن راهويه، وأبو بكر بن أبي شيبة، وبندار، وأبو موسى، وعباس بن عبد العظيم العنبريّ، وأحمد بن إبراهيم الدورقيّ، والذُّهلي، وغيرهم. قال أبو حاتم: صالح، وقال ابن سعد: كان ثقةً، صالِحًا، توفي بالبصرة سنة مائتين، في خلافة هارون، وقال البخاريّ: مات سنة (١٩٨)، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال: مات سنة ثمان وتسعين، أو أول سنة (١٩٩)، وقيل: سنة مائتين، وقيل: سنة (٢٠٨) في أول رجب، وكان من خيار عباد الله، وقال العجليّ: بصريّ ثقةٌ. وقال الذهبيّ: قول من قال: إنه مات سنة (٢٠٨) غلط. انتهى. أخرج له البخاريّ في التعاليق، والمصنّف، والأربعة، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث. ٣ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ النَّضْرِ) بن أبي النضر هاشم بن القاسم البغداديّ، وقد يُنسب إلى جدّه، واسمه وكنيته واحد، وقيل: اسمه محمد، وقيل: أحمد، ثقةٌ [١١] (ت ٢٤٥) (م ت س) تقدم في«المقدمة»٦/ ٣٦. ٤ - (أَبُو عَاصِمٍ النَّبِيلُ) الضحّاك بن مَخْلَد الشيبانيّ البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] (ت ٢١٢) أو بعدها (ع) تقدم في«الإيمان»٦/ ١٢٩. والباقيان ذُكرا في الباب. وقوله: (كُلُّهُمْ عَنْ يَزِيدَ أَبِي عُبَيْدٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ)؛ أي: كلّ هؤلاء الثلاثة: حمّاد بن مسعدة، وصفوان بن عيسى، وأبو عاصم النبيل رووا هذا الحديث عن يزيد بن أبي عُبيد، عن سلمة بن الأكوع - ﵁ -. [تنبيه]: رواية حمّاد بن مسعدة، عن يزيد بن أبي عُبيد ساقها الطبرانيّ - ﵀ - في«الكبير»، فقال: (٦٣٠١) - حدّثنا محمد بن يونس، ثنا نصر بن عليّ، أنا حماد بن مسعدة، عن يزيد، عن سلمة بن الأكوع، قال: أصابتنا مخمصة يوم خيبر، وأوقد الناس النيران، فقال النبيّ - ﷺ -:«ما هذه النيران؟ »قالوا: الحمر الأهلية، قال:«أهريقوا ما فيها، واكسِروا القدور»، فقال رجل: يا رسول الله أوْ نهريق ما فيها، ونغسلها؟ قال:«أو ذاك». انتهى . (١٦٥٦٠) - حدّثنا عبد الله، حدّثني أبي، ثنا صفوان، عن يزيد بن أبي عبيد، عن سلمة، قال: لما قَدِمنا خيبر رأى رسول الله - ﷺ - نيرانًا توقد، فقال:«علام توقد هذه النيران؟ »قالوا: على لخوم الحمر الأهلية، قال:«كَسِّروا القدور، وأهريقوا ما فيها»، قال: فقام رجل من القوم: فقال: يا رسول الله أنهريق ما فيها، ونغسلها؟ قال:«أو ذاك». انتهى . وأما رواية أبي عاصم النبيل، عن يزيد بن أبي عُبيد، فلم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم.
مصادر المؤلف (١٥)

١. «المصباح المنير» ٢/ ٦٠٩.

٢. «عمدة القاري» ١٧/ ٢٥٠.

٣. «عمدة القاري» ١٧/ ٢٥٠.

٤. «عمدة القاري» ١٧/ ٢٥٠.

٥. «عمدة القاري» ١٣/ ٣١.

٦. وفي نسخة: «هريقوها».

٧. «عمدة القاري»١٧/ ٢٣٦.

٨. «عمدة القاري»١٧/ ٢٣٦.

٩. «المصباح المنير»١/ ٢٤٨.

١٠. راجع:«شرح الأبّيّ»٥/ ٢٨٢.

١١. «المفهم» ٣/ ٢٢٦ - ٢٢٧.

١٢. «الفتح» ١٢/ ٥١٢.

١٣. شرح النوويّ«١٣/ ٩٣ - ٩٤.

١٤. «المعجم الكبير»٧/ ٣٤.

١٥. «مسند الإمام أحمد بن حنبل» ٤/ ٤٨.