HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٠٦٨

حدثنا يحيى بن يحيى. قال: قرأت على مالك عن نافع، عن ابن عمر؛ أن عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَأَى حُلَّةً سِيَرَاءَ عِنْدَ بَابِ الْمَسْجِدِ. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! لَوِ اشْتَرَيْتَ هَذِهِ فَلَبِسْتَهَا لِلنَّاسِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَلِلْوَفْدِ إِذَا قَدِمُوا عَلَيْكَ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (إِنَّمَا يَلْبَسُ هَذِهِ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ فِي الْآخِرَةِ) ثُمَّ جَاءَتْ رسول الله ﷺ منها حُلَلٌ. فَأَعْطَى عُمَرَ مِنْهَا حُلَّةً. فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! كَسَوْتَنِيهَا. وَقَدْ قُلْتَ فِي حُلَّةِ عُطَارِدٍ مَا قُلْتَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (إِنِّي لَمْ أَكْسُكَهَا لِتَلْبَسَهَا) فَكَسَاهَا عُمَرُ أَخًا لَهُ مُشْرِكًا، بِمَكَّةَ.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج6 ص137
ج ٣ ص ١٦٣٨

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٥ مصادر سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن النسائي, صحيح البخاري وغيرها
التحرير في شرح صحيح مسلم · قوام السنة الأصبهاني · ج١ ص٤٩٥
[٥٩٢] و(حُلَّةً سِيَرَاءَ) ، مُخَطَّطة، قال صاحب المجمل : السِّيرَاء: ضرب من البُرود، وقيل: برد مُسَيَّر: فيه خطوط مختلفة، وفي هذه الأحاديث دليل على تحريم الانتفاع بالحرير للرجال، وإباحته للنساء. و(الْقَسِّيِّ)؛ ثياب يؤتى بها من مصر فيها حرير، ويقال: إنها منسوبة إلى بلاد يقال لها: القَسُّ؛ مفتوحة القاف مشددة السين، ورُوي عن عمران بن حصين ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لَا أَرْكَبُ الْأَرْجُوَانَ، وَلَا أَلْبَسُ الْمُعَصْفَرَ) ، قيل: أراد بالأُرجوان: المَيَاثرَ الحُمر، وقد تُتخَذ من ديباجٍ وحريرٍ، والنهي ورد في ذلك لما فيه من السَّرَف، وليست من لباس الرجال، قيل: سميت مياثر لوَثارتها ولِينها. وفي هذه الأحاديث من الفقه: أن من الأشياء ما يجوز ملكه، ولا يجوز الانتفاع به، وفي قَطع الثياب على وجه الإصلاح جوازٌ، إذ شققها علي ﵁ خُمُرًا بين النساء . * * *
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣٤ ص٥٥٣
رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ) الهَمْدانيّ الكوفيّ، تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (أَبُوهُ) عبد الله بن نُمير الْهَمْدانيّ الكوفيّ، تقدّم قبل بابين. ٣ - (سَيْفُ) بن سليمان، أو ابن أبي سليمان المخزوميّ المكيّ، ثقةٌ ثبتٌ رُمي بالقدر، سكن البصرة أخيرًا [٦] مات بعد سنة (١٥٠) (خ م س ق) تقدم في «الصلاة» ١٦/ ٩٠٦. والباقون ذُكروا في الباب. وقوله: (فَسَقَاهُ مَجُوسِيٌّ) هو الدهقان المذكور فيما مضى. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٥٣٩٠] (٢٠٦٨) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطابِ رَأَى حُلَّةً سِيَرَاءَ، عِنْدَ بَابِ الْمَسْجِد، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، لَوِ اشْتَرَيْتَ هَدِه، فَلَبِسْتَهَا لِلنَّاسِ يَوْمَ الْجُمُعَة، وَلِلْوَفْدِ إِذَا قَدِمُوا عَلَيْكَ؟، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إِنَّمَا يَلْبَسُ هَذِهِ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ فِي الآخِرَةِ»، ثُمَّ جَاءتْ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - مِنْهَا حُلَلٌ، فَأَعْطَى عُمَرَ مِنْهَا حُلَّةً، فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللهِ كسَوْتَنِيهَا، وَقَدْ قُلْتَ فِي حُلَّةِ عُطَارِدٍ مَا قُلْتَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إِنِّي لَمْ أَكسُكَهَا لِتَلْبَسَهَا»، فَكَسَاهَا عُمَرُ أَخًا لَهُ مُشْرِكًا بِمَكَّةَ). رجال هذا الإسناد: أربعة: وكلّهم تقدّموا قريبًا. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من رباعيّات المصنّف - ﵀ -، وهو (٤٠٧) من رباعيّات الكتاب، وفيه ابن عمر - ﵄ - أحد العبادلة الأربعة، وأحد المكثرين السبعة، والمشهورين بالفتوى، وأشهر الناس باتّباع الأثر، والتشدّد فيه، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ) أباه (عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ) - ﵄ - هكذا رواه أكثر أصحاب نافع، وأخرجه النسائيّ من رواية عُبيد الله بن عمر العُمريّ، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر، أنه «رأى حلةَ»، فجعله من مسند عمر - ﵁ -، قال الدارقطنيّ: المحفوظ أنه من مسند ابن عمر. انتهى. وقال أبو عمر بن عبد البرّ - ﵀ -: لم يُختَلَف عن مالك في إسناد هذا الحديث، ولا يَختلف مالك وغيره من أصحاب نافع، عن نافع فيه أيضًا، وبعض أصحاب عبيد الله يقولون فيه: عن ابن عمر، عن عمر، فيجعلونه من مسند عمر، وهو عند أهل العلم بالحديث، وأهل الفقه سواء في وجوب الاحتجاج به، والعمل. انتهى . (رَأَى حُلَّةً) - بضم المهملة - قال أبو عُبيد: الْحُلَل: برود اليمن، والحُلَّة إزار ورداء، ونقله ابن الأثير، وزاد: إذا كان من جنس واحد. وقال ابن سيده في «المحكم»: الحلّة بُرْدٌ أو غيره، وحَكَى عياض أن أصل تسمية الثوبين حُلّة أنهما يكونان جديدين كما حُلَّ طيُّهما. وقيل: لا يكون الثوبان حُلّة حتى يَلبس أحدهما فوق الآخر، فإذا كان فوقه فقد حلّ عليه، والأوّل أشهر. (سِيَرَاءَ) - بكسر المهملة، وفتح التحتانية، والراء، مع المدّ - قال الخليل: ليس في كلام العرب فِعَلاءُ - بكسر أوله، مع المدّ - سوى سِيَراء، وحِوَلاء، وهو الماء الذي يخرج على رأس الولد، وعِنَباء، لغة في العنب. قال مالك: هو الوَشْيُ من الحرير، كذا قال. والوَشْيُ - بفتح الواو، وسكون المعجمة، بعدها تحتانية. وقال الأصمعيّ: ثياب، فيها خطوط من حرير، أو قَزّ، وإنما قيل لها: سيراء؛ لتسيير الخطوط فيها. وقال الخليل: ثوب مُضَلَّع بالحرير، وقيل: مختلف الألوان، فيه خطوط ممتدّة، كأنها السيور. وقال ابن سيده: هو ضرب من البرود. وقيل: ثوب مسيّر فيه خطوط يُعمل من القَزّ، وقيل: ثياب من اليمن. وقال الجوهريّ: بُرْد فيه خطوط صُفْر. ونقل عياض عن سيبويه، قال: لم يأت فِعَلاء صفةً، لكن اسمًا، وهو الحرير الصافي. وقال ابن عبد البرّ - ﵀ -: قأما قوله في هذا الحديث: «حُلّة سيراء»، فإن أهل العلم يقولون: إنها كانت حلة من حرير، ولا يختلفون في الثوب المُصْمَت الحرير الصافي الذي لا يخالطه غيره أنه لا يحل للرجال لباسه، واختلفوا في الثوب الذي يخالطه الحرير على ما نذكره في هذا الباب إن شاء الله. وأما أهل اللغة فإنهم يقولون: الحلة السيراء هي التي يخالطها الحرير، قال الخليل بن أحمد: السيراء بُرود يخالطها حرير، وقال غيره: هي ضروب من الوشي، والبرود. وأما الحلة عندهم فثوبان اثنان، لا يقع اسم الحلة على واحد، وأما الحلة المذكورة في هذا الحديث فحرير كلها بنقل الثقات لذلك. انتهى . [تنبيه]: اختُلِف في قوله: «حلة سيراء»، هل هو بالإضافة، أو لا؟ فوقع عند الأكثر بتنوين «حلّة»، على أنّ «سيراء» عطف بيان، أو نعت، وجزم القرطبيّ بأنه الرواية. وقال الخطابيّ: قالوا: «حلّةٌ سيراءُ»، كما قالوا: «ناقةٌ عُشَراءُ»، ونقل عياض عن أبي مروان ابن السرّاج أنه بالإضافة، قال عياض: وكذا ضبطناه عن متقني شيوخنا، وقال النوويّ: إنه قول المحققين، ومتقني العربية، وإنه من إضافة الشيء لصفته، كما قالوا: ثوب خزّ. انتهى. وفي الرواية الآتية من طريق سالم، عن أبيه: «قال: وجد عمر بن الخطاب - ﵁ - حُلّة من إستبرق، تباع بالسوق …»، والإستبرق: ما غلظ من الحرير، وفي رواية عند النسائيّ: «أن عمر كان مع النبيّ - ﷺ - في السوق، فرأى الحلّة»، ولا تعارض بين هذا، وبين قوله: (عِنْدَ بَاب الْمَسْجِدِ)؛ أي: النبويّ؛ لأن طرف السوق كان يَصِل إلى قرب باب المسجد، قاله الحافظ - ﵀ - . (فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، لَوِ اشْتَرَيْتَ هَذِهِ) «لو» هنا للتمنّي، أو للعَرْض، فلا تحتاج إلى جواب، ويَحْتَمِل أن تكون شرطية، حُذف جوابها؛ أي: لكان خيرًا. وفي رواية سالم الآتية: «ابتع هذه، فتجمّل بها»، وكأن عمر - ﵁ - أشار بشرائها، وتمنّاه. (فَلَبِسْتَهَا لِلنَّاسِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ) فيه استحباب التجمل، وحسن الهيئة للجمعة، ووجه ذلك أن عمر - ﵁ - أشار على النبيّ - ﷺ - بالتجمل للجمعة، فلم يُنكر عليه، وإنما أنكر التجمل بالحرير، فدلّ على أن التجمل بما يحلّ لُبسه من أنواع الحُلَل مستحب. وقال السنديّ - ﵀ -: وفي قول عمر - ﵁ - هذا دلالة على أن التجمل يوم الجمعة كان مشهورًا بينهم، مطلوبًا؛ كالتجمّل للوفود، وقد قرّره النبيّ - ﷺ - على ذلك، وإنما ردّه من حيث إن الحرير لا يليق به. انتهى. (وَللْوَفْدِ) قيل: الوفد: الرُّكبان المكرمون، يقال: وَفَدَ فلان يَفِدُ، وِفَادةً: إذا خرج إلى مَلِك، أو أمير. والوَفْدُ اسم جَمْع، وقيل: جمعٌ، وأما الوفود، فجَمْع وافد. أفاده في «اللسان». وفي رواية سالم الآتية: «فتجمّل بها للعيد وللوفد». وفي رواية جرير بن حازم، عن نافع الآتية: «فلبستها لوفود العرب إذا قَدِموا عليك»، وفي رواية النسائيّ: «فتجمّل بها لوفود العرب، إذا أتوك، وإذا خطبت الناس في يوم عيد وغيره …». قال في «الفتح»: وكأنه خصّه بالعرب؛ لأنهم كانوا إذ ذاك الوفودَ في الغالب؛ لأن مكة لَمّا فُتحت بادر العرب بإسلامهم، فكانت كلّ قبيلة تُرسل كُبراءها لِيُسْلموا، ويتعلّموا، ويرجعوا إلى قومهم، فيدعوهم إلى الإسلام، ويعلّموهم. انتهى . (إِذَا قَدِمُوا عَلَيْكَ؟) - بفتح القاف، وكسر الدّال -، يقال: قَدِمَ من سفره، كعَلِم، قُدُومًا، وقِدْمانًا - بالكسر -: رجع، فهو قادم. أفاده في «القاموس». وفي رواية للنسائيّ: «إذا أتوك». (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إِنَّمَا يَلْبَسُ هَذِهِ) وفي رواية جرير بن حازم الآتية:»إنما يلبس الحرير في الدنيا«، (مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ فِي الآخِرَةِ») «الخَلَاق» - بفتح المعجمة، وتخفيف اللام -: النصيب، وقيل: الحظّ، وهو المراد هنا، ويُطلق على الحرمة، وعلى الدين، ويَحْتَمِل أن يُراد: مَنْ لا نصيب له في الآخرة؛ أي: مِنْ لبس الحرير. قاله الطيبيّ. ويؤيده ما أخرجه الشيخان من حديث أبي عثمان، عن عمر - ﵁ - أن النبيّ - ﷺ - قال: «لا يُلبَسُ الحريرُ في الدنيا إلا لم يُلبَس منه شيء في الآخرة»، وفي رواية لمسلم: «لا يَلْبَسُ الحرير إلا من ليس له منه شيء في الآخرة». والمعنى: أنه لا نصيب له في لُبس حرير الجنّة، قال السنديّ - ﵀ -: ويمكن تحقّق ذلك مع الدخول في الجنّة بأن يصرف الله تعالى الاشتهاء عنه، فلا ينافي قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ﴾ [فصلت: ٣١]، بل هذا لازم في الجنّة، وإلا لاشتهى كلّ أحد درجة نبيّنا - ﷺ -. انتهى . (ثُمَّ جَاءَتْ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - مِنْهَا حُلَل) بنصب «رسول» على أنه مفعول مقدّم، و«حُلَلٌ» فاعل مؤخر، وفي رواية سالم الآتية: «ثم أُتِي رسول الله - ﷺ - بثلاث حُلَل منها، فكسا عمرَ حُلّةً، وكسا عليّا حلّةً، وكسا أُسامةَ حُلّةً …». (فَأَعْطَى عُمَرَ مِنْهَا حُلَّةً) وفي رواية سالم: «فلبث عمر ما شاء الله، ثم أرسل إليه رسول الله - ﷺ - بجبّة ديباج»، وفي رواية: «وأن النبيّ - ﷺ - بعث بعد ذلك إلى عمر حلة سيراء»، وزاد الإسماعيليّ: «بحلة سيراء من حرير»، و«من» بيانية، وهو يقتضي أن السيراء قد تكون من غير حرير، قاله في «الفتح» . (فَقَالَ عُمَرُ) - ﵁ - (يَا رَسُولَ اللهِ كَسَوْتَنِيهَا) إنما قال ذلك باعتبار ما فهمه، وإلّا فقد ظهر في بقية الحديث أنه لم يُعطِه ليلبسها، أو المراد: أعطيتني ما يصلح كسوة. (وَقَدْ قُلْتَ فِي حُلَّةِ عُطَارِدٍ) هو عطارد بن حاجب بن زُرَارة بن عُدُس بن زيد بن عبد الله بن دارم بن مالك بن حَنظلة بن زيد مناة بن تميم التميميّ، أبو عكرمة، وَفَدَ على النبيّ - ﷺ -، واستعمله على صدقات بني تميم. روى الطبرانيّ من طريق محمد بن زياد الْجُمَحيّ، عن عبد الرحمن بن عمرو بن مُعاذ، عن عُطارد بن حاجب، أنه أهدى إلى النبيّ - ﷺ - ثوب ديباج، كساه إياه كسرى، فدخل أصحابه، فقالوا: نزل عليك من السماء؟! فقال: «وما تَعجَبون مِن ذا؟ لَمناديل سعد بن معاذ في الجنّة خير من هذا». وقال أبو عبيدة: وكان حاجب بن زُرَارة، يقال له: ذو القوس، وذلك أن رسول الله - ﷺ - لمّا دعا على مضر بالقحط، فأقحطوا، ارتحل حاجب إلى كسرى، فسأله أن يأذن له أن ينزل حَوْلَ بلاده، فقال: إنكم أهل غَدْر، فقال: أنا ضامن، فقال: ومن لي بأن تَفيَ؟ قال: أرهنك قوسي، فَأَذِن لهم في دخول الرِّيف، فلما استسقت مُضَر بالنبيّ - ﷺ - دعا الله، فرفع عنهم القحط، وكان حاجب مات، فرحل عُطارد بن الحاجب إلى كسرى، يطلب قوس أبيه، فردّها عليه، وكساه حُلّة. وروى الواقديّ في «المغازي» بأسانيده: أن رسول الله - ﷺ - بعث بشر بن سفيان العدويّ على صدقات خُزَاعة، فجمعوا له، فمنعهم بنو تميم، فبعث النبيّ - ﷺ - إليهم عُيينة بن حصن في خمسين فارسًا، فأغار، وسَبَى منهم أحدَ عشر رجلًا، وإحدى عشرة امرأة، وثلاثين صبيًّا، فوفد بعد ذلك رؤساء بني تميم، منهم عُطارد بن حاجب، فذكر القصّة، وأنهم أسلموا، وأجارهم، وارتدّ عُطارد بن حاجب بعد النبيّ - ﷺ - مع من ارتدّ من بني تميم، وتَبع سَجَاح، ثم عاد إلى الإسلام، وهو الذي قال فيها: [من البسيط] أَضْحَتْ نَبِيَّتُنَا أُنْثَى نُطِيفُ بِهَا … وَأَصْبَحَتْ أَنْبِيَاءُ النَّاسِ ذُكْرَانَا فَلَعْنَةُ اللهِ رَبِّ النَّاسِ كُلِّهِمِ … عَلَى سَجَاحِ وَمَنْ بِالْكُفْرِ أَغْوَانَا (مَا قُلْتَ) «ما» اسم موصول في محلّ نصب على أنه مفعول مطلق؛ أي: قلت القول الذي قلته في حُلّة عطارد، وهو قوله - ﷺ -: «إنما يلبس هذه من لا خلاق له في الآخرة». (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إني لم أكسكها لتلبسها»)؛ أي: لم أُعطك إياها لأجل أن تلبسها، وفي الرواية الآتية: «إِنِّي لَمْ أبعث بها إليك لتلبسها، ولكني بعثت بها إليك لتُصيب بها»، وفي رواية: «تبيعها، وتصيب بها حاجتك»، وفي رواية: «إنما بعثت بها إليك لتستمتع بها»، وفي رواية: «بعها، واقض بها حاجتك، أو شَقِّقْها خُمُرًا بين نسائك». (فَكَسَاهَا عُمَرُ أَخًا لَهُ) زاد في رواية سالم: «من أمه»، (مُشْرِكًا بِمَكَّةَ)، وفي رواية البخاريّ من طريق عبد الله بن دينار، عن ابن عمر: «فأرسل بها عمر إلى أخ له، من أهل مكّة قبل أن يُسلم»، قال النوويّ: هذا يُشعر بأنه أسلم بعد ذلك. انتهى . قال الحافظ: ولم أقف على تسمية هذا الأخ إلا فيما ذكره ابن بشكوال في «المبهمات» نقلًا عن ابن الحذّاء في رجال «الموطإ»، فقال: اسمه عُثمان بن حكيم. قال الدمياطيّ: هو السلميّ أخو خولة بنت حكيم بن أميّة بن حارثة بن الأوقص، قال: وهو أخو زيد بن الخطاب لأمه، فمن أطلق عليه أنه أخو عمر لأمه لم يُصب. قال الحافظ: قلت: بل له وجه بطريق المجاز. ويَحْتَمِل أن يكون عمر ارتضع من أم أخيه زيد، فيكون عثمان أخا عمر لأمه من الرضاع، وأخا زيد لأمه من النسب. وأفاد ابن سعد أن والدة سعيد بن المسيِّب هي أم سعيد بن عثمان بن الحكم، ولم أقف على ذِكره في الصحابة، فإن كان أسلم، فقد فاتهم، فليُستَدرك، وإن كان مات كافرًا، وكان قوله: «قبل أن يسلم» لا مفهوم له، بل المراد أن البعث إليه كان في حال كفره، مع قَطْع النظر عما وراء ذلك، فلتُعدّ بنته في الصحابة. انتهى . وقال صاحب «التنبيه»: قوله: «فكساها عمر أخًا له» هو أخو أخيه زيد بن الخطّاب؛ لأمه أسماء بنت وهب، واسمه عثمان بن حكيم، قاله الدمياطيّ، وقال ابن الحذّاء في «التعريف»: إنه أخوه لأمه عثمان بن حكيم، قال الحافظ وليّ الدين: والصواب مع الدمياطيّ. انتهى ، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث حديث عبد الله بن عمر - ﵄ - هذا متفق عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١/ ٥٣٩٠ و٥٣٩١ و٥٣٩٢ و٥٣٩٣ و٥٣٩٤ و٥٣٩٥] (٢٠٦٨)، و(البخاريّ) في «الجمعة» (٨٨٦) و«العيدين» (٩٤٨) و«الهبة» (٢٦١٩) و«اللباس» (٥٨٤١) و«الأدب» (٥٩٨١)، و(أبو داود) في «اللباس» (٤٠٤٠)، و(النسائيّ) في «الجمعة» (٣/ ٩٦) و«الزينة» (٨/ ١٩٦) و«الكبرى» (١/ ٥٢٣ و٥/ ٤٦٢ و٤٦٣)، و(ابن ماجه) في «اللباس» (٣٥٩١)، و(مالك) في «الموطّأ» (٢/ ٩١٧ - ٩١٨)، و(الشافعيّ) في «مسنده» (١/ ٦٢)، و(عبد الرزّاق) في «مصنّفه» (١٩٩٢٩)، و(الطيالسيّ) في «مسنده» (١٩٣٧)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (٥/ ١٥٢)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٢٠ و٢٤ و٣٩ و٥١ و٦٨ و٨٢ و١٤٦)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٥١١٣ و٥٤٣٩)، و(الطحاويّ) في «شرح معاني الآثار» (٤/ ٢٤٤ و٤٢٥٢)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٥/ ٢٢٤ و٢٢٥)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (١٠/ ١٨٧)، و(البزّار) في «مسنده» (١/ ٢٨٥)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٢/ ٤٢٢ و٩/ ١٢٩)، و(البغويّ) في «شرح السُّنَّة» (٣٠٩٩)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان استحباب حسن الهيئة للجمعة، والعيدين، ونحوهما بلبس الملابس الحسنة، لكونه - ﷺ - أقرّ عمر - ﵁ - على ذلك، وإنما أنكر عليه استعمال السيراء، وما في معناه، وفي سنن أبي داود، وابن ماجه، عن عبد الله بن سلَام - ﵁ - مرفوعًا: «ما على أحدكم، لو اشترى ثوبين ليوم الجمعة، سوى ثوبي مِهْنَته» وتقدم أن في رواية سالم، عن أبيه: «للعيد» بدل «للجمعة»، وفي رواية ابن إسحاق، عن نافع: «فتجملت بها لوفود العرب إذا أتوك، وإذا خطبت الناس في يوم عيد، وغيره». فأخذ العلماء من هذا استحباب التجمل في سائر مجامع الخير، إلا ما ينبغي فيه إظهار التمسكن، والتواضع، والخوف؛ كالاستسقاء، والكسوف. أفاده ولي الدين - ﵀ - . ٢ - (ومنها): عَرض المفضول على الفاضل، والتابع على المتبوع ما يَحتاج إليه من مصالحه مما يظنّ أنه لم يطّلع عليه. ٣ - (ومنها): أن فيه إباحة الطعن لمن يستحقّه. ٤ - (ومنها): جواز البيع والشراء على أبواب المساجد. ٥ - (ومنها): مباشرة الصالحين، والفُضلاء البيع والشراء. ٦ - (ومنها): أن الجمعة يلبس فيها من أحسن الثياب، وكذلك يُتَجَمَّل بالثياب الحسان في الأعياد؛ لأن الجمعة عيد، ويُتَجَمَّل بها أيضًا على وجه الترهيب للعدوّ، والتغليظ عليهم، قال ابن عبد البرّ - ﵀ -: ولا أعلم بين العلماء اختلافًا في استحباب التجمل بأحسن الثياب يوم الجمعة لمن قَدَر. انتهى . ٧ - (ومنها)؛ أن الإنسان يجوز له أن يملك ما لا يجوز له أن يلبس، وفيه إباحة الطعن عليه . ٨ - (ومنها): جواز قبول الخليفة للهدايا من قِبَل الروم، وغيرهم، من الكفرة. ٩ - (ومنها): أن فيه بيان بعض ما كان عليه رسول الله - ﷺ - من السخاء، وصلة الإخوان بالعطاء. ١٠ - (ومنها): أنه جائز أن يعطي الرجل ما لا يجوز له لباسه، إذا جاز له مُلكه، والتصرف فيه. ١١ - (ومنها): جواز صلة القريب المشرك ذميًّا كان، أو حربيًّا؛ لأن مكة لم يبق فيها بعد الفتح مشرك، وكانت قبل ذلك حربًا، قال ابن عبد البرّ - ﵀ -: ولم يَختلف العلماء في الصدقة التطوع أنها جائزة من المسلم على المشرك قريبًا كان، أو غيره، والقريب أولى ممن سواه، والحسنة فيه أتمّ، وأفضل، وإنما اختلفوا في كفارة الأيمان، وزكاة الفطر، فجمهور العلماء على أنها لا تجوز لغير المسلمين؛ لقوله - ﷺ -: أُمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم، وأردّها على فقرائكم، وكذلك كل ما يجب أن يؤخذ منهم، فواجب أن يُرَدّ على فقرائهم، وأجمعوا أن الزكاة المفروضة لا تحل لغير المسلمين، فسائر ما يجب أداؤه عليهم من زكاة الفطر، وكفارة الأيمان، والظهار فقياس على الزكاة عندنا، وأما التطوع بالصدقة فجائز على أهل الكفر من القرابات وغيرهم، لا أعلم في ذلك خلافًا، والله أعلم. انتهى. قال: روى الثوريّ، عن الأعمش، عن جعفر بن إياس، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: كانوا يكرهون أن يَرْضخوا لأنسابهم من أجل الكفر، فنزلت: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٢]. ثم أخرج بسنده عن عكرمة، أن صفية زوج النبيّ - ﷺ - قالت لأخ لها يهوديّ: أسلم ترثني، فسمع ذلك قومه، فقالوا: أتبيع دينك بالدنيا؟ فأبى أن يُسلم، فأوصت له بالثلث. ثم أخرج عن فاطمة ابنة المنذر، عن جدّتها أسماء بنت أبي بكر، قالت: سألت رسول الله - ﷺ -، قلت: أتتني أمي، وهي راغبة، فأعطيها؟ قال: «نعم، فَصِلِيها» . وذكر في «الفتح» تعقّبًا على قول ابن عبد البرّ: فيه جواز الهديّة للكافر، ولو كان حربيًّا. فقال: وتُعُقّب بأن عُطاردًا إنما وَفَد سنة تسع، ولم يبق بمكة بعد الفتح مشرك. وأجيب بأنه لا يلزم من كون وفادة عطارد سنة تسع أن تكون قصة الحلّة كانت حينئذ، بل جاز أن تكون قبل ذلك، وما زال المشركون يَقْدَمون المدينة، ويُعاملون المسلمين بالبيع وغيره، وعلى تقدير أن يكون ذلك سنة الوفود، فيَحْتَمِل أن يكون في المدّة التي كانت بين الفتح، وحجّ أبي بكر - ﵁ -، فإنّ مَنْع المشركين من مكة إنما كان من حجة أبي بكر - ﵁ - سنة تسع، ففيها وقع النهي أن لا يحجّ بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان. انتهى . ١٢ - (ومنها): ما قاله ابن بطال: فيه تَرْك النبيّ - ﷺ - لباس الحرير، زُهدًا في الدنيا، وإرادة تأخير الطيبات إلى الآخرة التي لا انقضاء لها؛ إذ تعجيل الطيبات في الدنيا ليس من الحزم، فزَهِد في الدنيا للآخرة، وأمَر بذلك، ونَهَى عن كل سَرَف وحرّمه . وتَعَقّبه ابن الْمُنَيِّر بأن تركه - ﷺ - لبس الحرير إنما هو لاجتناب المعصية، وأما الزهد فإنما هو في خالص الحلال، وما لا عقوبة فيه، فالتقلل منه، وتركه مع الإمكان هو الذي تتفاضل فيه درجات الزهاد. قال الحافظ: ولعل مراد ابن بطال بيان سبب التحريم، فيستقيم ما قاله. انتهى . ١٣ - (ومنها): تحريم الحرير على الرجال مطلقًا، وفيه تفاصيل للعلماء، وقد تقدّم بيانه، وبالله تعالى التوفيق. ١٤ - (ومنها): جواز لبس الحرير للنساء، سواء كان الثوب حريرًا كلّه أو بعضه؛ لقوله - ﷺ -: «أو شقِّقها خُمُرًا بين نسائك». ١٥ - (ومنها): جواز بيع الرجال الثياب الحرير، وتصرّفهم فيها بالهبة والهديّة، لا اللبس. ١٦ - (ومنها): أنه استَدَلّ به من قال: إن الكافر ليس مخاطبًا بالفروع؛ لأن عمر - ﵁ - لَمّا مُنع من لبس الحلة أهداها لأخيه المشرك، ولم يُنكر - ﷺ - عليه ذلك. وتُعُقّب بأنه لم يأمر أخاه بلبسها، فيَحْتَمِل أن يكون وقع الحكم في حقّه كما وقع في حق عمر - ﵁ -، فينتفع بها بالبيع، أو كسوة النساء، ولا يلبس هو. وأجيب بأن المسلم عنده من الوازع الشرعيّ ما يحمله بعد العلم بالنهي على الكفّ، بخلاف الكافر، فإنّ كُفْره يحمله على عدم الكفّ عن تعاطي المحرّم، فلولا أنه مباح له لُبسه لَمَا أهدى له، لِمَا في تمكينه من الإعانة على المعصية، ومن ثَمَّ يَحرم بيع العصير ممن جرت عادته أن يتخذه خمرًا، وإن احتَمَل أنه قد يشربه عصيرًا، وكذا بيع الغلام الجميل ممن يشتهر بالمعصية، لكن يَحْتَمِل أن يكون ذلك على أصل الإباحة، وتكون مشروعيّة خطاب الكافر بالفروع تراخت عن هذه الواقعة. والله أعلم. ذكره في «الفتح» . قال الجامع عفا الله عنه: الحقّ أن الكفّار مخاطبون بفروع الشريعة؛ كأصوله، وقد تقدّم تحقيق هذا غير مرّة، وبالله تعالى التوفيق. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٥٣٩١] (…) - (وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، كُلُّهُمْ عَنْ عُبَيْدِ الله (ح) وَحَدَّثَنِي سُويدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، كِلَاهُمَا عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - بِنَحْوِ حَدِيثِ مَالِكٍ). رجال هذه الأسانيد: اثنا عشر: ١ - (أَبُو أُسَامَةَ) حمّاد بن أسامة الكوفيّ، تقدّم قبل بابين. ٢ - (سُويْدُ بْنُ سَعِيدِ) بن سهل الْهَرويّ الأصل، ثمّ الْحَدَثانيّ، أبو محمد، صدوقٌ في نفسه، إلا أنه عَمِي، فصار يتلقّن ما ليس من حديثه، من قُدماء [١٠] (ت ٢٤٠) وله مائة سنة (م ق) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٨٧. ٣ - (حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ) العُقيليّ، أبو عمر الصنعانيّ، نزيل عسقلان، ثقةٌ ربّما وَهِمَ [٨] (ت ١٨١) (خ م مد س ق) تقدم في «الإيمان» ٨٧/ ٤٦١. والباقون ذُكروا في الباب، والباب الماضي. وقوله: (كُلُّهُمْ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ)؛ يعني: أن هؤلاء الثلاثة: عبد الله بن نُمير، وأبا أسامة، ويحيى بن سعيد القطّان رووا هذا الحديث عن عُبيد الله بن عُمر الْعُمَريّ. وقوله: (كِلَاهُمَا عَنْ نَافِع) أن عبيد الله العمريّ، وموسى بن عُقبة رويا هذا الحديث عن نافع … إلخ. [تنبيه]: رواية عبيد الله بن عمر، عن نافع ساقها النسائيّ في «سننه»، فقال: (٩٥٧٠) - أخبرنا إسحاق بن منصور، قال: أنبأنا عبد الله بن نُمير، قال: حدّثنا عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر بن الخطاب ، أنه رأى حُلّة سيراء تباع عند باب المسجد، فقلت: يا رسول الله - ﷺ - لو اشتريتها هذا ليوم الجمعة، وللوفد إذا قَدِموا عليك، فقال رسول الله - ﷺ -: «إنما يلبس هذه من لا خَلاق له في الآخرة»، قال: فأتي رسول الله - ﷺ - بعدُ منها بحلل، فكساني منها حلة، فقال: يا رسول الله كسوتنيها، وقد قلت فيها ما قلت؟ قال النبيّ - ﷺ -: «إني لم أكسكها لتلبسها، إنما كسوتكها لتكسوها، أو لتبيعها»، فكساها عمر أخًا له من أمه مشركًا. انتهى. وأما رواية موسى بن عُقبة، عن نافع فلم أجد من ساقها بتمامها، فليُنظر، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٥٣٩٢] (…) - (وَحَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، حَدَّثَنَا نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: رَأَى عُمَرُ عُطَارِدًا التَّمِيمِي يُقِيمُ بِالسُّوقِ حُلَّةً سِيَرَاءَ - وَكَانَ رَجُلًا يَغْشَى الْمُلُوكَ، وَيُصِيبُ مِنْهُمْ - فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ الله، إِنِّي رَأَيْتُ عُطَارِدًا يُقِيمُ فِي السُّوقِ حُلَّةً سِيَرَاءَ، فَلَوِ اشْتَرَيْتَهَا، فَلَبِسْتَهَا لِوُفُودِ الْعَرَب، إِذَا قَدِمُوا عَلَيْكَ - وَأَظُنُّهُ قَالَ: وَلَبِسْتَهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ - فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إِنَّمَا يَلْبَسُ الْحَرِيرَ فِي الدُّنْيَا مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ فِي الآخِرَةِ»، فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ أُتِيَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِحُلَلٍ سِيَرَاءَ، فَبَعَثَ إِلَى عُمَرَ بِحُلَّةٍ، وَبَعَثَ إِلَى أُسَامَةَ بْنِ زيدٍ بِحُلَّةٍ، وَأَعْطَى عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ حُلَّةً، وَقَالَ: «شَقِّقْهَا خُمُرًا بَيْنَ نِسَائِكَ»، قَالَ: فَجَاءَ عُمَرُ بِحُلَّتِهِ يَحْمِلُهَا، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ بَعَثْتَ إِلَيَّ بِهَذِه، وَقَدْ قُلْتَ بِالأَمْسِ فِي حُلَّةِ عُطَارِدٍ مَا قُلْتَ، فَقَالَ: «إِنِّي لَمْ أَبْعَثْ بِهَا إِلَيْكَ لِتَلْبَسَهَا، وَلَكِنِّي بَعَثْتُ بِهَا إِلَيْكَ لِتُصِيبَ بِهَا»، وَأَمَّا أسَامَةُ فَرَاحَ فِي حُلَّتِه، فَنَظَرَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - نَظَرًا عَرَفَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَدْ أَنْكَرَ مَا صَنَعَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ مَا تَنْظُرُ إِلَيَّ؟ فَأَنْتَ بَعَثْتَ إِلَيَّ بِهَا، فَقَالَ: «إِنِّي لَمْ أَبْعَثْ إِلَيْكَ لِتَلْبَسَهَا، وَلَكِنِّي بَعَثْتُ بِهَا إِلَيْكَ لِتُشَقِّقَهَا خُمُرًا بَيْنَ نِسَائِكَ»). رجال هذا الإسناد: أربعة: وكلّهم ذُكروا في الباب، وقبله. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من رباعيّات المصنّف - ﵀ -، وهو (٤٠٨) من رباعيّات الكتاب. وقوله: (قَالَ: رَأَى عُمَرُ عُطَارِدًا التَّمِيمِيَّ يُقِيمُ بِالسُّوقِ حُلَّةً)؛ أي: يَعْرضها للبيع. وقوله: (وَكَانَ رَجُلًا يَغْشَى الْمُلُوكَ)؛ أي: يأتيهم، يقال: غَشِيته أغشاه، من باب تَعِب: إذا أتيته، والاسم: الْغِشْيَانُ بالكسر . وقوله: (وَيُصِيبُ مِنْهُمْ)؛ أي: ينال منهم الجواز، ويأخذها. وقوله: (فَلَبِسْتَهَا لِوُفُودِ الْعَرَبِ) تقدّم أنه إنما خصّ العرب بالذِّكر؛ لكونهم أكثر الوفود في ذلك الوقت غالبًّا. وقوله: (وَأَظنُّهُ قَالَ … إلخ) هذا الظنّ يَحْتَمل أن يكون من ابن عمر، أو ممن دونه، والله تعالى أعلم. وقوله: (مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ فِي الآخِرَةِ)؛ يعني: من لا نصيب له في اعتقاد الآخرة، وهذا في حقّ الكفّار ظاهر، وأما في حقّ المؤمن فيُحمَل على التغليظ؛ لعدم جريانه على موجب اعتقاده، ويَحْتَملُ أن يكون المراد أنه لا نصيب له مِن لُبس الحرير في الآخرة، فيكون كناية عن حرمانه من الجنّة التي لباس أهلها الحرير، كما قال تعالى: ﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ [الحج: ٢٣]، وهذا في حقّ الكافر ظاهر أيضًا، وأما في حقّ المؤمن فمحمول على التغليظ أيضًا، والله تعالى أعلم. وقوله: («شَقِّقْهَا خُمُرًا بَيْنَ نِسَائِكَ») «خُمُرًا» بضمّ الخاء، والميم، ويجوز إسكانها: جمع خمار بالكسر، وهو ما يوضع على رأس المرأة، وقوله: «بين نسائك» ويأتي بلفظ: «بين الفواطم»، وهنّ: فاطمة بنت النبيّ - ﷺ -، وفاطمة بنت أسد أم عليّ، وفاطمة بنت حمزة - ﵃ -، وفيه دليل على جواز لبس النساء الحرير، وهو مجمع عليه اليوم، وإن كان فيه خلاف بين السلف، كما أسلفنا تحقيقه في المسائل المذكورة في شرح حديث البراء - ﵁ - أول الباب، ولله الحمد والمنّة. وقوله: (وَقَدْ قُلْتَ بِالأَمْسِ … إلخ) هذا ظاهر أن القصّة وقعت خلال يومين متتالين، ويَحْتَمِل أن يكون مجازًا عما مضى من الوقت القريب، ويدلّ عليه ظاهر قوله في الرواية التالية بلفظ: «فَلَبِثَ عُمَرُ مَا شَاءَ اللهُ»، والله تعالى أعلم. وقوله: (لِتُصِيبَ بِهَا)؛ أي: لتنال بسبب بيعها مالًا تتنفع به. والحديث بهذا السياق من أفراد المصنف - ﵀ -، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٥٣٩٣] (…) - (وَحَدَّثَنِي أبُو الطَّاهِر، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى - وَاللَّفْظُ لِحَرْمَلَةَ - قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ الله، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ: وَجَدَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ حُلَّةً مِنْ إِسْتَبْرَقٍ، تُبَاعُ بِالسُّوق، فَأَخَذَهَا، فَأَتَى بِهَا رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ ابْتَعْ هَذِه، فَتَجَمَّلْ بِهَا لِلْعِيد، وَللْوَفْد، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إِنَّمَا هَذِهِ لِبَاسُ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ»، قَالَ: فَلَبِثَ عُمَرُ مَا شَاءَ اللهُ، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِجُبَّةِ دِيبَاجٍ، فَأَقْبَلَ بِهَا عُمَرُ، حَتَّى أَتَى بِهَا رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ قُلْتَ: «إِنَّمَا هَذِهِ لِبَاسُ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ»، أَو: «إِنَّمَا يَلْبَسُ هَذِهِ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ»، ثُمَّ أَرْسَلْتَ إِلَيَّ بِهَذِهِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «تَبِيعُهَا، وَتُصِيبُ بِهَا حَاجَتَكَ»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَبُو الطَّاهِرِ) أحمد بن عمرو بن السرح المصريّ، تقدّم قريبًا. ٢ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى) التُّجيبيّ المصريّ، تقدّم أيضًا قريبًا. ٣ - (ابْنُ وَهْب) عبد الله الحافظ المصريّ، تقدّم أيضًا قريبًا. ٤ - (يُونُسُ) بن يزيد الأيليّ، تقدّم أيضًا قريبًا. ٥ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الإمام الشهير، تقدّم أيضًا قريبًا. ٦ - (سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عمر بن الخطاب العدويّ، أبو عمر المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه فاضلٌ، من كبار [٣] (ت ١٠٦) على الصحيح (ع) تقدم في «الإيمان» ١٤/ ١٦٢. ٧ - (عبد الله بن عمر) بن الخطاب - ﵁ -، تقدم في السند الماضي. وقوله: (ابْتَعْ هَذِهِ) من الابتياع؛ أي: اشتر هذه الحلّة، قال الكرمانيّ: «هذه» إشارة إلى نوع الجبّة، قال الحافظ: كذا قال، والذي يظهر إشارة إلى عينها، ويلتحق بها جنسها. انتهى . وقوله: (فَتَجَمَّلْ بِهَا لِلْعِيد، وَللْوَفْدِ) كذا في رواية سالم بلفظ: «للعيد»، وتقدّم في رواية نافع بلفظ: «للجمعة» بدل العيد، وكلاهما صحيح، وكأن ابن عمر - ﵄ - ذكرهما معًا، فاقتصر كل راو على أحدهما، قاله في «الفتح» . وقوله: (بِجُبَّةِ دِيبَاجٍ) «الجُبّة» بضمّ الجيم، وتشديد الموحّدة: ثوب سابغٌ، واسع الكمّين، مشقوق المقدَّم، يُلبس فوق الثياب . و«الديباج» بالكسر: هي الثياب المتَّخذة من الإبريسم، فارسيّ، مُعَرّبٌ، وقد تفتح داله ، كما تقدّم البحث فيه مستوفى، ولله الحمد. وقوله: (وَتُصِيبُ بِهَا حَاجَتَكَ)؛ أي: تقضي بثمنها ما تحتاج إليه. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله قبل حديثين، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٥٣٩٤] (…) - (وَحَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ) الخزّاز الضرير، أبو عليّ المروزيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣١) وله (٧٤) سنة (خ م د) تقدم في «الإيمان» ٦٣/ ٣٥٠. ٢ - (عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ) بن يعقوب الأنصاريّ مولاهم، أبو أيوب المصريّ، ثقةٌ حافظٌ فقيهٌ [٧] مات قبل (١٥٠) (ع) تقدم في «الإيمان» ١٦/ ١٦٩. والباقيان ذُكرا قبله. [تنبيه]: رواية عمرو بن الحارث، عن ابن شهاب هذه ساقها النسائيّ في «سننه» مقرونًا بيونس بن يزيد، فقال: (١٧٦٠) - أخبرنا أحمد بن عمرو بن السرح، وسليمان بن داود، عن ابن وهب، قال: أخبرني يونس بن يزيد، وعمرو بن الحارث، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه، قال: وَجَد عمر بن الخطاب حُلّة من إستبرق تباع بالسوق، فأخذها، فأتى بها رسول الله - ﷺ -، فقال: يا رسول الله ابتع هذه، فتجمّل بها للعيد، وللوفد، فقال رسول الله - ﷺ -: «إنما هذه لباس من لا خلاق له - أو إنما يلبس هذه من لا خلاق له»، فَلِبث عمر ما شاء الله، ثم أرسل إليه رسول الله - ﷺ - بجبة ديباج، فأقبل بها حتى أتى بها على رسول الله - ﷺ -، فقال: يا رسول الله قلت: «إنما هذه لباس من لا خلاق له»، ثم أرسلت إليّ بهذه، فقال رسول الله - ﷺ -: «بعها، وتصيب بها حاجتك»، واللفظ لسليمان. انتهى . وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٥٣٩٥] (…) - (حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ شُعْبَةَ، أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ حَفْصٍ، عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ عُمَرَ رَأَى عَلَى رَجُلٍ مِنْ آلِ عُطَارِدٍ قَبَاءً مِنْ دِيبَاجٍ، أَو حَرِيرٍ، فَقَالَ لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ -: لَوِ اشْتَرَيْتَهُ، فَقَالَ: «إِنَّمَا يَلْبَسُ هَذَا مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ»، فَأُهْدِيَ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - حُلَّةٌ سِيَرَاءُ، فَأَرْسَلَ بِهَا إِلَيَّ، قَالَ: قُلْتُ: أَرْسَلْتَ بِهَا إِلَيَّ، وَقَدْ سَمِعْتُكَ قُلْتَ فِيهَا مَا قُلْتَ، قَالَ: «إِنَّمَا بَعَثْتُ بِهَا إِلَيْكَ لِتَسْتَمْتِعَ بِهَا»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) أبو خيثمة، تقدّم قبل باب. ٢ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ حَفْصٍ) هو: عبد الله بن حفص بن عمر بن سعد بن أبي وقّاص الزهريّ المدنيّ، مشهورٌ بكنيته، ثقةٌ [٥] (ع) تقدم في «الحيض» ٩/ ٧٣٤. والباقون ذُكروا في الباب. وقوله: (رَأَى عَلَى رَجُلٌ مِنْ آلِ عُطَارِدٍ) المراد عطارد نفسه، كما قيل في قوله - ﷿ -: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾ [سبأ: ١٣] إنه داود نفسه، قاله صاحب «التنبيه» . وقوله: (قَبَاءً مِنْ دِيبَاجٍ)؛ أي: من خليط الحرير، (أَو حَرِيرٍ)، «أو» فيه للشكّ من الراوي. و«القباء» بالفتح، والمدّ، قال الفيّوميّ - ﵀ -: والقباء ممدود عربيّ، والجمع أقبية، وكأنه مشتقّ من: قبوتُ الحرفَ أقبوه قَبْوًا: إذا ضممته. انتهى . وقال المجد - ﵀ -: «القَبْوُةُ»: انضمام ما بين الشفتين، ومنه القَبَاءُ من الثياب، جمعه أقبية. انتهى . والحديث بهذا السياق من أفراد المصنّف - ﵀ -، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٥٣٩٦] (…) - (وَحَدَّثَني ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثنَا رَوْحٌ، حَدَّثنَا شُعْبَةُ، حَدَّثنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ حَفْصٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِيه، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَأَى عَلَى رَجُلٍ مِنْ آلِ عُطَارِدٍ. بِمِثْلِ حَدِيثِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّمَا بَعَثْتُ بِهَا إِلَيْكَ لِتَنْتَفِعَ بِهَا، وَلَمْ أَبْعَثْ بِهَا إِلَيْكَ لِتَلْبَسَهَا»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (رَوْحُ) بن عبادة القيسيّ البصريّ، تقدّم قريبًا. والباقون ذُكروا في الباب، و«ابن نُمير»، هو: محمد بن عبد الله بن نُمير. وقوله: (غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ … إلخ) الضمير لروح بن عُبادة. وقوله: (إِنَّمَا بَعَثْتُ بِهَا إِلَيْكَ لِتَنْتَفِعَ بِهَا)؛ أي: تبيعها، فتنتفع بثمنها، كما صُرّح به في الرواية التي قبلها، وفي حديث ابن المثنّى بعدها . [تنبيه]: رواية روح بن عُبادة، عن شعبة هذه لم أجد من ساقها بتمامها، فليُنظر، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٥٣٩٧] (…) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَد، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ، قَالَ: حَدَّثَني يَحْيَى بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ: قَالَ لِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ فِي الإِسْتَبْرَق، قَالَ: قُلْتُ: مَا غَلُظَ مِنَ الدِّيبَاج، وَخَشُنَ مِنْهُ، فَقَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ: رَأَى عُمَرُ عَلَى رَجُلٍ حُلَّةً مِنْ إِسْتَبْرَقٍ، فَأَتَى بِهَا النَّبِيَّ - ﷺ -، فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِهِمْ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: فَقَالَ: «إِنَّمَا بَعَثْتُ بِهَا إِلَيْكَ لِتُصِيبَ بِهَا مَالًا»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عَبْدُ الصَّمَدِ) بن عبد الوارث الْعَنْبَريّ مولاهم التّنُّوريّ، أبو سهل البصريّ، ثقةٌ ثبت في شعبة [٩] (ت ٢٠٠) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٨٢. ٢ - (أَبُوهُ) عبد الوارث بن سعيد بن ذكوان العَنْبريّ مولاهم، أبو عبيدة البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٠) (ع) تقدم في «الإيمان» ١٨/ ١٧٦. ٣ - (يَحْيَى بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ) الحَضْرميّ مولاهم، البصريّ النحويّ، صدوقٌ ربّما أخطأ [٥] (١٣٦) (ع) تقدم في «صلاة المسافرين وقصرها» ٢/ ١٥٨٦. والباقون ذُكروا في الباب. وقوله: (حَدَّثَني يَحْيَى بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ: قَالَ لِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ فِي الإِسْتبْرَقِ، قَالَ: قُلْتُ: مَا غَلُظَ مِنَ الدِّيبَاج، وَخَشُنَ مِنْهُ، فَقَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ، وذكر الحديث) قال النوويّ: هكذا هو في جميع نُسخ مسلم، وفي كتابَي البخاريّ، والنسائيّ: «قال لي سالم: ما الإستبرق؟ قلت: ما غَلُظ من الديباج»، وهذا معنى رواية مسلم، لكنها مختصرة، ومعناها: قال لي سالم في الإستبرق: ما هو؟ فقلت: هو ما غَلُظ، فرواية مسلم صحيحة، لا قَدْحَ فيها، وقد أشار القاضي إلى تغليطها، وأن الصواب رواية البخاريّ، وليست بغلط، بل صحيحة، كما أوضحناه. انتهى كلام النوويّ - ﵀ -، وهو تعقّبٌ جيّد، والله تعالى أعلم. وقوله: (مَا غَلُظَ مِنَ الدِّيبَاج، وَخَشُنَ مِنْهُ) «غَلُظ»، و«خَشُن» من باب كَرُم، وقال في «الفتح»: قوله: «خَشُن» بفتح الخاء، وضمّ الشين المعجمتين، للأكثر، ولبعضهم بالمهملتين. انتهى . وقال في «القاموس»: «الْغلْظة» مثلّثة الغين، والغِلاظة، بالكسر؛ ككتابة، والْغِلَظ؛ كعِنَبٍ: ضدّ الرّقّة، والفعل؛ ككرُم، وضَرَبَ، فهو غليظٌ، وغُلاظٌ؛ كغُراب. انتهى . وقال أيضًا: خَشُنَ؛ ككرُم، خَشْنًا، ومَخْشنةً، وخُشونةً، وخُشْنةً بضمّهما، وتخشّن: ضدّ لان. انتهى . وقوله: (رَأَى عُمَرُ عَلَى رَجُلٍ حُلَّةً) تقدّم أنه عطارد بن حاجب التميميّ. وقوله: (فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِهِمْ) فاعل «ذَكَر» ضمير يحيى بن أبي إسحاق، وضمير «حديثهم» للرواة الذين رووا عن سالم فيما مضى، وهما: ابن شهاب، وأبو بكر بن حفص، وفيه إطلاق ضمير الجماعة على الاثنين، وهو فصيح، كما أسلفناه غير مرّة. وأما إصلاح الشيخ الهرريّ بقوله: «نحو حديثهما»، ودعواه التحريف من النسّاخ فغير صحيح؛ لأنه لا توجد نسخة من نُسخ الكتاب على ما ادّعاه، وأيضًا فإن مسلمًا يستعمل هذا الاستعمال كثيرًا، كما أسلفته غير مرّة، وإطلاق العرب ضمير الجماعة على الاثنين فصيح صحيح، وقد حقّقت ذلك في «التحفة المرضيّة»، و«شرحها»، فارجع إليهما، تزدد علمًا، والله تعالى وليّ التوفيق. [تنبيه]: رواية يحيى بن أبي إسحاق، عن سالم هذه ساقها البخاريّ - ﵀ - في «صحيحه»، فقال: (٥٧٣١) - حدّثنا عبد الله بن محمد، حدّثنا عبد الصمد، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثني يحيى بن أبي إسحاق قال: قال لي سالم بن عبد الله: ما الإستبرق؟ قلت: ما غَلُظ من الديباج، وخَشُن منه، قال: سمعت عبد الله يقول: رأى عمر على رجل حُلّةً من استبرق، فأَتَى بها النبيّ - ﷺ -، فقال: يا رسول الله - ﷺ - اشترِ هذه، فَالْبَسها لوفد الناس، إذا قَدِموا عليك، فقال: «إنما يلبس الحرير من لا خلاق له»، فمضى في ذلك ما مضى، ثم إن النبيّ - ﷺ - بَعَث إليه بحلة، فأَتَى بها النبيّ - ﷺ -، فقال: بعثتَ إليّ بهذه، وقد قلت في مثلها ما قلت، قال: «إنما بعثت إليك لتصيب بها مالًا»، فكان ابن عمر يَكْرَه العَلَم في الثوب لهذا الحديث. انتهى . [تنبيه آخر]: زاد في رواية البخاريّ - ﵀ - في آخر هذا الحديث ما نصّه: «وكان ابن عمر يَكْرَه العَلَم في الثوب لهذا الحديث»، قال الخطابيّ: مذهب ابن عمر في هذا مذهب الوَرَع، وكان ابن عباس يقول في روايته: «إلا عَلَمًا في ثوب»، وذلك لأن مقدار العَلَم لا يقع عليه اسم اللبس، قال: ولو أن رجلًا حَلَف لا يلبس غَزْل فلانة، فأخذ ثوبًا، فنَسَج فيه مِنْ غَزْلها، ومِن غَزْل غيرها، وكان الذي مِنْ غَزْلها لو انفرد لم يبلغ إذا نُسِج أنه يحصل منه شيء مما يقع على مثله اسم اللبس لم يحنث. انتهى . وسيأتي في هذا الباب بعد ثلاثة أحاديث من رواية أبي عثمان النَّهْديّ عن عمر - ﵁ - في النهي عن لبس الحرير إلا موضع إصبعين، أو ثلاث، أو أربع، وسيأتي البحث فيه مستوفى هناك - إن شاء الله تعالى -.
مصادر المؤلف (٣٤)

١. «التمهيد» لابن عبد البرّ ١٤/ ٢٤٠.

٢. «التمهيد» لابن عبد البرّ ١٤/ ٢٤٢.

٣. «الفتح» ١٣/ ٣٢٤، كتاب «اللباس» رقم (٥٨٤١).

٤. «الفتح» ١٣/ ٣٢٥، كتاب «اللباس» رقم (٥٨٤١).

٥. «شرح السنديّ على النسائيّ» ٨/ ١٩٧.

٦. «الفتح» ١٣/ ٣٢٥، كتاب «اللباس» رقم (٥٨٤١).

٧. «الإصابة في تمييز الصحابة» ٧/ ١١ - ١٢.

٨. «شرح النوويّ» ١٤/ ٣٨ - ٣٩.

٩. «الفتح» ١٣/ ٣٢٦، كتاب «اللباس» رقم (٥٨٤١).

١٠. «تنبيه المعلم» ص ٣٥٨.

١١. «طرح التثريب في شرح التقريب» ٣/ ٢٢٦.

١٢. «التمهيد» لابن عبد البرّ ١٤/ ٢٦٢.

١٣. «التمهيد» لابن عبد البرّ ١٤/ ٢٦٢.

١٤. «التمهيد» لابن عبد البرّ ١٤/ ٢٦٤.

١٥. «الفتح» ١٣/ ٣٢٩، كتاب «اللباس» رقم (٥٨٤١).

١٦. «شرح البخاريّ» لابن بطال - ﵀ - ٩/ ١١٠ - ١١١.

١٧. «الفتح» ١٣/ ٣٢٩، كتاب «اللباس» رقم (٥٨٤١).

١٨. «الفتح» ١٣/ ٣٢٩ - ٣٣٠، كتاب «اللباس» رقم (٥٨٤١).

١٩. قوله:»عن عمر … إلخ«تقدّم أن المحفوظ كون الحديث من مسند ابن عمر، لا من مسند عمر - ﵄ -، فتنبّه، والله تعالى أعلم.

٢٠. «المصباح المنير» ٢/ ٤٤٨.

٢١. «الفتح» ٣/ ٢٥٨، كتاب «العيدين» رقم (٩٤٨).

٢٢. «الفتح» ٣/ ٢٥٨، كتاب «العيدين» رقم (٩٤٨).

٢٣. راجع: «المعجم الوسيط» ١/ ١٠٤.

٢٤. «عمدة القاري» ١٤/ ٣٠٠.

٢٥. «السنن الكبرى» للنسائيّ ١/ ٥٤٣، و«المجتبى» ٣/ ١٨١.

٢٦. «تنبيه المعلم» ص ٣٥٩.

٢٧. «المصباح المنير» ٢/ ٤٨٩.

٢٨. «القاموس المحيط» ص ١٠٢٧.

٢٩. «شرح النوويّ» ١٤/ ٤٠.

٣٠. «الفتح» ١٣/ ٦٥٧، كتاب «الأدب» رقم (٦٠٨١).

٣١. «القاموس المحيط» ص ٩٥٧.

٣٢. «القاموس المحيط» ص ٣٧٢.

٣٣. «صحيح البخاريّ» ٥/ ٢٢٥٨.

٣٤. «الأعلام» للخطّابيّ ٣/ ٢١٩.