(١٣) - (بَابٌ في طَرْحِ الْخَوَاتِمِ)
وبالسند المتصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال:
[٥٤٧٢] (٢٠٩٣) - (حَدَّثَني أَبُو عِمْرَانَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ زِيَادٍ، أخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ - يَعْنى: ابْنَ سَعْدٍ - عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أنسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّهُ أَبْصَرَ فِي يَدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - خَاتَمًا مِنْ وَرِقٍ يَوْمًا وَاحِدًا، قَالَ: فَصَنَعَ النَّاسُ الْخَوَاتِمَ مِنْ وَرِقٍ، فَلَبِسُوهُ، فَطَرَحَ النَّبِيُّ - ﷺ - خَاتَمَهُ، فَطَرَحَ النَّاسُ خَوَاتِمَهُمْ .
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (أَبُو عِمْرَانَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ زِيَادٍ) الوَرَكانيّ - بفتحتين - الْخُرَاسانيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٢٨) (م د س) تقدم في «الإيمان» ٣٨/ ٢٥٥.
٢ - (إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدِ) بن إبراهيبم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، أبو إسحاق المدنيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ حجّة تُكُلّم فيه بلا قادح [٨] (ت ١٨٥) (ع) تقدم في «الإيمان» ٩/ ١٤١.
٣ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ، تقدّم قريبًا ..
و«أنس بن مالك» ذُكر قبله.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من رباعيّات المصنّف ﵀، وهو (٤١٩) من رباعيّات الكتاب، وفيه أنس - ﵁ - تقدّم القول فيه.
شرح الحديث:
(عَنْ أَنَس بْنِ مَالِكٍ) - ﵁ - (أَنَّهُ أَبْصَرَ فِي يَدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - خَاتَمًا مِنْ وَرِقٍ)؛ أي: فضّة، (يَوْمًا وَاحِدًا، قَالَ: فَصَنَعَ النَّاسُ الْخَوَاِتمَ مِنْ وَرِقٍ،
فَلَبِسُوهُ)؛ أي: الخاتم، (فَطَرَحَ النَّبِيُّ - ﷺ - خَاتَمَة، فَطَرَحَ النَّاسُ خَوَاتِمَهُمْ) وفي بعض النُّسخ: «خواتيمهم» بالياء بعد التاء في الموضعين، قال القاضي عياض ﵀: قال جميع أهل الحديث: هذا وَهَم من ابن شهاب، فوَهِم مِن خاتم الذهب إلى خاتم الورق، والمعروف من روايات أنس من غير طريق ابن شهاب اتخاذه - ﷺ - خاتم فضّة، ولم يطرحه، وإنما طرح خاتم الذهب، كما ذكره مسلم في باقي الأحاديث.
ومنهم من تأول حديث ابن شهاب، وجَمَع بينه وبين الروايات، فقال: لمّا أراد النبيّ - ﷺ - تحريم خاتم الذهب اتخذ خاتم فضة، فلما لبس خاتم الفضة أراه الناس في ذلك اليوم؛ ليُعلمهم إباحته، ثم طرح خاتم الذهب، وأعْلَمَهم تحريمه، فطرح الناس خواتيمهم من الذهب، فيكون قوله: «فطرح الناس خواتمهم»؛ أي: خواتم الذهب، قال النوويّ: وهذا التأويل هو الصحيح، وليس في الحديث ما يمنعه، وأما قوله: «فصنع الناس الخواتم من الورق، فلبسوه - ثم قال -: فطرح خاتمه، فطرحوا خواتمهم»، فيَحْتَمِل أنهم لمّا علموا أنه - ﷺ - يصطنع لنفسه خاتم فضة اصطنعوا لأنفسهم خواتيم فضة، وبقيت معهم خواتيم الذهب كما بقي مع النبيّ - ﷺ - إلى أن طَرَح خاتم الذهب، واستبدلوا الفضة، والله أعلم. انتهى.
وقال في «الفتح»: هكذا رَوَى الحديث الزهريُّ، عن أنس، واتفق الشيخان على تخريجه من طريقه، ونُسب فيه إلى الغلط؛ لأن المعروف أن الخاتم الذي طرحه النبيّ - ﷺ - بسبب اتخاذ الناس مثله، إنما هو خاتم الذهب، كما صرّح به في حديث ابن عمر، قال النوويّ، تبعًا لعياض: قال جميع أهل الحديث: هذا وَهَمٌ من ابن شهاب؛ لأن المطروح ما كان إلا خاتم الذهب، ومنهم من تأوله كما سيأتي.
قال الحافظ: وحاصل الأجوبة ثلاثة:
[أحدها]: قاله الإسماعيليّ، فإنه قال - بعد أن ساقه -: إن كان هذا الخبر محفوظًا، فينبغي أن يكون تأويله: أنه اتخذ خاتمًا من ورق، على لون من الألوان، وكره أن يَتَّخذ غيره مثله، فلما اتخذوه رمى به، حتى رموا به، ثم اتخذ بعد ذلك ما اتخذه، ونقش عليه ما نقش؛ ليختم به.
[ثانيها]: أشار إليه الإسماعيليّ أيضًا، أنه اتخذه زينة، فلمّا تبعه الناس فيه، رمى به، فلمّا احتاج إلى الختم، اتخذه ليختم به، وبهذا جزم المحب الطبريّ، بعد أن حكى قول المهلَّب، وذكر أنه مُتكلّف، قال: والظاهر من حالهم أنهم اتخذوها للزينة، فطرح خاتمه ليطرحوا، ثم لبسه بعد ذلك، للحاجة إلى الختم به، واستمرّ ذلك.
[ثالثها]: قال ابن بطال: خالف ابن شهاب رواية قتادة، وثابت، وعبد العزيز بن صهيب، في كون الخاتم الفضة استقرّ في يد النبيّ - ﷺ -، يختم به الخلفاء بعده، فوجب الحكم للجماعة، وأنه وَهِم الزهري فيه. لكن قال المهلب: قد يمكن أن يُتأول لابن شهاب، ما ينفي عنه الوهم، وإن كان الوهم أظهر، وذلك أنه يَحتمل أن يكون لَمّا عزم على اطراح خاتم الذهب، اصطنع خاتم الفضة، بدليل أنه كان لا يستغني عن الختم على الكتب، إلى الملوك وغيرهم، من أمراء السرايا والعمال، فلما لبس خاتم الفضة، أراد الناس أن يصطنعوا مثله، فطرح عند ذلك خاتم الذهب، فطرح الناس خواتيم الذهب.
وتعقّبه الحافظ، فقال: ولا يخفى وَهْيُ هذا الجواب، والذي قاله الإسماعيلي أقرب، مع أنه يخدش فيه، أنه يستلزم اتخاذ خاتم الورق مرتين، وقد نقل عياض نحوًا من قول ابن بطال، قائلًا: قال بعضهم: يمكن الجمع بأنه لمّا عَزَم على تحريم خاتم الذهب، اتخذ خاتم فضة، فلمّا لبسه أراه الناس في ذلك اليوم، ليعلموا إباحته، ثم طرح خاتم الذهب، وأعلمهم تحريمه، فطرح الناس خواتيمهم من الذهب، فيكون قوله: «فطرح خاتمه، وطرحوا خواتيمهم»؛ أي: التي من الذهب.
وحاصله أنه جعل الموصوف في قوله: «فطرح خاتمه، فطرحوا خواتيمهم» خاتم الذهب، وإن لم يَجْر له ذِكر، قال عياض: وهذا يَسُوغ أن لو جاءت الرواية مُجْمَلة، ثم أشار إلى أن رواية ابن شهاب، لا تحتمل هذا التأويل. فأما النووي، فارتضى هذا التأويل، وقال: هذا هو التأويل الصحيح، وليس في الحديث ما يمنعه، قال: وأما قوله: «فصنع الناس الخواتيم من الوَرِق، فلبسوها»، ثم قال: «فطرح خاتمه، فطرحوا خواتيمهم»، فيَحتمل أنهم لمّا علموا أنه - ﷺ -، يريد أن يصطنع لنفسه خاتم فضة، اصطنعوا لأنفسهم
خواتيم الفضة، وبقيت معهم خواتيم الذهب، كما بقي معه خاتمه إلى أن استبدل خاتم الفضة، وطرح خاتم الذهب، فاستبدلوا، وطرحوا. انتهى.
وأيّده الكرمانيّ بأنه ليس في الحديث، أن الخاتم المطروح كان من ورق، بل هو مطلق، فيُحمل على خاتم الذهب، أو على ما نُقش عليه نقش خاتمه، قال: ومهما أمكن الجمع، لا يجوز توهيم الراوي.
قال الحافظ: وَيَحتمل وجها رابعًا، ليس فيه تغيير، ولا زيادة اتخاذ، وهو أنه اتخذ خاتم الذهب للزينة، فلمّا تتابَع الناس فيه، وافق وقوع تحريمه فطرحه، ولذلك قال: «لا ألبسه أبدًا»، وطرح الناس خواتيمهم، تبعًا له، وصرّح بالنهي عن لُبس خاتم الذهب، ثم احتاج إلى الخاتم؛ لأجل الختم به، فاتخذه من فضة، ونقش فيه اسمه الكريم، فتبعه الناس أيضًا في ذلك، فرمى به، حتى رمى الناس تلك الخواتيم المنقوشة على اسمه؛ لئلا تفوت مصلحة نَقْش اسمه، بوقوع الاشتراك، فلما عُدِمت خواتيمهم برميها، رجع إلى خاتمه الخاص به، فصار يختم به، ويشير إلى ذلك قوله في رواية عبد العزيز بن صهيب، عن أنس، كما سيأتي قريبًا في «باب الخاتم في الخنصر»: «إنا اتخذنا خاتمًا، ونقشنا فيه نقشًا، فلا ينقُش عليه أحد»، فلعل بعض من لم يبلغه النهي، أو بعض من بلغه ممن لم يرسخ في قلبه الإيمان من منافق، ونحوه، اتخذوا، ونقشوا، فوقع ما وقع، ويكون طرحه له غضبًا، ممن تشبَّه به في ذلك النقش، وقد أشار إلى ذلك الكرمانيّ، مختصرًا جدًّا. والله أعلم.
وقول الزهري في روايته: «إنه رآه في يده يومًا» لا ينافي ذلك، ولا يعارضه قوله - في رواية حميد -: «سئل أنس هل اتخذ النبيّ - ﷺ - خاتمًا؟ قال: أخَّر ليلةً صلاة العشاء … إلى أن قال: فكأني أنظر إلى وبيص خاتمه»، فإنه يُحمل على أنه رآه كذلك في تلك الليلة، واستمر في يده بقية يومها، ثم طرحه في آخر ذلك اليوم. والله أعلم.
وأما ما أخرجه النسائيّ من طريق المغيرة بن زياد، عن نافع، عن ابن عمر: «اتخذ النبيّ - ﷺ - خاتمًا من ذهب، فلبسه ثلاثة أيام»، فيُجمع بينه وبين حديث أنس بأحد أمرين، إن قلنا: إن قول الزهريّ في حديث أنس: «خاتمًا من ورق» سهو، وأن الصواب: «خاتمًا من ذهب»، فقوله: «يومًا واحدًا» ظرف
لرؤية أنس، لا لمدة اللُّبس، وقول ابن عمر: «ثلاثة أيام» ظرف لمدة اللبس، وإن قلنا: أن لا وَهَم فيها، وجَمَعنا بما تقدم، فمدة لبس خاتم الذهب ثلاثة أيام، كما في حديث ابن عمر هذا، ومدة لبس خاتم الورق الأول كانت يومًا واحدًا، كما في حديث أنس، ثم لمَّا رمى الناس الخواتيم التي نقشوها على نَقْشه، ثم عاد، فلبس خاتم الفضة، واستمرّ إلى أن مات. انتهى .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن التأويلات السابقة لرواية الزهري هذه كلّها لا يخفى ما فيها من التكلّف والتعسّف، وإنما الظاهر توهيم الزهريّ في ذلك، ولا استغراب فيه، فإن الغلط من طبيعة البشر، فقد سبق أن سعيد بن المسيِّب وغيره وهّموا ابن عباس - ﵄ - في قوله: «تزوج النبيّ - ﷺ - ميمونة - ﵄ -، وهو مُحْرِم»، وأين الزهريّ من ابن عباس - ﵄ -؟ فليُتأَمَّل. والله تعالى أعلم بالصواب.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس - ﵁ - هذا متفقٌ عليه.
(المسألة الثانيه): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٣/ ٥٤٧٢ و٥٤٧٣ و٥٤٧٤] (٢٠٩٣)، و(البخاريّ) في «اللباس» (٥٨٦٨)، و(أبو داود) في «الخاتم» (٤٢٢١)، و(النسائيّ) في «الزينة» (٨/ ١٩٥) و«الكبرى» (٩٥٤٤)، و(أحمد) في «مسنده» (٣/ ١٦٠ و٢٠٦ و٢٢٣ و٢٢٥)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (٣٥٦٥)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٥٤٩٠)، وفوائده تقدّمت، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال:
[٥٤٧٣] (…) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا رَوْحٌ، أخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي زِيَادٌ، أَن ابْنَ شِهَابٍ أَخْبَرَهُ، أَن أنسَ بْنَ مَالِكٍ أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ رَأَى فِي يَدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - خَاتَمًا مِنْ وَرِقٍ يَوْمًا وَاحِدًا، ثُمَّ إِن النَّاسَ اضْطَرَبُوا الْخَوَاِتمَ مِنْ وَرِقٍ، فَلَبِسُوهَا، فَطَرَحَ النَّبِيُّ - ﷺ - خَاتَمَهُ، فَطَرَحَ النَّاسُ خَوَاتِمَهُم).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (رَوْحُ) بن عبادة القيسيّ البصريّ، تقدّم قريبًا.
٢ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، تقدّم أيضًا قريبًا.
٣ - (زَيادُ) بن سعد بن عبد الرحمن الْخُراسانيّ، نزيل مكة، ثم اليمن، ثقةٌ ثبتٌ [٦] (ع) تقدم في «الطهارة» ٢٦/ ٦٥٣.
والباقون ذُكروا قبله، وقبل باب.
وقوله: (اضْطَرَبُوا الْخَوَاتِمَ)؛ أي: ضربوه، واتّخذوه، وفي بعض النُّسخ: «اصطنعوا».
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله فيما قبله، ولله الحمد والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال:
[٥٤٧٤] (…) - (حَدَّثَنَا عُقْبَةُ بْنُ مُكْرَمٍ الْعَمِّيُّ، حَدَّثنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ).
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
١ - (عُقْبَةُ بْنُ مُكْرَم الْعَمِّيِّ) أبو عبد الملك البصريّ، ثقةٌ [١١] مات في حدود (٢٥٠) (م د ت ق) تقدم في «الإيمان» ٢٧/ ٢٢٠.
٢ - (أَبُو عَاصِمٍ) الضّحاك بن مخلد النبيل، تقدّم قريبًا.
و«ابن جُريج» ذُكر قبله.
[تنبيه]: رواية أبي عاصم، عن ابن جريج ساقها أبو عوانة في «مسنده»، مقرونًا بحجاج الأعور، وروح بن عبادة، فقال:
(٨٦٢٧) - حدّثنا يوسف بن سعيد المصيصيّ، قال: ثنا حجاج (ح) وحدّثنا أبو الأزهر، قال: ثنا روح بن عبادة (ح) وحدّثنا يعقوب بن سفيان الفارسيّ، قال: ثنا أبو عاصم، كلهم عن ابن جريج، قال: أخبرني زياد بن سعد، أن ابن شهاب أخبره، أن أنس بن مالك أخبره، أنه رأى في يد