HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢١٠٢

حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ. قال: أُتِيَ بِأَبِي قُحَافَةَ، أَوْ جَاءَ، عَامَ الْفَتْحِ أَوْ يَوْمَ الْفَتْحِ، وَرَأْسُهُ وَلِحْيَتُهُ مِثْلُ الثَّغَامِ أَوِ الثَّغَامَةِ. فَأَمَرَ، أَوْ فَأُمِرَ بِهِ إِلَى نِسَائِهِ، قال (غيروا هذا بشيء).
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج6 ص155
ج ٣ ص ١٦٦٣

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٤ مصادر سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن النسائي, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣٥ ص٣٧
وعن لبوس القسيّ، والمعصفر … « الحديث. وغير ذلك من الأحاديث. والحاصل أن أحاديث النهي أرجح، فتقدّم على أحاديث الإباحة، فتأمل بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٥٤٩٦] (…) - (وَحَدَّثنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ - وَهُوَ ابْنُ عُلَيَّةَ - عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ، عَنْ أنسٍ، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَنْ يَتَزَعْفَرَ الرَّجُلُ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: وكلهم تقدّموا قريبًا، والإسناد من رباعيّات المصنّف - ﵀ -، كسابقه، ولاحقه، وهو (٤٢٦) من رباعيّات الكتاب. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله فيما قبله، ولله الحمد والمنّة. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٢٣) - (بَابٌ فِي صِبْغِ الشَّعْر، وَتَغْيِيرِ الشَّيْبِ بِغَيْرِ سَوَادٍ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ -، أوّل الكتاب قال: [٥٤٩٧] (٢١٠٢) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْر، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: أُتِيَ بِأَبِي قُحَافَةَ، أَو جَاءَ عَامَ الْفَتْح، أَو يَوْمَ الْفَتْح، وَرَأْسُهُ، وَلِحْيَتُهُ مِثْلُ الثَّغَام، أَوِ الثَّغَامَة، فَأَمَرَ، أَو فَأُمِرَ بِهِ إِلَى نِسَائِه، قَالَ: «غَيِّرُوا هَذَا بِشَيْءٍ»). رجال هذا الإسناد: أربعة: وقد تقدّموا قبل ثلاثة أبواب، وهو من رباعيّات المصنّف - ﵀ -، وهو (٤٢٧) من رباعيّات الكتاب. شرح الحديث: (عَنْ جَابِرٍ) - ﵁ - أنه (قَالَ: أُتِيَ) بالبناء للمفعول، والذي أتى به هو أبو بكر الصدّيق ولده، كما بُيّن ذلك في حديث أنس بن مالك - ﵁ - قال: «جاء أبو بكر - ﵁ - بأبيه أبي قحافة إلى رسول الله - ﷺ -». (بِأَبِي قُحَافَةَ) - بضم القاف، وتخفيف الحاء المهملة -: هو والد أبي بكر الصدّيق - ﵄ -، واسمه: عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة، القرشيّ التيميّ، أمه آمنة بنت عبد الْعُزَّى العدوية، عديّ قريش، وقيل: اسمها قَيْلة، قال الفاكهيّ: حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان، عن أبي حمزة الثُّمَاليّ، قال: قال عبد الله: لما خرج النبيّ - ﷺ - إلى الغار، ذهبت أستخبر، وأنظر هل أحد يخبرني عنه؟ فأتيت دار أبي بكر، فوجدت أبا قحافة، فخرج عليّ، ومعه هِرَاوة، فلما رآني اشتدّ نحوي، وهو يقول: هذا من الصُّبَاة الذي أفسدوا عليّ ابني. تأخر إسلامه إلى يوم الفتح، فروى ابن إسحاق في «المغازي» بإسناد صحيح، عن أسماء بنت أبي بكر، قالت: لما كان عام الفتح، ونزل النبيّ - ﷺ - ذا طوى، قال أبو قحافة لابنة له، كانت من أصغر ولده: أي بنيةُ، أشرفي بي على أبي قُبيس، وكان قد كُفّ بصره، فأشرفت به عليه، فذكر الحديث بطوله، وفيه: فلما دخل رسول الله - ﷺ - المسجد، خرج أبو بكر حتى جاء بأبيه يقوده، فلما رآه رسول الله - ﷺ -، قال: «هلا تركت الشيخ في بيته حتى آتيه»، فقال: يمشي هو إليك يا رسول الله أحقّ، من أن تمشي إليه، وأجلَسه بين يديه، ثم مسح على صدره، فقال: أسلم تَسْلَم، ثم قام أبو بكر … الحديث، أخرجه ابن حبان في «صحيحه»، من حديث ابن إسحاق. وروى أحمد من طريق هشام، عن محمد بن سيرين، عن أنس - ﵁ -، أنه سئل عن خضاب رسول الله - ﷺ -؟ فقال: لم يكن شابَ إلا يسيرًا، ولكن خضب أبو بكر، وعمر بالحناء والكتم، قال: وجاء أبو بكر بأبيه، أبي قحافة إلى رسول الله - ﷺ -، يوم فتح مكة، يحمله حتى وضعه بين يديه، فقال لأبي بكر: لو أقررت الشيخ في بيته، لأتيناه تكرمة لأبي بكر، فأسلم، ورأسه ولحيته كالثغامة بياضًا، فقال: «غيّروهما، وجنّبوه السواد»، صححه ابن حبان من هذا الوجه، قال قتادة: هو أول مخضوب في الإسلام، وهو أول من ورث خليفة في الإسلام، مات أبو قحافة سنة أربع عشرة، وله سبع وتسعون سنة. ذكره في «الإصابة» . وقال القرطبيّ: مات في المحرّم سنة أربع عشرة من الهجرة، وهو ابن سبع وتسعين سنة، بعد وفاة ابنه أبي بكر - ﵁ - بأشهر. انتهى . (أَو) للشكّ من الراوي، (جَماءَ عَامَ الْفَتْحِ) وفي رواية النسائيّ: «يوم فتح مكّة»، وهو ظرف لـ «جاء». (أَو) للشك من الراوي أيضًا، (يَوْمَ الْفَتْحِ) وقوله: (وَرَأْسُهُ، وَلحْيَتُهُ مِثْلُ الثَّغَامِ) جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل، - بمثلّثة مفتوحة، وغين معجمة - قال في «النهاية» ١/ ٢١٤: هو نبت أبيض الزَّهْر والثمر، يُشبّه به الشيب. وقيل: شجرة تبيضّ؛ كأنها الثلج. انتهى. وقال في «القاموس»: الثَّغَام؛ كسحاب: نبت، واحدته ثغامة بالهاء. وقال في «المصباح»: «الثَّغَام» مثلُ سَلام: نبتٌ يكون بالجبال غالبًا، إذا يبس ابيضَّ، ويُشبّه به الشيب. وقال ابن فارس: شجرة بيضاء الثمر والزَّهْر. انتهى. وفي رواية النساسيّ: «وَرَأسُهُ وَلحْيَتُهُ كَالثَّغَامَةِ بَيَاضًا»، (أَوِ) للشكّ من الراوي أيضًا، (الثَّغَامَة، فَأَمَرَ) بالبناء للفاعل؛ أي: أمر النبيّ - ﷺ -، (أَو) للشكّ من الراوي أيضًا، (فَأُمِرَ) بالبناء للمفعول، (بِهِ)؛ أي: بأبي قُحافة، (إِلَى نِسَائِهِ) حتى يغيّرن شَيْبه. (قَالَ) - ﷺ -: («غَيِّرُوا هَذَا بِشَيْءٍ) زاد في الرواية التالية:»واجتنبوا السواد»، قال أبو العبَّاس القرطبيّ - ﵀ -: أمرٌ بتغيير الشيب، قال به جماعة من الخلفاء، والصحابة، لكن لم يَصِرْ أحدٌ إلى أنه على الوجوب، وإنما هو مستحبّ. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: فيه أنه نُقل عن الإمام أحمد: القول بالوجوب، وهو الظاهر؛ لظاهر الأمر، فتنبّه. قال: وقد رأى بعضهم أنّ ترك الخضاب أفضل، وبقاء الشيب أَولى من تغييره، متمسّكين في ذلك بنهي النبيّ - ﷺ - عن تغيير الشيب على ما ذكروه، وبأنه - ﷺ - لم يُغيّر شيبه، ولا اختضب. قال القرطبيّ: وهذا القول ليس بشيء، أما الحديث الذي ذكروه، فليس بمعروف، ولو كان معروفًا، فلا يبلغ في الصحّة إلى هذا الحديث، وأما قولهم: إن النبيّ - ﷺ - لم يَخضِب، فليس بصحيح، بل قد صحّ عنه أنه خضب بالحنّاء، وبالصفرة. انتهى . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: اختلفت الروايات في كونه - ﷺ - خضب، فثبت عن أنس - ﵁ - أنه سُئل: أخضب النبيّ - ﷺ -؟ فقال: لم يبلغ الشيب إلا قليلًا، وفي رواية: «إنه لم يبلغ ما يَخضِب، لو شئت أن أعُدّ شمطاته في لحيته»؛ أي: لعددتها. وثبت في حديث ابن عمر - ﵄ - أنه - ﷺ - خضب بالصفرة، وفي حديث أم سلمة - ﵂ - أنها أخرجت شعرًا من شعر النبيّ - ﷺ -، مخضوبًا. والجمع بين هذه الروايات، أن يقال: إن من جزم بأنه - ﷺ - خضب، كابن عمر - ﵄ -، حَكَى ما شاهده، وكان ذلك في بعض الأحيان، ومن نفى؛ كأنس - ﵁ -، فهو محمول على الأكثر الأغلب من حاله - ﷺ -. وقد أخرج مسلم، والترمذيّ، والنسائيّ من حديث جابر بن سمرة - ﵄ -، قال: ما كان في رأس النبيّ - ﷺ -، ولحيته من الشيب إلا شعرات، كان إذا دهن واراهُنّ الدهن. قال في «الفتح»: فيَحْتَمِل أن يكون الذين أثبتوا الخضاب شاهدوا الشعر الأبيض، ثم لَمّا واراه الدهن ظنّوا أنه خضبه. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الاحتمال بعيد؛ يُبعده ما رواه النسائيّ عن ابن عمر - ﵄ -: «لقد رأيت رسول الله - ﷺ - يصفّر بها - يعني: الخلوق - لحيته …» الحديث. فالصحيح من الجمع الاحتمال الأول. والله تعالى أعلم. وقوله: «وَاجْتَنِبُوا السَّوَادَ»: قال القرطبيّ - ﵁ -: أمرٌ باجتناب السواد، وكرهه جماعة، منهم عليّ بن أبي طالب - ﵁ -، ومالك، قال: وهو الظاهر من هذا الحديث، وقد عُلّل ذلك بأنه من باب التدليس على النساء، وبأنه سواد في الوجه، فيُكره لأنه تشبّه بسيما أهل النار. ثم ذكر حديث ابن عباس - ﵄ - المذكور قبل هذا، ثم قال: غير أنه لم يُسمع أن أحدًا من العلماء قال بتحريم ذلك. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: إن هذا غير صحيح، بل الحقّ أنه حرام، كما يأتي تحقيقه في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى -. ثم ذكر القرطبيّ من كان يصبغ بالسواد، كما سيأتي ذكرهم، ثم قال: ولا أدري عذر هؤلاء عن حديث أبي قحافة ما هو؟، فأقلّ درجاته الكراهة، كما ذهب إليه مالك. انتهى . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: سيأتي أنه يُعتذر لهم بأنه لم يبلغهم النهي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جابر - ﵁ - هذا من أفراد المصنّف - ﵀ -. [تنبيه]: أشار بعضهم إلى الطعن في إسناد هذا الحديث بأن فيه عنعنة أبي الزبير، وهو مدلّس. والجواب عن هذا أن أبا الزبير لم ينفرد به، بل تابعه عليه أبو رجاء العطارديّ - وهو مخضرم ثقةٌ - عن جابر - ﵁ -، فقد أخرجه الطبراني في «الكبير»، قال: (٨٣٢٨) - حدّثنا خلف بن عمرو العكبريّ، ثنا الحسن بن الربيع الْبُورانيّ، ثنا عبد العزيز بن عبد الصمد العميّ، عن مَطَر بن طَهْمان الورّاق، يكنى بأبي رجاء، عن أبي رجاء الْعُطاريّ، عن جابر بن عبد الله قال: جيء بأبي قحافة إلى رسول الله - ﷺ -، ورأسه ولحيته كأنهما ثُغامة، فقال رسول الله - ﷺ -: «اذهبوا به إلى بعض نسائه يغيّرنه»، قال: فذهبوا به، فحَمَّروها. انتهى . وله شاهد من حديث أنس - ﵁ -، أخرجه الضياء في «المختارة» بسند صحيح، قال: (٢٥٨٥) - أخبرنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن نصر الصيدلانيّ بأصبهان، أن أبا عليّ الحسن بن أحمد الحداد أخبرهم، وهو حاضر، أنبأ أبو نعيم أحمد بن عبد الله، أنبأ عبد الله بن جعفر، ثنا إسماعيل بن عبد الله، ثنا محمد بن القاسم الحرّانيّ، ثنا محمد بن سلمة الحرّانيّ، ثنا هشام بن حسان، عن ابن سيرين، عن أنس بن مالك، قال: جاء أبو بكر - ﵁ - بأبيه أبي قحافة إلى رسول الله - ﷺ - يوم فتح مكة، فقال رسول الله - ﷺ - لأبي بكر: «لو أقررت الشيخ في بيته لأتيته تكرمةً لأبي بكر»، فأسلم، ورأسه ولحيته؛ كالثُّغامة بياضًا، فقال: «غَيِّروا هذا، وجنِّبوها السواد»، قال: إسناده صحيح. انتهى . وله شاهد آخر من حديث أسماء بنت أبي بكر الصدّيق - ﵄ -، أخرجه أحمد في «مسنده» بسند صحيح، قال: (٢٧٠٠١) - حدّثنا عبد الله، حدّثني أبي، ثنا يعقوب، قال: ثنا أبي، عن ابن إسحاق قال: حدّثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن جدّته أسماء بنت أبي بكر، قالت: لَمّا وَقَف رسول الله - ﷺ - بذي طوى قال أبو قحافة لابنة له من أصغر ولده: أي بُنَيّة أظهري بي على أبي قبيس، قالت: وقد كُفّ بصره، قالت: فأشرفت به عليه، فقال: يا بُنَيّة ماذا ترين؟ قالت: أرى سوادًا مجتمعًا، قال: تلك الخيل، قالت: وأرى رجلًا يسعى بين ذلك السواد مقبلًا ومدبرًا، قال: يا بنية ذلك الوازع - يعني: الذي يأمر الخيل، ويتقدم إليها - ثم قالت: قد والله انتشر السواد، فقال: قد والله إذًا دُفعت الخيل، فأسرعي بي إلى بيتي، فانحطت به، وتلقاه الخيل قبل أن يصل إلى بيته، وفي عنق الجارية طَوْق لها من وَرِق، فتلقاها رجل، فاقتلعه من عنقها، قالت: فلما دخل رسول الله - ﷺ - مكة، ودخل المسجد أتاه أبو بكر بأبيه يقوده، فلما رآه رسول الله - ﷺ - قال: «هلا تركت الشيخ في بيته، حتى أكون أنا آتيه فيه؟» قال أبو بكر: يا رسول الله هو أحقّ أن يمشي إليك من أن تمشي أنت إليه، قال: فأجْلَسه بين يديه، ثم مسح صدره، ثم قال له: أسلم، فأسلم، ودخل به أبو بكر - ﵁ - على رسول الله - ﷺ -، ورأسه كأنه ثُغامة، فقال رسول الله - ﷺ -: «غَيِّروا هذا من شَعْره»، ثم قام أبو بكر، فأخذ بيد أخته، فقال: أَنْشُدُ بالله وبالإسلام طوق أختي، فلم يجبه أحد، فقال: يا أُخَيَّة احتسبي طوقك. انتهى . والحاصل أن حديث أبي الزبير عن جابر - ﵁ - هذا صحيح دون ريب وشكّ، فتنبّه، والله تعالى وليّ التوفيق. [تنبيه آخر]: روى الإمام أحمد هذا الحديث في موضعين من «مسنده» (٣/ ٣١٦ و٣٢٢)، و(ابن ماجه) (٣٦٢٤) من طريق ليث، عن أبي الزبير، عن جابر، ولم يُنسب ليث في المواطن الثلاثة، فالتبس أمره على مخرّج أحاديث «الحلال والحرام» (ص ٨٣) فظنّه ليث بن سعد، وصحّح السند بمقتضاه؛ لأن الليث بن سعد لا يروي عن أبي الزبير إلا ما سمع من جابر، مع أن الحافظ المزّيّ في «تحفة الأشراف» (٢/ ٣٤٢)، وكذلك الحافظ البوصيريّ في «مصباح الزجاجة» ورقة (٢٢٥/ ٢) نصّا على أنه ليث بن أبي سُليم، وهو ضعيف، كتبه بعض المحققين ، وهو بحث مهمّ جدًّا، والله تعالى أعلم. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنف) هنا [٢٣/ ٥٤٩٧ و٥٤٩٨] (٢١٠٢)، و(أبو داود) في «الترجّل» (٤٢٠٤)، و(النسائيّ) في «الزينة» (٨/ ١٣٨ و١٨٥)، و«الكبرى» (٥/ ٤١٦)، و(ابن ماجه) في «اللباس» (٣٦٢٤)، و(عبد الرزّاق) في «مصنّفه» (٢٠١٧٩)، و(أحمد) في «مسنده» (٣/ ٣١٦ و٣٢٢ و٣٣٨)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٥٤٧١)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (١٨١٩)، و(الحاكم) في «المستدرك» (٣/ ٢٤٤)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (١/ ٤١٠ و٢/ ٧٤ و٥/ ٢٧٢)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٧/ ٣١٠) و«شُعَب الإيمان» (٥/ ٢١٥)، و(البغويّ) في «شرح السُّنَّة» (٣١٧٩)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان الأمر بتغيير الشيب، قال الحافظ ابن حبّان - ﵀ - بعد إخراجه الحديث: قوله - ﷺ -: «وغيِّروهما » لفظة أمر بشيء، والمأمور في وصفه مخيَّر أن يغيرهما بما شاء من الأشياء، ثم استثنى السواد من بينها، فنهى عنه، وبقي سائر الأشياء على حالتها. انتهى . ٢ - (ومنها): بيان النهي عن الخضاب بالسواد، وهو ظاهر. وسيأتي لمسلم في «الفضائل» من حديث أنس - ﵁ -، قال: «اختضب أبو بكر بالحناء والكتم، واختضب عمر بالحناء بَحْتًا». وقوله: «بَحْتًا» - بموحدة مفتوحة، ومهملة ساكنة، بعدها مثناة -؛ أي: صِرْفًا، وهذا يُشعر بأن أبا بكر كان يجمع بينهما دائمًا، والكتم نبات باليمن يُخرج الصبغ أسود يميل إلى الحمرة، وصبغ الحناء أحمر، فالصبغ بهما معًا يَخرج بين السواد والحمرة. [تنبيه]: ومما ورد في الوعيد لمن يصبغ بالسواد ما أخرجه أحمد، وأبو داود، والنسائيّ، واللفظ لأبي داود قال: (٤٢١٢) - حدّثنا أبو توبة، ثنا عبيد الله، عن عبد الكريم الجزريّ، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «يكون قوم يخضبون في آخر الزمان بالسواد؛ كحواصل الحمام، لا يَريحون رائحة الجنة». انتهى . قال الحافظ - ﵀ - في «النكت الظراف»: أخرجه إسحاق في «مسنده» عن زكريّا بن عديّ، عن عبيد الله بن عمرو بلفظ: «يخضبون لحاهم بالسواد». انتهى . قال الحافظ المنذريّ - ﵀ - في «مختصر سنن أبي داود» ٦/ ١٠٨: في إسناده عبد الكريم، ولم ينسبه أبو داود ، ولا النسائيّ، فذكر بعضهم أنه عبد الكريم بن أبي الْمُخارق، أبو أميّة، وضعّف الحديث بسببه، وذكر بعضهم أنه عبد الكريم بن مالك الجزريّ، أبو سعيد، وهو من الثقات، لاتفاق البخاريّ، ومسلم على الاحتجاج بحديثه. وقول من قال: إنه عبد الكريم بن مالك الجزريّ هو الصواب، فإنه قد نسبه بعض الرواة في هذا الحديث، فقال فيه: «عن عبد الكريم الجزريّ»، وعبد الكريم بن أبي المخارق من أهل البصرة، نزل مكّة، وأيضًا فإن الذي روى عن عبد الكريم هذا الحديث هو عبيد الله بن عمرو الرَّقّيّ، وهو مشهور بالرواية عن عبد الكريم الجزريّ، وهو أيضًا من أهل الجزيرة. انتهى كلام المنذريّ - ﵀ -. وقال السنديّ - ﵀ -: قد صحح الحديث غير واحد، وحسّنه، وخطّؤوا ابن الجوزيّ في نسبته إلى الوضع. والله تعالى أعلم. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: كون عبد الكريم هو الجزريّ هو الحقّ، كما هو في رواية أبي داود السابقة، وكذا صرّح الحافظ المزيّ في «تحفته» بأنه الجزريّ، فالحديث صحيح دون شك، فهو حجة ظاهرة في النهي عن الصبغ بالسواد، فليُتنبّه، والله تعالى أعلم. ٣ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ - ﵀ -: للخضاب فائدتان: [إحداهما]: تنظيف الشعر مما يتعلّق به من الغبار، والدخان. [والأخرى]: مخالفة أهل الكتاب؛ لقوله - ﷺ -: «خالفوا اليهود والنصارى، فإنهم لا يصبغون». انتهى . ٤ - (ومنها): أنه استَنْبَط ابنُ أبي عاصم من قوله - ﷺ -: «جنِّبوه السواد» أن الخضاب بالسواد كان من عادتهم، وذكر ابن الكلبيّ أن أول من اختضب بالسواد من العرب عبد المطلب، وأما مطلقًا ففرعون ، والله تعالى أعلم. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في خضب اللحية والرأس، وتركه: قال في «الفتح»: وقد اختُلف في الخضب، وتركه، فخضب أبو بكر، وعمر وغيرهما - ﵃ -، كما تقدم، وتَرَك الخضاب عليّ، وأُبي بن كعب، وسلمة بن الأكوع، وأنس، وجماعة - ﵃ -. وجمع الطبري بأن من صبغ منهم كان اللائقَ به، كمن يُستشنع شيبه، ومن ترك كان اللائقَ به، كمن لا يُستشنع شيبه، وعلى ذلك حُمل قوله - ﷺ - في حديث جابر - ﵁ - الذي أخرجه مسلم في قصة أبي قحافة - ﵁ -، حيث قال - ﷺ - لَمّا رأى رأسه كأنها الثُّغَامة بياضًا: «غَيِّروا هذا، وجنِّبوه السواد»، ومثله حديث أنس - ﵁ -. وزاد الطبري، وابن أبي عاصم من وجه آخر، عن جابر: «فذهبوا به، فحمّروه». و«الثغامة» - بضم المثلثة، وتخفيف المعجمة -: نبات شديد البياض زهره وثمره، قال: فمن كان في مثل حال أبي قحافة استُحِبّ له الخضاب؛ لأنه لا يحصل به الغرور لأحد، ومن كان بخلافه فلا يستحب في حقه، ولكن الخضاب مطلقًا أَولى؛ لأنه فيه امتثال الأمر في مخالفة أهل الكتاب، وفيه صيانة للشعر عن تعلق الغبار وغيره به، إلا إن كان من عادة أهل البلد تَرْك الصبغ، وأن الذي ينفرد بدونهم بذلك يصير في مقام الشهرة، فالترك في حقه أَولى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: فالترك أولى، هذا الكلام فيه خطر؛ لأنه يؤدّي إلى ترك السُّنَّة، متعلّلًا بعدم عمل الناس بها، والواجب على المسلم إذا ترك الناس العمل بها إحياؤها، وأي كتاب نطق، وأيّ سُنَّة أمرت بترك السُّنَّة؛ لأجل ترك الناس لها؛ خوفًا من الشهرة؟، إن هذا لهو العجب من مثل الحافظ المدافع عن السُّنَّة، والقائم بالذّبّ عنها أن يتكلّم به، أو ينقله من غيره، ويسكت عليه. والله المستعان. وقال بعضهم: من كان في موضعٍ عادة أهله الصبغ، أو تَرْكه، فخروجه عن العادة شهرة، ومكروه. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله هذا البعض مما زلّ به القدم، وطغى فيه القلم، فهل إذا ترك أهل بلد سُنَّة من سنن رسول الله - ﷺ - يكون إحياء تلك السُّنَّة، والعمل بها شهرة ومكروهًا؟ إن هذا لهو الفساد العريض، إذ يترتب عليه أنه لا وجه في هذا الزمن الذي تَرَك فيه معظم الناس كثيرًا من السنن، وأحدثوا بدلها بدعًا أن يقوم أحد بإحياء تلك السنن، بل يهجرها، إن هذا لهو العجب العجاب! والله تعالى المستعان على مثل هذا الباطل. ونقل الطبري بعد أن أورد حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده رفعه، بلفظ: «من شاب شيبة، فهي له نور، إلى أن ينتفها، أو يخضبها »، وحديث ابن مسعود - ﵁ - أن النبي - ﷺ -، كان يكره خصالًا، فذكر منها تغيير الشيب، إذ بعضهم ذهب إلى أن هذه الكراهة تُستحب بحديث الباب، ثم ذكر الجمع، وقال: دعوى النسخ لا دليل عليها. قال الحافظ: «وجَنَح إلى النَّسخ الطحاويّ، وتمسَّك بحديث أنه كان - ﷺ - يحب موافقة أهل الكتاب، فيما لم ينزل عليه، ثم صار يخالفهم، ويحث على مخالفتهم». وحديث عمرو بن شعيب المشار إليه، أخرجه الترمذي، وحسَّنه، ولم أر في شيء من طرقه الاستثناء المذكور، فالئه أعلم. قال ابن العربي: وإنما نُهي عن النتف، دون الخضب؛ لأن فيه تغيير الخلقة من أصلها، بخلاف الخضب، فإنه لا يغيّر الخلقة على الناظر إليه. والله أعلم. وقد نُقل عن أحمد أنه يجب، وعنه: يجب ولو مرة، وعنه: لا أحب لأحد تَرْك الخضب، ويتشبه بأهل الكتاب، وفي السواد عنه كالشافعية روايتان: المشهورة يُكره، وقيل: يَحْرم، ويتأكد المنع لمن دَلَّس به. انتهى . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما نُقل عن الإمام أحمد - ﵀ - من القول بوجوب الخضب هو الظاهر؛ لظواهر النصوص، وأما الخضب بالسواد، فتحريمه أظهر؛ كما سيأتي في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى -. والله تعالى أعلم بالصواب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في حكم خضاب الشيب بالسواد: قال النوويّ - ﵀ -: ويحرم خضابه - يعني: الشيب - بالسواد على الأصح، وقيل: يكره كراهة تنزيه، والمختار التحريم؛ لقوله - ﷺ -: «واجتنبوا السواد»، هذا مذهبنا. وقال في «الفتح» عند قوله: «إن اليهود، والنصارى لا يصبغون، فخالفوهم» ما نصّه: هكذا أطلق، ولأحمد بسند حسن عن أبي أمامة - ﵁ -، قال: «خرج رسول الله - ﷺ - على مشيخة من الأنصار، بِيضٍ لحاهُم، فقال: يا معشر الأنصار حمّروا، وصفّروا، وخالفوا أهل الكتاب»، وأخرج الطبرانيّ في «الأوسط» نحوه من حديث أنس - ﵁ -، وفي «الكبير» من حديث عتبة بن عبد - ﵁ -: «كان رسول الله - ﷺ - يأمر بتغيير الشيب، مخالفة للأعاجم». وقد تمسَّك به من أجاز الخضاب بالسواد. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا عجيب، وكيف يصحّ الاحتجاج بهذا الحديث المطلق؟، وقد قُيّد في الحديث الذي قبله بقوله: «حمِّروا، وصفِّروا»، وثبت الأمر باجتناب الخضاب بالسواد حيث قال - ﷺ -: «واجتنبوا السواد». قال: من العلماء من رخَّص فيه - أي: الخضاب بالسواد - في الجهاد، ومنهم من رخص فيه مطلقًا، وأن الأَولى كراهته، وجنح النووي إلى أنه كراهة تحريم. وقد رخص فيه طائفة من السلف، منهم سعد بن أبي وقاص، وعقبة بن عامر، والحسن، والحسين، وجرير، وغير واحد، واختاره ابن أبي عاصم في «كتاب الخضاب» له، وأجاب عن حديث ابن عباس رفعه: «يكون قوم يخضبون بالسواد، لا يجدون ريح الجنة»، بأنه لا دلالة فيه على كراهة الخضاب بالسواد، بل فيه الإخبار عن قوم، هذه صفتهم، وعن حديث جابر - ﵁ -: «جنِّبوه السواد» بأنه في حق من صار شيب رأسه مستبشَعًا، ولا يطّرد ذلك في حقّ كل أحد. انتهى. قال الحافظ: وما قاله خلاف ما يتبادر من سياق الحديثين، نعم يشهد له ما أخرجه هو، عن ابن شهاب قال: كنا نخضب بالسواد، إذ كان الوجه جديدًا، فلما نغض الوجه، والأسنان تركناه. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا عجيب من الحافظ، كيف يستشهد بفعل ابن شهاب، وأصحابه من الصبغ بالسواد على معارضة ما صحّ عن رسول الله - ﷺ - من قوله: «جنّبوه السواد»، هذا شيء عجيب. قال: وقد أخرج الطبراني، وابن أبي عاصم، من حديث أبي الدرداء - ﵁ -، رفعه: «من خضب بالسواد، سوَّد الله وجهه يوم القيامة»، وسنده ليّن. ومنهم من فرّق في ذلك بين الرجل والمرأة، فأجازه لها دون الرجل، واختاره الْحَلِيميّ. انتهى . وقال العلّامة ابن القيّم - ﵀ -: والصواب أن الأحاديث في هذا الباب، لا اختلاف بينها بوجه، فإن الذي نهى عنه النبيّ - ﷺ - من تغيير الشيب أمران: [أحدهما]: نَتْفه. [والثاني]: خضابه بالسواد، والذي أَذِن فيه هو صبغه، وتغييره بغير السواد؛ كالحنّاء، والصفرة، وهو الذي عَمِله الصحابة - ﵃ -، قال الحكم بن عمرو الغفاريّ - ﵁ -: دخلت أنا، وأخي رافع على عمر بن الخطاب - ﵁ -، وأنا مخضوبٌ بالحنّاء، وأخي مخضوب بالصفرة، فقال عمر - ﵁ -: هذا خضاب الإسلام، وقال لأخي: هذا خضاب الإيمان. وأما الخضاب بالسواد، فكرهه جماعة من أهل العلم، وهو الصواب بلا ريب؛ لِمَا تقدّم، وقيل للإمام أحمد: تكره الخضاب بالسواد؟ قال: إي والله. وهذه المسألة من المسائل التي حَلَف عليها، وقد جمعها أبو الحسن، ولأنه يتضمّن التلبيس، بخلاف الصفرة. ورخّص فيه آخرون، منهم أصحاب أبي حنيفة، وروي ذلك عن الحسن، والحسين، وسعد بن أبي وقّاص، وعبد الله بن جعفر، وعقبة بن عامر، وفي ثبوته عنهم نظر، ولو ثبت فلا قول لأحد مع رسول الله - ﷺ -، وسُنَّته أحقّ بالاتّباع، ولو خالفها من خالفها. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: لقد أجاد ابن القيّم - ﵀ - في هذا الكلام، فإن الله - ﷿ - أوجب اتّباع النبيّ - ﷺ -، فقال - ﷿ -: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ الآية [الحشر: ٧]، وقال: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَو يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣]، فالواجب على المكلّف اتّباع سُنَّته، ولا يُنظر إلى خلاف من خالفها، وإن كان من الأكابر، بل يُعتذر عن هؤلاء الذين ذكر أنهم صبغوا بالسواد - إن ثبت عنهم - بأن النهي لم يَصِل إليهم، فتبصّر بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، اللَّهم أرنا الحقّ حقًّا، وارزقنا اتّباعه، وأرنا الباطل باطلًا، وارزقنا اجتنابه، آمين. ورخّص فيه آخرون للمرأة تتزيّن به لبعلها، دون الرجل، وهذا قول إسحاق بن راهويه، وكأنه رأى أن النهي إنما جاء في حقّ الرجال، وقد جوّز للمرأة من خضاب اليدين، والرجلين ما لم يُجوّز للرجل، والله تعالى أعلم. انتهى كلام ابن القيّم - ﵀ - . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي وجّه به ابن القيّم مذهب إسحاق رحمهما الله تعالى بأن المرأة تخالف الرجل في هذا الباب، حيث إن الشارع نهى الرجال من خضاب اليد والرِّجل، وأباحه للمرأة، فَقَصَر النهي عن الخضاب بالسواد على الرجل فقط، دون المرأة توجيه صحيح. والحاصل: أن الذي تدلّ عليه الأدلة الصحيحة الصريحة هو تحريمُ الخضاب بالسواد، والله تعالى أعلم بالصواب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٥٤٩٨] (…) - (وَحَدَّثَني أَبُو الطَّاهِر، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْر، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله، قَالَ: أُتِيَ بِأَبِي قُحَافَةَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ، وَرَأْسُهُ، وَلِحْيَتُهُ كَالثَّغَامَةِ بَيَاضًا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «غَيِّرُوا هَذَا بِشَيْءٍ، وَاجْتَنِبُوا السَّوَادَ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: وكلّهم تقدّموا قريبًا، و«أبو الطاهر» هو: أحمد بن عمرو بن عبد الله بن السَّرْح المصريّ. والحديث من أفراد المصنّف - ﵀ -، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث الذي قبله، ولله الحمد والمنّة. [خاتمة]: زعم بعضهم أن قوله: «واجتنبوا السواد» مُدْرَج في الحديث؛ وحجتهم في ذلك ما في «مسند أحمد» من أن زهير بن معاوية سأل أبا الزبير لَمّا حدّثه بهذا الحديث قال: قلت لأبي الزبير: قال: «جنّبوه السواد»؟ قال: لا. وهذا القول مردود؛ لأمور: [الأول]: أن الأصل في ألفاظ الحديث عدم الإدراج؛ إذ لا دليل عليه إلا الحكاية المذكورة، وليست هي دليلًا عليه؛ إذ غايتها أن يقال: إن أبا الزبير قد نسي حين حدّث زهيرًا، وكم من محدّث قد نسي حديثه بعدما حدّث به، وهذا رسول الله - ﷺ - يقول: «رحم الله فلانًا لقد أذكرني آية، كنت أُنسيتها»، رواه مسلم، وقد صرّح الحافظ في «النخبة» أن الصحيح أنه لا يُردّ الحديث لنسيان الشيخ إلا أن يقول: كذب عليّ، لم أحدّث بهذا. [الثاني]: أنه قد تابع ابن جُريج ليث بن أبي سُليم عند أحمد، وابن ماجه، وهو وإن كان مختلطًا، لكنه يصلح في المتابعة والشواهد، كما صرّح به مسلم في مقدّمة «صحيحه». [الثالث]: أن للحديث شاهدًا صحيحًا، قال الإمام أحمد - ﵀ - في «مسنده»: (١٢٦٥٦) - ثنا محمد بن سلمة الحرّانيّ، عن هشام، عن محمد بن سيرين قال: سئل أنس بن مالك عن خِضاب رسول الله - ﷺ -، فقال: إن رسول الله - ﷺ - لم يكن شابَ إلا يسيرًا، ولكن أبا بكر وعمر بعده خَضبا بالحنّاء والكتم، قال: وجاء أبو بكر بأبيه أبي قحافة إلى رسول الله - ﷺ - يوم فتح مكة يحمله، حتى وضعه بين يدي رسول الله - ﷺ -، فقال رسول الله - ﷺ - لأبي بكر: «لو أقررت الشيخ في بيته لأتيناه» تكرمةً لأبي بكر، فأسلم، ولحيته، ورأسه كالثَّغَامة بياضًا، فقال رسول الله - ﷺ -: «غَيِّروهما، وجنِّبوه السواد» . انتهى . قال الحافظ الهيثميّ في «المجمع» بعد ذكر هذا الحديث: رواه أحمد، وأبو يعلى، والبزّار باختصار، وفي «الصحيح» طرف منه، ورجال أحمد رجال الصحيح . وله أيضًا شاهد آخر صحيح أيضًا ، قال ابن سعد ﵀ في «الطبقات»: أخبرنا عبد الرحمن بن محمد المحاربيّ، عن محمد بن إسحاق قال: حدّثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن أسماء بنت أبي بكر قالت: لَمّا دخل رسول الله - ﷺ - مكة، واطمأنّ، وجلس في المسجد أتاه أبو بكر بأبي قحافة، فلما رآه رسول الله - ﷺ - قال: «يا أبا بكر ألا تركت الشيخ حتى أكون أنا الذي أمشي إليه؟» قال: يا رسول الله هو أحقّ أن يمشي إليك من أن تمشي إليه، فأجلسه رسول الله - ﷺ - بين يديه، ووضع يده على قلبه، ثم قال: يا أبا قحافة أسلم تَسْلَم، قال: فأسلم، وشهد شهادة الحقّ، قال: وأُدخل عليه، ورأسه ولحيته كأنهما ثُغامة، فقال رسول الله - ﷺ -: «غَيِّروا هذا الشيب، وجَنِّبوه السواد». انتهى . وأخرجه أيضًا الإمام أحمد ، مطوّلًا، وابن حبّان في «صحيحه» ، والحاكم في «مستدركه» . ومن الشواهد أيضًا ما أخرجه أحمد في «مسنده»، قال: (١٣٦١٣) - حدّثنا قتيبة، قال: أنا ابن لهيعة، عن خالد بن أبي عمران، عن سعد بن إسحاق بن كعب بن عُجْرة، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله - ﷺ -: «غَيِّروا الشَّيْب، ولا تُقَرِّبوه السواد». انتهى . وابن لهيعة متكلَّم فيه، لكنه يصلح للاستشهاد به، ولا سيّما وقد عدّ بعضهم قتيبة ممن روى عنه قبل اختلاطه. ومن الشواهد أيضًا ما أخرجه البيهقيّ ﵀ في «الكبرى»، قال: (١٤٦٠٠) - أخبرنا أبو الحسن محمد بن الحسين بن داود العلويّ، أنا أحمد بن محمد بن الحسن الحافظ، نا الحسن بن هارون، ثنا مكيّ بن إبراهيم، أنا عبد العزيز بن أبي روّاد، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة - ﵁ - ذكر النبيّ - ﷺ - قال: «غَيِّروا الشيب، ولا تشبَّهوا باليهود، واجتنبوا السواد». انتهى . وعبد العزيز بن أبي روّاد فيه كلام، والحسن بن هارون قال أبو حاتم: لا أعرفه، كما في «لسان الميزان» . قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق بطلان دعوى الإدراج للفظ: «واجتنبوا السواد»، وأن الحديث صحيح، لا كلام فيه، وأن صبغ من يصبغ بالسواد متعلّلًا بالإدارج المذكور، باطل، فإياك وإياك أن تصبغ به، فتقع فيما نهى عنه النبيّ - ﷺ -، فتدخل في الوعيد الشديد الذي ذكره الله ﷿ في قوله: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَو يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣]. وقد ألّف بعض المعاصرين المحقّقين في هذه المسألة رسالة، منهم المحدّث الكبير الشيخ مقبل الوادعيّ اليمنيّ ﵀ في رسالته القيّمة في الخضاب ، ومنهم الشيخ فريح بن صالح الهلال، فقد ألّف رسالة سمّاها: «إتحاف الأمجاد باجتناب تغيير الشيب بالسواد»، وقد قدّم لها سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀، وهي رسالة مفيدة كافية في الموضوع، فعليك بمراجعتهما، فراجعهما تستفد علمًا جمًّا، وبالله تعالى التوفيق. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
مصادر المؤلف (٣٢)

١. «الإصابة في تمييز الصحابة» ٦/ ٣٨٩ - ٣٩٠.

٢. «المفهم» ٥/ ٤١٨.

٣. «المفهم» ٥/ ٤١٨.

٤. «المفهم» ٥/ ٤١٨ - ٤١٩.

٥. «المعجم الكبير» ٩/ ٤١.

٦. «الأحاديث المختارة» ٧/ ١٥٧.

٧. «مسند الإمام أحمد بن حنبل» ٦/ ٣٤٩.

٨. راجع: هامش «الإحسان في تقريب صحيح ابن حبّان» ١٢/ ٢٨٦.

٩. أي: رأسه، ولحيته.

١٠. «الإحسان في تقريب صحيح ابن حبّان» ١٢/ ٢٨٧.

١١. «سنن أبي داود» ٤/ ٨٧.

١٢. «النكت الظراف على الأطراف» ٤/ ٤٢٤.

١٣. قد علمت أن أبا داود نسبه، فقال: الجزريّ، ولعل نسخة المنذريّ أسقطته، والله تعالى أعلم.

١٤. راجع: «تحفة الأشراف» ٤/ ٤٢٤.

١٥. «المفهم» ٥/ ٤٢٠.

١٦. هذا يحتاج إلى نقل صحيح، فأين هو؟!!!

١٧. قوله: «أو يخضبها» هذا اللفظ لا يصحّ، بل الذي يصحّ النهي عن النتف فقط، ولفظ الحديث عند أبي داود: عن عمرو بن شُعيب، عن أبيه، عن جدّه قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا تنتفوا الشيب، ما من مسلم يشيب شيبةً في الإسلام إلا كانت له نورًا يوم القيامة»، وفي لفظ: «إلا كتب الله له بها حسنةً، وحطّ عنه بها خطيئة».

١٨. «الْفَتْح» ١١/ ٥٤٨.

١٩. «الْفَتْحُ» ١١/ ٥٤٧ - ٥٤٨.

٢٠. «تهذيب السنن» ١١/ ١٧٢ - ١٧٣، من هامش «عون المعبود».

٢١. قال الشيخ مقبل - ﵀ - في رسالته ص ٤٣: حديث صحيح على شرط مسلم.

٢٢. «مسند الإمام أحمد بن حنبل» ٣/ ١٦٠.

٢٣. «مجمع الزوائد» ٥/ ١٦٠.

٢٤. حسّنه الشيخ مقبل ﵀، ولعله من أجل الكلام في ابن إسحاق، لكنه تقوّى بالشواهد المذكورة، فالحقّ أنه صحيح، والله تعالى أعلم.

٢٥. «الطبقات الكبرى» لابن سعد ٥/ ٤٥١.

٢٦. «المسند» ٦/ ٣٤٩.

٢٧. «صحيح ابن حبّان» ١٢/ ٢٨٦.

٢٨. «المستدرك» ٣/ ٤٦.

٢٩. «مسند الإمام أحمد بن حنبل» ٣/ ٢٤٧.

٣٠. «سنن البيهقي الكبرى» ٧/ ٣١١.

٣١. ذكره الشيخ مقبل ﵀ في رسالته المذكورة ص ٤٦.

٣٢. هي مطبوعة ضمن مجموعة رسائل علميّة، وكلها له ﵀ طبع دار الآثار، صنعاء.