HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢١١٠

قَالَ مُسْلِم: قَرَأْتُ عَلَى نَصْرِ بْنِ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيِّ عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى. حَدَّثَنَا يَحْيَي بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ. قال: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ. فَقَالَ: إِنِّي رَجُلٌ أُصَوِّرُ هَذِهِ الصُّوَرَ. فَأَفْتِنِي فِيهَا. فَقَالَ لَهُ: ادْنُ مِنِّي. فَدَنَا مِنْهُ. ثُمَّ قَالَ: ادْنُ مِنِّي. فَدَنَا حَتَّى وَضَعَ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ. قَالَ: أُنَبِّئُكَ بِمَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ (كُلُّ مُصَوِّرٍ فِي النَّارِ. يَجْعَلُ لَهُ، بِكُلِّ صُورَةٍ صَوَّرَهَا، نَفْسًا فَتُعَذِّبُهُ في جهنم). وقال: إن كنت لابد فَاعِلًا، فَاصْنَعِ الشَّجَرَ وَمَا لَا نَفْسَ لَهُ. فأقر به نصر بن علي.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج6 ص161
ج ٣ ص ١٦٧٠

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٧ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣٥ ص١٣٢
وقوله: (هَذَا تَمَاثِيلُ كِسْرَى … إلخ) هكذا جميع النُّسخ التي بأيدينا بتذكير اسم الإشارة، وفيه إشكال، وهو أن هذا مفرد مذكّر، و«تماثيل» جمع، فكان حقّه أن يقول: هذه، وقد نقله الحافظ في «الفتح» عن صحيح مسلم بلفظ: «هذه تماثيل كسرى»، وهو واضحٌ، وقد أوَّل بعضهم الوجه الأول بأن المعنى: هذا الذي نراه تماثيل كسرى، وعندي الأَولى أن يقدَّر مضاف في الخبر؛ أي: هذا مجموع تماثيل كسرى، والله تعالى أعلم. وقوله أيضًا: (هَذَا تَمَاثِيلُ كِسْرَى) «التماثيل» جمع تِمثال بكسر التاء، وسكون الميم، وهو الصورة، و«كسرى» بكسر الكاف، لقبٌ لكل مَنْ مَلَك الفرس. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفًى قبل حديث، ودئه الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٥٥٢٨] (٢١١٠) - (قَالَ مُسْلِمٌ: قَرَأتُ عَلَى نَصْرِ بْنِ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيّ، عَنْ عَبْدِ الأَعْلَى بْنِ عَبْدِ الأَعْلَى، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي الْحَسَن، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، فَقَالَ: إِنِّي رَجُلٌ أُصَوِّرُ هَذِهِ الصُّوَرَ، فَأَفْتِنِي فِيهَا، فَقَالَ لَهُ: ادْنُ مِنِّي، فَدَنَا مِنْهُ، ثُمَّ قَالَ: ادْنُ مِنَي، فَدَنَا حَتَّى وَضَعَ يَدَهُ عَلَى رَأْسِه، قَالَ: أُنَبِّئُكَ بِمَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «كُلُّ مُصَوِّرٍ في النَّار، يَجْعَلُ لَهُ بِكُلِّ صُورَةٍ صَوَّرَهَا نَفْسًا، فَتُعَذِّبُهُ فِي جَهَنَّمَ»، وَقَالَ: إِنْ كُنْتَ لَا بُدَّ فَاعِلًا، فَاصْنَعِ الشَّجَرَ، وَمَا لَا نَفْسَ لَهُ، فَأَقَرَّ بِهِ نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (يَحْيَى بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ) الحضرميّ مولاهم البصريّ النحويّ، صدوقٌ ربّما أخطأ [٥] (ت ١٣٦) (ع) تقدم في «صلاة المسافرين وقصرها» ٢/ ١٥٨٦. ٢ - (سَعِيدُ بْنُ أَبِي الْحَسَنِ) يسار الأنصاريّ مولاهم البصريّ، أخو الحسن، ثقةٌ [٣]. رَوَى عن عليّ، وابن عباس، وعبد الرحمن بن سمرة، وأبي بكرة الثقفيّ، وأبي هريرة، وعسعس بن سلامة، وأبي يحيى المعَرْقَب، وأمه خَيْرة. وعنه أخوه الحسن، وابنه يحيى بن سعيد، وقتادة، وسليمان التيميّ، ومحمد بن واسع، وابن عون، وخالد الحذاء، وأيوب، والأعمش، وعوف الأعرابيّ، وغيرهم. قال أبو زرعة، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال العجليّ: بصريّ تابعيّ ثقةٌ، وذكره خليفة في الطبقة الثانية من قرّاء أهل البصرة، وقال ابن سعد: مات قبل الحسن سنة مائة، وقال غيره: مات قبل الحسن بسنة، وقال ابن حبان في «الثقات»: مات بفارس سنة (١٠٨). أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (٢١١٠) وحديث (٢٩١٦): قوله - ﷺ - لعمّار - ﵁ -: «تقتلك الفئة الباغية»، وله عند البخاريّ حديث الباب فقط. والباقون ذُكروا في الباب. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وأنه مسلسل بالبصريين من أوله إلى آخره، وأن شيخه أحد التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا واسطة، وأن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وأن صحابيّه أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، وحبر الأمة وبحرها، والله تعالى أعلم. [تنبيه آخر]: قوله في أوله: «قَالَ مُسْلِمٌ: قَرَأتُ عَلَى نَصْرِ … إلخ»، وفي آخره: «فَأَقَرَّ بِهِ نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ»، قائل «قال مسلم» هو تلميذه أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن سفيان النيسابوريّ المتوفّى في رجب سنة (٣٠٨ هـ)، وتقدّمت ترجمته في «المقدّمة» ٦/ ٧٣. وهذا ما يُسمّى بالقراءة والعرض على المحدّث، وهو القسم الثاني من أقسام التحمّل الثمانية، التي هي السماع من لفظ الشيخ، ثم القراءة، ثم الإجازة، ثمّ المناولة، ثمّ الكتابة، ثمّ الإعلام، ثمّ الوصيّة، ثم الوجادة. ولنذكر ما ذكره السيّوطيّ ﵀ في «ألفيّته» في هذا القسم، قال: وَبَعْدَ ذَا قِرَاءَ عَرْضًا دَعَوْا … قَرَأتَهَا مِنْ حِفْظٍ أوْ كِتَابٍ أوْ سَمِعْتَ مِنْ قَارِ لَهُ وَالْمُسْمَعُ … يَحْفَظُهُ أَو ثِقَةٌ مُسْتَمِعُ أَو أَمْسَكَ الْمُسْمَعُ أَصْلًا أَو جَرَى … عَلَى الصَّحِيح ثِقَةٌ أَو مَنْ قَرَا وَالأَكْثَرُونَ حَكَوُا الإِجْمَاعَا … أَخْذًا بِهَا وَأَلغَوُا النِّزَاعَا وَكَوْنُهَا أَرْجَحَ مِمَّا قَبْلُ أَو … سَاوَتْهُ أَو تَأخَّرَتْ خُلْفٌ حَكَوْا وَفِي الأَدَا قِيلَ قَرَأْتُ أَو قُرِي … ثُمَّ الَّذِي فِي أَوَّلٍ إِنْ تَذْكُرِ مُقَيَّدًا قِرَاءَةً لَا مُطْلَقَا … وَلَا سَمِعْتُ أَبَدًا فِي الْمُنْتَقَى وَالْمُرْتَضَى الثَّالِثُ فِي الإِخْبَارِ … يُطْلَقُ لَا التَّحْدِيثُ فِي الأَعْصَارِ وراجع شرحي «إسعاف ذوي الوطر» على هذه الأبيات، تزدد علمًا، والله تعالى وليّ التوفيق. شرح الحديث: (عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ) يسار البصريّ أنه (قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ) لا يُعرف . (إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ) - ﵄ - (فَقَالَ: إِنِّي رَجُلٌ أُصَوِّرُ هَذِهِ الصُّوَرَ)، وفي رواية البخاريّ: «كنت عند ابن عبّاس - ﵄ -، إذ أتاه رجلٌ، فقال: يا أبا عبّاس إني إنسان إنما معيشتي من صنعة يدي، وإني أصنع هذه التصاوير»، (فَأَفْتِنِي فِيهَا)؛ أي: بيّن لي حكم الشرع في هذه الصور، (فَقَالَ) ابن عبّاس (لَهُ)؛ أي: لهذا الرجل المستفتي، (ادْنُ مِنِّي) بضمّ النون أمر بالدنوّ، وإنما أمَره به ليسمع فتواه، ويحفظه، ويعيه، (فَدَنَا مِنْهُ)؛ أي: قَرُب الرجل من ابن عبّاس كما أمره به، (ثُمَّ قَالَ) ابن عبّاس: (ادْنُ مِنِّي)؛ أي: زد قربًا على قربك حتى يتمّ سماعك، ووعيك. وقال القرطبيّ ﵀: قول ابن عباس لمستفتيه عن الصور: «ادن مني» ثلاثًا، ووضْعه يده على رأسه؛ مبالغة في استحضار ذهنه، وفهمه، وفي تسميعه، وتعظيمه لأمرٍ ما يُلقيه إليه. انتهى . (فَدَنَا)؛ أي: زاد قربًا، (حَتَّى وَضَعَ) ابن عبّاس - ﵄ - (يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ)؛ أي: على رأس ذلك الرجل حتى يكون أقرب من أذنه. (قَالَ) ابن عبّاس: (أُنَبِّئُكَ) بضمّ أوله، وتشديد الموحّدة، من التنبيء، أو بتخفيفها من الإنباء، وهو الإخبار، (بِمَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -) ثم شَرَح له ذلك المسموع، فقال: (سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «كُلُّ مُصَوِّرٍ) بكسر الواو المشدّدة، (فِي النَّارِ) قال القرطبيّ ﵀: مَحْمَلُه على مصوِّري ذوات الأرواح، بدليل قوله:»يقال لهم: أحيوا ما خلقتم«. انتهى . وقال الخظابيّ ﵀: المصوّر هو الذي يصوّر أشكال الحيوان، فيَحكيها بتخطيط لها، وتشكيل، فأما النقّاش الذي ينقش أشكال الشجر، ويعمل التداوير، والخواتيم، ونحوها، فإني أرجو أن لا يدخل في هذا الوعيد، وإن كان جملة هذا الباب مكروهًا، وداخلًا فيما يُلهي، ويَشغل بما لا يَعني، وإنما عظُمت العقوبة في الصورة؛ لأنها تُعبد من دون الله، فالنظر إليها يَفتن، وبعض النفوس نحوها تَنْزِع. انتهى . (يَجْعَلُ لَهُ) بالبناء للفاعل، قال النوويّ ﵀: «يَجعل له» بفتح الياء، من «يَجْعَل»، والفاعل هو الله تعالى، أُضمر للعِلم به، (بِكُلِّ صُورَةٍ صَوَّرَهَا نَفْسًا) منصوب على أنه مفعول به لـ «يَجْعَلُ». واستشكل الطيبيّ نَصْب «نفسًا»، وعبارته: قوله: «نفسًا» كذا في «جامع الأصول»، وأكثر نُسخ «المصابيح»، وهو مشكلٌ؛ لاستناد الفعل إلى الجارّ مع مجروره مع وجود المفعول به، وفي بعضها «نفسٌ» بالرفع، وهو الظاهر. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: منشأ استشكال الطيبيّ جعل «يَجعل» مبنيًّا للمفعول، والأَولى ما تقدّم عن النوويّ من جَعْله مبنيًّا للفاعل، والفاعل ضمير الله تعالى، ولا سيّما أن الظاهر أن الرواية عليه، فيكون نَصْب «نفسًا» على المفعوليّة، فلا إشكال، والله تعالى أعلم. (فَتُعَذِّبُهُ) تلك النفس (فِي جَهَنَّمَ») قال القاضي عياض ﵀: يَحْتَمِل أن يكون معناه: أن الصورة التي صَوَّرها هي تعذّبه بعد أن يُجعل فيها رُوحٌ، وتكون الباء في«بكل»بمعنى«في»، ويَحْتَمِل أن يُجعَل له بعدد كلّ صورة، ومكانِها شخص يُعذّبه، وتكون الباء بمعنى لام السبب، أو من أجل. انتهى . زاد في رواية البخاريّ في«البيوع»من طريق عوف عن سعيد بن أبي الحسن:«فربا الرجل ربوةً شديدةً، واصفرّ وجهه»، وقوله:«فربا الرجل»بالراء، والموحّدة؛ أي: انتفخ، قال الخليل: ربا الرجل أصابه نَفَسٌ في جوفه، وهو الرَّبْوُ، والرَّبْوَةُ، وقيل: معناه ذُعِرَ، وامتلأ خوفًا، وقوله:«رُبْوَةً»بضم الراء، وبفتحها، قاله في«الفتح». (وَقَالَ) ابن عبّاس - ﵄ - (إِنْ كُنْتَ لَا بُدَّ فَاعِلًا)؛ أي: لا غنى لك من صنع الصور، (فَاصْنَعِ)؛ أي: صوّر (الشَّجَرَ، وَمَا لَا نَفْسَ لَهُ)؛ أي: لا روح له. وفي رواية البخاريّ:«فقال: ويحك، إن أَبَيْت إلا أن تصنع، فعليك بهذا الشجر، كلّ شيء ليس فيه روح». قال في«الفتح»: قوله:«فعليك بهذا الشجر، كُلّ شيء ليس فيه روح»كذا في الأصل بخفض«كُلِّ»على أنه بدل كلّ من بعض، وقد جَوَّزه بعض النحاة، ويَحْتَمِل أن يكون على حذف مضاف؛ أي: عليك بمثل الشجر، أو على حذف واو العطف؛ أي: وكلّ شيء، ومثله قولهم في:«التحيات، الصلوات»، إذ المعنى: والصلوات، وبهذا الأخير جزم الحميديّ في«جمعه»، وكذا ثبتٌ في رواية مسلم، والإسماعيليّ بلفظ:«فاصنع الشجر، وما لا نفس له»، ولأبي نعيم من طريق هَوْذة، عن عوف:«فعليك بهذا الشجر، وكلِّ شيء ليس فيه روح»، بإثبات واو العطف . وقال الطيبيّ: قوله:«كلِّ شيء»يجوز فيه الجرّ على أنه بيان للشجر؛ لأنه لَمّا منعه عن التصوير، وأرشده إلى جنس الشجر، رأى ذلك غير وافٍ بالقصد، فأوضحه به، وهو قريب من البدل، ويجوز النصب على التفسير. انتهى . وقوله: (فَأَقرَّ بِهِ نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ)؛ أي: اعترف بهذا الحديث شيخه نصر لَمّا قرأه عليه، وهذا الذي صنعه مسلم من قوله:«فأقرّ به … إلخ»هو الأحوط، ولو لم يقل جازت القراءة على الأصحّ، وإلى هذا أشار السيوطيّ ﵀ في«ألفيّة الأثر» حيث قال: إِذَا قُرِي وَلَمْ يُقِرَّ الْمُسْمَعُ … لَفْظًا كَفَى وَقِيلَ لَيْسَ يَنْفَعُ ثَالِثُهَا يَعْمَلُ أوْ يَرْوِيهِ … بِقَدْ قَرَأْتُ أَو قُرِي عَلَيْهِ وحاصل ما أشار إليه أنه إذا قرأ القارئ على الشيخ، وسكت الشيخ على ذلك، غير منكِر له مع إصغائه، وفَهْمه، ولم يقرّ باللفظ، ففيه ثلاثة مذاهب: الأول: مذهب الجمهور، وهو الصحيح صحة السماع، وجواز الرواية بنحو أخبرنا؛ لأن سكوته في مثل هذا يُنزّل منزلة الإقرار. والثاني: اشتراط صريح النطق به، وهو قول لبعض الشافعيّة، والظاهريّة. والثالث: مذهب ابن الصبّاغ من المشترطين للنطق، قال: يعمل، ويرويه بقرأت عليه، ونحوه، راجع تحقيق المسألة في شرحي على الألفية المذكورة ، والله وليّ التوفيق. والحديث متّفقٌ عليه، ومسائله تأتي في الحديث التالي - إن شاء الله تعالى -. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٥٥٢٩] (…) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنِ النَّضْرِ بْنِ أنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ، فَجَعَلَ يُفْتِي، وَلَا يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - حَتى سَأَلَهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: إنِّي رَجُلٌ أُصَوِّرُ هَذِهِ الصُّوَرَ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: ادْنُهْ، فَدَنَا الرَّجُلُ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «مَنْ صَوَّرَ صُورَةً فِي الدُّنْيَا كُلِّفَ أَنْ يَنْفُخَ فِيهَا الرُّوحَ يَوْمَ الْقِيَامَة، وَلَيْسَ بِنَافِخٍ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ) مهْران، اليشكريّ مولاهم، أبو النضر البصريّ، ثقةٌ حافظ، كثير التدليس، واختلط [٦] (ت ٦ أو ١٥٧) (ع) تقدم في «الإيمان» ٦/ ١٢٦. ٢ - (النَّضْرُ بْنُ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) الأنصاريّ، ولد الصحابيّ الشهير، أبو مالك البصريّ، ثقةٌ [٣] (ع) تقدم في «العتق» ٢/ ٣٧٦٧. والباقون ذُكروا في الباب. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وأنه مسلسلٌ بالبصريين، سوى شيخه، وابن مسهر فكوفيّان، وفيه ابن عبّاس - ﵄ -، تقدّم القول فيه فيما قبله. شرح الحديث: (عَنِ النَّضْرِ بْنِ أنسِ بْنِ مَالِكٍ)، ولد الصحابيّ الشهير - ﵁ -، أنه (قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ) - ﵄ -، وفي رواية البخاريّ من طريق عبد الأعلى، عن سعيد بن أبي عروبة، قال: سمعت النضر بن أنس بن مالك، يحدّث قتادة، قال في «الفتح»: كان سعيد بن أبي عروبة كثير الملازمة لقتادة، فاتَّفَق أن قتادة والنضر بن أنس اجتمعا، فحدَّث النضرُ قتادةَ، فسمعه سعيد، وهو معه. ووقع في رواية المستملي وغيره: «يحدثه قتادةَ»، والضمير للحديث، و«قتادةَ» بالنصب على المفعولية، والفاعل النضر، وضَبَطه بعضهم بالرفع، على أن الضمير للنضر، وفاعل «يحدث» قتادة، وهو خطأ؛ لأنه لا يلائم قوله: «سمعتُ النضر»، ولأن قتادة لم يسمع من ابن عباس، ولا حضر عنده، وقد وقع التصريح عند البخاريّ بأن سعيدًا سمع من النضر هذا الحديث الواحد. ووقع في رواية خالد بن الحارث، عن سعيد، عن قتادة، عن النضر بن أنس، أخرجها الإسماعيليّ، وقوله: «عن قتادة» من المزيد في متصل الأسانيد، فإن كان خالد حفظه، احتَمَلَ أن يكون سعيد كان سمعه من قتادة، عن النضر، ثم لقي النضر، فسمعه منه، فكان يحدّثه به على الوجهين، وقد حَدّث به قتادة، عن النضر، من غير طريق سعيد، أخرجها الإسماعيليّ، من رواية هشام الدستوائيّ، عن قتادة. (فَجَعَلَ)؛ أي: شرع ابن عبّاس - ﵄ - (يُفْتي)؛ أي: يذكر للناس الأحكام، ويُبيّنها لهم، (وَلَا يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -) وفي رواية البخاريّ: «قال: كنت عند ابن عبّاس، وهم يسألونه، ولا يذكر النبيّ - ﷺ -، حتّى سُئل»، وقوله: «وهم يسألونه، ولا يذكر النبيّ - ﷺ -»؛ أي: يُجيبهم عما يسألونه بالفتوى، من غير أن يذكر الدليل من السُّنَّة، وقد وقع بيان ذلك عند الإسماعيليّ، من رواية ابن أبي عديّ، عن سعيد، ولفظه: «فجعلوا يستفتونه، ويُفتيهم، ولم يذكر فيما يفتيهم النبيّ - ﷺ -»، قاله في «الفتح». (حَتَّى سَأَلَهُ رَجُلٌ) لم يُعرَف اسمه، وفي رواية ابن أبي عديّ عن سعيد: «حتى أتاه رجل من أهل العراق، أُراه نجّارًا»، (فَقَالَ: إِنِّي رَجُلٌ أُصَوِّرُ هَذِهِ الصُّوَرَ)، وفي رواية النسائيّ: «فَقَالَ: إِنِّي أُصَوِّرُ هَذِهِ التَّصَاوِيرَ، فَمَا تَقُولُ فِيهَا؟»، وفي رواية: «فقال: إني أُصَوِّر هذه التصاوير، فما تأمرني؟»، وفي رواية البخاريّ: «قال: كنت عند ابن عباس، إذ أتاه رجل، فقال: يا أبا عباس، إني إنسان، إنما معيشتي من صنعة يدي»، (فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاس) - ﵄ - (ادْنُهْ)، وفي رواية النسائيّ: «ادنه ادنه»، وهو أمر بالدّنُوّ، من دنا يدنو دُنُوًّا من باب قعد، وإنما أمَره بالدنوّ؛ ليكون أوقع في زجره، والتكرار للتأكيد، والهاء للسكت، وهي ساكنة، قال في «الخلاصة»: وَقِفْ بِهَا السَّكْتِ عَلَى الْفِعْلِ الْمُعَلْ … بِحَذْفِ آخِرٍ كـ «أَعْطِ مَنْ سَأَلْ» وَلَيْسَ حَتْمًا فِي سِوَى مَا كَـ «ع» أَو … كَـ «يَع» مَجْزُومًا فَرَاعِ مَا رَعَوْا وقال القرطبيّ ﵀: وقول ابن عباس - ﵄ - لمستفتيه عن الصور: «ادن مني، ثلاثًا، ووضْعه يده على رأسه؛ مبالغة في استحضار ذهنه، وفَهْمه، وفي تسميعه، وتعظيمه لأمْر ما يلقيه إليه. انتهى . (فَدَنَا الرَّجُلُ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) - ﵄ - (سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -) وفي رواية النسائيّ:«سمعت محمدًا - ﷺ - »(يَقُولُ:«مَنْ صَوَّرَ صُورَةً فِي الدُّنْيَا) قال في »الفتح«: كذا أطلقه، وظاهره التعميم، فيتناول صورة ما لا روح فيه، لكن الذي فَهِم ابنُ عباس من بقية الحديث التخصيص بصورة ذوات الأرواح من قوله: »كُلّف أن ينفخ فيها الروح«، فاستثنى ما لا روح فيه؛ كالشجر. (كُلِّفَ) بالبناء للمفعول؛ أي: كلّفه الله ﷿ (أَنْ يَنْفُخَ) بالبناء للفاعل، والفاعل ضمير »مَنْ صوَّر«، (فِيهَا الرُّوحَ) منصوب على المفعوليّة، (يَرْمَ الْقِيَامَةِ) ظرف لـ »كُلّف«، أو لـ »يَنفخ«، وفي رواية سعيد بن أبي الحسن عند البخاريّ: »فإن الله يعذبه، حتى ينفخ فيها الروحَ، وليس بنافخ فيها أبدًا«، واستعمال »حتى« هنا نظير استعمالها في قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ الآية [الأعراف: ٤٠]، وكذا قولهم: لا أفعل كذا حتى يشيب الغراب. قال الكرماني ﵀: ظاهره أنه من تكليف ما لا يطاق، وليس كذلك، وإنما القصد طول تعذيبه، وإظهار عجزه عما كان تعاطاه، ومبالغة في توبيخه، وبيان قبح فعله. (وَلَيْسَ بِنَافِخٍ»)؛ أي: لا يمكنه ذلك، فيكون معذّبًا دائمًا، وفي حديث ابن عمر - ﵄ -:«أنه يقال للمصوّرين: أحيوا ما خلقتم»، وأنه أمر تعجيز. [وقد استُشكل]: هذا الوعيد في حقّ المسلم، فإن وعيد القاتل عمدًا ينقطع عند أهل السُّنَّة مع ورود تخليده، بحمل التخليد على مدة مديدة، وهذا الوعيد أشدّ منه؛ لأنه مُغَيّا بما لا يمكن، وهو نفخ الروح، فلا يصح أن يُحمل على أن المراد أنه يعذب زمانًا طويلًا، ثم يتخلص. [والجواب]: أنه يتعيَّن تأويل الحديث على أن المراد به الزجر الشديد، بالوعيد بعقاب الكافر؛ ليكون أبلغ في الارتداع، وظاهره غير مراد، وهذا في حقّ العاصي بذلك، وأما من فعله مُسْتَحِلًّا، فلا إشكال فيه، قاله في «الفتح» . وقال القرطبيّ ﵀: قوله: «كُلِّف أن ينفخ فيها الروح، وليس بنافخ»؛ أي: أُلْزم ذلك وطُوِّقه، ولا يقدر على الامتثال، فيعذَّب على كل حال، ويستفاد منه جواز التكليف بالمحال في الدنيا، كما جاز ذلك في الآخرة. لكن: ليس مقصود هذا التكليف طلب الامتثال، وإنَّما مقصوده تعذيب المكلف، وإظهار عجزه عمَّا تعاطاه مبالغة في توبيخه، وإظهار قبيح فعله. انتهى . والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس - ﵄ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٥/ ٥٥٢٨ و٥٥٢٩ و٥٥٣٠] (٢١١٠)، و(البخاريّ) في «البيوع» (٢٢٢٥) و«اللباس» (٥٩٦٣) و«التعبير» (٧٠٤٢)، و(أبو داود) في «الأدب) (٥٠٢٤)، و(الترمذيّ) في»اللباس«(١٧٥١)، و(النسائيّ) في»الزينة«(٥٣٦٠ و٥٣٦١) و»الكبرى«(٩٧٨٢ و٩٧٨٣)، و(الحميديّ) في»مسنده«(٥٣١)، و(أحمد) في»مسنده«(١/ ٢١٦ و٢٤١ و٣٠٨ و٣٥٠ و٣٥٩ و٣٦٠)، و(ابن أبي شيبة) في»مصنّفه«(٨/ ٤٨٤ - ٤٨٥)، و(الطبرانيّ) في»الكبير«(١٢/ ١٢٧٧٢ و١٢٧٧٣)، و(ابن حبّان) في»صحيحه«(٥٦٨٥ و٥٦٨٦ و٥٨٤٦ و٥٨٤٨)، و(الطحاويّ) في»شرح معاني الآثار«(٤/ ٢٨٦)، و(أبو يعلى) في»مسنده«(٤/ ٤٥١)، و(البيهقيّ) في»الكبرى«(٧/ ٢٧٠) و»شُعب الإيمان«(٥/ ١٨٩) و»الآداب«(٩٨٨)، و(البغويّ) في»شرح السُّنَّة«(٣٢١٩ و٣٨١٨)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان ما يُعذَّب به أصحاب الصُّوَر من نفخ الروح يوم القيامة. ٢ - (ومنها): أنه استُدِلّ به على أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى؛ لِلُحوق الوعيد بمن تشبَّه بالخالق، فدلّ على أن غير الله ليس بخالق حقيقةً. وقد أجاب بعضهم بأن الوعيد وقع على خلق الجواهر. ورُدّ بأن الوعيد لاحقٌ باعتبار الشكل والهيئة، وليس ذلك بجوهر، وأما استثناء غير ذي الروح، فورد مورد الرخصة. ٣ - (ومنها): أن في قوله:«كُلِّف يوم القيامة»رَدٌّ على من زعم أن الآخرة ليست بدار تكليف. [وأجيب]: بأن المراد بالنفي أنها ليست بدار تكليف، بعمل يترتب عليه ثواب، أو عقاب، وأما مثل هذا التكليف، فليس بممتنع؛ لأنه نفسه عذاب، وهو نظير الحديث الآخر:«من قَتَل نفسه بحديدة، فحديدته في يده، يَجَأ بها نفسه يوم القيامة»، فالتكليف بالعمل في الدنيا حسن، على مصطلح أهل علم الكلام، بخلاف هذا التكليف الذي هو عذاب. ٤ - (ومنها): أنه استُدِلّ به على جواز التكليف بما لا يطاق. والجواب ما تقدم، وأيضًا فنفخُ الروح في الجماد، قد ورد معجزة للنبيّ - ﷺ -، فهو يمكن، وإن كان في وقوعه خرق عادة. والحقّ أنه خطاب تعجيز، لا تكليف، كما تقدم، قاله في«الفتح» . قال الجامع عفا الله عنه: قد كتب بعض المحقّقين في الاستدلال المذكور، فقال: في هذا الاستدلال نظر، فإن الأمر بنفخ الروح المذكور في الحديث أمر تعجيز لا تكليف، كما ذكر الحافظ ﵀، وهو كما قال، قال: وما لا يطاق قد يُراد به الممتنع لذاته؛ كالجمع بين النقيضين والضدّين، فهذا لا يجوز التكليف به؛ لأنه لا يُتصوّر، وقد يراد الممتنع لغيره، وإن كان في ذاته ممكنًا؛ كإيمان الكافر الذي علم الله أنه لا يؤمن، واعتبار هذا مما لا يطاق هو مذهب الجبريّة، وقد يراد به ما يشقّ مشقّة عظيمة فوق الوسع، فالتكليف بهذين جائزٌ وواقع، كما قال الله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَو أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وقد يراد بما لا يطاق ما لا قدرة للعبد عليه أصلًا؛ كالمشي من المُقْعَد، والكتابة مِنْ مَنْ هو أقطع اليد، وهذا جائزٌ عقلًا، غير واقع شرعًا. انتهى كلامه . قال الجامع عفا الله عنه: قد حقّقت البحث في هذه المسألة في «التحفة المرضيّة»، حيث قلت عند ذكر شروط التكليف ما نصّه: أُولَى الشُرُوطِ كَوْنُ ذَا الْفِعْلِ عُدِمْ … وَثَانِهَا كَوْنُهُ أَيْضًا قَدْ عُلِمْ ثَالِثُها كَوْنُهُ مَقْدُورًا عَلَيْهْ … حَتَّى يُحَصَّلَ بِسَعْيِهِ إِلَيْهْ لِذَلِكَ التكْلِيفُ بِالْمُحَالِ … لِذَاتِهِ كَانَ مَنَ الْمُحَالِ شَرْعًا وَأَمَّا الْمُسْتَحِيلُ لَا لِذِي … فَجَائِزٌ وَوَاقِعٌ فَلْتَحْتَذِ فَأَوَّلٌ كَالْجَمْعِ بَيْنَ الْمُتَضَادّْ … وَالثَّانِ إِيمَانٌ لأَصْحَابِ الْعِنَادْ وَمِنْ هُنَا لَا يُطْلَقُ التَّكْلِيفُ … بِغَيْرِ مَا يُطَاقُ يَا حَصِيفُ بَلْ يَجِبُ التَّفْصِيلُ مِثْلُ مَا سَبَقْ … وَاعْنَ بَألْفَاظٍ بِدَرْسِهَا أَحَقّْ فإن أردت تحقيق معنى الأبيات فارجع إلى شرحها «المنحة الرضيّة»، وبالله تعالى التوفيق. ٥ - (ومنها): أنه استُدِلّ به على جواز تصوير ما لا روح له، من شجر، أو شمس، أو قمر، ونقل الشيخ أبو محمد الجوينيّ وجهًا بالمنع؛ لأن من الكفار من عَبَدها. قال الحافظ: ولا يلزم من تعذيب من يُصَوّر ما فيه روح بما ذُكر، تجويز تصوير ما لا روح فيه، فإن عموم قوله: «الذين يضاهون بخلق الله»، وقوله: «ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي»، يتناول ما فيه روح، وما لا روح فيه، فإن خُصَّ ما فيه روح بالمعنى، من جهة أنه مما لم تَجْر عادة الآدميين بصنعته، وجرت عادتهم بغرس الأشجار مثلًا، امتنع ذلك في مثل تصوير الشمس والقمر، ويتأكد المنع بما عُبد من دون الله، فإنه يضاهي صورة الأصنام التي هي الأصل، في منع التصوير، وقد قيّد مجاهد صاحب ابن عباس جواز تصوير الشجر بما لا يثمر، وأما ما يثمر فألحقه بما له روح. قال القاضي عياض: لم يقله أحد غير مجاهد، وردّه الطحاويّ بأن الصورة لمّا أبيحت بعد قطع رأسها، التي لو قُطعت من ذي الروح لَمَا عاش، دلّ ذلك على إباحة ما لا روح له أصلًا. قال الحافظ: وقضيته أن تجويز تصوير ما له روح بجميع أعضائه إلا الرأس فيه نظر لا يخفى، وأظن مجاهدًا سمع حديث أبي هريرة - ﵁ -، ففيه: «فليخلقوا ذَرَّةً، وليخلقوا شعيرةً»، فإنّ في ذِكر الذَّرة إشارة إلى ما له روح، وفي ذكر الشعيرة إشارة إلى ما يَنبُت مما يؤكل، وأما ما لا روح فيه، ولا يثمر فلا تقع الإشارة إليه، ويقابل هذا التشديد ما حكاه أبو محمد الجوينيّ، أن نسج الصورة في الثوب لا يمتنع؛ لأنه قد يُلبَس، وطرده المتولي في التصوير على الأرض، ونحوها، وصحح النوويّ تحريم جميع ذلك، قال النوويّ: ويُستثنى من جواز تصوير ما له ظلّ، ومن اتخاذه لُعَب البنات؛ لِمَا ورد من الرخصة في ذلك. ذكره في «الفتح» . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: استثناء اتّخاذ لُعَب البنات محلّ نظر، فإن النصّ جاء بترخيص استعمالها، لا باتّخاذها، فتأمّل الفرق بينهما، والله تعالى أعلم. وقال القرطبيّ ﵀: وقوله: «كُلِّف أن ينفخ فيها الرُّوح» من هنا رأى ابن عباس - ﵄ -: أن تصوير ما ليس له روح يجوز هو، والاكتساب به. وهو مذهب جمهور السَّلف، والخلف، وخالفهم في ذلك مجاهد، فقال: لا يجوز تصوير شيء من ذلك كله، سواء كان له روح، أو لم يكن؛ متمسِّكًا في ذلك بقول الله تعالى : «ومن أظلم ممن ذهب يخلق خلقًا كخلقي، فليخلقوا ذرَّة، وليخلقوا حبَّة، وليخلقوا شعيرة»، متّفقٌ عليه، فعمَّ بالذمّ، والتهديد، والتقبيح كل من تعاطى تصوير شيء مما خلقه الله تعالى. وقد دلَّ هذا الحديث: على أن الذمَّ والوعيد إنما علِّق بالمصوِّرين من حيث تشبَّهوا بالله تعالى في خلقه، وتعاطوا مشاركة فيما انفرد الله تعالى به من الخلق والاختراع. وهذا يوضح حجَّة مجاهد. وقد استثنى الجمهور من الصور لعب البنات كما تقدَّم. وشذَّ بعض الناس فمنعها، ورأى أن إباحة ذلك منسوخة بهذا النهي. وهو ممنوع من ذلك، مطالَب بتحقيق التعارض والتاريخ، واستثنى بعض أصحابنا من ذلك النهي ما لا يبقى؛ كصور الفَخّار، والشمع، وما شاكل ذلك، وهو مطالَب بدليل التخصيص، وليس له عليه نصٌّ، بل ولا ظاهر، وإنَّما هو نظرٌ قاصر يردّه المعنى الذي قررناه، والظواهر. انتهى . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: استثناء اتخاذ لُعَب البنات قد علمت ما فيه آنفًا، فتنبّه، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٥٥٣٠] (…) - (حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَا: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ، أَن رَجُلًا أَتَى ابْنَ عَبَّاسٍ، فَذَكَرَ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - بِمِثْلِهِ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ) مالك بن عبد الواحد البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٠) (م د) تقدم في «الإيمان» ٨/ ١٣٧. ٢ - (مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ) الدستوائيّ البصريّ، تقدّم قريبًا. ٣ - (أَبُوهُ) هشام بن أبي عبد الله سَنْبَر الدستوائيّ البصريّ، تقدّم أيضًا قريبًا. والباقون ذُكروا في الباب. وقوله: (فَذَكَرَ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - بِمِثْلِهِ) فاعل «ذَكَرَ» ضمير قتادة، وضمير «بمثله» لسعيد بن أبي عروبة؛ أي: ذكر قتادة عن النضر بن أنس مثل ما ذكر سعيد عنه، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: رواية قتادة عن النضر بن أنس هذه ساقها الطبرانيّ من رواية ابن إبي عروبة عن قتادة في «المعجم الكبير»، فقال: (١٢٩٠٠) - حدّثنا إبراهيم بن نائلة الأصبهانيّ، ثنا محمد بن أبي بكر المقدَّميّ، ثنا محمد بن أبي عديّ، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن النضر بن أنس، عن ابن عباس - ﵄ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «مَن صَوَّر صورة في الدنيا، كُلِّف يوم القيامة أن ينفخ فيها، وليس بنافخ». انتهى. [تنبيه آخر]: انتقد الحافظ أبو عليّ الجيّاني رواية الطبرانيّ هذه، من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، فقال بعد ذكر إسناد مسلم الماضي؛ أي: من رواية سعيد بن أبي عروبة، عن النضر بن أنس ما نصّه: هكذا إسناد هذا الحديث، رواه سعيد بن أبي عروبة، عن النضر بن أنس، ووهِمَ بعضهم، فأدخل بينهما قتادة، وليس بشيء، فإنه قد سمع سعيد من النضر بن أنس هذا الحديث وحده، ذكره البخاريّ في «الجامع»: حدّثنا عيّاش، نا عبد الأعلى، نا سعيد بن أبي عروبة، قال: سمعت النضر بن أنس يُحدّث قتادة، قال: كنت عند ابن عبّاس، وذكر الحديث، قال البخاريّ : سمع سعيد بن أبي عروبة من النضر هذا الحديث الواحد، وخرّج مسلم الحديث بعد ذلك من رواية معاذ بن هشام، عن أبيه، عن قتادة، عن النضر بن أنس، وثبوت قتادة في هذا الإسناد صواب. انتهى كلام الجيّانيّ ﵀ . قال الجامع عفا الله عنه: تقدّم عن الحافظ أن هذه الرواية أخرجها الإسماعيليّ، من رواية خالد بن الحارث، عن سعيد، عن قتادة، عن النضر بن أنس، قال: وقوله: «عن قتادة» من المزيد في متصل الأسانيد، فإن كان خالد حفظه، احتَمَلَ أن يكون سعيد كان سمعه من قتادة، عن النضر، ثم لقي النضر، فسمعه منه، فكان يحدّثه به على الوجهين. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: يُبعد الاحتمال الثاني قول سعيد في رواية البخاريّ: سمعت النضر بن أنس يُحدّث قتادة … إلخ، فقد سمعه، وهو جالس مع قتادة، وليس بَعده، والظاهر أن ما قاله الجيّانيّ من توهيم هذه الرواية هو الصواب، والله تعالى أعلم.
مصادر المؤلف (٢٣)

١. هو صاحب «تكملة فتح الملهم»، راجع: شرحه ٤/ ١٧٥.

٢. «تنبيه المعلم» ص ٣٦٣.

٣. «المفهم» ٥/ ٤٣١.

٤. «المفهم»٥/ ٤٣٢.

٥. «الكاشف عن حقائق السنن»٩/ ٢٩٤٨.

٦. «الكاشف عن حقائق السنن»٩/ ٢٩٤٨.

٧. «إكمال المعلم»٦/ ٦٣٧.

٨. «الفتح»٥/ ٧٠٣، كتاب«البيوع»(٢٢٢٥).

٩. «الفتح»٥/ ٧٠٣، كتاب«البيوع»(٢٢٢٥).

١٠. «الكاشف عن حقائق السنن» ٩/ ٢٩٥١.

١١. راجع: «إسعاف ذوي الوطر بشرح ألفية الأثر» ١/ ٤٦٤ - ٤٦٥.

١٢. «المفهم»٥/ ٤٣١.

١٣. «الفتح» ١٣/ ٤٨١، كتاب «اللباس» رقم (٥٩٦٣).

١٤. «المفهم»٥/ ٤٣٣.

١٥. «الفتح» ١٣/ ٤٨٢.

١٦. هو: الشيخ البراك فيما كتبه في هامش «الفتح».

١٧. الشيخ البراك فيما كتبه في هامش «الفتح» ١٣/ ٤٨٢.

١٨. «الفتح» ١٣/ ٤٨١ - ٤٨٣، كتاب «اللباس» رقم (٥٩٦٣).

١٩. أي: في الحديث القدسيّ.

٢٠. «المفهم» ٥/ ٤٣٢.

٢١. «التاريخ الكبير» ٣/ ٥٠٤ - ٥٠٥.

٢٢. «تقييد المهمل» ٣/ ٩٠٤ - ٩٠٥.

٢٣. «الفتح» ١٣/ ٤٨٠، كتاب «اللباس» رقم (٥٩٦٣).