HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢١١٩

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنْ ابْنِ عَوْنٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَنَسٍ. قال: لَمَّا وَلَدَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ قَالَتْ لِي: يَا أَنَسُ! انْظُرْ هَذَا الْغُلَامَ. فَلَا يُصِيبَنَّ شَيْئًا حَتَّى تَغْدُوَ بِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُحَنِّكُهُ. قَالَ فَغَدَوْتُ فإذا هو في الحائط. وعليه خميصة حويتية. وَهُوَ يَسِمُ الظَّهْرَ الَّذِي قَدِمَ عَلَيْهِ فِي الفتح.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج6 ص164
ج ٣ ص ١٦٧٤

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في مصدر واحد صحيح البخاري
التحرير في شرح صحيح مسلم · قوام السنة الأصبهاني · ج١ ص٥٠٣
[٦٠٩] وقوله: (خَمِيصَةٌ جَونِيَّة) ، هذه الكلمة مضطربة في النسخ ، ففي بعضها: (جَوْنِيَّة)، بالجيم والنون، وفي بعضها: (حُوتِيَّة) بالحاء والتاء؛ وفي رواية خارج الصحيح: (حُريثَيَّة) ، فالكلمات منسوبة: إما إلى الجَوْن؛ وهو الأسود، أو إلى الحُوت؛ وهو قبيلة أو موضع، وإما إلى حُرَيْث: اسم رجل، وفي رواية: (حَوْتَكِيَّة) ؛ أي: صغيرة، يقال: رجل حَوْتَكِيّ أي: صغير، و(الخَمِيصَة): ثياب من صوف لها أعلام، وقيل: الخميصة ثوب خز، و(المربَدُ): موضع الغنم، و(المِيسَمُ): حديدة يكوى بها الإبل، قال أهل اللغة : المِربَد: كل موضع يحبس به الإبل، والمربَد: سوق الإبل، والمِرْبَد: موضع التمر، و(التَّحْنِيكُ): أن يُمضغ التمر فيلصقَ بحَنَك الصَبي. * * *
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣٥ ص١٧٧
(٢٩) - (بَابُ جَوَازِ وَسْمِ الْحَيَوَانِ غَيْرِ الآدَمِيِّ فِي غَيْرِ الْوَجْه، وَنَدْبِهِ في نَعَمِ الزَّكَاة، وَالْجِزْيَةِ) وبالسند المتصل إلى المؤلّف - ﵀ - أول الكتاب قال: [٥٥٤٢] (٢١١٩) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: لَمَّا وَلَدَتْ أمُّ سُلَيْم قَالَتْ لِي: يَا أنسُ انْظُرْ هَذَا الْغُلَامَ، فَلَا يُصِيبَن شَيْئًا حَتَّى تَغْدُوَ بِهِ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - يُحَنِّكُهُ، قَالَ: فَغَدَوْتُ، فَإذَا هُوَ فِي الْحَائِط، وَعَلَيْهِ خَمِيصَةٌ جَوْنِيَّةٌ، وَهُوَ يَسِمُ الظَّهْرَ الَّذِي قَدِمَ عَلَيْهِ فِي الْفَتْحِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى الْعَنَزيّ البصريّ، المعروف بالزَّمِن، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٢. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَدِيٍّ) هو: محمد بن إبراهيم بن أبي عديّ، نُسب لجدّه، أبو عمرو البصريّ، ثقة [٩] (ت ١٩٤) على الصحيح (ع) تقدم في «الإيمان» ٦/ ١٢٨. ٣ - (ابْنُ عَوْنٍ) هو: عبد الله بن عون بن أرطبان، أبو عون البصريّ، ثقة ثبتٌ فاضلٌ [٥] (ت ١٥٠) على الصحيح (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٠٣. ٤ - (مُحَمَّدُ) بن سيرين الأنصاريّ مولاهم، أبو بكر بن أبي عمرة البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ عابد كبير القدر [٣] (ت ١١٠) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٠٨. ٥ - (أنَسُ) بن مالك بن النضر الأنصاريّ الخزرجيّ، خادم رسول الله - صلي الله عليه وسلم -، خدمه عشر سنين، ومات سنة (٢ أو ٩٣) وقد جاوز المائة (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٣. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف - ﵀ -، وأنه مسلسل بالبصريين من أوله إلى آخره، وأن شيخه أحد التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة، وفيه أنس - ﵁ - أحد المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثًا، وهو آخر من مات من الصحابة بالبصرة. شرح الحديث: (عَنْ أنسٍ) - ﵁ - أنه (قَالَ: لَمَّا وَلَدَتْ أُمُّ سُلَيْم) بنت مِلْحان الأنصاريّة، وهي والدة أنس - ﵄ -، يقال: اسمها سهلة، أو رُميلةً، أو رُميثة، أو مليكة، أو أُنيثة، وهي الغُميصاء، أو الرُّميصاء، اشتهرت بكنيتها، وكانت من الصحابيّات الفاضلات، وماتت في خلافة عثمان - ﵁ -. (قَالَتْ لِي: يَا أنَسُ انْظُرْ هَذَا الْغُلَامَ) هو ولدها عبد الله بن أبي طلحة، أخو أنس من أمه، (فَلَا يُصِيبَنَّ شَيْئًا)؛ أي: من المأكولات والمشروبات، (حَتى تَغْدُوَ بِهِ)؛ أي: تذهب به، يقال: غَدَا غُدُوًّا، من باب قعد: ذهب غُدْوُةً، وهي ما بين صلاة الصبح وطلوع الشمس، وجَمْع الغُدْوَةِ غُدًى، مثلُ مُديةٍ ومُدَىً، هذا أصله، ثم كثُر حتى استُعْمِل في الذهاب، والانطلاق أيَّ وقت كان، ومنه قوله - ﷺ -: «وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ»؛ أي: وانطلق، قاله الفيّوميّ - ﵀ - . (إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - يُحَنِّكُهُ)؛ أي: يَدْلُكُ حَنَكَه بتمر ونحوه، يقال: حنّكتُ الصبيَّ تحنيكًا: إذا مضغت تمرًا، أو نحوه، ودلكت به حَنَكه، وحَنَكتهُ حَنْكًا، من بابي ضرب، وقتل كذلك، فهو محنّك من المشدّد، ومحثوك من المخفّف، والْحَنَكُ من الإنسان وغيره مذكّرٌ، وهو باطن أعلى الفم من داخل، أو الأسفلُ من طرف مُقَدَّم اللَّحْيَين، وجمعه أحناكٌ، مثلُ سبب وأسباب ، (قَالَ) أنس - ﵁ -: (فَغَدَوْتُ)؛ أي: ذهبت بالغلام إلى النبيّ - ﷺ -، (فَإذَا هُوَ فِي الْحَائِطِ) «إذا» هنا هي الفُجَائيّة؛ أي: ففاجأني كونه في الحائط؛ أي: البستان، وقوله: (وَعَلَيْهِ خَمِيصَةٌ) جملة في محلّ نصب على الحال، والخميصة: كساء أسود مربّعٌ له عَلَمان ، وقال النوويّ - ﵀ -:: الخميصة هي كساء من صوف، أو خَزّ، ونحوهما، مُرَبَّعٌ، له أعلام. انتهى . وقوله: (جَوْنِيَّةٌ) قال النوويّ - ﵀ -: اختَلَف رواة «صحيح مسلم» في ضَبْطه، فالأشهر أنه بحاء مهملة مضمومة، ثم واو مفتوحة، ثم ياء مثناة تحت ساكنة، ثم مثناة فوقُ مكسورةٍ، ثم مثناة تحت مشددة، وفي بعضها: «حوتنية» بإسكان الواو، وبعدها مثناة فوقُ مفتوحة، ثم نون مكسورة، وقد ذكرها القاضي، وفي بعضها: «حونية» بإسكان الواو، وبعدها نون مكسورة، وفي بعضها: «حُريثية» بحاء مهملة مضمومة، وراء مفتوحة، ثم مثناة تحتُ ساكنة، ثم مثلثة مكسورة، منسوبة إلى بني حُريث، وكذا وقع في رواية البخاريّ لجمهور رواة «صحيحه»، وفي بعضها: «حونبية» بفتح الحاء المهملة، وإسكان الواو، ثم نون مفتوحة، ثم باء موحدة، ذكره القاضي، وفي بعضها: «خُويثية» بضم الخاء المعجمة، وفتح الواو، وإسكان المثناة تحتُ، وبعدها مثلثة، حكاه القاضي، وفي بعضها: «جوينية» بجيم مضمومة، ثم واو، ثم مثناة تحتُ، ثم نون مكسورة، ثم مثناة تحت مشدّدة، وفي بعضها: «جَونية» بفتح الجيم، وإسكان الواو، وبعدها نون، قال القاضي في «المشارق»: ووقع لبعض رواة البخاريّ «خيبرية» منسوبة إلى خيبر، ووقع في «الصحيحين»: «حوتكية» بفتح الحاء، وبالكاف؛ أي: صغيرة، ومنه رجل حَوْتكيّ؛ أي: صغير، قال صاحب «التحرير» في «شرح مسلم» في الرواية الأولى: هي منسوبة إلى الحويت، وهو قبيلة، أو موضع، وقال القاضي في «المشارق»: هذه الروايات كلها تصحيف، إلا روايتي جَونية، بالجيم، وحُريثية بالراء والمثلثة، فأما الْجَوْنية بالجيم فمنسوبة إلى بني الجون، قبيلة من الأزد، أو إلى لونها من السواد، أو البياض، أو الحمرة؛ لأن العرب تسمِّي كل لون من هذه جَوْنًا انتهى كلام القاضي . وقال ابن الأثير في «النهاية» بعد أن ذكر الرواية الأولى: هكذا جاء في بعض نُسخ مسلم، ثم قال: والمحفوظ المشهور خميصة جَوْنية؛ أي: سوداء، قال: وأما حُوَيتية فلا أعرفها، وطالما بحثت عنها، فلم أقف لها على معنى، وجاء في رواية أخرى: خميصة حَوْتكيّة، لعلها منسوبة إلى القِصَر، فإن الْحَوْتكيّ الرجل القصير الخَطْوٍ، أو هي منسوبة إلى رجل يُسمّى حوتكًا، والله أعلم. انتهى . وقوله: (وَهُوَ يَسِمُ الظَّهْرَ) جملة في محلّ نصب على الحال، و«يسم» من باب وعد؛ أي: يَكْوي، و«الظهر»: بفتح، فسكون: الإبل التي يُحْمَل عليها، ويُرْكَب، يقال: عند فلان ظهر؛ أي: إبل، ويُجمع على ظُهران بالضمّ . وقال النوويّ - ﵀ -: قوله: «يَسِمُ الظهر» المراد به الإبل، سُمّيت بذلك؛ لأنها تَحمل الأثقال على ظهورها. انتهى . (الَّذِي قَدِمَ) بكسر الدال، (عَلَيْهِ فِي الْفَتْحِ)؛ أي: في فتح مكة، وفي رواية للبخاريّ: «وهو يسم الظهر الذي قَدِم عليه»، قال في «الفتح»: وفيه ما يدلّ على أن ذلك بعد رجوعهم من غزوة الفتح، وحُنين، والمراد بالظهر: الإبل، وكأنه كان يَسِم الإبل والغنم، فصادف أول دخول أنس، وهو يسم شاةً، ورآه يَسِمُ غير ذلك. انتهى ، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس - ﵁ - هذا متّفق عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٩/ ٥٥٤٢ و٥٥٤٣ و٥٥٤٤ و٥٥٤٥ و٥٥٤٦] (٢١١٩)، و«الآداب» [٥/ ٥٦٠٠] (٢١٤٤)، وسيأتي في «فضائل الصحابة رضي الله تعالى عنهم» برقم (٢١٤٤)، و(البخاريّ) في «الزكاة» (١٥٠٢) و«العقيقة» (٥٤٧٠) و«الذبائح» (٥٥٤٢) و«اللباس» (٥٨٢٤)، و(أبو داود) في «الجهاد» (٢٥٦٣)، و(ابن ماجه) في «اللباس» (٣٥٦٥)، و(عبد الرزّاق) في «مصنّفه» (٨٤٥٢)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (٥/ ٤٠٨)، و(أحمد) في «مسنده» (٣/ ٦٥ و١٠٥ - ١٠٦ و١٧١ و١٨١ و٢٥٤ و٢٨٤ و٢٥٩١ و٥٦٢٩)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (٢٢٨٣)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٤٥٣٢ و٤٥٣٣)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٧/ ٣٤ - ٣٥)، و(البغويّ) في «شرح السُّنَّة» (٢٧٩١)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان جواز الوسم في غير الآدميّ، واستحبابه في نَعَم الزكاة، والجزية، وأنه ليس في فعله دناءة، ولا ترك مروءة، فقد فعله النبيّ - ﷺ -. قال في «الفتح»: والحكمة في الوسم تمييزها، وليردّها من أخذها، ومن التقطها، وليعرفها صاحبها فلا يشتريها إذا تَصَدَّق بها مثلًا؛ لئلا يعود في صدقته. انتهى . ٢ - (ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ - ﷺ - من التواضع، وفعل الأشغال بيده، ونَظَره في مصالح المسلمين، والاحتياط في حفظ مواشيهم بالوسم، وغيره، قاله النوويّ - ﵀ - . وقال القرطبيّ - ﵀ -: كونه - ﷺ - يَسِم الإبل والغنم بيده؛ يدلُّ على تواضعه - ﷺ -، وعلى أن الفضلَ في امتهان الرجل نفسه في الأعمال لا تزري بالإنسان شرعًا، وخصوصًا إذا كان ذلك في مصلحة عامة، كما وسم إبل الصدقة بيده، ويَحْتَمِل أن تكون مباشرته للكل بيده ليرفق بالبهائم في الوسم، ولا يبالغ في ألمها، والله تعالى أعلم. انتهى . ٣ - (ومنها): استحباب تحنيك المولود، وسنبسطه في بابه - إن شاء الله تعالى -. ٤ - (ومنها): حمل المولود عند ولادته إلى واحد من أهل الصلاح والفضل، يُحَنِّكه بتمرة؛ ليكون أول ما يدخل في جوفه ريق الصالحين، فيتبرك به، قاله النوويّ. قال الجامع عفا الله عنه: هكذا الشرّاح يتوسّعون في إثبات التبرّك بالصالحين غير النبيّ - ﷺ -، لكن الذي يظهر أنه خاصّ به - ﷺ -؛ لأن الصحابة - ﵃ - والتابعين ما كانوا يفعلونه مع أبي بكر، ولا غيره من الخلفاء الراشدين وغيرهم من أفاضل الصحابة - ﵃ -، ولو كان مشروعًا لَمَا تركوه، فليُتأمل، والله تعالى أعلم. ٥ - (ومنها): أن فيه حجة على من كَرِه الوسم من الحنفية بالميسم؛ لدخوله في عموم النهي عن المُثلة، وقد ثبت ذلك من فعل النبيّ - ﷺ -، فدلّ على أنه مخصوص من العموم المذكور؛ للحاجة؛ كالختان للآدميّ، قاله في «الفتح» . ٦ - (ومنها): ما قاله المهلب وغيره: في هذا الحديث أن للإمام أن يتخذ مِيسمًا، وليس للناس أن يتخذوا نظيره، وهو كالخاتم. ٧ - (ومنها): أن فيه اعتناءَ الإمام بأموال الصدقة، وتوليها بنفسه، ويلتحق به جميع أمور المسلمين. ٨ - (ومنها): جواز إيلام الحيوان للحاجة. ٩ - (ومنها): جواز تأخير قسمة الصدقة؛ لأنها لو عُجِّلت لاستُغني عن الوسم. ١٠ - (ومنها)؛ أن فيه مباشرةَ أعمال المهنة، وترك الاستنابة فيها؛ للرغبة في زيادة الأجر، ونفي الكِبْر، والله أعلم. ١١ - (ومنها): ما قاله النوويّ - ﵀ -: إن وسم الآدميّ حرام، وأما غير الآدميّ فالوسم في وجهه منهيّ عنه، وأما غير الوجه فمستحب في نَعَم الزكاة، والجزية، وجائز في غيرها، وإذا وَسَم فيستحب أن يَسِم الغنم في آذانها، والإبل، والبقر في أصول أفخاذها؛ لأنه موضعٌ صَلْبٌ، فيقلّ الألم فيه، ويخِفّ شعره، ويظهر الوسم، وفائدة الوسم تمييز الحيوان بعضه من بعض، ويستحب أن يكتب في ماشية الجزية: جزية، أو صَغار، وفي ماشية الزكاة: زكاة، أو صدقة، قال الشافعيّ وأصحابه: يستحب كون مِيسم الغنم ألطف من ميسم البقر، وميسم البقر ألطف من ميسم الإبل. قال النوويّ: وهذا الذي قدمناه من استحباب وَسْم نَعَم الزكاة والجزية هو مذهبنا، ومذهب الصحابة كلهم - ﵁ -، وجماهير العلماء بعدهم، ونقل ابن الصباغ، وغيره إجماع الصحابة عليه، وقال أبو حنيفة: هو مكروه؛ لأنه تعذيب ومُثْلةٌ، وقد نُهِي عن المثلة، وحجة الجمهور هذه الأحاديث الصحيحة الصريحة التي ذكرها مسلم، وآثار كثيرة عن عُمر وغيره من الصحابة - ﵃ -، ولأنها ربما شَرَدت، فيعرفها واجدها بعلامتها، فيردّها، والجواب عن النهي عن المثلة والتعذيب، أنه عامّ، وحديث الوسم خاصّ، فوجب تقديمه. انتهى كلام النوويّ - ﵀ - ، وهو تحقيق نفيسٌ جدًّا، والله تعالى أعلم. ويالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٥٥٤٣] (…) - (حَدَّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثنَا شُعْبَةُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ زيدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنسًا يُحَدِّثُ أَنَّ أمّهُ حِينَ وَلَدَتِ انْطَلَقُوا بِالصَّبِيِّ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - يحَنِّكُهُ، قَالَ: فَإذَا النَّبِيُّ - ﷺ - فِي مِرْبَدٍ يَسِمُ غَنَمًا، قَالَ شُعْبَةُ: وَأكثَرُ عِلْمِي أنهُ قَالَ: فِي آذَانِهَا). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) الْهُذليّ، أبو عبد الله البصريّ، المعروف بغُندر، ثقة صحيح الكتاب [٩] (ت ٣ أو ١٩٤) (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٢. ٢ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج بن الورد الْعَتكيّ مولاهم، أبو بسطام الواسطيّ، ثمّ البصريّ، ثقةٌ حافظٌ متقنٌ عابد، أمير المؤمنين في الحديث، أول من فتّش بالعراق عن الرجال، وذبّ عن السُّنَّة [٧] (ت ١٦٠) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٨١. ٣ - (هِشَامُ بْنُ زيدِ) بن أنس بن مالك الأنصاريّ البصريّ، ثقة [٥] (ع) تقدم في «الحيض» ٦/ ٧١٤. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (أَنَّ أمَّهُ حِينَ وَلَدَتِ)؛ أي: عبدَ الله بن أبي طلحة. وقوله: (انْطَلَقُوا بِالصَّبِيِّ) وفي بعض النسخ: «انطلقتُ بالصبيّ، ولا تنافي بينهما؛ لأن معنى انطلقوا: انطلق أنس، ومن معه. وقوله: (فِي مِرْبَدٍ) قال النوويّ - ﵀ -: المربد بكسر الميم، وإسكان الراء، وفتح الموحدة، وهو الموضع الذي تُحبس فيه الإبل، وهو مثلُ الْحَظِيرة للغنم، فقوله هنا:«في مِربد»يَحْتَمِل أنه أراد الحظيرة التي للغنم، فأَطلق عليها اسم المربد مجازًا؛ لمقاربتها، ويَحْتَمِل أنه على ظاهره، وأنه أَدخل الغنم مِربد الإبل؛ لِيَسِمَها فيه. انتهى . وقال القرطبيّ - ﵀ -:«المربد»: أصله للإبل، فيَحْتَمِل أن كان مربدًا للإبل، وأُدخلت فيه الغنم، ويَحْتَمِل أن يكون استعاره لحظيرة الغنم. انتهى . وقوله: (قَالَ شُعْبَةُ: وَأكثَرُ عِلْمِي) قال النوويّ - ﵀ -: رُوي بالثاء المثلثة، وبالباء الموحَّدة، وهما صحيحان. انتهى . (قَالَ شُعْبَةُ: وَأكثَرُ عِلْمِي أنَّهُ قَالَ: في آذَانِهَا) هذا فيه بيان أن شعبة: شكّ هل في الحديث بعد قوله:«يسم غنمًا»زيادة:«في آذانها»أم لا؟، ولكن أكثر ظنّه أنه فيه، وفي رواية يحيى القطّان التالية:«قال: وأحسبه قال: في آذانها». قال في«الفتح»: قوله:«في آذانها» يستفاد منه أن الأُذُن ليست من الوجه، وفيه حجة للجمهور في جواز وسم البهائم بالكيّ، وخالف فيه الحنفية؛ تمسكًا بعموم النهي عن التعذيب بالنار، ومنهم من ادَّعَى نسخه بنهي وَسْم البهائم، وجعله الجمهور مخصوصًا من عموم النهي، والله أعلم. انتهى . والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه في الحديث الماضي، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٥٥٤٤] (…) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ شُعْبَةَ، حَدَّثَني هِشَامُ بْنُ زيدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أنَسًا يَقُولُ: دَخَلْنَا عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - مِرْبَدًا، وَهُوَ يَسِمُ غَنَمًا، قَالَ: أَحْسِبُهُ قَالَ: في آذَانِهَا). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبِ) بن شدّاد، أبو خيثمة النسائيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٣٤)، وهو ابن (٧٤) سنةً (خ م د س ق) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٣. ٢ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) بن فرّوخ التميميّ، أبو سعيد القطّان البصريّ، ثقة متقنٌ حافظ، إمام قُدوة، من كبار [٩] (ت ١٩٨) وله (٧٨) سنةً، تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٨٥. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (قَالَ: أَحْسِبُهُ قَالَ: فِي آذَانِهَا) ظاهر ما سبق في الرواية الماضية أن فاعل «قال» الأول ضمير شعبة، وفاعل «قال» الثاني ضمير هشام، لكن وقع في «مسنده أحمد» التصريح بأن فاعل «قال» الأول ضمير هشام، والثاني ضمير أنس، قال - ﵀ - في «مسنده»: (١٢٧٤٨) - حدّثنا حجاج، قال شعبة: أنبأناه عن هشام بن زيد بن أنس، عن جدّه أنس بن مالك، قال: دخلت على رسول الله - صلي الله عليه وسلم -، وهو يَسِم غنمًا، قال هشام: أحسبه قال: في آذانها، قال: ثم قال بعدُ: في آذانها، ولم يشكّ. انتهى . والحديث سبق القول فيه قبله. وبالسند المتصل إلى المؤلّف - ﵀ - أول الكتاب قال: [٥٥٤٥] (…) - (وَحَدَّثَنِيهِ يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ، حَدَّثنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ (ح) وَحَدَّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثنَا مُحَمَّدٌ، وَيَحْيَى، وَعَبْدُ الرَّحْمَن، كُلُّهُمْ عَنْ شُعْبَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ) بن عربيّ البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٨) أو بعدها (م ٤) تقدم في «الإيمان» ١٤/ ١٦٥. ٢ - (خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ) بن عُبيد بن سُليم الْهُجيميّ، أبو عثمان البصريّ، ثقةٌ ثبت [٨] (ت ١٨٦) (ع) تقدم في «الإيمان» ٣٥/ ٢٤٣. ٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ) بن عثمان العبديّ، أبو بكر البصريّ المعروف ببندار، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٢. ٤ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ) بن مهديّ بن حسّان العنبريّ مولاهم، أبو سعيد البصريّ، ثقة ثبتٌ حافظٌ عارف بالرجال والحديث [٩] (ت ١٩٨) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٨٨. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (كُلُّهُمْ عَنْ شُعْبَةَ … إلخ)؛ يعني: أن هؤلاء الأربعة: خالد بن الحارث، ومحمد بن جعفر غندر، ويحيى القطّان، وعبد الرحمن بن مهديّ رووا هذا الحديث عن شعبة، عن هشام بن زيد، عن أنس - ﵁ -. [تنبيه]: رواية يحيى القطّان، ومحمد بن جعفر غندر، وعبد الرحمن بن مهدي كلّهم عن شعبة ساقها ابن خزيمة - ﵀ - في «صحيحه»، فقال: (٢٢٨٣) - حدّثنا بُندار، حدّثنا يحيى، ومحمد بن جعفر، وعبد الرحمن بن مهديّ، قالوا: حدّثنا شعبة، عن هشام بن زيد، قال: سمعت أنس بن مالك يقول: حين ولدت أمي انطلقتُ بالصبيّ إلى النبيّ - ﷺ - ليحنكه، فإذا النبيّ - ﷺ - في مِرْبد له يَسِم غنمًا، قال شعبة: أكثر علمي أنه قال: في آذانها. انتهى . وأما رواية خالد بن الحارث عن شعبة، فلم أر من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٥٥٤٦] (…) - (حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ، حَدَّثَنَا الْوَليدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنِ الأَوْزَاعِيِّ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أنس بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: رَأَيْتُ في يَدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - الْمِيسَمَ، وَهُوَ يَسِمُ إِبِلَ الصَّدَقَةِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ) المروزيّ، أبو عليّ الخزّاز الضرير، نزيل بغداد، ثقة [١٠] (ت ٢٣١)، وله (٧٤) سنةً (خ م د) تقدم في «الإيمان» ٦٣/ ٣٥٠. ٢ - (الْوَليدُ بْنُ مُسْلِمٍ) القرشيّ مولاهم، أبو العبّاس الدمشقيّ، ثقة لكنه كثير التدليس والتسوية [٨] (ت ٤ أو ١٩٥) (ع) تقدم في «الإيمان» ١٠/ ١٤٨.
مصادر المؤلف (٢١)

١. «المصباح المنير» ٢/ ٤٤٣.

٢. راجع: «المصباح المنير» ١/ ١٥٤، و«القاموس المحيط» ص ٣٣٠.

٣. «القاموس المحيط» ص ٣٩٥.

٤. «شرح النوويّ» ١٤/ ٩٨.

٥. «إكمال المعلم» ٦/ ٦٤٧.

٦. «النهاية في غريب الأثر» ص ٢٤٠.

٧. «لسان العرب» ٤/ ٥٢٢.

٨. «شرح النوويّ» ١٤/ ١٠٠.

٩. «الفتح» ١٢/ ٥٣٥، كتاب «الذبائح» رقم (٥٥٤٢).

١٠. «الفتح» ٤/ ٣٦٦، كتاب «الزكاة» رقم (١٥٠٢).

١١. «شرح النوويّ» ١٤/ ١٠٠.

١٢. «المفهم» ٥/ ٤٤٠.

١٣. «الفتح» ٤/ ٣٦٦، كتاب «الزكاة» رقم (١٥٠٢).

١٤. «شرح النوويّ»١٤/ ٩٩ - ١٠٠.

١٥. وفي نسخة:«انطلقت».

١٦. «شرح النوويّ» ١٤/ ١٠٠.

١٧. «المفهم» ٥/ ٤٤٠.

١٨. «شرح النوويّ» ١٤/ ٩٩.

١٩. «الفتح» ١٢/ ٥٣٦، كتاب «الذبائح» رقم (٥٥٤٢).

٢٠. «مسند الإمام أحمد بن حنبل» ٣/ ١٦٩.

٢١. صحيح ابن خزيمة ٤/ ٢٨.