HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢١٢١

حَدَّثَنِي سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنِي حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ ابن يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ (إِيَّاكُمْ وَالْجُلُوسَ في الطرقات) قالوا: يا رسول الله! مالنا بُدٌّ مِنْ مَجَالِسِنَا. نَتَحَدَّثُ فِيهَا. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (فَإِذَا أَبَيْتُمْ إِلَّا الْمَجْلِسَ، فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهُ) قَالُوا: وَمَا حَقُّهُ؟ قَالَ (غَضُّ الْبَصَرِ، وَكَفُّ الْأَذَى، وَرَدُّ السلام، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر).
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج6 ص165
ج ٣ ص ١٦٧٥

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٣ مصادر سنن أبي داود, صحيح البخاري, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣٥ ص١٩٩
فنهاهم عن ذلك، وقال: «احلقوا كله، أو ذَرُوا كله». انتهى . وأما رواية عبد الرحمن السرّاج عن نافع، فلم أجد من ساقها، إلا في «الفتح» ذكر أن أبا نعيم أخرجها في «المستخرج»، ولكن الكتاب ليس عندي، فليُبحث، وليُلحق هنا، والله تعالى وليّ التوفيق. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ (٣١) - (بَابُ النَّهْيِ عَنِ الْجُلُوسِ في الطُّرُقَات، وَإِعْطَاءِ الطَرِيقِ حَقَّهُ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٥٥٥١] (٢١٢١) - (حَدَّثَنِي سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنِي حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «إيَّاكُمْ وَالْجُلُوسَ فِي الطرُقَاتِ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ مَا لَنَا بُدٌّ مِنْ مَجَالِسِنَا، نَتَحَدَّثُ فِيهَا، قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «فَإذَا أَبَيْتُمْ إِلَّا الْمَجْلِسَ فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهُ»، قَالُوا: وَمَا حَقُّهُ؟ قَالَ: «غضُّ الْبَصَر، وَكَفُّ الأَذَى، وَرَدُّ السَّلَام، وَالأَمْرُ بِالْمَعْرُوف، وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ) الحدثانيّ، تقدّم قريبًا. ٢ - (حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ) الْعُقيليّ، أبو عمر الصنعانيّ، نزيل عسقلان، ثقةٌ ربّما وَهِمَ [٨] (ت ١٨١) (خ م مد س ق) تقدم في «الإيمان» ٨٧/ ٤٦١. ٣ - (زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ) العدويّ مولاهم، أبو عبد الله، أو أسامة المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ [٣] (ت ١٣٦) (ع) تقدم في «الإيمان» ٣٦/ ٢٥٠. ٤ - (عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ) الهلاليّ، أبو محمد المدنيّ، مولى ميمونة، ثقةٌ فاضلٌ، صاحب مواعظ وعبادة، من صغار [٢] (ت ٩٤) أو بعد ذلك (ع) تقدم في «الإيمان» ٢٦/ ٢١٣. ٥ - (أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ) سعد بن مالك بن سنان بن عبيد الأنصاريّ الصحابيّ ابن الصحابيّ - ﵄ -، مات سنة (٣ أو ٤ أو ٦٥) وقيل: (٧٤) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ٢ ص ٤٨٥. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف - ﵀ -، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه أبو سعيد - ﵁ - أحد المكثرين السبعة، روى (١١٧٠) حديثًا. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) - ﵁ - (عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -) أنه (قَالَ: «إِيَّاكُمْ وَالْجُلُوسَ) هذا ما يسميه النحاة بالتحذير، منصوب على التحذير بفعل محذوف وجوبًا؛ أي: إياكم أحذّر، قال ابن مالك - ﵀ - في»الخلاصة«: إِيَّاكَ وَالشَّرَّ وَنَحْوَهُ نَصَبْ … مُحَذِّرٌ بِمَا اسْتِتَارُهُ وَجَبْ (فِي الطُّرُقَاتِ») وفي رواية للبخاريّ: «بالطرقات»، وفي رواية له: «على الطرقات»، وهي جمع الطُّرق بضمتين، وطُرُق جمع طريق، وفي حديث أبي طلحة الآتي عند مسلم: «كنا قُعودًا بالأفنية»، جمع فناء، بكسر الفاء، ونون، ومدّ، وهو المكان المتسع أمام الدار، فجاء رسول الله - صلي الله عليه وسلم -، فقال: «ما لكم ولمجالس الصعدات» بضم الصاد، والعين المهملتين، جمع صعيد، وهو المكان الواسع، ومثله لابن حبان من حديث أبي هريرة، زاد سعيد بن منصور من مرسل يحيى بن يعمر: «فإنها سبيل من سبيل الشيطان، أو النار» . (قَالُوا)؛ أي: الصحابة الحاضرون عنده - ﷺ -، وأما ما قاله في «الفتح» من أن القائل هو أبو طلحة، وعزا ذلك إلى مسلم، فليس كما قال؛ فإن حديث أبي طلحة يأتي عند مسلم في «كتاب السلام»، ولفظه كما هنا: «فقلنا: إنما قعدنا … إلخ»، فتنبّه. (يَا رَسُولَ اللهِ مَا لَنَا بُدٌّ) بضمّ الموحّدة، وتشديد الدال المهملة؛ أي: ليس لنا غِنًى، قال الفيّوميّ - ﵀ -: لا بُدّ من كذا؛ أي: لا مَحِيد عنه، ولا يُعرف استعماله إلا مقرونًا بالنفي. انتهى . وفي «شرح القاموس»: قولهم: لا بُدَّ اليومَ من قَضَاءِ حاجَتي؛ أي: لا فِرَاقَ منه، وقِيلَ: لا بدَّ منه: لا مَحَالَةَ منه، وقال الزّمخشريّ؛ أي: لا عِوَضَ، ومعناه: أَمرٌ لازمٌ، لا تمكِن مُفارقتُه، ولا يُوجَد بَدلٌ منه، ولا عِوَضٌ يقوم مَقامَه، وقالوا: ولا يُستعمَل إِلَّا في النَّفْي، واستعمالُه في الإِثبات مُوَلَّد. انتهى باختصار . (مِنْ مَجَالِسِنَا، نَتَحَدَّثُ فِيهَا) قال القاضي عياض: فيه دليل على أن أَمْره لهم لم يكن للوجوب، وإنما كان على طريق الترغيب والأوْلى؛ إذ لو فَهِموا الوجوب لم يراجعوه هذه المراجعة، وقد يَحتجّ به من لا يرى الأوامر على الوجوب، قال الحافظ: ويَحْتَمِل أن يكونوا رَجَوْا وقوع النَّسخ تخفيفًا لِمَا شَكَوْا من الحاجة إلى ذلك، ويؤيده أن في مرسل يحيى بن يعمر: «فظنّ القوم أنها عزمة»، ووقع في حديث أبي طلحة: «فقالوا: إنما قعدنا لغير ما بأسٍ، قعدنا نتحدث، ونتذاكر» . (قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «فإذَا أبيْتُمْ) وفي بعض النسخ:»فإن أبيتم«(إِلَّا الْمَجْلِسَ)؛ أي: الجلوس، فهو مصدر ميميّ من الجلوس، قال في»الفتح«: قوله:»إلا المجلس«كذا للجميع هنا بلفظ»إلا«بالتشديد، وتقدم في أواخر»المظالم«بلفظ:»فإذا أتيتم إلى المجالس«بالمثناة بدل الموحدة، في»أتيتم«وبتخفيف اللام من»إلى«، وذكر عياض أنه للجميع هناك هكذا، وقد بيّنت هناك أنه للكشميهنيّ هناك كالذي هنا، ووقع في حديث أبي طلحة:»إِمَّا لا«بكسر الهمزة، و»لا«نافية، وهي ممالة في الرواية، ويجوز ترك الإمالة، ومعناه: إلا تتركوا ذلك، فافعلوا كذا، وقال ابن الأنباريّ: افعل كذا، إن كنت لا تفعل كذا، ودخلت»ما«صلة، وفي حديث عائشة عند الطبرانيّ في»الأوسط«:»فإن أبيتم إلا أن تفعلوا«، وفي مرسل يحيى بن يعمر:»فإن كنتم لا بُدّ فاعلين«. وكتب في هامش النسخة التركيّة على قوله:«إلا المجلس»ما نصّه: الظاهر بفتح اللام، وإن ضُبط بكسرها في النسخ المعتمدة بأيدينا، ثم رأيت القسطلاني قال: بفتح اللام مصدر ميميّ؛ أي: إلا الجلوس في مجالسكم، وفي اليونينيّة بكسر اللام. انتهى . (فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهُ») هكذا في هذه الرواية بتذكير الضمير، وفي رواية «حقّها» بالتأنيث، وكلاهما صحيح؛ لأن الطريق يذكّر، ويؤنّث، وفي حديث أبي شُريح عند أحمد: «فمن جلس منكم على الصعيد فليعطه حقه». (قَالُوا: وَمَا حَقُّهُ؟) وفي لفظ البخاريّ: «وما حقّ الطريق؟»، وفي حديث أبي شُريح: «قلنا: يا رسول الله، وما حقّه؟»، (قَالَ) - ﷺ - («غَضُّ الْبَصَر، وَكَفُّ الأَذَى، وَرَدُّ السَّلَام، وَالأَمْرُ بالْمَعْرُوف، وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ») قال في «الفتح»: قد تبيّن من سياق الحديث أن النهي عن ذلك للتنزيه؛ لئلا يَضْعف الجالس عن أداء الحقّ الذي عليه. قال الجامع عفا الله عنه: كون السياق يدلّ على أن النهي للتنزيه لا يخفى ما فيه، فتأمله، والله تعالى أعلم. وفي حديث أبي طلحة - ﵁ - الآتي في «السلام» الأولى، والثانية، وزاد «وحسن الكلام»، وفي حديث أبي هريرة - ﵁ - الأولى، والثالثة، وزاد: «وإرشاد ابن السبيل، وتشميت العاطس إذا حَمِد»، وفي حديث عمر - ﵁ - عند أبي داود، وكذا في مرسل يحيى بن يعمر من الزيادة: «وتُغيثوا الملهوف، وتَهدوا الضالّ»، وهو عند البزار بلفظ: «وإرشاد الضالّ»، وفي حديث البراء - ﵁ - عند أحمد، والترمذيّ: «اهْدُوا السبيل، وأعينوا المظلوم، وأفشوا السلام»، وفي حديث ابن عباس - ﵄ - عند البزار من الزيادة: «وأعينوا على الْحَمُولة»، وفي حديث سهل بن حنيف - ﵁ - عند الطبرانيّ من الزيادة: «ذكر الله كثيرًا»، وفي حديث وحشيّ بن حرب - ﵁ - عند الطبرانيّ من الزيادة: «واهدُوا الأغبياء، وأعينوا المظلوم». ومجموع ما في هذه الأحاديث أربعة عشر أدبًا، قال الحافظ - ﵀ -: وقد نظمتها في ثلاثة أبيات، وهي [من البسيط]: جَمَعْتُ آدَابَ مَنْ رَامَ الْجُلُوسَ عَلَى الطَّـ … رِ يقِ مِنْ قَوْلِ خَيْرِ الْخَلْقِ إِنْسَانَا أَفْشِ السَّلَامَ وَأَحْسِنْ فِي الْكَلَامِ وَشَمْـ … مِتْ عَاطِسًا وَسَلَامًا رُدَّ إِحْسَانَا فِي الْحَمْلِ عَاوِنْ وَمَظْلُومًا أَعِنْ وَأَغِثْ … لَهْفَانَ أَهْدِ سَبِيلًا وَأَهْدِ حَيْرَانَا بِالْعُرْفِ مُرْ وَانْهَ عَنْ نُكْرٍ وَكُفَّ أَذى … وَغُضَّ طَرْفًا وَأَكْثِرْ ذِكْرَ مَوْلَانَا والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي سعيد الخدريّ - ﵁ - هذا متفق عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣١/ ٥٥٥١ و٥٥٥٢] (٢١٢١)، و(البخاريّ) في «المظالم» (٢٤٦٥) و«الاستئذان» (٦٢٢٩) وفي «الأدب المفرد» (١١٥٠)، و(أبو داود) في «الأدب» (٤٨١٥)، و(عبد الرزّاق) في «مصنّفه» (١٩٧٨٦)، و(أحمد) في «مسنده» (٣/ ٣٦)، و(عبد بن حُميد) في «مسنده» (١/ ٢٩٧)، و(ابن حبّان) في «صحيحه، (٥٩٥)، و(أبو يعلى) في»مسنده«(٢/ ٤٤٢)، و(البيهقيّ) في»الكبرى«(١٠/ ٩٤) و»شُعَب الإيمان«(٤/ ٣٦٤)، و(البغويّ) في»شرح السُّنَّة« (٣٣٣٨)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): فيما اشتمل عليه الحديث من الفوائد: قال النوويّ - ﵀ -: هذا الحديث كثير الفوائد، وهو من الأحاديث الجامعة، وأحكامُهُ ظاهرةٌ، وينبغي أن يُجتنب الجلوس في الطرقات؛ لهذا الحديث، ويدخل في كفّ الأذى اجتناب الغيبة، وظنّ السوء، وإحقار بعض المارّين، وتضييق الطريق، وكذا إذا كان القاعدون ممن يهابهم المارّون، أو يخافون منهم، ويمتنعون من المرور في أشغالهم بسبب ذلك؛ لكونهم لا يجدون طريقًا إلا ذلك الموضع. انتهى . وقال في «الفتح»: أشار بغضّ البصر إلى السلامة من التعرض للفتنة بمن يمرّ من النساء وغيرهنّ، وبكفّ الأذى إلى السلامة من الاحتقار والغيبة ونحوها، وبردّ السلام إلى إكرام المارّ، وبالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلى استعمال جميع ما يُشْرَع، وترك جميع ما لا يشرع، وفيه حجة لمن يقول بأن سدّ الذرائع بطريق الأَولى لا على الحتم؛ لأنه نَهَى أوّلًا عن الجلوس حسمًا للمادة، فلما قالوا: ما لنا منها بُدّ ذكر لهم المقاصد الأصلية للمنع، فعُرف أن النهي الأول للإرشاد إلى الأصلح، ويؤخذ منه أن دفع المفسدة أَولى من جلب المصلحة؛ لِنَدْبه أولًا إلى ترك الجلوس مع ما فيه من الأجر لمن عَمِل بحقّ الطريق، وذلك أن الاحتياط لطلب السلامة آكد من الطمع في الزيادة. وقال في «الفتح» أيضًا ما حاصله: قد اشتمل هذا الحديث على معنى علة النهي عن الجلوس في الطرق، من التعرض للفتن بخطور النساء الشوابّ، وخوف ما يَلحق من النظر إليهنّ من ذلك؛ إذ لم يُمنع النساء من المرور في الشوارع لحوائجهنّ، ومن التعرض لحقوق الله، وللمسلمين مما لا يلزم الإنسان إذا كان في بيته، وحيث ينفرد ، أو يشتغل بما يلزمه، ومن رؤية المناكير، وتعطيل المعارف، فيجب على المسلم الأمر والنهي عند ذلك، فإنْ تَرَك ذلك فقد تعرّض للمعصية، وكذا يتعرض لمن يمرّ عليه، ويسلّم عليه، فإنه ربما كثُر ذلك، فيعجز عن الردّ على كل مارّ، وردّه فرض، فيأثم، والمرء مأمور بأن لا يتعرض للفتن، وإلزام نفسه ما لعله لا يَقْوَى عليه، فندبهم الشارع إلى ترك الجلوس حسمًا للمادّة، فلمّا ذكروا له ضرورتهم إلى ذلك؛ لِمَا فيه من المصالح، من تَعَاهُد بعضهم بعضًا، ومذاكرتهم في أمور الدين، ومصالح الدنيا، وترويح النفوس بالمحادثة في المباح، دلّهم على ما يُزيل المفسدة، من الأمور المذكورة. قال: ولكلّ من الَاداب المذكورة شواهد في أحاديث أخرى: فأما إفشاء السلام فسيأتي في باب مفرد. وأما إحسان الكلام، فقال عياض: فيه ندب إلى حسن معاملة المسلمين بعضهم لبعض، فإن الجالس على الطريق يمرّ به العدد الكثير من الناس، فربما سألوه عن بعض شأنهم، ووَجْه طُرُقهم، فيجب أن يتلقاهم بالجميل من الكلام، ولا يتلقاهم بالضجر، وخشونة اللفظ، وهو من جملة كفّ الأذى. قال الحافظ: وله شواهد من حديث أبي شُريح هانئ، رَفَعه: «من موجبات الجنة إطعام الطعام، وإفشاء السلام، وحسن الكلام»، ومن حديث أبي مالك الأشعريّ، رفعه: «في الجنة غُرَف لمن أطاب الكلام …» الحديث، وفي «الصحيحين» من حديث عديّ بن حاتم، رفعه: «اتقوا النار، ولو بشقّ تمرة، فمن لم يجد فبكلمة طيبة». وأما تشميت العاطس فسيأتي - إن شاء الله تعالى -. وأما ردّ السلام فسيأتي أيضًا قريبًا. وأما المعاونة على الحمل فله شاهد في «الصحيحين» من حديث أبي هريرة، رفعه: «كل سُلامَى من الناس عليه صدقة …» الحديث، وفيه: «ويعين الرجلَ على دابته، فيحمله عليها، ويرفع له عليها متاعه صدقة». وأما إعانة المظلوم فتقدم في حديث البراء - ﵁ - قريبًا، وله شاهد آخر من حديث أبي موسى الأشعريّ - ﵁ - مرفوعًا: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشدّ بعضه بعضًا، وشبّك بين أصابعه»، متّفقٌ عليه . وأما إغاثة الملهوف فله شاهد في «الصحيحين» من حديث أبي موسى - ﵁ -، وفيه: «ويعين ذا الحاجة الملهوف»، وفي حديث أبي ذرّ - ﵁ - عند ابن حبان: «وتسعى بشدة ساقيك مع اللهفان المستغيث»، وأخرج المرهبيّ في «العلم» من حديث أنس - ﵁ -، رفعه، في حديث: «واللهُ يُحب إغاثة اللهفان»، وسنده ضعيف جدًّا، لكن له شاهد من حديث ابن عباس - ﵄ -: «أصلح منه، والله يحب إغاثة اللهفان». وأما إرشاد السبيل فرَوَى الترمذيّ، وصححه ابن حبان، من حديث أبي ذرّ - ﵁ - مرفوعًا: «وإرشادك الرجل في أرض الضلال صدقة»، وللبخاريّ في «الأدب المفرد»، والترمذيّ، وصححه، من حديث البراء - ﵁ -، رفعه: «مَنْ مَنَح مَنِيحة، أو هَدَّى زُقَاقًا، كان له عِدل عتق نسمة»، و«هَدَّى» بفتح الهاء، وتشديد المهملة، و«الزقاق» بضم الزاي، وتخفيف القاف، وآخره قاف، معروف، والمراد مَن دَلّ الذي لا يعرفه عليه إذا احتاج إلى دخوله، وفي حديث أبي ذرّ - ﵁ - عند ابن حبان: «ويُسمع الأصمّ، وَيهدي الأعمى، ويدل المستدلّ على حاجته»، وأما هداية الحيران فله شاهد في الذي قبله. قال الجامع عفا الله عنه: هكذا قال في «الفتح»، والظاهر أنه أراد حديث قصّة الخثعميّة حين سألت النبيّ - ﷺ -، ونظر الفضل إليها، فصرف النبي - ﷺ - وجهه عن النظر إليها، الحديث. وأما الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر ففيهما أحاديث كثيرة، منها في حديث أبي ذرّ - ﵁ - المذكور قريبًا: «وأمْر بالمعروف، ونهي عن المنكر صدقة». وأما كفّ الأذى فالمراد به كفّ الأذى عن المارّة، بأن لا يجلس حيث يضيق عليهم الطريق، أو على باب منزل مَن يتأذى بجلوسه عليه، أو حيث يكشف عياله، أو ما يريد التستر به من حاله، قاله عياض، قال الحافظ: ويَحْتَمِل أن يكون المراد كفّ أذى الناس بعضهم عن بعض. انتهى. وقد وقع في «الصحيح» من حديث أبي ذرّ - ﵁ - رفعه: «فكُفّ عن الشرّ، فإنها لك صدقة»، وهو يؤيد الأول. وأما غضّ البصر فهو المقصود من حديث الباب . وأما كثرة ذكر الله ففيه عدّة أحاديث يأتي بعضها في «الدعوات». انتهى ما في «الفتح» وهو بحث نفيسٌ جدًّا، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٥٥٥٢] (…) - (وَحَدَّثناهُ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَدَنِيُّ (ح) وَحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ، أَخْبَرَنَا هِشَامٌ - يَعْني: ابْنَ سَعْدٍ - كلَاهُمَا عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ النيسابوريّ، تقدّم قريبًا. ٢ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَدَنِيُّ) وفي نسخة: «المدينيّ»، الدراورديّ، تقدّم أيضًا قريبًا. ٣ - (ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ) محمد بن إسماعيل بن مسلم بن أبي فُديك الديليّ مولاهم، أبو إسماعيل المدنيّ، صدوقٌ من صغار [٨] (ت ٢٠٠) على الصحيح (ع) تقدم في «الحيض» ١٦/ ٧٧٥. ٤ - (هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ) أبو عبّاد، أو أبو سعد المدنيّ، صدوق له أوهام، ورمي بالتشيّع، من كبار [٧] (ت ١٦٠) أو قبلها (خت م ٤) تقدم في «الإيمان» ٨٧/ ٤٦٣. والباقيان ذُكرا في الباب وقبله. وقوله: (كِلَاهُمَا عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ … إلخ) الضمير يرجع إلى عبد العزيز بن محمد، وهشام بن سعد. [تنبيه]: ذكر الحافظ أبو عليّ الجيّانيّ - ﵀ - في «التقييد» بعد أن ساق الإسنادين المذكورين في هذا الباب ما نصّه: هكذا روي هذان الإسنادان عن أبي أحمد من رواية الرازيّ؛ لأن السجزيّ لم يتكرّر عنه، ولا عند أبي العلاء، وغيرهما، ثم تكرّر في موضع آخر من «كتاب الأدب» عند أبي أحمد، والكسائيّ، فذكرا حديث سُويد بن سعيد، ثم عَقّبا بعده، فقالا: حدثنا يحيى بن يحيى، قال: نا عبد الله بن يزيد المقرئ، عن زيد بن أسلم، جعلا مكان عبد العزيز بن محمد عبدَ الله بن يزيد المقرئ، والصواب ما تقدّم، وكذلك خرّجه أبو مسعود الدمشقيّ في «الأطراف» عن يحيى بن يحيى، عن عبد العزيز الدراورديّ، وكذلك رواه ابن ماهان في الموضعين جميعًا، لم يكن عنده خلاف. انتهى كلام الجيّانيّ - ﵀ - ، وهو بحث نفيسٌ، والله تعالى أعلم.
مصادر المؤلف (١٦)

١. «مصنف عبد الرزاق» ١٠/ ٤٢١.

٢. وفي نسخة: «فإن أبيتم».

٣. «الفتح» ١٤/ ١٤١، كتاب «الاستئذان» رقم (٦٢٢٩).

٤. «المصباح المنير» ١/ ٣٨.

٥. «تاج العروس»١/ ١٨٨١.

٦. «الفتح»١٤/ ١٤١، كتاب«الاستئذان»رقم (٦٢٢٩).

٧. «الفتح»١٤/ ١٤١، كتاب«الاستئذان»رقم (٦٢٢٩).

٨. راجع: هامش النسخة التركيّة ٦/ ١٦٥.

٩. «الفتح» ١٤/ ١٤١، كتاب «الاستئذان» رقم (٦٢٢٩).

١٠. «شرح النوويّ» ١٤/ ١٠٢.

١١. وقع في «الفتح»: «وحيث لا ينفرد» بزيادة «لا»، والظاهر أنه غلط، فليُتأمّل، والله تعالى أعلم.

١٢. سيأتي لمسلم في«كتاب البرّ والصلة»برقم (٢٥٨٥).

١٣. يعني: الباب الذي عقده البخاريّ بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٣] الآيات.

١٤. «الفتح» ١٤/ ١٤١، كتاب «الاستئذان» رقم (٦٢٢٩).

١٥. وفي نسخة: «المدينيّ».

١٦. «تقييد المهمل» ٣/ ٩١٠ - ٩١١.