HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢١٥٠

حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ، سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْعَتَكِيُّ. حدثنا عبد الوارث. حدثنا أبو التَّيَّاحِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ. قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَحْسَنَ النَّاسِ خُلُقًا. وَكَانَ لِي أَخٌ يُقَالُ لَهُ أَبُو عُمَيْرٍ. قَالَ: أَحْسِبُهُ قَالَ: كَانَ فَطِيمًا. قَالَ: فَكَانَ إِذَا جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَرَآهُ قَالَ (أَبَا عُمَيْرٍ! مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ؟). قَالَ: فَكَانَ يَلْعَبُ بِهِ.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج6 ص176
ج ٣ ص ١٦٩٢

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٥ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, صحيح البخاري وغيرها
التحرير في شرح صحيح مسلم · قوام السنة الأصبهاني · ج١ ص٥١١
[٦٢٤] وقوله: (مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ) ؛ قيل: النُّغير: طائر أحمرُ المنقار، وفي الحديث دلالة على حسن خُلُق النبي ﷺ مع الصبيان. وفي الأحاديث: فضيلة التمر؛ وفضيلة الصبر عند صدمة المصيبة، وذلك أن عاقبة الصبر محمودةٌ، ودليل نيلِ الخَلَف عَقِيب الصّبر، وفيها: سنة التسمية، واستحبابُ تسمية المولود عبدَ الله، واستحبابُ مسح المولود حين يولد؛ والدعاءِ له، و(المُتِمُّ) : التي قرُب وِلادها، وفيه وضع الصبي في الحجر، وفيه: إباحة صيد المدينة. ومن باب الدجال
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣٥ ص٣٧٨
وللأمن من التلقيب؛ لأن الغالب أن من يذكر شخصًا، فيعظّمه أن لا يذكره باسمه الخاصّ به، فإذا كانت له كنية أَمِن من تلقيبه، ولهذا قال قائلهم: بادروا أبناءكم بالكنى قبل أن تغلب عليها الألقاب، وقالوا: الكنية للعرب كاللقب للعجم، ومن ثَمّ كُرِه للشخص أن يَكْنِي نفسه إلا إن قصد التعريف، ذكره في «الفتح» . وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّل الكتاب قال: [٥٦١٠] (٢١٥٠) - (حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْعَتَكِىُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، حَدَّثَنَا أَبُو التَّيَّاحِ، حَدَّثَنَا أنَسُ بْنُ مَالِكٍ (ح) وَحَدَّثنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ -وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، عَنْ أَبِي التَّيَّاح، عَنْ أنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- أَحْسَنَ النَّاسِ خُلُقًا، وَكَانَ لِي أَخٌ يُقَالُ لَهُ: أَبُو عُمَيْرٍ -قَالَ: أَحْسِبُهُ قَالَ-: كَانَ فَطِيمًا، قَالَ: فَكَانَ إِذَا جَاءَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-، فَرَآهُ، قَالَ: «أَبَا عُمَيْرٍ مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ؟»، قَالَ: فَكَانَ يَلْعَبُ بِهِ). رجال هذين الإسنادين: خمسة: ١ - (أَبُو الرَّبِيعِ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْعَتَكِىُّ) الزهرانيّ البصريّ، نزيل بغداد، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م د س) تقدم في «الإيمان» ٢٣/ ١٩٠. ٢ - (عَبْدُ الوَارِثِ) بن سعيد بن ذكوان الْعَنْبريّ مولاهم، أبو عبيدة التَّنُّوريّ البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٠) (ع) تقدم في «الإيمان» ١٨/ ١٧٦. ٣ - (أَبُو التَّيَّاحِ) يزيد بن حُميد الضُّبَعيّ البصريّ، مشهور بكنيته، ثقةٌ ثبتٌ [٥] (ت ١٢٨) (ع) تقدم في «الطهارة» ٢٧/ ٦٥٩. ٤ - (شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ) الْحَبَطيّ، أبو محمد الأُبُليّ، صدوقٌ يَهِم، ورُمي بالقدر، من صغار [٩] (ت ٥ أو ٢٣٦) وله بضع وتسعون سنة (م د س) تقدم في «الإيمان» ١٢/ ١٥٧. ٥ - (أنَسُ بْنُ مَالِكٍ) -﵁-، ذكر في الباب الماضي. [تنبيه]: من لطائف هذين الإسنادين: أنهما من رباعيّات المصنّف -﵀-، وهما (٤٣١) من رباعيّات الكتاب، وأنه مسلسلٌ بالبصريين من أوله إلى آخره، وفيه أنس بن مالك -﵁-، تقدّم القول فيه قريبًا. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ) يزيد بن حُميد، وأخرجه البخاريّ أيضًا من رواية شعبة، عن أبي التياح، وقد أخرجه النسائيّ من طريق شعبة هكذا، ومن وجه آخر عن شعبة، عن قتادة، عن أنس، ومن وجه ثالث عن شعبة، عن محمد بن قيس، عن حميد، عن أنس، والمشهور الأول، ويَحْتَمِل أن يكون لشعبة فيه طُرُق، قاله في «الفتح» . (عَنْ أنسِ بْنِ مَالِكٍ) -﵁- أنه (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- أَحْسَنَ النَّاسِ خُلُقًا) هذا قاله أنس -﵁- توطئةً لِمَا يريد أن يذكره من قصة الصبيّ، وأول حديث شعبة المذكور عن أنس: «قال: إن كان النبيّ -ﷺ- ليخالطنا»، ولأحمد من طريق المثنى بن سعيد، عن أبي التياح، عن أنس: «كان النبيّ -ﷺ- يزور أم سليم»، وفي رواية محمد بن قيس المذكور: «كان النبيّ -ﷺ- قد اختلط بنا، أهلَ البيت» -يعني: بيت أبي طلحة، وأم سليم- ولأبي يعلى من طريق محمد بن سيرين، عن أنس: «كان النبيّ -ﷺ- يغشانا، ويخالطنا»، وللنسائيّ من طريق إسماعيل بن جعفر، عن حميد، عن أنس: «كان النبيّ -ﷺ- يأتي أبا طلحة كثيرًا»، ولأبي يعلى من طريق خالد بن عبد الله، عن حميد: «كان يأتي أم سليم، وينام على فراشها، وكان إذا مشى يتوكأ»، ولابن سعد، وسعيد بن منصور، عن ربعي بن عبد الله بن الجارود، عن أنس: «كان يزور أم سليم، فتتحفه بالشيء تصنعه له» . (وَكَانَ لِي أَخٌ يُقَالُ لَهُ: أَبُو عُمَيْرٍ) بالتصغير، وهو تصغير، عُمَر، أو عَمْرو ، قيل: اسمه حفص ، ومات في حياة النبيّ -ﷺ-، وهو صاحب القصّة التي جرت بين أبي طلحة وأم سُليم المذكورة في ثاني حديث الباب. وفي رواية حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، عند أحمد: «كان لي أخٌ صغيرٌ»، وهو أخو أنس بن مالك من أمه، وفي رواية المثنى بن سعيد المذكورة: «وكان لها -أي: أم سليم- ابن صغير»، وفي رواية حميد، عند أحمد: «وكان لها من أبي طلحة ابن يكنى أبا عمير»، وفي رواية مروان بن معاوية، عن حميد، عند ابن أبي عمر: «كان بُنَيّ لأبي طلحة»، وفي رواية عُمارة بن زاذان، عن ثابت، عند ابن سعد: «أن أبا طلحة كان له ابن - قال: أحسبه فَطِيمًا»، وفي بعض النسخ: «فطيمَ»، بغير ألف، وهو محمول على طريقة من يكتب المنصوب المنوّن بلا ألف، والأصل: فطيمٌ؛ لأنه صفة أخٌ، وهو مرفوعٌ، لكن تخلل بين الصفة والموصوف: «أحسبه»، وقد وقع عند أحمد من طريق المثنى بن سعيد مثل ما في الأصل: فطيمٌ بمعنى مفطوم؛ أي: انتهى إرضاعه. (قَالَ) أبو التيّاح: (أَحْسِبُهُ)؛ أي: أظنّ أنسًا (قَالَ: كَانَ) ذلك الأخ (فَطِيمًا) فعيل بمعنى مفعول؛ أي: مفطومًا؛ أي: انتهى إرضاعه، والمراد أنه ليس صغيرًا رضيعًا. (قَالَ) أنس: (فَكَانَ إِذَا جَاءَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-) «كان» هنا شأنيّة، واسمها ضمير شأن مقدّر؛ أي: هو، وخبرها جملة: «إذا جاء … إلخ»، وفي رواية البخاريّ: «فكان إذا جاء»، فاسم «كان» على هذا ضمير النبيّ -ﷺ-، زاد مروان بن معاوية في روايته: «إذا جاء لأم سليم يمازحه»، ولأحمد في روايته، عن حميد مثله، وفي أخرى: «يضاحكه»، وفي رواية محمد بن قيس: «يهازله»، وفي رواية المثنى بن سعيد، عن أبي عوانة: «يفاكهه». (فَرَآهُ)؛ أي: رأى -ﷺ- ذلك الصبيّ، (قَالَ: «أَبَا عُمَيْرٍ) وفي رواية ربعي بن عبد الله:»فزارنا ذات يوم، فقال: يا أم سليم ما شأني أرى أبا عمير ابنك خاثر النفس؟ «، بمعجمة، ومثلثة؛ أي: ثقيل النفس، غير نشيط، وفي رواية مروان بن معاوية، وإسماعيل بن جعفر كلاهما عن حميد:«فجاء يومًا، وقد مات نُغيره»، زاد مروان:«الذي كان يلعب به»، وزاد إسماعيل: (فوجده حزينًا، فسأل عنه، فأخبرته، فقال: يا أبا عمير«، وساقه أحمد عن يزيد بن هارون، عن حميد بتمامه، وفي رواية حماد بن سلمة المشار إليها: »فقال: ما شأن أبي عمير حزينًا؟«، وفي رواية ربعي بن عبد الله: »فجعل يمسح رأسه، ويقول«، وفي رواية عُمارة بن زاذان: »فكان يستقبله، ويقول«. (مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ؟ ») بنون، ومعجمة، وراء، مصغرًا، وكَرَّر ذلك في رواية حماد بن سلمة. (قَالَ) أنس (فَكَانَ) ذلك الصبيّ (يَلْعَبُ به)؛ أي: بذلك النُّغَير، وفي رواية البخاريّ:«نُغَير كان يَلْعب به»، وهو طير صغير، واحدته نُغْرة، وجَمْعه نِغْران، قاله في«الفتح»، وقال الفيّوميّ: النُّغَرُ وزانُ رُطَبٍ، قيل: فرخُ العصفور، وقيل: ضرب من العصافير، أحمر المنقار، وقيل: يسمى البلبل، ويقال: إن أهل المدينة يُسَمُّون البلبل النُّغَرَةَ، والْحُمِّرَةَ، وقيل: يُشبه العصفور، ويصغَّر على نُغَير، والأنثى نُغَرَةٌ، والجمع نِغْرَانٌ، مثل صُرَدٍ وصِرْدَانٍ. انتهى . وقال في«القاموس»، و«شرحه»: والنُّغَر كصُرَد: البُلْبُل عند أهل المدينة، أو فِراخُ العصافير، واحدتُه نُغَرَةٌ كهُمَزَة، قيل: النُّغَر: ضَرْبٌ من الحُمَّر حُمْرُ المَناقيرِ، وأصولِ الأَحْناكِ، أو ذُكورُها، وقال شَمِرٌ: النُّغَر: فَرْخُ العُصْفورِ، تراه أبدًا ضاوِيًا، وقيل: هو من صغار العصافير، جَمْعه: نِغْرانٌ؛ كصُرَدٍ وصِرْدان، قال الشاعر يَصِفُ كَرْمًا: يَحْمِلْنَ أزْقَاقَ المُدامِ كأنَّما … يَحْمِلْنَها بأظافِرِ النِّغْرانِ وبتصغيرِها جاءَ الحديثُ: «أنّ النبىّ -ﷺ- قال لبُنَىٍّ كان لأبي طَلْحَة الأنصاريّ، وكان له نُغَرٌ، فماتَ: يا أبا عُمَيْر ما فَعَلَ النُّغَيْر؟». انتهى . وقال الخطابيّ: النُّغَيرُ: طُوير له صوت، قال الحافظ: وفيه نظر؛ فإنه ورد في بعض طرقه أنه الصَّعْوُ بمهملتين، بوزن العفو، كما في رواية ربعي: «فقالت أم سليم: ماتت صعوته التي كان يلعب بها، فقال: أي أبا عمير مات النغير»، فدَلّ على أنهما شيء واحد، والصعو لا يوصف بحسن الصوت، قال الشاعر [من البسيط]: كَالصَّعْوِ يَرْتَعُ فِي الرِّيَاضِ وَإِنَّمَا … حَبَسَ الْهِزَارَ لأَنَّهُ يَتَرَنَّمُ قال عياض: النغير طائر معروف، يُشبه العصفور، وقيل: هي فراخ العصافير، وقيل: هي نوع من الْحُمَّر، بضم المهملة، وتشديد الميم، ثم راء، قال: والراجح أن النُّغَير طائر أحمر المنقار. انتهى. وهذا هو الذي جزم به الجوهريّ، وقال صاحب «العين»، و«المحكم»: الصعو صغير المنقار، أحمر الرأس، قاله في «الفتح» ، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك -﵁- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٦/ ٥٦١٠] (٢١٥٠)، و(البخاريّ) في «الأدب» (٦١٢٩ و٦٢٠٣)، وفي «الأدب المفرد» (٢٦٩)، و(أبو داود) في «الأدب» (٤٩٦٩)، و(الترمذيّ) في «الصلاة» (٣٣٣) و«البرّ والصلة» (١٩٨٩)، و(النسائيّ) في «الكبرى» (٦/ ٩٠ و٩١)، وفي «عمل اليوم والليلة» (٣٣٤ - ٣٣٥)، و(ابن ماجه) في «الأدب» (٣٧٢٠)، و(الطيالسيّ) في «مسنده» (١/ ٢٨٠)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (١/ ٣١٥ و٥/ ٣٠٠)، و(أحمد) في «مسنده» (٣/ ١١٩ و٢١٢)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٢٣٠٨ و٢٥٠٦)، و(الطحاويّ) في «شرح معاني الآثار» (٤/ ١٩٤ و١٩٥)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (١/ ٤٠٧ و٢/ ٧٢)، و(الطبرانيّ) في «الأوسط» (٣/ ٧٥)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (٥/ ٢٢٢ و٦/ ٩١)، و(ابن الجعد) في «مسنده» (١/ ٢١٣)، و(عبد بن حميد) في «مسنده» (١/ ٣٨٢ و٣٩٥ و٤١٤)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٥/ ٢٠٣ و١٠/ ٢٤٨)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: قال في «الفتح»: في هذا الحديث عدّة فوائد، جمعها أبو العباس أحمد بن أبي أحمد الطبريّ المعروف بابن القاصّ الفقيه الشافعىّ ، صاحب التصانيف، في جزء مفرد بعد أن أخرجه من وجهين عن شعبة، عن أبي التياح، ومن وجهين عن حميد، عن أنس، ومن طريق محمد بن سيرين، وقد جمعتُ في هذا الموضع طرقه، وتتبعت ما في رواية كل منهم من فائدة زائدة، وذكر ابن القاصّ في أول كتابه أن بعض الناس عاب على أهل الحديث أنهم يروون أشياء لا فائدة فيها، ومَثَّل ذلك بحديث أبي عمير هذا، قال: وما درى أن في هذا الحديث من وجوه الفقه، وفنون الأدب، والفائدة ستين وجهًا، ثم ساقها مبسوطة، فلخّصتها مستوفيًا مقاصده، ثم أتبعته بما تيسَّر من الزوائد عليه، فقال: ١ - (منها): استحباب التأني في المشي، وزيارة الإخوان، وجواز زيارة الرجل للمرأة الأجنبية، إذا لم تكن شابّة، وأُمنت الفتنة، وتخصيص الإمام بعض الرعية بالزيارة، ومخالطة بعض الرعية دون بعض، ومشيُ الحاكم وحده، وأن كثرة الزيارة لا تنقص المودة، وأن قوله: «زُرْ غِبًّا تزدد حُبًّا» مخصوص بمن يزور لطمع، وأن النهي عن كثرة مخالطة الناس مخصوص بمن يَخشى الفتنة، أو الضرر. ٢ - (ومنها): مشروعية المصافحة؛ لقول أنس -﵁- فيه: «ما مسست كفًّا أَلْيَن من كفِّ رسول الله -ﷺ-»، وتخصيص ذلك بالرجل دون المرأة، وأن الذي جاء في صفته -ﷺ- أنه كان شَثْن الكفين خاصّ بعَبَالة الجسم، لا بخشونة اللمس. ٣ - (ومنها): استحباب صلاة الزائر في بيت المزور، ولا سيما إن كان الزائر ممن يُتبرك به، وجواز الصلاة على الحصير، وترك التقزّز؛ لأنه عَلِم أن في البيت صغيرًا، وصلى مع ذلك في البيت، وجلس فيه. ٤ - (ومنها): أن الأشياء على يقين الطهارة؛ لأن نضحهم البساط إنما كان للتنظيف. ٥ - (ومنها): أن الاختيار للمصلي أن يقوم على أروح الأحوال، وأمكنها، خلافًا لمن استحبّ من المشدِّدين في العبادة أن يقوم على أجهدها. ٦ - (ومنها): جواز حَمْل العالم عِلْمه إلى من يستفيده منه، وفضيلة لآل أبي طلحة، ولبيته؛ إذ صار في بيتهم قِبلة يُقطع بصحتها. ٧ - (ومنها): جواز الممازحة، وتكرير المزح، وأنها إباحة سنّة، لا رخصة، وأن ممازحة الصبيّ الذي لم يميِّز جائزة، وتكرير زيارة الممزوح معه، هذا كلام ابن القاصّ ﵀. وقال القرطبيّ -﵀-: وفيه ما يدل على جواز المزاح مع الصغير، لكن إذا قال حقًّا، وفيه ما يدلّ على حسن خلق النبيّ -ﷺ- ولطافة معاشرته، وألفاظه، ومنها: قوله لابن عمر: «يا بُنَيّ»، وكذلك قوله للمغيرة: «أي بُنَيّ»، فإنَّه نزّله منزلة ابنه الصغير في الرحمة، والرفق، والشفقة. انتهى . ٨ - (ومنها): ترك التكبر، والترفع، والفرق بين كون الكبير في الطريق، فيتواقر، أو في البيت فيمزح، وأن الذي ورد في صفة المنافق أن سِرّه يخالف علانيته ليس على عمومه. ٩ - (ومنها): الحكم على ما يظهر من الأمارات في الوجه، من حُزنه، أو غيره. ١٠ - (ومنها): جواز الاستدلال بالعين على حال صاحبها؛ إذ استدل -ﷺ- بالحزن الظاهر على الحزن الكامن، حتى حَكَم بأنه حزين، فسأل أمه عن حزنه. ١١ - (ومنها): التلطف بالصَّدِيق صغيرًا كان، أو كبيرًا، والسؤال عن حاله، وأن الخبر الوارد في الزجر عن بكاء الصبيّ محمول على ما إذا بكى عن سبب عامدًا، ومن أذى بغير حقّ. ١٢ - (ومنها): قبول خبر الواحد؛ لأن الذي أجاب عن سبب حزن أبي عمير كان كذلك. ١٣ - (ومنها): جواز تكنية من لم يولد له، وجواز لعب الصغير بالطير، وجواز ترك الأبوين ولدهما الصغير يلعب بما أبيح اللعب به، وجواز إنفاق المال فيما يَتَلَهَّى به الصغير من المباحات، وجواز إمساك الطير في القفص ونحوه، وقصّ جناح الطير؛ إذ لا يخلو حال طير أبي عمير من واحد منهما، وأيهما كان الواقع التحق به الآخر في الحكم. ١٤ - (ومنها): جواز إدخال الصيد من الحلّ إلى الحرم، وإمساكه بعد إدخاله خلافًا لمن منع من إمساكه، وقاسه على من صاد، ثم أحرم، فإنه يجب عليه الإرسال، هذا كلام ابن القاصّ ﵀. وقال القرطبيّ -﵀-: وقد يَستدلُّ الحنفي بهذا الحديث على جواز صيد المدينة، وهو قول خالف فيه الجمهور، ونصّ النبيّ -ﷺ- بالنهي عن صيد المدينة، كما نهى عن صيد مكة، كما قدَّمناه، ولا حجَّة فيه؛ إذ ليس فيه ما يدلُّ على أن ذلك الطير صِيْدَ في حرم المدينة، بل نقول: إنه صِيْدَ في الحلّ، وأُدخل في الحرم، ويجوز للحلال أن يصيد في الحل، ويدخله في الحرم، ولا يجوز له أن يصيده في الحرم، فيُفَرَّق بين ابتداء صيده، وبين استصحاب إمساكه، كما ذكرناه في الحج. وقال أيضًا: وفيه جواز لعب الصَّبيّ بالطير الصغير، لكن الذي أجاز العلماء من ذلك أن يُمْسَك له، وأن يلهو بحسنه، وأما تعذيبه، والعبث به فلا يجوز؛ لأن النبيّ -ﷺ- نَهَى عن تعذيب الحيوان، إلا لمأكلة. انتهى . ١٥ - (ومنها): جواز تصغير الاسم، ولو كان لحيوان، وجواز مواجهة الصغير بالخطاب خلافًا لمن قال: الحكيم لا يواجه بالخطاب إلا من يعقل ويفهم، قال: والصواب الجواز حيث لا يكون هناك طلب جواب، ومن ثَمّ لم يخاطبه في السؤال عن حاله، بل سأل غيره. ١٦ - (ومنها): معاشرة الناس على قَدْر عقولهم. ١٧ - (ومنها): جواز قيلولة الشخص في بيتٍ غير بيت زوجته، ولو لم تكن فيه زوجته، ومشروعية القيلولة، وجواز قيلولة الحاكم في بيت بعض رعيته، ولو كانت امرأة، وجواز دخول الرجل بيت المرأة، وزوجها غائب، ولو لم يكن مَحْرَمًا، إذا انتفت الفتنة. قال الجامع عفا الله عنه: قوله: «وجواز دخول الرجل بيت المرأة … إلخ» هذا إذا كان معها مَحْرَم، كما هو الواقع في الحديث، فإن أنسًا -﵁- كان حاضرًا عند أمه وقت دخوله -ﷺ-، على أن بعضهم حمل ذلك بأن أم سليم ذات محرم له -ﷺ-، وبعضهم قال: إنه خصوصيّة له -ﷺ-، وإلا فقد قال -ﷺ-: «لا يخلوَنّ رجل بامرأة إلا مع ذي محرم»، متّفقٌ عليه، وفي «صحيح ابن حبّان»: «ألا لا يخلونَّ رجل بامرأة، فإن ثالثهما الشيطان»، فهذا النهي الصريح يقدَّم على الاستنباط المذكور، فتنبّه، ولا تكن من الغافلين. ١٨ - (ومنها): إكرام الزائر، وأن التنعّم الخفيف لا ينافي السُّنَّة، وأن تشييع المزور الزائر ليس على الوجوب. ١٩ - (ومنها): أن الكبير إذا زار قومًا واسى بينهم، فإنه صافح أنسًا، ومازح أبا عمير، ونام على فراش أم سليم، وصلى بهم في بيتهم، حتى نالوا كلهم من بركته. انتهى ملخّص كلام ابن القاصّ -﵀- فيما استنبط من فوائد حديث أنس في قصة أبي عمير. قال الحافظ: ثم ذكر -يعني: ابن القاصّ- فصلًا في فائدة تتبّع طرق الحديث، فمن ذلك الخروج من خلافِ مَنْ شَرَط في قبول الخبر أن تتعدد طرقه، فقيل: لاثنين، وقيل: لثلاثة، وقيل: لأربعة، وقيل: حتى يستحق اسم الشهرة، فكان في جَمْع الطرق ما يحصل المقصود لكل أحد غالبًا، وفي جمع الطرق أيضًا، ومعرفة من رواها، وكميتها، العلمُ بمراتب الرواة في الكثرة والقلة، وفيها الاطلاع على علة الخبر، بانكشاف غلط الغالط، وبيان تدليس المدلِّس، وتوصيل المعنعن، ثم قال: وفيما يسّره الله تعالى من جَمْع طرق هذا الحديث، واستنباط فوائده ما يَحْصُل به التمييز بين أهل الفهم في النقل، وغيرهم، ممن لا يهتدي لتحصيل ذلك، مع أن العين المستنبَط منها واحدة، ولكن من عجائب اللطيف الخبير أنها تُسْقَى بماء واحد، ونفضّل بعضها على بعض في الأكل. هذا آخر كلامه ملخصًا. قال: وقد سبق إلى التنبيه على فوائد قصة أبي عمير بخصوصها من القدماء أبو حاتم الرازيّ، أحد أئمة الحديث، وشيوخ أصحاب «السنن»، ثم تلاه الترمذيّ في «الشمائل»، ثم تلاه الخطابيّ، وجميع ما ذكروه يقرُب من عشرة فوائد فقط. قال: وقد ساق شيخنا -يعني: الحافظ العراقيّ- في «شرح الترمذيّ» ما ذكره ابن القاصّ بتمامه، ثم قال: ومن هذه الأوجه ما هو واضح، ومنها الخفيّ، ومنها المتعسَّف، قال: والفوائد التي ذكرها آخرًا، وأكمل بها الستين هي من فائدة جَمْع طرق الحديث، لا من خصوص هذا الحديث. ٢٠ - (ومنها): أنه قد بقي من فوائد هذا الحديث أن بعض المالكية، والخطابيّ من الشافعية استدلُّوا به على أن صيد المدينة لا يحرم. وتُعُقّب باحتمال ما قاله ابن القاصّ: أنه صِيد في الحلّ، ثم أُدخل الحرم، فلذلك أبيح إمساكه، وبهذا أجاب مالك في «المدونة»، ونقله ابن المنذر عن أحمد، والكوفيين، ولا يلزم منه أن حرم المدينة لا يحرم صيده، وأجاب ابن التين بأن ذلك كان قبل تحريم صيد حرم المدينة، وعَكَسه بعض الحنفية، فقال: قصة أبي عمير تدلّ على نَسخ الخبر الدال على تحريم صيد المدينة، وكلا القولين متعَقَّب. وما أجاب به ابن القاصّ من مخاطبة من لا يميِّز: التحقيقُ فيه جواز مواجهته بالخطاب، إذا فَهِمَ الخطاب، وكان في ذلك فائدة، ولو بالتأنيس له، وكذا في تعليمه الحكم الشرعيّ عند قَصْد تمرينه عليه من الصِّغر، كما في قصّة الحسن بن عليّ لَمّا وَضَع التمرة في فيه، قال له -ﷺ-: «كِخْ كِخْ، أما علمت أنا لا نأكل الصدقة؟»، كما تقدَّم بَسْطُه في موضعه، ويجوز أيضًا مطلقًا، إذا كان القصد بذلك خطاب من حضر، أو استفهامه ممن يعقل، وكثيرًا ما يقال للصغير الذي لا يفهم أصلًا، إذا كان ظاهر الْوَعْك: كيف أنت؟ والمراد سؤال كافله، أو حامله. ٢١ - (ومنها): أن ابن بطّال ذكر من فوائد هذا الحديث أيضًا استحبابَ النضح فيما لم يتيقن طهارته. ٢٢ - (ومنها): أن أسماء الأعلام لا يُقصَد معانيها، وأن إطلاقها على المسمى لا يستلزم الكذب؛ لأن الصبيّ لم يكن أبًا، وقد دُعي أبا عمير. ٢٣ - (ومنها): جواز السجع في الكلام، إذا لم يكن متكلَّفًا، وأن ذلك لا يمتنع من النبىّ -ﷺ- امتنع منه إنشاء الشعر. ٢٤ - (ومنها): إتحاف الزائر بصنيع ما يعرف أنه يعجبه، من مأكول، أو غيره. ٢٥ - (ومنها): جواز الرواية بالمعنى؛ لأن القصّة واحدة، وقد جاءت بألفاظ مختلفة. ٢٦ - (ومنها): جواز الاقتصار على بعض الحديث، وجواز الإتيان به تارةً مطولًا، وتارةً ملخّصًا، وجميع ذلك يَحْتَمِل أن يكون من أنس، ويَحْتَمِل أن يكون ممن بعده، والذي يظهر أن بعض ذلك منه، والكثير منه ممن بعده، وذلك يظهر من اتّحاد المخارج، واختلافها. ٢٧ - (ومنها): مسح رأس الصغير للملاطفة. ٢٨ - (ومنها): دعاء الشخص بتصغير اسمه عند عدم الإيذاء. ٢٩ - (ومنها): جواز السؤال عما السائل به عالم؛ لقوله: ما فَعَل النُّغَير؟ بعد علمه بأنه مات. ٣٠ - (ومنها): إكرام أقارب الخادم، وإظهار المحبة لهم؛ لأن جميع ما ذُكر من صنيع النبيّ -ﷺ- مع أم سليم، وذويها، كان غالبه بواسطة خدمة أنس -﵁- له. وقد نوزع ابن القاصّ في الاستدلال به على إطلاق جواز لعب الصغير بالطير، فقال أبو عبد الملك: يجوز أن يكون ذلك منسوخًا بالنهي عن تعذيب الحيوان. وقال القرطبيّ: الحقّ أن لا نَسْخ، بل الذي رُخِّص فيه للصبىّ إمساك الطير؛ ليلتهي به، وأما تمكينه من تعذيبه، ولا سيما حتى يموت، فلم يُبَح قط. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله القرطبىّ -﵀- هو الحقّ، فتنبّه، والله تعالى أعلم. ومن الفوائد التي لم يذكرها ابن القاصّ، ولا غيره في قصة أبي عمير، أن عند أحمد في آخر رواية عُمارة بن زاذان، عن ثابت، عن أنس: «فمَرِض الصبىّ، فهلك …»، فذكر الحديث في قصة موته، وما وقع لأم سليم من كتمان ذلك عن أبي طلحة، حتى نام معها، ثم أخبرته لمّا أصبح، فأخبر النبىّ -ﷺ- بذلك فدعا لهما، فحَمَلت، ثم وضعت غلامًا، فأحضره أنس إلى النبيّ -ﷺ-، فحنّكه، وسمّاه عبد الله، وقد تقدم شرح ذلك مستوفًى في الباب الماضي، ولله الحمد والمنّة. [تنبيه]: وقد جزم الدمياطيّ في أنساب الخزرج بأن أبا عمير مات صغيرًا، وقال ابن الأثير في ترجمته في «الصحابة»: لعله الغلام الذي جرى لأم سليم، وأبي طلحة في أمره ما جرى، وكأنه لم يستحضر رواية عمارة بن زاذان المصرِّحة بذلك، فذكره احتمالًا، قال الحافظ: ولم أر عند من ذُكر أبا عمير في الصحابة له غير قصة النغير، ولا ذكروا له اسمًا، بل جزم بعض الشرّاح بأن اسمه كنيته، فعلى هذا يكون ذلك من فوائد هذا الحديث، وهو جعل الاسم المصدَّر بأب، أو أم اسمًا عَلَمًا من غير أن يكون له اسم غيره، لكن قد يؤخذ من قول أنس في رواية رِبْعىّ بن عبد الله يكنى: أبا عمير؛ أن له اسْمًا غير كنيته. وأخرج أبو داود، والنسائىّ، وابن ماجه، من رواية هُشيم عن أبي عمير بن أنس بن مالك، عن عمومة له حديثًا، وأبو عمير هذا ذكروا أنه كان أكبر ولد أنس، وذكروا أن اسمه عبد الله، كما جزم به الحاكم أبو أحمد وغيره، فلعلّ أنسًا سمّاه باسم أخيه لأمه، وكناه بكنيته، ويكون أبو طلحة سمّى ابنه الذي رزقه خَلَفًا من أبي عمير باسم أبي عمير، لكنه لم يكنه بكنيته، والله أعلم. قال الحافظ: ثم وجدت في كتاب النساء لأبي الفرج ابن الجوزيّ قد أخرج في أواخره في ترجمة أم سليم، من طريق محمد بن عمرو، وهو أبو سهل البصريّ، وفيه مقال، عن حفص بن عبيد الله، عن أنس، أن أبا طلحة زوج أم سليم، كان له منها ابن يقال له: حفص غلامٌ قد ترعرع، فأصبح أبو
مصادر المؤلف (١٣)

١. «الفتح» ١٤/ ٧٩، كتاب «الأدب» رقم (٦٢٠٣).

٢. «الفتح» ١٤/ ٧٩، كتاب «الأدب» رقم (٦٢٠٣).

٣. «الفتح» ١٤/ ٨٠، كتاب «الأدب» رقم (٦٢٠٣).

٤. وأما قول بعضهم: إنه تصغير عُمْر بضم، فسكون إشارة إلى قلّة عمر الصبيّ، وأنه لا يعيش كثيرًا، فقد ردّ القاري في شرح «جمع الوسائل شرح الشمائل» ٢/ ٢٥: بأنه ليس من دأبه -ﷺ-، وأخلاقه الحسنة أن يقول لولد صغير عبارة مشعرة بأن عمره قصير.

٥. وأما ما كتبه الشيخ الهرريّ من أن اسمه كبشة، فقد تبع فيه القاري في«شرح الشمائل»، والظاهر أنه تصحّف عليه من قول بعضهم:«اسمه كنيته»، والله تعالى أعلم.

٦. وأما قول بعضهم كما في شرح الأبىّ: إن هذا الكلام - أي: قوله:«وكان يلعب به»يرجع إلى النبىّ -ﷺ-؛ أي: يمازحه، ويسمى المزاح لعبًا، كما جاء في الآخر:«يمازحه»، فقول باطل لا شك في بطلانه، بل الصواب أن الكلام للصبىّ؛ أي: كان ذلك الصبىّ يلعب بذلك النغير، ومما يُبطل الأول رواية البخاريّ:«نغير كان يلعب به»، فتنبّه، والله تعالى وليّ التوفيق.

٧. «المصباح المنير»٢/ ٦١٥.

٨. «تاج العروس» ١/ ٣٥٥٨.

٩. «الفتح» ١٤/ ٨١، كتاب «الأدب» رقم (٦٢٠٣).

١٠. هو الإمام الفقيه أبو العبّاس أحمد بن أبي أحمد الطبريّ الشافعىّ المعروف بابن القاصّ، المتوفّى سنة (٣٣٥ هـ) -﵀-.

١١. حديث حسن أخرجه الطبرانىّ.

١٢. «المفهم» ٥/ ٤٧٢.

١٣. «المفهم» ٥/ ٤٧١ - ٤٧٢.