HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢١٦٧

حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ (يَعْنِي الدَّرَاوَرْدِيَّ) عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أن رسول الله ﷺ قال «لا تبدؤوا الْيَهُودَ وَلَا النَّصَارَى بِالسَّلَامِ. فَإِذَا لَقِيتُمْ أَحَدَهُمْ في طريق فاضطروه إلى أضيقه».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج4 ص210
ج ٤ ص ١٧٠٧

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٤ مصادر سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, مسند أحمد, موطأ مالك
التحرير في شرح صحيح مسلم · قوام السنة الأصبهاني · ج١ ص٥١٦
[٦٣٦] وقوله: (فَاضطَرُّوهُ إِلَى أَضيَقِهِ) : فيه اضطرار الكافر إلى مضايق الطرق، وفي ذلك استهانة بهم واستذلال. * * *
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣٥ ص٥٣٨
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله - ﵄ - هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤/ ٥٦٤٨] (٢١٦٦)، و(البخاريّ) في «الأدب المفرد» (١١١٠)، و(أحمد) في «مسنده» (٣/ ٣٨٣)، و(البيهقيّ) في «شُعب الإيمان» (٦/ ٥١٢)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٥٦٤٩] (٢١٦٧) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ- يَعْنِي: الدَّرَاوَرْدِيَّ- عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «لَا تَبْدَءُوا الْيَهُودَ، وَلَا النَّصَارَى بِالسَّلَامِ، فَإِذَا لَقِيتُمْ أَحَدَهُمْ فِي طَرِيقٍ، فَاضْطَرُّوهُ إِلَى أَضْيَقِهِ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: وكلّهم تقدّموا قريبًا. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - ﵁ - (أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «لَا) ناهية، ولذا جُزم بها قوله: (تَبْدَءُوا الْيَهُودَ، وَلَا النَّصَارَى) وفي بعض النُّسخ:»والنصارى«بحذف»لا«، (بِالسَّلَامِ) قال القرطبي ﵀: إنما نَهَى عن ذلك؛ لأن الابتداء بالسلام إكرام، والكافر ليس أهلًا لذلك، فالذي يناسبهم الإعراض عنهم، وتَرْك الالتفات إليهم؛ تصغيرًا لهم، وتحقيرًا لشأنهم، حتى كأنهم غير موجودين . (فَإِذَا لَقِيتُمْ أَحَدَهُمْ فِي طَرِيقٍ، فَاضْطَرُّوهُ أِلَى أَضْيَقِهِ») يقال: ضَرَّه إلى كذا، وأضطرّه: بمعثى ألجأه إليه، وليس له منه بُدّ . والمعنى: أَلْجِئُوه إلى أضيق الطريق، بحيث لو كان في الطريق جدار يلتصق بالجدار، وإلا فيأمره لِيَعْدِل عن وسط الطريق إلى أحد طرفيه، قاله القاري . وقال القرطبيّ ﵀: أي: لا تتنَحَّوْا لهم عن الطريق الضيق؛ إكرامًا لهم، واحترامًا، وعلى هذا فتكون هذه الجملة مناسبة للجملة الأُولى في المعنى والعطف، وليس معنى ذلك أنا إذا لَقِيناهم في طريق واسع أنَّا نُلجئهم إلى حَرْفِه حتى نضيِّق عليهم؛ لأنَّ ذلك أَذًى مِنّا لهم من غير سبب، وقد نُهينا عن أذاهم. انتهى . وقال النوويّ ﵀: قال أصحابنا: لا يُترَك للذميّ صدر الطريق، بل يُضْطَرّ إلى أضيقه إذا كان المسلمون يَطْرُقون، فإن خلت الطريق عن الزحمة فلا حرج، قالوا: وليكن التضييق بحيث لا يقع في وَهْدة، ولا يَصْدِمه جدار، ونحوه، والله أعلم. انتهى . وقال الطيبيّ: قال بعض أصحابنا: يُكره ابتداؤهم بالسلام، ولا يحرم، وهذا ضعيفٌ؛ لأن النهي للتحريم، فالصواب تحريم ابتدائهم، وحَكَى القاضي عياض عن جماعة أنه يجوز ابتداؤهم للضرورة والحاجة، وهو قول علقمة والنخعيّ، وقال الأوزاعيّ: إن سلّمت فقد سلّم الصالحون، وإن تركت فقد ترك الصالحون . قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى مخالفة قول الأوزاعيّ هذا لهذا الحديث الصحيح، فلا ينبغي الإصغاء إليه، وأما الصالحون الذين سلّموا، فيُعتذر عنهم بعدم وصول الخبر إليهم، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث : (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤/ ٥٦٤٩ و٥٦٥٠، (٢١٦٧)، و(البخاريّ) في «الأدب المفرد» (١١١ و١١٠٣)، و(أبو داود) في «الأدب» (٥٢٠٥)، و(الترمذيّ) في «السير» (١٦٠٢) وفي «الاستئذان» (٢٧٠٠)، و(النسائيّ) في «عمل اليوم والليلة» (١/ ٢١٢)، و(عبد الرزّاق) في «مصنّفه» (١٩٤٥٧)، و(الطيالسيّ) في «مسنده» (٢٤٢٤)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٢٦٣ و٢٦٦ و٣٤٦ و٤٤٤ و٤٥٩ و٥٢٥)، و(الطحاويّ) في «شرح معاني الآثار» (٤/ ٣٤١)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٥٠٠ و٥٠١٩)، و(أبو نعيم) في «الحلية» (٧/ ١٤٠ و١٤٢)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٩/ ٢٠٣) و«شُعَب الإيمان» (٦/ ٤٦١)، و(البغويّ) في «شرح السُّنَّة» (٣٣١٠)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان تحريم ابتداء المسلم لليهوديّ والنصراني بالسلام؛ لأن ذلك أصل النهي، وحَمْله على الكراهة خلاف أصله، وعليه حَمَله الأقل، وإلى التحريم ذهب الجمهور من السلف والخلف، وسيأتي تحقيقه في المسألة التالية -إن شاء الله تعالى-. ٢ - (ومنها): أن مفهوم قوله: «لا تبدءوا» أنه لا يُنْهَى عن الجواب عليهم إن سلَّموا، ويدلّ له عموم قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء: ٨٦] وأحاديث: «إذا سَلَّم عليكم أهل الكتاب فقولوا: وعليكم»، وفي رواية: «إن اليهود إذا سلّموا عليكم يقول أحدهم: السام عليكم، فقولوا: وعليك» وفي رواية: «قل: وعليك»، أخرجها مسلم. ٣ - (ومنها): بيان الأمر بإلجائهم إلى مضايق الطرُق؛ إذا اشتركوا هم والمسلمون في الطريق، فيكون واسعه للمسلمين، فإن خلت الطريق عن المسلمين فلا حرج عليهم. قال الصنعانيّ ﵀: وأما ما يفعله اليهود في هذه الأزمنة مِنْ تعمّد جعل المسلم على يسارهم إذا لاقاهم في الطريق، فشيء ابتدعوه، لم يُرْوَ فيه شيء، وكأنهم يريدون التفاؤل بأنهم من أصحاب اليمين، فينبغي مَنْعهم مما يتعمّدونه من ذلك؛ لشدة محافظتهم عليه، ومضادّة المسلم. انتهى ، والله تعالى أعلم. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في ابتداء الكفّار بالسلام: ذهب الجمهور من السلف والخلف إلى تحريم ابتدائهم به، وذهب طائفة منهم ابن عباس إلى جواز الابتداء لهم بالسلام، وهو وجه لبعض الشافعية، إلا أنه قال المازريّ: إنه يقال: السلام عليك بالأفراد، ولا يقال: السلام عليكم. واحتُجّ لهم بعموم قوله تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: ٨٣] وأحاديث الأمر بإفشاء السلام. والجواب أن هذه العمومات مخصوصة بحديث الباب. وهذا إذا كان الذميّ منفردًا، وأما إذا كان معه مسلم جاز الابتداء بالسلام، ينوي به المسلم؛ لأنه قد ثبت أنه - ﷺ - سَلَّم على مجلس فيه أخلاط من المشركين والمسلمين، قاله الصنعانيّ ﵀ . وقال الإمام أبو عمر بن عبد البرّ ﵀: وأما ابتداء أهل الذمة بالسلام، فقد اختَلَف فيه السلف ومَنْ بعدهم، فكرهت طائفة أن يُبتدأ أحد منهم بالسلام؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - المذكور في الباب، وقال أحمد بن حنبل: المصير إلى هذا الحديث أَولى مما خالفه. وذكر أبو بكر بن أبي شيبة، عن إسماعيل بن عياش، عن محمد بن زياد الألهانيّ، وشَرَحبيل بن مسلم، عن أبي أمامة الباهليّ - ﵁ - أنه كان لا يمرّ بمسلم، ولا يهوديّ، ولا نصرانيّ إلا بدأه بالسلام، ورُوي عن ابن مسعود، وأبي الدرداء، وفَضَالة بن عُبيد أنهم كانوا يبدأون أهل الذمة بالسلام، وعن ابن مسعود أنه كتب إلى رجل من أهل الكتاب: السلام عليك، وعنه أيضًا أنه قال: لو قال لي فرعون خيرًا لرددت عليه مثله، وروى الوليد بن مسلم، عن عروة بن رُويم قال: رأيت أبا أمامة الباهلي يسلّم على كل من لقي من مسلم، وذميّ، ويقول: هي تحية لأهل ملتنا، وأمان لأهل ذمتنا، واسم من أسماء الله، نُفْشيه بيننا، وقيل لمحمد بن كعب القرظيّ: إن عمر بن عبد العزيز سئل عن ابتداء أهل الذمة، فقال: نَرُدّ عليهم، ولا نبدأهم، فقال: أما أنا فلا أرى بأسًا أن نبدأهم بالسلام، قيل له: لم؟ قال: لقول الله ﷿: ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٨٩)﴾ [الزخرف: ٨٩] ومذهب مالك في ذلك كمذهب عمر بن عبد العزيز، وأجاز ذلك ابن وهب. قال ابن عبد البرّ: وقد يَحْتَمِل عندي حديث سهيل أن يكون معنى قوله: «لا تبدؤوهم»؟ أي: ليس عليكم أن تبدؤهم كما تصنعون بالمسلمين، وإذا حُمِل على هذا ارتفع الاختلاف. قال الجامع عفا الله عنه: هذا الاحتمال الذي ذكره ابن عبد البرّ ﵀ بعيد عن ظاهر الحديث، فالحقّ أن النهي محمول على التحريم، كما هو مذهب الجمهور، فتبصّر بالإنصاف، والله تعالى أعلم. ثم أخرج بسنده عن سهيل بن أبي صالح قال: خرجت مع أبي إلى الشام، قال: فجعلوا يمرُّون بصوامع فيها نصارى، فيسلِّمون عليهم، فقال أبي: لا تبدؤوهم بالسلام، فإن أبا هريرة حدّثنا عن رسول الله - ﷺ - قال: «لا تبدؤوهم بالسلام، وإذ لقيتموهم في طريق فاضطروهم إلى أضيق الطريق». ثم أخرج بسنده عن مَرْثَد بن عبد الله اليزني، عن أبي عبد الرحمن الجهنيّ قال: سمعت النبيّ - ﷺ - يقول: «إني راكب غدًا إلى يهود، فلا تبدؤوهم بالسلام، فإذا سلَّموا عليكم فقولوا: وعليكم». قال ابن عبد البرّ: فهذا الوجه المعمول به في السلام على أهل الذمة، والرد عليهم، ولا أعلم في ذلك خلافًا، والله المستعان. قال: وقد رَوَى سفيان بن عيينة عن زَمْعَة بن صالح قال: سمعت ابن طاوس يقول: إذا سلَّم عليك اليهوديّ، أو النصرانيّ فقل: عَلاك السلامُ؛ أي: ارتفع عنك السلام، قال ابن عبد البرّ: هذا لا وجه له، مع ما ثبت عن النبيّ - ﷺ -، ولو جاز مخالفة الحديث إلى الرأي في مثل هذا لاتسع في ذلك القول، وكثرت المعاني. قال: ومثل قول ابن طاوس في هذا الباب قول من قال: يردّ على أهل الكتاب: عليك السلام بكسر السين؛ يعني: الحجارة، وهذا غاية في ضعف المعنى، ولم يُبَحْ لنا أن نَشتمهم ابتداءً وحسبنا أن نردّ عليهم بمثل ما يقولون في قول: وعليك، مع امتثال السُّنَّة التي فيها النجاة لمن تبعها، وبالله التوفيق. انتهى كلام ابن عبد البرّ ﵀ . قال الجامع عفا الله عنه: قد أجاد ابن عبد البرّ ﵀ في هذا البحث، وأفاد، وخلاصته أن الحقّ هو ما ثبت عنه - ﷺ -، وهو أن لا نبدأ الكفّار بالسلام، وإن سلّموا علينا، رَدَدْنا عليهم بقولنا: وعليكم، ولا نزيد عليه، وأما القول: علاك السلام، وكذا عليك السِّلام بالكسر فمخالفة للسنّة الصحيحة الصريحه، فلا يُلتفت إليه، فإن النجاة كلَّ النجاة في اتباع السنّة، والهلاك في تركها، قال الله ﷿: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١] وقال: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨] وقال: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ الآية [النور: ٥٤] وقال: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا (٣٦)﴾ [الأحزاب: ٣٦] اللهم أرنا الحقّ حقًّا، وارزقنا أتّباعه، وأرنا الباطل باطلًا، وأرزقنا اجتنابه، آمين. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في السلام على من اقترف ذنبًا: قال الإمام البخاريّ ﵀ في «صحيحه»: «باب من لم يُسَلِّم على من اقتَرَفَ ذنبًا، ومن لم يُرَدّ سلامه حتى تتبيّن توبته، وإلى متى تتبيّن توبة العاصي؟». قال في «الفتح»: أما الحُكم الأول فأشار إلى الخلاف فيه، وقد ذهب الجمهور إلى أنه لا يُسَلَّم على الفاسق، ولا المبتاع، قال النوويّ: فإن اضطَرَّ إلى السلام، بأن خاف ترتب مفسدة في دين، أو دنيا إن لم يسلِّم سَلَّمَ، وكذا قال ابن العربيّ، وزاد: وينوي أن السلام اسم من أسماء الله تعالى، فكأنه قال: الله رقيبٌ عليكم. وقال المهلَّب: تركُ السلام على أهل المعاصي سُنَة ماضية، وبه قال كثير من أهل العلم في أهل البدع، وخالف في ذلك جماعة. وقال ابن وهب: يجوز ابتداء السلام على كل أحد، ولو كان كافرًا، واحتَجَّ بقوله تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: ٨٣]. وتُعُقِّب بأن الدليل أعمّ من الدعوى، وألحق بعض الحنفية بأهل المعاصي من يتعاطى خوارم المروءة، ككثرة المزاح، واللهو، وفُحْش القول، والجلوس في الأسواق لرؤية من يَمُرّ من النساء، ونحو ذلك. وحَكَى ابن رُشْد قال: قال مالك: لا يسلّم على أهل الأهواء، قال ابن دقيق العيد: ويكون ذلك على سبيل التأديب لهم، والتبرّي منهم. وأما الحُكم الثاني فاختُلِف فيه أيضًا، فقيل: يُستبرأ حاله سنةً، وقيل: ستة أشهر، وقيل: خمسين يومًا، كما في قصة كعب، وقيل: ليس لذلك حدّ محدود، بل المدار على وجود القرائن الدالة على صدق مُدّعاه في توبته، ولكن لا يكفي ذلك في ساعة، ولا يوم، وَيختلف ذلك باختلاف الجناية، والجاني. وقد اعتَرَض الداوديّ على من حدَّه بخمسين ليلةً أخذًا من قصة كعب، فقال: لم يحدّه النبيّ - ﷺ - بخمسين، وإنما أخَّر كلامهم إلى أن أَذِن الله فيه؛ يعني: فتكون واقعة حال لا عموم فيها. وقال النوويّ: وأما المبتدع، ومن اقترف ذنبًا عظيمًا، ولم يَتُب منه، فلا يُسَلَّم عليهم، ولا يُرَدّ ﵈، كما قال جماعة من أهل العلم، واحتَجَّ البخاريّ لذلك بقصة كعب بن مالك - ﵁ - انتهى. قال الحافظ: والتقييد بمن لم يتب جيّد، لكن في الاستدلال لذلك بقصة كعب نظرٌ، فينه نَدِم على ما صدر منه، وتاب، ولكن أُخّر الكلام معه حتى قَبِل الله توبته، وقضيّته أن لا يُكَلَّم حتى تُقبل توبته. ويمكن الجواب بأن الاطلاع على القبول في قصة كعب كان ممكنًا، وأما بعده فيكفي ظهور علامة الندم، والإقلاع، وأمارة صدق ذلك. انتهى ما في «الفتح» . قال الجامع عفا الله عنه: التي يترجّح عندي من هذه الأقوال أنه لا يسلّم على الفاسق، والمبتدع، ولا يردّ سلامهما إلى أن يتوبا، ولا سيّما إذا كان ذلك يدعوهما إلى التوبة، وليس لذلك حدّ محدود، بل المدار على وجود القرائن الدالة على صدق توبته، لكن هذا إذا لم يترتب عليه ضرر، أما إذا كانا ممن يُخشى بطشه، وحصول الضرر لمن ترك ذلك فيسلّم عليهما؛ للضرورة، والله تعالى أعلم. (المسألة السادسة): في اختلاف أهل العلم في السلام على أهل مجلس، فيه أخلاط من المسلمين، وغيرهم: قال النوويّ ﵀: السُّنَّة إذا مَرّ بمجلس فيه مسلم وكافر أن يسلّم بلفظ التعميم، ويقصد به المسلمَ، قال ابن العربيّ ﵀: ومثله إذا مَرّ بمجلس يجمع أهل السُّنَّة والبدعة، وبمجلس فيه عدول وظَلمة، وبمجلس فيه محب ومبغض. واستَدَلّ النوويّ على ذلك بحديث أسامة بن زيد: «أن النبيّ - ﷺ - ركب حمارًا … الحديث، وفيه:»حتى مرّ في مجلس فيه أخلاط من المسلمين، والمشركين … إلى أن قال: فسلّم عليهم النبيّ - ﷺ - … «الحديث، متّفقٌ عليه. قال في«الفتح»: وهو مفرعّ على منع ابتداء الكافر بالسلام، وقد ورد النهي عنه صريحًا في حديث أبي هريرة المذكور في الباب:«لا تبدءوا اليهود والنصارى بالسلام … »الحديث، وبحديث أبي بَصْرة -بفتح الموحدة، وسكون المهملة- الغفاريّ - ﵁ - عند البخاريّ في«الأدب المفرد»، والنسائيّ:«أن النبيّ - ﷺ - قال: إني راكب غدًا إلى اليهود، فلا تبدءوهم بالسلام». وقالت طائفة: يجوز ابتداؤهم بالسلام، فأخرج الطبريّ من طريق ابن عيينة قال: يجوز ابتداء الكافر بالسلام، لقوله تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [الممتحنة: ٨] وقول إبراهيم لأبيه: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكَ﴾ [مريم: ٤٧] وأخرج ابن أبي شيبة من طريق عون بن عبد الله، عن محمد بن كعب، أنه سأل عمر بن عبد العزيز عن ابتداء أهل الذمة بالسلام، فقال: نَرُدّ عليهم، ولا نبدؤهم، قال عون: فقلت له: فكيف تقول أنت؟ قال: ما أرى بأسًا أن نبدؤهم، قلت: لم؟ قال: لقوله تعالى: ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ﴾ [الزخرف: ٨٩]، وقال البيهقيّ -بعد أن ساق حديث أبي أمامة: أنه كان يسلّم على كل من لقيه، فسئل عن ذلك، فقال: إن الله جعل السلام تحيةً لأمتنا، وأمانًا لأهل ذمتنا-: هذا رأي أبي أمامة، وحديث أبي هريرة في النهي عن ابتدائهم أَولى. قال الجامع عفا الله عنه: لقد أجاد البيهقيّ ﵀ في هذا التعقّب، فما صحّ عن نبيّنا - ﷺ - هو الحقّ، والحقّ أحَقّ أن يتبّع من رأي أبي أمامة وغيره من الناس، والله تعالى أعلم. وأجاب عياض عن الآية، وكذا عن قول إبراهيم ﵇ لأبيه بأن القصد بذلك المتاركة والمباعدة، وليس القصد فيهما التحية. وقد صَرّح بعض السلف بأن قوله تعالى: ﴿وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٨٩)﴾ [الزخرف: ٨٩] نُسخت بآية القتال. وقال الطبريّ: لا مخالفة بين حديث أسامة في سلام النبيّ - ﷺ - على الكفار، حيث كانوا مع المسلمين، وبين حديث أبي هريرة - ﵁ - في النهي عن السلام على الكفار؛ لأن حديث أبي هريرة عامّ، وحديث أسامة خاصّ، فيختصّ من حديث أبي هريرة ما إذا كان الابتداء لغير سبب، ولا حاجة، من حقّ صحبة، أو مجاورة، أو مكافأة، أو نحو ذلك، والمراد: منعُ ابتدائهم بالسلام المشروع، فأما لو سلّم عليهم بلفظ يقتضي خروجهم عنه، كأن يقول: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فهو جائز، كما كتب النبيّ - ﷺ - إلى هرقل وغيره: «سلام على من اتبع الهدى». وأخرج عبد الرزاق عن معمر، عن قتادة قال: «السلام على أهل الكتاب إذا دخلت عليهم بيوتهم: السلام على من اتبع الهدى». وأخرج ابن أبي شيبة، عن محمد بن سيرين مثله، ومن طريق أبي مالك: «إذا سلَّمت على المشركين، فقل: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فيحسبون أنك سلّمت عليهم، وقد صرفت السلام عنهم». انتهى ما في «الفتح»، وهو بحثّ مفيدٌ، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٥٦٥٠] (…) (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدثنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثنَا شُعْبَةُ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ (ح) وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدثنَا جَرِيرٌ، كُلُّهُمْ عَنْ سُهَيْلٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَفِي حَدِيثِ وَكِيعٍ: «إِذَا لَقِيتُمُ الْيَهُودَ»، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ قَالَ: فِي أَهْلِ الْكِتَابِ، فَي حَدِيثِ جَرِيرٍ: «إِذَا لَقِيتُمُوهُمْ»، وَلَمْ يُسَمِّ أَحَدًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ). رجال هذه الأسانيد: عشرة: ومعظمهم ذُكر في الباب، وباقيهم تقدّم قريبًا، و«سفيان» هو: الثوريّ، و«جرير» هو: ابن عبد الحميد. [تنبيه]: رواية شعبة، عن سهيل بن أبي صالح ساقها ابن حبّان ﵀ في «صحيحه»، فقال: (٥٠١) - أخبرنا محمد بن يعقوب الخطيب بالأهواز، قال: حدّثنا عبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث، قال: حدّثنا أبي، قال: حدّثنا شعبة، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا تبدؤوا أهل الكتاب بالسلام، وإذا رأيتموهم في طريق، فاضطروهم إلى أضيقه». انتهى . ورواية سفيان الثوريّ عن سُهيل ساقها أحمد ﵀ في «مسنده» مقرونًا بأبي نُعيم، فقال: (٩٧٢٤) - حدّثنا وكيعٌ، وأبو نعيم -وهو الفضل بن دُكين- قالا: ثنا سفيان، عن سُهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا لقيتم اليهود في الطريق، فاضطرّوهم إلى أضيقها، ولا تبدؤوهم بالسلام»، قال أبو نعيم: «المشركين بالطريق». انتهى . ورواية جرير بن عبد الحميد عن سُهيل ساقها البيهقيّ ﵀ في «الكبرى»، فقال: (١٨٥٠٦) - وأخبرنا أبو طاهر الزياديّ، أنبا حاجب بن أحمد الطوسيّ، ثنا عبد الرحيم بن منيب، ثنا جرير بن عبد الحميد، أنبا سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا لقيتموهم فلا تبدؤوهم بالسلام، واضطرّوهم إلى أضيق الطريق»، قال هذا للنصارى في النعت، ونحن نراه للمشركين. انتهى . ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾
مصادر المؤلف (١٤)

١. وفي نسخة: «لا تبدءوا اليهود والنصارى».

٢. «المفهم» ٥/ ٤٩٠.

٣. «المصباح المنير» ٢/ ٣٦٠.

٤. «عون المعبود» ١٤/ ٧٥.

٥. «المفهم» ٥/ ٤٩٠.

٦. «شرح النوويّ» ١٤/ ١٤٧.

٧. «الكاشف عن حقائق السنن» ١٠/ ٣٠٣٩.

٨. «سبل السلام» ٤/ ٦٨.

٩. «سبل السلام» ٤/ ٦٧ - ٦٨.

١٠. «التمهيد لابن عبد البرّ» ١٧/ ٩٤.

١١. «الفتح» ١٤/ ١٨٨ - ١٨٩، كتاب «الاستئذان» رقم (٦٢٥٥).

١٢. «صحيح ابن حبان» ٢/ ٢٥٣.

١٣. «مسند الإمام أحمد بن حنبل» ٢/ ٤٤٤.

١٤. «سنن البيهقيّ الكبرى» ٩/ ٢٠٣.