HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢١٧٠

حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كُرَيْبٍ. قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ. قالت: خَرَجَتْ سَوْدَةُ، بَعْدَ مَا ضُرِبَ عَلَيْهَا الْحِجَابُ، لِتَقْضِيَ حَاجَتَهَا. وَكَانَتِ امْرَأَةً جَسِيمَةً تَفْرَعُ النِّسَاءَ جِسْمًا. لَا تَخْفَى عَلَى مَنْ يَعْرِفُهَا. فَرَآهَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ. فَقَالَ: يَا سَوْدَةُ! وَاللَّهِ! مَا تَخْفَيْنَ عَلَيْنَا. فَانْظُرِي كَيْفَ تَخْرُجِينَ. قَالَتْ: فَانْكَفَأَتْ رَاجِعَةً وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي بيتي. وإنه ليتعشى وفي يده عرق. فدخلت فقالت: يا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي خَرَجْتُ. فَقَالَ لي عمر: كَذَا وَكَذَا. قَالَتْ فَأُوحِيَ إِلَيْهِ. ثُمَّ رُفِعَ عَنْهُ وَإِنَّ الْعَرْقَ فِي يَدِهِ مَا وَضَعَهُ. فَقَالَ «إِنَّهُ قَدْ أُذِنَ لَكُنَّ أَنْ تَخْرُجْنَ لِحَاجَتِكُنَّ». وَفِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ: يَفْرَعُ النِّسَاءَ جِسْمُهَا. زَادَ أَبُو بَكْرٍ فِي حَدِيثِهِ: فَقَالَ هشام: يعني البراز.
ج ٤ ص ١٧٠٩

سلسلة الرواة

التحرير في شرح صحيح مسلم · قوام السنة الأصبهاني · ج١ ص٥١٦
[٦٣٨] وقوله: (وَكَانَتِ امْرَأَةً جَسِيمَةً تَفَرَعُ النِّسَاءَ جِسمًا) ، تَفْرَع: أي تعلو، […] (فَانكَفَت رَاجِعَةً) : تُرِك همزه، ومعناه: انصرفت، وقوله: (أُذِنَ لَكُنَّ أَنْ تَخرُجْنَ لِحَاجَتِكُنَّ)؛ يعني: الخروج إلى البَرَاز لقضاء الحاجة، وقوله: (فَإِنَّ العَرقَ فِي يَدِهِ)؛ يعني: العَظمَ الذي عليه اللَّحم، و(المَنَاصِع): موضع، و(صَعِيدٌ أَفْيح)؛ أي: مكان واسع. ومن باب نهي الرجل أن يبيت عند المرأة غير المحرم
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣٥ ص٥٦٠
رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ) الهمدانيّ الكوفيّ، تقدّم قريبًا. والباقون ذُكروا في الباب، وقبل باب. [تنبيه]: رواية أبي بكر بن أبي شيبة، عن عبد الله بن إدريس ساقها ابن أبي شيبة - ﵀ - في «مصنّفه»، فقال: (٣٢٢٢٥) - حدّثنا عبد الله بن إدريس، عن الحسن بن عبيد الله، عن إبراهيم بن سويد، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن عبد الله، قال: قال لي رسول الله - ﷺ -: «إذنك عليّ أن تَرْفَع الحجابَ، وأن تسمع سِوَادي، حتى أنهاك». انتهى . ورواية محمد بن عبد الله بن نُمير، عن عبد الله بن إدريس، ساقها يعقوب بن سفيان في «المعرفة»، مقرونًا بعثمان بن أبي شيبة، فقال: حدّثني ابن نمير، وعثمان بن أبي شيبة، قال: حدّثنا ابن إدريس، عن الحسن بن عبيد الله، عن إبراهيم بن سُويد، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن عبد الله، قال: قال لي رسول الله - ﷺ -: «إذنك عليّ أن يُرْفَع الحجاب، وأن تسمع سِوَادي، حتى أنهاك». انتهى . وأما رواية إسحاق بن راهويه، عن عبد الله بن إدريس، فلم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٧) - (بَابُ إِبَاحَةِ الْخُرُوجِ لِلنِّسَاءِ لِقَضَاءِ حَاجَةِ الإِنْسَانِ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٥٦٥٦] (٢١٧٠) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيه، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: خَرَجَتْ سَوْدَةُ بَعْدَمَا ضُرِبَ عَلَيْهَا الْحِجَابُ؛ لِتَقْضِيَ حَاجَتَهَا ، وَكَانَتِ امْرَأَةً جَسِيمَةً، تَفْرَعُ النِّسَاءَ جِسْمًا، لَا تَخْفَى عَلَى مَنْ يَعْرِفُهَا، فَرَآهَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّاب، فَقَالَ: يَا سَوْدَةُ وَاللهِ مَا تَخْفَيْنَ عَلَيْنَا، فَانْظُرِي كَيْفَ تَخْرُجِينَ؟، قَالَتْ : فَانْكَفَأَتْ رَاجِعَةً، وَرَسُولُ اللهِ - ﷺ - فِي بَيْتِي، وَإِنَّهُ لَيَتَعَشَّى، وَفي يَدِهِ عَرْقٌ، فَدَخَلَتْ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي خَرَجْتُ، فَقَالَ لِي عُمَرُ: كَذَا وَكَذَا، قَالَتْ: فَأُوُحِيَ اِلَيْه، ثمَّ رُفِعَ عَنْهُ، وَإِنَّ الْعَرْقَ فِي يَدِه، مَا وَضَعَهُ، فَقَالَ: «إِنَّهُ قَدْ أُذِنَ لَكُنَّ أَنْ تَخْرُجْنَ لِحَاجَتِكُنَّ»، وَفي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ: يَفْرَعُ النِّسَاء جِسْمُهَا، زَادَ أَبُو بَكْرٍ فِي حَدِيثِهِ: فَقَالَ هِشَامٌ: يَعْني: الْبَرَازَ). رجال هذا الإسناد: ستّة: ١ - (أَبُو أُسَامَةَ) حمّاد بن أسامة الكوفيّ، تقدّم قريبًا ٢ - (هِشَامُ) بن عروة المدنيّ، تقدّم أيضًا قريبًا. والباقون ذُكروا في الأبواب الثلاثة الماضية. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف - ﵀ -، وله فيه شيخان قرن بينهما؛ لاتّحاد كيفيّة التحمّل والأداء، وفيه أبو كريب أحد التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة، وفيه رواية الراوي عن أبيه، عن خالته، ورواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه عروة أحد الفقهاء السبعة، وفيه عائشة - ﵂ - من المكثرين السبعة. شرح الحديث: (عَنْ عَائِشَةَ) أم المؤمنين - ﵂ - أنها (قَالَتْ: خَرَجَتْ سَوْدَةُ) بنت زمعة بن قيس بن عبد شمس القرشيّة العامريّة، أمّ المؤمنين تزوّجها النبيّ - ﷺ - بعد خديجة - ﵂ -، وهو بمكة، وماتت سنة (٥٥) على الصحيح، تقدّمت ترجمتها في «الرضاع» ١٤/ ٣٦٢٩، وليس لها عند مسلم رواية، بل ذكرٌ فقط. وقال في «العمدة»: سودة بنت زمعة - بالزاي، والميم، والعين المهملة المفتوحتين، وقال ابن الأثير: وأكثر ما سمعنا من أهل الحديث، والفقهاء، يقولونه بسكون الميم - ابن قيس القريشية العامرية، أسلمت قَدِيمًا، وبايعت، وكانت تحت ابن عمّ لها، يقال له: السكران بن عمرو، أسلم معها، وهاجرا جميعًا إلى الحبشة، فلما قَدِما مكة مات زوجها، فتزوجها النبيّ - ﷺ -، ودخل بها بمكة، وذلك بعد موت خديجة قبل عائشة - ﵂ -، وهاجرت إلى المدينة، فلما كَبُرت أراد طلاقها، فسألته أن لا يفعل، وجعلت يومها لعائشة، فأمسكها. رُوي لها خمسة أحاديث، أخرج البخاري منها حديثين، تُوُفّيت آخر خلافة عمر - ﵁ -، وقيل: زمن معاوية - ﵁ -، سنة أربع وخمسين بالمدينة. انتهى . (بَعْدَمَا ضُرِبَ عَلَيْهَا الْحِجَابُ) ببناء الفعل للمفعول؛ أي: بعدما فرض الله تعالى عليها أن تحتجب عن الرجال الأجانب. وقال الكرمانيّ: [فإن قلت]: وقع هنا أنه كان بعدما ضرب الحجاب، وتقدم في «الوضوء» أنه كان قبل الحجاب، فالجواب: لعله وقع مرتين. قال الحافظ: بل المراد بالحجاب الأول غير الحجاب الثاني. والحاصل أن عمر - ﵁ - وقع في قلبه نَفْرة من اطّلاع الأجانب على الحريم النبويّ حتى صَرَّح بقوله له - ﷺ -: «احْجُب نساءك»، وأَكَّد ذلك إلى أن نزلت آية الحجاب، ثم قَصَد بعد ذلك أن لا يُبدين أشخاصهنّ أصلًا، ولو كنّ مستترات، فبالغ في ذلك، فمنع منه، وأَذِن لهنّ في الخروج لحاجتهن؛ دفعًا للمشقّة، ورفعًا للحرج. انتهى . وقوله: (لِتَقْضِيَ حَاجَتَهَا) متعلّق بـ«خرجت»، وفي بعض النسخ: «لبعض حاجتها»؛ أي: لقضاء بعض حاجتها من البول والغائط، (وَكَانَت) سودة - ﵂ - (امْرَأَةً جَسِيمَةً)؛ أي: عظيمة الجسم، (تَفْرَعُ النِّسَاءَ جِسْمًا) بفتح التاء، وإسكان الفاء، وفتح الراء، وبالعين المهملة؛ أي: تطولهنّ، فتكون أطول منهنّ، والفارع المرتفع العالي . وقال القرطبيّ - ﵀ -: قوله: «تفرع النساء جسمًا»: يقال: فَرَعت القومَ؛ أي: طُلْتهم. (لَا تَخْفَى عَلَى مَنْ يَعْرِفُهَا)؛ تعني: أنها لا تخفى إذا كانت مُتَلَفّفةً في ثيابها، ومِرْطها في ظلمة الليل، ونحوها، على من قد سبقت له معرفة طولها؛ لانفرادها بذلك . (فَرَآهَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ) - ﵁ - (فَقَالَ: يَا سَوْدَةُ وَاللهِ مَا تَخْفَيْنَ عَلَيْنَا) وفي الرواية الآتية: «فناداها عمر: ألا قد عرفناك يا سودة»، قال القرطبيّ - ﵀ -: قول عمر - ﵀ -: «ألا قد عرفناك يا سودة» يقتضي أن ذلك كان من عمر - ﵀ - قبل نزول الحجاب؛ لأنَّ عائشة - ﵂ - قالت فيه: «حِرْصًا على أن ينزل الحجاب، فأُنزل الحجاب»، والرواية الأخرى تقتضي أن ذلك كان بعد نزول الحجاب، فالأَولى أن يُحْمَل ذلك على أن عمر تكرر منه هذا القول قبل نزول الحجاب، وبعده، ولا بُعد فيه. ويُحْتَمَل أن يُحْمَل ذلك على أن بعض الرواة ضمَّ قصّةً إلى أخرى، والأول أَولى؛ فإنَّ عمر بن الخطاب - ﵁ - وقع في قلبه نَفْرة عظيمة، وأَنَفَةٌ شديدة، من أن يَطَّلِع أحدٌ على حُرَم النبيّ ﷺ - حتى صَرّح له بقوله: «احجُبْ نساءك؛ فإنَّهن يراهنّ البرّ والفاجر»، ولم يزل ذلك عنده إلى أن نزل الحجاب، وبعده، فإنه كان قَصْده أن لا يخرجن أصلًا، فأفرط في ذلك، فإنَّه مفضٍ إلى الحرج والمشقة، والإضرار بهنّ، فإنَّهن محتاجات إلى الخروج، ولذلك قال النبيّ - ﷺ - لَمّا تأذَّت بذلك سودة: «قد أُذِن لَكُنَّ أن تخرجن لحاجتكنَّ». انتهى . (فَانْظُرِي كيْفَ تَخْرُجِينَ؟، قَالَتْ: فَانْكَفَأَتْ) ووقع في بعض النسخ: «قال: فانكفأت»، والظاهر أنه غلط، والله تعالى أعلم؛ أي: قالت عائشة: فانكفأت؛ أي: انقلبت، وانصرفت سودة - ﵂ - من الطريق الذي سلكته إلى رسول الله - ﷺ -. قال القرطبيّ - ﵀ -: و«انكفأت» صوابه بالهمزة بمعنى انقلبت، وانصرفت، يقال: كفأتُ القومَ كَفئًا: إذا أرادوا وجهًا، فصرفتهم إلى غيره، فانكفؤوا، ووقع لبعض الرواة: «انكفت» - بحذف الهمزة والألف - وكأنه لمّا سُهِّلت الهمزة بقيت الألف ساكنة، فلقيها ساكن فحُذفت. انتهى . وقولها: (رَاجِعَةً) حال مؤكّدة لـ«انكفأت»، كما قال في «الخلاصة»: وَعَامِلُ الْحَالِ بِهَا قَدْ أُكِّدَا … فِي نَحْوِ«لَا تَعْثُ فِي الأَرْضِ مُفْسِدًا» وقولها: (وَرَسُولُ اللهِ - ﷺ - فِي بَيْتِي) جملة حاليّة، وكذا الجملتان بعده، (وَإِنَّهُ لَيَتَعَشَّى)؛ أي: يأكل العَشاء - بالفتح والمدّ - وهو الطعام الذي يؤكل وقت العِشاء - بالكسر -، وهو أول ظلام الليل، (وَفِي يَدِهِ) - ﷺ - (عَرْقٌ) - بفتح العين المهملة، وسكون الراء -: العظم الذي عليه اللحم، يقال: اعتَرَقتُ العظم، وتعرَّقته: إذا تتبعت ما عليه من اللحم، والْعُرَاق بالضمّ: العظم الذي لا لحم عليه، أفاده القرطبيّ . وقال النوويّ - ﵀ -: الْعَرْق - بفتح العين، وإسكان الراء - هو العظم الذي عليه بقية لحم، هذا هو المشهور، وقيل: هو القذرة من اللحم، وهو شاذّ ضعيف. انتهى . وقال ابن الأثير - ﵀ -: الْعَرْقُ بالسكون: العظم إذا أُخِذ عنه مُعظم اللحم، وجمعه عُراقٌ - أي: بالضمّ - وهو جمع نادرٌ، يقال: عَرَقتُ العظمَ، واعترقته، وتعرّقته: إذا أخذت عنه اللحم بأسنانك. انتهى . وقال المجد - ﵀ -: العَرْقُ بالفتح، والعُراقُ، كغُراب: العَظْم الذي أُكِل لحْمُه ، جَمْعه كتاب، وغُراب، وهو نادرٌ، أو العَرْق: العظْم بلَحْمِه، فإذا أُكِل لحمُه فعُراقٌ، أو كِلاهُما لكِلَيْهِما. انتهى . (فَدَخَلَتْ)؛ أي: في بيت عائشة - ﵂ - (فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي خَرَجْتُ)؛ أي: لقضاء حاجتي، (فَقَالَ لِي عُمَرُ) - ﵁ - (كَذَا وَكَذَا) كناية عن قوله: «ألا عرفناك يا سودة»، وقوله: «يا سودة والله ما تخفين علينا، فانظري كيف تخرجين؟» (قَالَتْ) عائشة - ﵂ - (فَأُوحِيَ إِلَيْهِ) بالبناء للمفعول؛ أي: أوحى، الله - ﷿ - إليه - ﷺ - (ثُمَّ رُفِعَ عَنْهُ) بالبناء للمفعول أيضًا؛ أي: أقلع عن النبيّ - ﷺ - الوحي، (وَإِنَّ الْعَرْقَ فِي يَدِهِ) جملة حاليّة، وقولها: (مَما وَضَعَهُ) مؤكّد للجملة قبله؛ أي: ما وضع - ﷺ - الْعَرْق من يده على الأرض، (فَقَالَ) - ﷺ - مبيّنًا لِمَا أوحي إليه في ذلك الوقت («إِنَّهُ) الضمير للشأن، وهو ضمير تفسّره الجملة بعده، كما قال ابن مالك - ﵀ - في»الكافية الشافية«: وَمُضْمَرُ الشَّأْنِ ضَمِيرٌ فُسِّرَا … بِجُمْلَةٍ كَـ«إِنَّهُ زَيْدٌ قَرَا»لِلابْتِدَا أَو نَاسِخَاتِهِ انْتَسَبْ … إِذَا أَتَى مُرْتَفِعًا أَوِ انْتَصَبْ وَإِنْ يَكُنْ مَرْفُوعَ فِعْلٍ اسْتَتَرْ … حَتْمًا وَإِلا فَتَرَاهُ قَدْ ظَهَرْ فِي بَابِ«إِنَّ»اسْمًا كَثِيرًا يُحْذَفُ … كَـ«إِنَّ مَنْ يَجْهَلْ يَسَلْ مَنْ يَعْرِفُ»وَجَائِزٌ تَأْنِيثُهُ مَتْلُوَّ مَا … أُنِّثَ أَو شَبِيهَ أُنْثَى أَفْهَمَا وَقَبْلَ مَا أُنِّثَ عُمْدَةً فَشَا … تَأْنِيثُهُ كَـ«إِنَّهَا هِنْدٌ رَشَا»(قَدْ أُذِنَ) بالبناء للمفعول؛ أي: أذِنَ الله تعالى، وقال في«العمدة»: قوله:«قد أُذِن»مقول القول، وهو على صيغة المجهول، والآذن هو الله تعالى، وبُني الفعل على صيغة المجهول؛ للعلم بالفاعل . (لَكُنَّ) أيتها الأزواج الطاهرات (أَنْ تَخْرُجْنَ) بفتح أوله، وضمّ ثالثه؛ أي: في خروجكنّ من بيوتكنّ، قال في«العمدة»: أصله: بأن تخرجن، و«أن»مصدرية، والتقدير: بخروجكنّ . (لِحَاجَتِكُنَّ«)؛ أي: لقضاء حاجتكنّ من البول، ونحوه، وهو متعلّق بـ»تخرُجن«. وقال الداوديّ: قوله: «قد أُذِن أن تخرجن» دالّ على أنه لم يُرَدْ هنا حجاب البيوت، فإن ذلك وجه آخر، إنما أراد أن يستترن بالجلباب، حتى لا يبدوَ منهنّ إلا العين. انتهى . وقال في «الفتح» ما خلاصته: خرجت سودة - ﵂ - بعدما ضُرِب الحجاب لحاجتها، وكانت عظيمة الجسم، فرآها عمر بن الخطاب - ﵁ -، فقال: يا سودة، أما والله ما تخفين علينا، فانظري كيف تخرجين، فرجعت، فشكت ذلك للنبيّ - ﷺ -، وهو يتعشى، فأوحي إليه، فقال: «إنه قد أُذِن لكنّ أن تخرجن لحاجتكن» . وقوله: (وَفِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ)؛ يعني: ابن أبي شيبة شيخه الأول، فالجارّ والمجرور خبر مقدّم، وقوله: (يَفْرَعُ النِّسَاءَ جِسْمُهَا) مبتدأ مؤخّر محكيّ؛ لِقَصْد لفظه: يعني: أن أبا بكر قال: «يفرع النساء جسمها»، بدل قول أبي كريب: «تفرع النساء جسمًا»، فعلى رواية أبي بكر: «النساءَ» منصوب على المفعوليّة، و«جسمُها» مرفوع على الفاعليّة، وعلى رواية أبي كريب: «النساءُ» مرفوع على الفاعليّة، و«جسمًا» منصوب على التمييز، والله تعالى أعلم. وقوله: (زَادَ أَبُو بَكْرٍ)؛ أي: ابن أبي شيبة (فِي حَدِيثِهِ)؛ أي: في روايته لهذا الحديث، فقوله: «زاد أبو بكر» فعل وفاعل، وقوله: (فَقَالَ هِشَامٌ: يَعْني: الْبَرَازَ) منصوب على أنه مفعول به لـ«زاد»، محكيّ؛ لقصد لفظه، وقوله: «يَعْنِي: الْبَرَازَ» مقول «قال هشام»، وفاعل «يعني» ضمير النبيّ - ﷺ -؛ يعني: النبيّ - ﷺ - بقوله: «لحاجتكنّ» البرازَ، وانتصاب «البراز» على المفعوليّة لـ«يعني». ووقع عند البخاريّ بلفظ: «تعني: البراز»، فالضمير يرجع إلى عائشة - ﵂ -؛ أي: تقصد عائشة - ﵂ - بقولها: «تخرجن في حاجتكن» البرازَ؛ أي: الخروج إلى البراز، وانتصابه بقوله: «تعني»، أفاده في «العمدة» . وقال النوويّ - ﵀ -: قوله: «قال هشام: يعني: البراز» هكذا المشهور في الرواية: «البراز» بفتح الباء، وهو الموضع الواسع البارز الظاهر، وقد قال الجوهريّ في «الصحاح»: الْبِرَاز بكسر الباء: هو الغائط، وهذا أشبه أن يكون هو المرادَ هنا، فإن مراد هشام بقوله: «يعني: البراز» تفسير قوله - ﷺ -: «قد أُذِن لكنّ أن تخرجن لحاجتكنّ»، فقال هشام: المراد بحاجتهنّ: الخروج للغائط، لا لكل حاجة، من أمور المعايش، والله أعلم. انتهى . وقال في «الفتح»: «الْبَرَازُ»: الفضاء، وهو بفتح الموحّدة، ثم راء، وبعد الألف زاي، قال الخطابيّ: أكثر الرواة يقولونه بكسر أوله، وهو غلط؛ لأن الْبِراز بالكسر هو المبارزة في الحرب. وتعقّبه الحافظ، فقال: بل هو موجّهٌ؛ لأنه يطلق بالكسر على نفس الخارج، قال الجوهريّ: الْبِراز المبارزة في الحرب، والْبِزار أيضًا كناية عن ثُقْل الغذاء، وهو الغائط، والْبَرَاز بالفتح: الفضاء الواسع. انتهى. فعلى هذا مَن فَتح أراد الفضاء، فإن أطلقه على الخارج، فهو من إطلاق اسم المحلّ على الحالّ، كما تقدم مثله في الغائط، ومَنْ كَسَر أراد نفس الخارج. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: وللعينيّ تعقّب لتوجيه الحافظ المذكور على عادته المستمرّة، وليس مصيبًا في ذلك، فتأمله بالإمعان، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة - ﵂ - هذا متّفق عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٧/ ٥٦٥٦ و٥٦٥٧ و٥٦٥٨ و٥٦٥٩ و٥٦٦٠] (٢١٧٠)، و(البخاريّ) في «الوضوء» (١٤٦ و١٤٧) و«التفسير» (٤٧٩٥) و«النكاح» (٥٢٣٧) و«الاستئذان» (٦٢٤٠)، و(أحمد) في «مسنده» (٦/ ٥٦ و٢٢٣ و٢٧١)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (٥٤)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (١٤٠٩)، و(الطبريّ) في «تفسيره» (٢٢/ ٤٠)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (٧/ ٤٠٨)، و(ابن سعد) في «الطبقات» (٨/ ١٧٥)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٧/ ٨٨)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): أن فيه بيانَ منقبة ظاهرة لعمر بن الخطاب - ﵁ -، حيث أنزل الله بموافقته آية الحجاب، وقال في «العمدة»: هذه إحدى ما وافق فيها ربه. والثانية: في قوله: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ﴾ [التحريم: ٥]. والثالثة: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥]، وهذه الثلاثة ثابتة في «الصحيحين». والرابعة: موافقته في أسرى بدر. والخامسة: في منع الصلاة على المنافقين، وهاتان في «صحيح مسلم». والسادسة: موافقته في آية المؤمنين، روى أبو داود الطيالسيّ في «مسنده» من حديث عليّ بن زيد: «وافقت ربي لمّا نزلت: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَر﴾، فقلت أنا: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤]، فنزلت. والسابعة: موافقته في تحريم الخمر. والثامنة: موافقته في قوله: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ﴾ الآية [البقرة: ٩٨]، ذكره الزمخشريّ. وقال ابن العربيّ: قدَّمنا في الكتاب الكبير أنه وافق ربه تعالى تلاوةً ومعنًى في أحد عشر موضعًا، وفي«جامع الترمذيّ»مصحّحًا عن ابن عمر - ﵄ -:«ما نزل بالناس أمر قطّ، فقالوا فيه، وقال عمر فيه، إلا نزل فيه القرآن على نحو ما قال عمر - ﵁ - ». انتهى . وقد نَظَم السيوطيّ - ﵀ - موافقات عمر - ﵁ - المذكورة، وزاد عليها في كتابه«الحاوي للفتاوي»، فقال: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَصَلَّى اللهُ … عَلَى نَبِيِّهِ الَّذِي اجْتَبَاهُ يَا سَائِلِي وَالْحَادِثَاتُ تَكْثُرُ … عَنِ الَّذِي وَافَقَ فِيهِ عُمَرُ وَمَا يُرَى أُنْزِلَ فِي الْكِتَابِ … مَوَافِقًا لِرَأْيِهِ الصَّوَابِ خُذْ مَا سَأَلْتَ عَنْهُ فِي أَبْيَاتِ … مَنْظُومَةٍ تَأْمَنُ مِنْ شَتَاتِ فَفِي الْمَقَامِ وَأُسَارَى بَدْرِ … وَآيَتَيْ تَظَاهُرٍ وَسَتْرِ وَذِكْرِ جِبْرِيلَ لأَهْلِ الْغَدْرِ … وَآيَتَيْنِ أُنْزِلَا فِي الْخَمْرِ وَآيَةُ الصِّيَامِ فِي حِلِّ الرَّفَثْ … وَقَوْلُهُ نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ يُبَثّ وَقَوْلُهُ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى … يُحَكِّمُوكَ إِذْ بِقَتْلٍ أَفْتَى وَآيَةٌ فِيهَا لِبَدْرٍ أَوْبَهْ … وَلَا تُصَلِّ آيَةٌ فِي التَّوْبَهْ وَآيَةٌ فِي النُّورِ هَذَا بُهْتَانْ … وَآيَةٌ فِيهَا بِهَا الاسْتِئْذَانْ وَفِي خِتَامِ آيَةٍ فِي الْمُؤْمِنِينْ … تَبَارَكَ اللهِ بحِفْظِ الْمُتَّقِينْ وَثُلَّةٌ مِنْ فِي صِفَاتِ السَّابِقِينْ … وَفِي سَوَاءٌ آيَةُ الْمُنَافِقِينْ وَعَدَّدُوا مِنْ ذَاكَ نَسْخَ الرَّسْمِ … لآيَةٍ قَدْ نَزَلَتْ فِي الرَّجْمِ وَقَالَ قَوْلًا هُوَ فِي التَّوْرَاةِ قَدْ … نَبَّهَهُ كَعْبٌ عَلَيْهِ فَسَجَدْ وَفِي الأَذَانِ الذِّكْرُ لِلرَّسُولِ … رَأَيْتُهُ فِي خَبَرٍ مَوْصُولِ وَفِي الْقُرْآنِ جَاءَ بِالتَّحْقِيقِ … مَا هُوَ مِنْ مُوَافِقِ الصِّدِّيقِ كَقَوْلِهِ هُوَ الَّذِي يُصَلِّي … عَلَيْكُمُ أَعْظِمْ بِهِ مِنْ فَضْلِ وَقَوْلُهُ فِي آخِرِ الْمُجَادِلَهْ … لَا تَجِدُ الآيَةَ فِي الْمُخَالَلَهْ نَظَمْتُ مَا رَأَيْتُهُ مَنْقُولَا … وَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى مَا أَوْلَى ٢ - (ومنها): تنبيه أهل الفضل، والكبار على مصالحهم، ونصيحتهم، وتكرار ذلك عليهم. ٣ - (ومنها): بيان جواز تَعَرُّق العظم، وهو أكل ما عليه من اللحم. ٤ - (ومنها): جواز خروج المرأة من بيت زوجها لقضاء حاجة الإنسان إلى الموضع المعتاد لذلك بغير استئذان الزوج؛ لأنه مما أَذِن فيه الشرع، قاله النوويّ - ﵀ -، وقال ابن بطال - ﵀ -: فقه هذا الحديث أنه يجوز للنساء التصرف فيما لهنّ الحاجة إليه، من مصالحهن. وقال في «العمدة»: فيه جواز تصرّف النساء فيما لهنّ حاجة إليه؛ لأن الله تعالى أَذِن لهنّ في الخروج إلى البراز بعد نزول الحجاب، فلما جاز ذلك لهنّ جاز لهنّ الخروج إلى غيره من مصالحهنّ، وقد أمر النبيّ - ﷺ - بالخروج إلى العيدين، ولكن في هذا الزمان لمّا كَثُر الفساد، ولا يؤمَن عليهنّ من الفتنة، ينبغي أن يُمْنَعن من الخروج إلا عند الضرورة الشرعية. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: القول بمنعهنّ على الإطلاق محلّ نظر، بل يُمنعن عن التطيّب، والتجمّل عند إرادة الخروج، فإن أبين يُمنعن، وإلا فلا، فإن النبيّ - ﷺ - أمر بخروجهنّ في العيد ونحوه، وقال أيضًا: «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله»، رواه مسلم، وقال: «إذا شهدت إحداكن العشاء، فلا تمس طيبًا»، رواه مسلم أيضًا، وقال: «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله، وليخرجن تَفِلات»، صححه ابن خزيمة، وابن حبّان. والحاصل: أنهنّ إذا التزمن شروط الخروج فلا مَنْع، وإلا مُنعن، والله تعالى أعلم. ٥ - (ومنها): أن فيه مراجعةَ الأدنى للأعلى فيما يتبيَّن له أنه الصواب، وحيث لا يقصد التعنت، فإنه قد يتبيّن فيها من العلم ما خَفِي، فإن نزول الآية، وهي قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الآية [الأحزاب: ٥٩] كان سببه المراجعة. ٦ - (ومنها): جواز كلام الرجال مع النساء في الطرق للضرورة، قاله في «الفتح». قال الجامع عفا الله عنه: قوله: «للضرورة» محلّ نظر، بل يجوز للحاجة، ولو لم تكن هناك ضرورة، فليس لاشتراط الضرورة دليلٌ، بل مهما دعت الحاجة إلى الكلام معهنّ جاز، كما دلّ عليه حديث الباب، وغيره، فتبصّر، والله تعالى أعلم. ٧ - (ومنها): جواز الإغلاظ في القول والعتاب إذا كان قَصْده الخير، فإن عمر - ﵁ - قال: «قد عرفناك يا سودة»، وكان شديد الغيرة، لا سيما في أمهات المؤمنين ﵅. ٨ - (ومنها): جواز وعظ الرجل أمه في الدِّين؛ لأن سودة من أمهات المؤمنين. قال الجامع عفا الله عنه: هكذا قيّد في «الفتح» بكون المرأة أمّه في الدين، ولا دليل على هذا التقييد، بل كلّ امرأة أخلّت بواجب الشريعة يجب أن يعظها رجل، سواء كانت مَحْرَمه، أم غير محرمه، فإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليس مقيّدًا بالمحارم فقط، فتنبّه، والله تعالى أعلم. ٩ - (ومنها): بيان أن النبيّ - ﷺ - كان ينتظر الوحي في الأمور الشرعية؛ لأنه لم يأمرهنّ بالحجاب، مع وضوح الحاجة إليه، حتى نزلت الآية، وكذا في إذنه لهنّ بالخروج . ١٠ - (ومنها): أن في قول عمر - ﵁ -: «احجُب نساءك» التزام النصيحة لله - ﷿ -، ولرسوله - ﷺ -، وكان - ﷺ - يعلم أن حَجْبهن خير من غيره، لكنه كان يترقب الوحي، بدليل أنه لم يوافق عمر حين أشار عليه بذلك، وكان ذلك من عادة العرب. ١١ - (ومنها): ما قال القاضي عياض - ﵀ -: فَرْضُ الحجاب مما اختُصَّ به أزواجُ النبيّ - ﷺ -، فهو فرض عليهنّ بلا خلاف في الوجه، والكفين، فلا يجوز لهنّ كشف ذلك لشهادة، ولا غيرها، ولا يجوز لهنّ إظهار شخوصهنّ، وإن كنّ مستترات، إلا ما دعت إليه الضرورة من الخروج للبراز، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الأحزاب: ٥٣]، وقد كنّ إذا قعدن للناس جلسن من وراء الحجاب، وإذا خرجن حَجَبن، وسَترن أشخاصهنّ، ثم استدَلّ بما في «الموطأ» أن حفصة لمّا توفي عمر - ﵄ - سترها النساء عن أن يُرَى شخصها، وأن زينب بنت جحش جُعلت لها القبة فوق نعشها ليستر شخصها. انتهى . وتعقّب في «الفتح» ما قاله عياض، فقال: وليس فيما ذكره دليل على ما ادّعاه من فرض ذلك عليهنّ، وقد كنّ بعد النبيّ - ﷺ - يحججن، ويطفن، وكان الصحابة، ومن بعدهم يسمعون منهنّ الحديث، وهنّ مستترات الأبدان، لا الأشخاص، وقد تقدم في الحج قول ابن جريج لعطاء لَمّا ذَكَر له طواف عائشة - ﵂ -: أقبل الحجاب، أو بعده؟، قال: قد أدركت ذلك بعد الحجاب. انتهى . وقال في «موضع آخر بعد ذكر كلام عياض المذكور ما نصّه: وفي دعوى وجوب حجب أشخاصهن مطلقًا إلا في حاجة البراز نظرٌ، فقد كُنّ يسافرن للحج وغيره، ومن ضرورة ذلك الطواف، والسعي، وفيه بروز أشخاصهنّ، بل وفي حالة الركوب، والنزول لا بُدّ من ذلك، وكذا في خروجهن إلى المسجد النبويّ وغيره. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: حاصل ما تعقّب به الحافظ كلام عياض أن ما استَدَلّ به على فرضيّة حجب أشخاصهن ليس فيه دلالة، بل غاية ما يدلّ عليه أنهنّ أخذن بالأحوط في بعض الأحيان، بدليل أنهنّ كن يحججن، فيرى الرجال أشخاصهنّ في الطواف، والسعي، وغير ذلك، وهنّ متحجّبات، ولم يُنكر ذلك أحد، فدلّ على أنّ حجب أشخاصهنّ ليس فرضًا عليهنّ، فتنبّه، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: حَكَى ابن التين عن الداوديّ أن قصة سودة هذه لا تدخل في باب الحجاب، وإنما هي في لباس الجلابيب. وتُعُقِّب بأن إرخاء الجلابيب هو الستر عن نظر الغير إليهن، وهو من جملة الحجاب، قاله في «الفتح». ١٢ - (ومنها): ما قال القرطبيّ - ﵀ -: لا خلاف في أن المرأة إن تخرج لِمَا تحتاج إليه من أمورها الجائزة، لكنها تخرج على حال بَذَاذة، وتستُّر، وخشونة ملبس بحيث يَسْتُر حجم أعضائها، غير متطيِّبة، ولا متبرِّجة بزينة، ولا رافعة صوتها، وعلى الجملة فالحال التي يجوز لها الخروج عليها أن تكون بحيث لا تمتد لها عين، ولا تميل إليها نفس، وما أعدم هذه الحالة في هذه الأزمان؛ لِمَا يُظْهِرن من الزينة والطيب، والتبختر في الملابس الحسان، فمسامحتهن في الخروج على تلك الحال فُسوقٌ وعصيان. فإنَّ قيل: فما الزينة التي استثنى الله تعالى لهن إظهارها في قوله: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١]. فالجواب: أن ذلك اختُلِف فيه، فقال ابن مسعود - ﵁ -: إنها الثياب؛ يعني بذلك: ثيابها التي تستتر بها، ولا تُسْتَر هي؛ كالملحفة، والخمار، وعلى هذا فلا يجوز أن تُبدي مما تحت ذلك شيئًا؛ لا كحلًا، ولا خاتمًا، ولا غير ذلك مما يُستَر بالملحفة والخمار. وقال ابن عباس، والمسور: هي الكحل، والخاتم؛ يعني: أن العين لا يمكن سترها، وقد تتناول بيد الخاتم ما تحتاج إليه. وقال الحسن، ومالك: هو الوجه، والكفان؛ لأنَّهما ليسا بعورة؛ إذ يجب كشفهما عليها في الإحرام عبادةً، ويظهر ذلك منها في الصلاة، وهما اللذان يبدوان منها عادة. قال: والكلُّ مجوجون على أن المستثنى هو ما يتعذر ستره إما عادةً، وإما عبادةً، وقد دلَّ على أن المطلوب من المرأة ستر ما تتمكن من ستره قول الله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور: ٣١]، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾ [الأحزاب: ٥٩]. فالخمار ما يُلَفّ على الرأس، والحلق، والجلبابُ اختُلِف فيه، فقال الحسن: هو الرداء، وقال ابن جبير: الْمِقْنَعة، وقال قطرب: هو كل ثوب تلبسه المرأة فوق ثيابها، وقال أبو عبيدة: أدنى الجلباب أن تغطي وجهًا إلا قَدْر ما تُبْصر منه. قال: إذا قلنا: إن الوجه والكفين ليسا بعورة، وإنه يجوز لها كشفهما؛ فإذا كانت بارعة الجمال، وجب عليها أن تستر وجهها؛ لئلا تفتن الناس، فتكون من المميلات اللاتي قد تُوُعِّدن بالنار، وللكلام في هذا متسع، وفيما ذكرناه مَقْنَعٌ. انتهى كلام القرطبيّ - ﵀ - ، وهو بحث مفيد، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٥٦٥٧] (…) - (وَحَدَّثنَاهُ أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثنَا هِشَامٌ، بِهَذَا الْإِسْنَاد، وَقَالَ: وَكَانَتِ امْرَأَةً يَفْرَعُ النَّاسَ جِسْمُهَا، قَالَ: وَإِنَّهُ لَيَتَعَشَّى). رجال هذا الإسناد: ثلاثة: ١ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: عبد الله بن نُمير الْهَمْدانيّ الكوفيّ، تقدّم قريبًا. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (يَفْرَعُ النَّاسَ جِسْمُهَا) وفي بعض النسخ: «يَفرَع النساءَ جسمها». وقوله: (قَالَ: وَإِنَّهُ لَيَتَعَشُّى) هذا مما لم يظهر لي وجهه، فإنه بهذا اللفظ في رواية أبي أسامة الماضية التي أحال عليها هذه الرواية، فما الفرق بينهما؟ اللهمّ إلا أن يكون مما وقع فيه التصحيف، فليُحزر، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: رواية عبد الله بن نُمير عن هشام بن عروة ساقها الإمام أحمد - ﵀ - في «مسنده»، مع بعض اختلاف، فقال: (٢٤٣٣٥) - حدثنا ابن نُمير، ثنا هشام، عن أبيه، عن عائشة، قالت: خرجت سودة لحاجتها ليلًا بعدما ضُرِب عليهنّ الحجاب، قالت: وكانت امرأة تَفْرَع النساءَ جسيمةً، فوافقها عمر، فأبصرها، فناداها: يا سودة إنك والله ما تخفين علينا إذا خرجت، فانظري كيف تخرجين؟ أو كيف تصنعين؛ فانكأفت، فرجعت إلى رسول الله - ﷺ -، وإنه ليتعشى، فأخبرته بما قال لها عمر، وإن في يده لَعَرْقًا، فأُوحي إليه، ثم رُفِع عنه، وإن العرق لفي يده، فقال: «لقد أُذِن لكنّ أن تخرجن لحاجتكنّ». انتهى. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٥٦٥٨] (…) - (وَحَدَّثَنِيهِ سُويدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَلِي بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ هِشَامٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ). رجال هذا الإسناد: ثلاثة أيضًا: ١ - (سُويدُ بْنُ سَعِيدٍ) الحدثانيّ، أبو محمد، صدوقٌ إلا أنه عَمِي، فصار يتلقّن، من قُدماء [١٠] (ت ٢٤٠) وله مائة سنة (م ت) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٨٧. ٢ - (عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ) القرشيّ الكوفيّ، قاضي الموصل، تقدّم قريبًا. و«هشام» ذُكر قبله. [تنبيه]: رواية عليّ بن مسهر عن هشام بن عروة ساقها البخاريّ - ﵀ - في «صحيحه»، فقال: (٤٩٣٩) - حدّثنا فَرْوَة بن أبي الْمَغْراء، حدّثنا عليّ بن مُسْهر، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة قالت: خرجت سودة بنت زمعة ليلًا، فرآها عمر، فعرفها، فقال: إنك والله يا سودة ما تخفين علينا، فرجعت إلى النبيّ - ﷺ -، فذكرت ذلك له، وهو في حُجْرتي يتعشى، وإن في يده لَعَرْقًا، فأُنزِل عليه، فرُفِع عنه، وهو يقول: «قد أَذِن اللهُ لكنّ أن تخرجن لحوائجكنّ». انتهى . وبالسند المتصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٥٦٥٩] (....) - (حَدَّثنا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْث، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَدِّي، حَدَّثَنِي عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْر، عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ أَزْوَاجَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - كُنَّ يَخْرُجْنَ بِاللَّيْل، إِذَا تَبَرَّزْنَ إِلَى الْمَنَاصِع، وَهُوَ صَعِيدٌ أَفْيَحُ، وَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَقُولُ لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ -: احْجُبْ نِسَاءَكَ، فَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَفْعَلُ، فَخَرَجَتْ سَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ زَوْجُ النَّبِيِّ - ﷺ - لَيْلَةً مِنَ اللَّيَالِي عِشَاءً، وَكَانَتِ امْرَأَةً طَوِيلَةً، فَنَادَاهَا عُمَرُ: أَلَا قَدْ عَرَفْنَاكِ يَا سَوْدَةُ؛ حِرْصًا عَلَى أَنْ يُنْزِلَ الْحِجَابَ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَأَنْزَلَ اللهُ الْحِجَابَ) . رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ) الْفَهْميّ مولاهم، أبو عبد الله المصريّ، ثقةٌ [١١] (ت ٢٤٨) تقدم في «الإيمان» ٢٦/ ٢١١. ٢ - (أَبُوهُ) شعيب بن الليث بن سعد الْفَهْميّ مولاهم، أبو عبد الملك المصريّ، ثقةٌ فقيهٌ نبيلٌ، من كبار [١٠] (ت ١٩٩) (م د س) تقدم في «الإيمان» ٢٦/ ٢١١. ٣ - (جَدُّهُ) الليث بن سعد بن عبد الرحمن الْفَهميّ مولاهم، أبو الحارث المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ إمام مشهور [٧] (ت ١٧٥) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ٢ ص ٤١٢. ٤ - (عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ) الأمويّ مولاهم، أبو خالد الأيليّ، سكن المدينة، ثم الشام، ثم مصر، ثقةٌ ثبتٌ [٦] (ت ١٤٤) (ع) تقدم في «الإيمان» ٨/ ١٣٣. ٥ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ، تقدّم قبل بابين. والباقيان ذُكرا قبله. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سباعيّات المصنّف - ﵀ -، وهو مسلسل بالمدنيين من ابن شهاب، والباقون مصريّون، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وقال في «الفتح»: وفيه تابعيّان: ابن شهاب، وعروة، وقرينان: الليث، وعُقيل. انتهى، وفيه عائشة - ﵂ -، وقد سبق القول فيها. شرح الحديث: (عَنْ عَائِشَةَ) - ﵂ - (أَنَّ أَزْوَاجَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - كُنَّ يَخْرُجْنَ بِاللَّيْل، إِذَا تَبَرَّزْنَ)؛ أي: إذا خرجن إلى البراز للبول، والغائط، فأصله من برز بفتح عين الفعل: إذا خرج إلى البراز للغائط، وهو الفضاء الواسع، قاله في «العمدة» ، وقال النوويّ: معنى تبرّزن: أردن الخروج لقضاء الحاجة . (إِلَى الْمَنَاصِعِ) - بفتح الميم، وبالصاد المهملة المكسورة - وهو جمع مَنْصع، وهذه المناصع مواضع، قال الأزهريّ: أُراها مواضع خارج المدينة، وهو مقتضى قوله في الحديث: «وهو سعيد أفيح»؛ أي: أرض متسعةٌ، والأفيح بالفاء: المكان الواسع، قاله النوويّ . وقال في «الفتح»: قوله: «المناصع» بالنون، وكسر الصاد المهملة، بعدها عين مهملة: جمع مَنْصَع، بوزن مَقْعَد، وهي أماكن معروفة، من ناحية البقيع، قال الداوديّ: سُمِّيت بذلك لأن الإنسان يَنْصَع فيها؛ أي: يخلص، والظاهر أن التفسير مقول عائشة، والأفيح بالحاء المهملة: المتسع. انتهى. وقال في «العمدة»: قوله إلى المناصع جمع مَنْصَع: مَفْعَل، من النصوع، وهو الخلوص، والناصع: الخالص من كل شيء، يقال: نَصَع يَنْصَع نَصَاعة، ونُصُوعًا: ويقال: أبيض ناصعٌ، وأصفر ناصعٌ، قال الأصمعي: كل ثور خالص البياض، أو الصفرة، أو الحمرة فهو ناصع، وفي «العباب»: المناصع: المجالس فيما يقال، وقال أبو سعيد: المناصع المواضع التي يُتَخَلَّى فيها لبول أو لغائط، الواحد مَنْصَع، بفتح الصاد، وقال الأزهريّ: أُراها مواضعَ خارجَ المدينة، وقال ابن الجوزيّ: هي المواضع التي يُتخلَّى فيها للحاجة، وكان صعيدًا أفيح خارج المدينة، يقال له: المناصع. انتهى . (وَهُوَ)؛ أي: المناصع، (صَعِيدٌ أَفْيَحُ) الصعيد: وجه الأرض، وقد فسَّره في الحديث بقوله: «وهو صعيد أفيح»، والأفيح بالفاء، وبالحاء المهملة: الواسع، وقال الصغانيّ: بحر أفيح: بَيِّن الفيح؛ أي: واسعٌ، وبحر فيّاح أيضًا بالتشديد، وقال الأصمعيّ: إنه لجواد فيّاح، وفيّاضٌ بمعنى واحد، وكأنه سُمِّي بالمناصع؛ لخلوصه عن الأبنية، والأماكن، أفاده في «العمدة» . وقوله أيضًا: (وَهُوَ صَعِيدٌ أَفْيَحُ) تفسير لقوله: «إلى المناصع»، والظاهر أنه من تفسير عائشة - ﵂ -، كما قال الحافظ، وقال العينيّ: ويَحْتَمِل أن يكون من عروة، أو ممن دونه من الرواة. انتهى. وما قاله الحافظ هو الأقرب، والله تعالى أعلم. وقال القرطبيّ - ﵀ -: قوله: «كن يخرجن بالليل يتبرَّزن إلى المناصع»: يتبرَّزن: يخرجن إلى البَرَاز - بفتح الباء - وهو الموضع الذي يُتبرَّز فيه؛ أي: يُظْهَر، والبروز: الظهور، ومنه: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً﴾ [الكهف: ٤٧]؛ أي: ظاهرة، مستوية، لا يحجبها شيء، كما قال تعالى: ﴿لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا (١٠٧)﴾ [طه: ١٠٧]. و«المناصع»: موضع خارج المدينة. وقوله: «وهو صعيد أفيح»؛ أي: أرض مستوية، متسعة، وذلك كناية عن خروجهن إلى الحدث؛ إذ لم يكن لهم كُنُف في البيوت، كانوا لا يتخذونها استقذارًا، فكانت النساء يخرجن بالليل إلى خارج البيوت، ويبعدن عنها إلى هذا الموضع، وقد نصَّت على هذا عائشة رمنها في حديث الإفك. انتهى . (وَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَقُولُ لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ -: احْجُبْ نِسَاءَكَ)؛ أي: امنعهنّ من الخروج من بيوتهنّ، بدليل أن عمر بعد نزول آية الحجاب قال لسودة ما قال، كما سبق في الحديث الماضي. ويَحْتَمِل أن يكون أراد أوّلًا الأمر بستر وجوههن، فلمّا وقع الأمر بوفق ما أراد أحبّ أيضًا أن يحجب أشخاصهنّ مبالغة في التستر، فلم يُجَب لأجل الضرورة، قال الحافظ: وهذا أظهر الاحتمالين. وقد كان عمر - ﵁ - يَعُدّ نزول آية الحجاب من موافقاته كما سيأتي بيانها قريبًا. وعلى هذا فقد كان لهنّ في التستر عند قضاء الحاجة حالات: أولها بالظلمة؛ لأنهن كنّ يخرجن بالليل دون النهار، كما قالت عائشة - ﵂ - في هذا الحديث: «كُنّ يخرجن بالليل»، وفي حديث عائشة - ﵂ - في قصة الإفك: «فخَرَجت معي أم مِسْطَح قِبَل المناصع، وهو مُتَبَرَّزنا، وكنا لا نخرج إلا ليلًا إلى ليل». انتهى. ثم نزل الحجاب، فتستّرن بالثياب، لكن كانت أشخاصهنّ ربما تتميز، ولهذا قال عمر لسودة في المرة الثانية، بعد نزول الحجاب: «أما والله ما تخفين علينا». ثم اتُّخِذت الكُنُفُ في البيوت، فتسترن بها، كما في حديث عائشة - ﵂ - في قصّة الإفك أيضًا، فإن فيها: «وذلك قبل أن تُتَّخَذ الكنفُ»، وكانت قصة الإفك قبل نزول آية الحجاب، قاله في «الفتح» . وقال القرطبيّ - ﵀ -: وقول عمر - ﵁ - لرسول الله - ﷺ -: «احجُبْ نساءك» مصلحة ظهرت لعمر - ﵁ -، فأشار بها، ولا يُظَنّ بالنبيّ - ﷺ - أن تلك المصلحة خَفِيت عليه، لكنَّه كان ينتظر الوحي في ذلك، ولذلك لم يوافق عمر - ﵁ - على ذلك حين أشار عليه به، لا سيما، وقد كانت عادة نساء العرب ألا يحتجبن؛ لكرم أخلاق رجالهم، وعفاف نسائهم غالبًا، ولذلك قال عنترة [من الكامل]: وَأَغُضُّ طَرْفِي مَا بَدَتْ لِيَ جَارَتي … حَتَّى يُوَارِيَ جَارَتِي مَأْوَاهَا فلمّا لم يكن هنالك ريبةٌ؛ تَرَكهم، ولم ينههم؛ استصحابًا للعادة، وكراهةً لابتداء أمرٍ، أو نهي؛ فإنَّه كان يحبُّ التخفيف عن أمته. ففيه من الفقه: الإشارة على الإمام بالرأي، وإعادة ذلك إن احتاج إليها، وجواز إشارة المفضول على الفاضل، وجواز إعراض المشار عليه، وتأخير الجواب إلى أن يتبيَّن له وجهٌ يرتضيه. انتهى . (فَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَفْعَلُ)؛ أي: ما طلب منه عمر - ﵁ - مِنْ حَجْب نسائه، (فَخَرَجَتْ سَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ) تقدّم أن الأكثرين على سكون الميم، ويجوز فتحها، وقولها: (زَوْجُ النَّبِيِّ - ﷺ -) بدل من «سودة»، (لَيْلَةً) منصوب على الظرفيّة لـ«خرجت»، (مِنَ اللَّيَالِي) متعلّق بصفة لـ«ليلةً»، (عِشَاءً) بكسر العين، والمدّ بدل من «ليلةً»، (وَكَانَتِ امْرَأَةً طَوِيلَةً) تقدّم في الرواية الماضية: «وكانت امرأة جسيمةً، تَفْرَعُ النساءَ جسمًا». (فَنَادَاهَما عُمَرُ: أَلَا) - ألا بفتح الهمزة، وتخفيف اللام -: حرف استفتاح، يُنَبَّه به على تحقق ما بعده، (قَدْ عَرَفْنَاكِ يَا سَوْدَةُ) منادى مبنيّ على الضم؛ لأنه مفرد علم، وقوله: (حِرْصًا) منصوب على أنه مفعول لأجله، والعامل فيه قوله: «فناداها». (عَلَى أَنْ يُنْزَلَ الْحِجَابَ) يَحْتَمِل بناء الفعل للفاعل، و«الحجاب» مرفوع على الفاعليّة، ويَحْتَمِل بناؤه للمفعول، و«الحجابُ» نائب فاعله، ووقع في النسخة المطبوعة مضبوطًا بالقلم: «يُنْزِلَ الحجابَ» بضم أول «ينزل»، وكسر ثالثه، من الإنزال، ونصب الحجاب على المفعوليّة، فيكون الفاعل ضمير الله - ﷿ -، وإن لم يَجْر له ذِكْر قبله؛ للعلم به، والضبطان الأولان أظهر، والله تعالى أعلم. (قَالَتْ عَائِشَةُ) - ﵂ - (فَأَنْزَلَ اللهُ - ﷿ - الْحِجَابَ) وفي بعض النسخ: «فأُنزل الحجابُ»، وفي رواية للمستملي عند البخاريّ: «آية الحجاب»، زاد أبو عوانة في «صحيحه» من طريق الزُّبيديّ، عن ابن شهاب: فأنزل الله الحجاب: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾ الآية [الأحزاب: ٥٣]. وقال في «الفتح»: وسيأتي في «تفسير الأحزاب» أن سبب نزولها قصة زينب بنت جحش لَمّا أَوْلَم عليها، وتأخر النفر الثلاثة في البيت، واستحيا النبيّ - ﷺ - أن يأمرهم بالخروج، فنزلت آية الحجاب. وسيأتي أيضًا حديث عمر: قلت: يا رسول الله إن نساءك يدخل عليهنّ البرّ والفاجر، فلو أمرتهنّ أن يحتجبن، فنزلت آية الحجاب. ورَوَى ابن جرير في «تفسيره» من طريق مجاهد، قال: بينا النبيّ - ﷺ - يأكل، ومعه بعض أصحابه، وعائشه تأكل معهم، إذ أصابت يدُ رجل منهم يدها، فكَرِه النبيّ - ﷺ - ذلك، فنزلت آية الحجاب. قال: وطريق الجمع بينها أن أسباب نزول الحجاب تعددت، وكانت قصة زينب آخرها؛ للنصّ على قصتها فيم الآية، والمراد بآية الحجاب في بعضها قوله تعالى: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٩]. انتهى . وقال في «الفتح» في موضع آخر: وقد وقع في رواية مجاهد، عن عائشة - ﵂ - لنزول آية الحجاب سبب آخر، أخرجه النسائيّ، بلفظ: «كنت آكل مع النبيّ - ﷺ - حَيْسًا في قَعْبٍ، فَمَرّ عمر، فدعاه، فأكل، فأصاب إصبعه إصبعي، فقال: حَسْ - أو: أَوَّه - لو أطاع فيكنّ ما رأتكنّ عين، فنزل الحجاب». قال: ويُمكن الجمع بأن ذلك وقع قبل قصّة زينب، فلِقُرْبه منها أَطلقت نزول الحجاب بهذا السبب، ولا مانع من تعدد الأسباب. وقد أخرج ابن مردويه، من حديث ابن عباس - ﵄ - قال: دخل رجل على النبيِّ - ﷺ -، فأطال الجلوس، فخرج النبيُّ - ﷺ - ثلاث مرّات ليخرج، فلم يفعل، فدخل عمر، فرأى الكراهية في وجهه، فقال للرجل: لعلك آذيت النبيّ - ﷺ -، فقال النبيُّ - ﷺ -: «لقد قمت ثلاثًا، لكي يتبعني، فلم يفعل»، فقال له عمر: يا رسول الله، لو اتخذت حجابًا، فإن نساءك لسن كسائر النساء، وذلك أطهر لقلوبهنّ، فنزلت آية الحجاب. انتهى . وقال القرطبيّ - ﵀ -: قولها: «فأُنزِل الحجابُ»؛ أي: آية الحجاب؛ وهي قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾، إلى قوله: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ الآية [الأحزاب: ٥٣]، كذلك رُوي عن أنس، وابن مسعود - ﵄ -. غير أن هذا يتوجَّه عليه إشكال، وهو أن حديث أنس، وابن مسعود يقتضي أن سبب نزولها هو أن النبيّ - ﷺ - حين أعرس بزينب اجتمع عنده رجال، فجلسوا في بيته، وزوجته مُوَلِّيَةٌ وجهها إلى الحائط، فأطالوا المجلس حتى ثقلوا عليه، فأنزل الله تعالى هذه الآية، وحديث عائشة - ﵂ - يقتضي أن الحجاب إنَّما نزل بسبب قول عمر - ﵁ -: «احجُب نساءك»، ويزول ذلك الإشكال بأن يقال: إن الآية نزلت عند مجموع السَّببين، فيكون عمر قد تقدَّم قوله: «احجُب نساءك»، وكرر ذلك عليه إلى أن اتَّفَقَت قصّة بناء زينب، فصدقت نسبة نزول الآية لكل واحد من ذينك السَّببين. انتهى . وقال في «العمدة: قال الكرمانيّ: الحجاب؛ أي: حكم الحجاب؛ يعني: حجاب النساء عن الرجال، فأنزل الله آية الحجاب، ويَحْتَمِل أن يراد بآية الحجاب الجنس، فيتناول الآيات الثلاث: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ الآية [الأحزاب: ٥٩]، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الأحزاب: ٥٣]، وقوله تعالى: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ الآية [النور: ٣١]، وأن يراد به العهد من واحدة من هذه الثلاث. قال العينيّ: رواية أبي عوانة المذكورة فسَّرت المراد من آية الحجاب صريحًا، كما ذكرنا. قال: وقال التيميّ: الحجاب هنا استتارهنّ بالثياب، حتى لا يُرَى منهنّ شيء عند خروجهن، وأما الحجاب الثاني فهو إرخاؤهنّ الحجاب بينهنّ وبين الناس. قال العينيّ: رواية أبي عوانة تخدش هذا الكلام على ما لا يخفى. [تنبيه]: ثم اعلم أن الحجاب كان في السنة الخامسة، في قول قتادة، وقال أبو عبيد: في الثالثة، وقال ابن إسحق: بعد أم سلمة، وعند ابن سعيد: في الرابعة، في ذي القعدة. انتهى ، والله تعالى أعلم. قال الجامع عفا الله عنه: هذا الحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى بيان مسائله في الحديث الماضي، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٥٦٦٠] (…) - (حَدَّثنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ). رجال هذا الإسناد: خمسة: وكلّهم تقدّموا قبل بابين، و«صالح» هو: ابن كيسان. [تنبيه]: رواية صالح بن كيسان عن ابن شهاب ساقها البخاريّ - ﵀ - في «صحيحه»، فقال: (٥٨٨٦) - حدّثنا إسحاق ، أخبرنا يعقوب بن إبراهيم، حدّثنا أبي، عن صالح، عن ابن شهاب، قال: أخبرني عروة بن الزبير، أن عائشة - ﵂ - زوج النبيّ - ﷺ - قالت: «كان عمر بن الخطاب يقول لرسول الله - ﷺ -: احجُب نساءك،
مصادر المؤلف (٤٥)

١. «مصنف ابن أبي شيبة» ٦/ ٣٨٣.

٢. «المعرفة والتاريخ» ٢/ ٣١١ - ٣١٢.

٣. وفي نسخة: «لبعض حاجتها».

٤. وفي نسخة: «قال».

٥. «عمدة القاري» ٢/ ٢٨٤.

٦. «الفتح» ١٠/ ٥١٣ - ٥١٤، كتاب «التفسير» رقم (٤٧٩٥).

٧. «شرح النوويّ» ١٤/ ١٥٠ - ١٥١.

٨. «شرح النوويّ» ١٤/ ١٥١.

٩. «المفهم» ٥/ ٤٩٥ - ٤٩٦.

١٠. «المفهم» ٥/ ٤٩٧.

١١. «المفهم» ٥/ ٤٩٧.

١٢. «شرح النوويّ» ١٤/ ١٥١.

١٣. «النهاية في غريب الحديث والأثر» ص ٦٠٨.

١٤. زاد الشارح: وقيل: أُخِذَ معظمُ اللحم، وبَقِي عليها لُحومٌ رَقيقة، طيّبة، فتُكْسَر، وتُطْبَخ، وتؤخَذُ إهالتُها من طُفاحَتِها، ويُؤكَل ما علَى العِظام منْ لحْم رقيق، وتتَمَشَّشُ العِظامُ، ولحمُها من أطيب اللُّحْمانِ عنْدهم. انتهى. «تاج العروس» ١/ ٦٤٧٦.

١٥. «القاموس المحيط» ص ٨٦٢.

١٦. «عمدة القاري» ٢/ ٢٨٥.

١٧. «عمدة القاري» ٢/ ٢٨٥.

١٨. «عمدة القاري» ٢/ ٢٨٥.

١٩. «الفتح» ١/ ٤٣٢، كتاب «الوضوء» رقم (١٤٧).

٢٠. «عمدة القاري» ٢/ ٢٨٥.

٢١. «شرح النوويّ» ١٤/ ١٥١.

٢٢. «عمدة القاري» ٢/ ٤٣٢ - ٤٣٣.

٢٣. «الحاوي للفتاوي» للسيوطيّ - ﵀ - ١/ ٣٧٧ - ٣٧٨.

٢٤. «عمدة القاري» ٢/ ٤٣٢ - ٤٣٣.

٢٥. «الفتح» ١/ ٤٣٢، كتاب «الوضوء» رقم (١٤٧).

٢٦. «إكمال المعلم» ٧/ ٥٧.

٢٧. «الفتح» ١٠/ ٥١٣، كتاب «التفسير» رقم (٤٧٩٥).

٢٨. «الفتح» ١٤/ ١٦٣، كتاب «الاستئذان» رقم (٦٢٤٠).

٢٩. «المفهم» ٥/ ٤٩٧ - ٤٩٩.

٣٠. «صحيح البخاريّ» ٥/ ٢٠٠٦.

٣١. وفي نسخة: «فأُنزل الحجابُ».

٣٢. «عمدة القاري» ٢/ ٢٨٣.

٣٣. «شرح النوويّ» ١٤/ ١٥١.

٣٤. «شرح النوويّ» ١٤/ ١٥١.

٣٥. كذا النسخة، والظاهر أنه تصحيف من كل بين، فليُحرّر.

٣٦. «عمدة القاري» ٢/ ٢٨٣.

٣٧. «عمدة القاري» ٢/ ٢٨٣.

٣٨. «المفهم» ٥/ ٤٩٤ - ٤٩٥.

٣٩. «الفتح» ١/ ٤٣٠ - ٤٣١، كتاب «الوضوء» رقم (١٤٦).

٤٠. «المفهم» ٥/ ٤٩٥.

٤١. «الفتح» ١/ ٤٣٠ - ٤٣١، كتاب «الوضوء» رقم (١٤٦).

٤٢. «الفتح» ١٠/ ٥١٤، كتاب «التفسير» رقم (٤٧٩٥).

٤٣. «المفهم» ٥/ ٤٩٦.

٤٤. «عمدة القاري»٢/ ٢٨٤.

٤٥. هو: ابن راهويه، كما في«الفتح» ١٤/ ١٦٢.