HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢١٨٩

حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ. حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ. قَالَتْ: سحر رسول الله ﷺ يَهُودِيٌّ مِنْ يَهُودِ بَنِي زُرَيْقٍ. يُقَالُ لَهُ: لَبِيدُ بْنُ الْأَعْصَمِ. قَالَتْ: حَتَّى كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَفْعَلُ الشَّيْءَ، وَمَا يَفْعَلُهُ. حَتَّى إِذَا كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ، أَوْ ذَاتَ لَيْلَةٍ، دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. ثُمَّ دَعَا. ثُمَّ دَعَا. ثُمَّ قَالَ «يَا عَائِشَةُ! أَشَعَرْتِ أَنَّ اللَّهَ أَفْتَانِي فِيمَا اسْتَفْتَيْتُهُ فِيهِ؟ جَاءَنِي رَجُلَانِ فَقَعَدَ أَحَدُهُمَا عِنْدَ رَأْسِي وَالْآخَرُ عِنْدَ رِجْلَيَّ. فَقَالَ الَّذِي عِنْدَ رَأْسِي لِلَّذِي عِنْدَ رِجْلَيَّ، أَوِ الَّذِي عِنْدَ رِجْلَيَّ لِلَّذِي عِنْدَ رَأْسِي: مَا وَجَعُ الرَّجُلِ؟ قَالَ: مَطْبُوبٌ. قَالَ: مَنْ طَبَّهُ؟ قَالَ: لَبِيدُ بْنُ الْأَعْصَمِ. قَالَ: فِي أَيِّ شَيْءٍ؟ قَالَ: فِي مشط ومشاطه. قال وجب طَلْعَةِ ذَكَرٍ. قَالَ: فَأَيْنَ هُوَ؟ قَالَ: فِي بِئْرِ ذِي أَرْوَانَ». قَالَتْ: فَأَتَاهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي أُنَاسٍ مِنْ أَصْحَابِهِ. ثُمَّ قَالَ «يَا عَائِشَةُ! وَاللَّهِ! لَكَأَنَّ ماءها نقاعة الحناء. ولكأن نخلها رؤوس الشَّيَاطِينِ». قَالَتْ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَفَلَا أَحْرَقْتَهُ؟ قَالَ «لَا. أَمَّا أَنَا فَقَدْ عَافَانِي اللَّهُ. وَكَرِهْتُ أَنْ أُثِيرَ عَلَى النَّاسِ شَرًّا. فأمرت بها فدفنت».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج7 ص14
ج ٤ ص ١٧١٩

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٣ مصادر سنن ابن ماجه, صحيح البخاري, مسند أحمد
التحرير في شرح صحيح مسلم · قوام السنة الأصبهاني · ج١ ص٥٢١
[٦٤٩] فيه حديث عائشة ﵂: قوله: (يُخَيَّلُ إِلَيْهِ) ، أي: يظن، و(المَطْبُوبُ): المسحور، و(المُشَاطَةُ): ما يقع من شعر الرأس بالمَشْط، و(الجُفُّ): الوعاء الذي يكون فيه طلع النخل، وقد يكون الطلع ذكرًا وأنثى، وقوله: (فِي بِئرِ ذِي أَروَان): بئر في بستان بالمدينة، ورُوي: (فِي بِئْرِ ذَرْوَانَ) . و(نُقَاعَةُ الحِنَّاءِ): الماء الذي ينقع فيه الحناء، وفي رواية: (فِي مُشُطٍ وَمُشَاقَةٍ) ، المُشَاقَة: ما يُتخذ منه الكتانُ، وفيه تحقيق وقوع السحر بالنبي ﷺ وفيه إطلاع الله نبيه على من فعله، وفيه سكوت النبي ﷺ عن الانتقام ممن فعله. وقوله: (أَفَلَا أَحْرَقْتَهُ؟ قَالَ: لَا أَمَّا أَنَا فَقَدْ عَافَانِي اللَّهُ، وَكَرِهْتُ أَنْ أُثِيرَ عَلَى النَّاس شَرًّا)؛ قيل: لو أحرقه لاقتدى به الناس؛ فكانوا يتسارعون إلى إحراق مثله، وقيل: لو نشره عن نفسه أصاب فاعله ما أصاب النبي ﷺ، قيل: كان تغيُّر الماء لأجل المدفون، وإنما شبه بالشياطين لقبحه، قيل: النُّشرة التي ينشر بها العلة مباحة، فأما النُّشرة التي يُؤخذ بها المرء عن زوجته فحرام. ومن باب الرقية في الحمة والنملة والعين
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣٦ ص١٢
وبالسند المتّصل إلى المؤلِّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٥٦٩١] (٢١٨٩) - (حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيه، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: سَحَرَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَهُودِيٌّ، مِنْ يَهُودِ بَنِي زُريقٍ، يُقَالَ لَهُ: لَبِيدُ بْنُ الأَعْصَم، قَالَتْ: حَتَّى كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَفْعَلُ الشَّيْءَ، وَمَا يَفْعَلُهُ، حَتَّى إِذَا كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ، أَو ذَاتَ لَيْلَةٍ، دَعَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، ثُمَّ دَعَا، ثمَّ دَعَا، ثُمَّ قَالَ: «يَا عَائِشَةُ أَشَعَرْتِ أَنَّ اللهَ أَفْتَانِي فِيمَا اسْتَفْتَيْتُهُ فِيه، جَاءَنِي رَجُلَان، فَقَعَدَ أَحَدُهُمَا عِنْدَ رَأْسِي، وَالآخَرُ عِنْدَ رِجْلَيَّ، فَقَالَ الَّذِي عِنْدَ رَأْسِي لِلَّذِي عِنْدَ رِجْلَيَّ، أَوِ الَّذِي عِنْدَ رِجْلَيَّ لِلَّذِي عِنْدَ رَأْسِي: مَا وَجَعُ الرَّجُلِ؟ قَالَ: مَطْبُوبٌ، قَالَ: مَنْ طَبَّهُ؟ قَالَ: لَبِيدُ بْنُ الأَعْصَم، قَالَ: في أَيِّ شَيْءٍ؟ قَالَ: في مُشْطٍ، وَمُشَاطَةٍ، قَالَ: وَجُبِّ طَلْعَةِ ذَكَرٍ، قَالَ: فَأَيْنَ هُوَ؟ قَالَ: في بِئْرِ ذِي أَرْوَانَ»، قَالَتْ: فَأَتَاهَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - في أُنَاسٍ مِنْ أَصْحَابِه، ثُمَّ قَالَ:«يَا عَائِشَةُ، وَاللهِ لَكَأَنَّ مَاءَهَا نُقَاعَةُ الْحِنَّاء، وَلَكَأَنَّ نَخْلَهَا رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ»، قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، أَفَلَا أَحْرَقْتَهُ؟، قَالَ:«لَا، أَمَّا أَنَا فَقَدْ عَافَانِي اللهُ، وَكَرِهْتُ أنْ أُثِيرَ عَلَى النَّاسِ شَرًّا، فَأَمَرْتُ بِهَا، فَدُفِنَتْ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء الهَمْداني الكوفي، ثقةٌ حافظ [١٠] تقدم في«الإيمان»٤/ ١١٧. ٢ - (ابنُ نُمَيْرٍ) عبد الله بن نُمير الهمداني الكوفي، ثقةٌ حافظ، من كبار [٩] تقدم في«المقدمة»٢/ ٥. ٣ - (هِشَامُ) بن عروة، أبو المنذر المدني، ثقةٌ فقيه، ربما دلَّس [٥] تقدم في«شرح المقدمة»ج ١ ص ٣٥٠. ٤ - (أَبُوهُ) عروة بن الزبير بن العوّام الأسدي، أبو عبد الله المدني، ثقةٌ ثبت فقيه مشهور، [٣] تقدم في«شرح المقدمة»ص ٢ ص ٤٠٧. ٥ - (عائشةُ) أم المؤمنين - ﵂ -، تقدمت في«شرح المقدمة»ج ١ ص ٣١٥. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف - ﵀ -، وأن شيخه أحد التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، والابن عن أبيه، عن خالته، وفيه عروة أحد الفقهاء السبعة، وفيه عائشة أعلم نساء الأمة، ومن المكثرين السبعة - ﵃ -. شرح الحديث: (عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزبير، قال في«الفتح»: قوله:«عن أبيه»وقع في رواية يحيى القطان عن هشام: حدّثني أبي، وسيأتي في رواية ابن عيينة، عن ابن جريجٍ:«حدَّثني آل عروة»، ووقع في رواية الحميديّ، عن سفيان، عن ابن جريجٍ:«حدَّثني بعض آل عروة، عن عروة»، وظاهره أن غير هشام أيضًا حدِّث به عن عروة، وقد رواه غير عروة عن عائشة، كما سأبيّنه، وجاء أيضًا من حديث ابن عباس، وزيد بن أرقم، وغيرهما. انتهى . (عَنْ عَائِشَةَ) - ﵄ - أنَّها (قَالَتْ: سَحَرَ) تقدَّم أنه من باب منع، (رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَهُوديٌّ) مرفوع على الفاعليّة، و«رسولَ»مفعول مقدَّم عليه؛ أي: رجل منسوب إلى يهود القبيلة المعروفة، يقال: هو يهودُ غير منصرف؛ للعَلَميّة وزن الفعل، ويجوز دخول الألف واللام، فيقال: اليهود، وعلى هذا فلا يمتنع التنوين؛ لأنه نُقل عن وزن الفعل إلى باب الأسماء، قاله الفيّوميّ . (مِنْ يَهُودِ بَنِي زُريقٍ) بزاي قبل الراء، مصغرًا، قال في«القاموس»، و«شرحه»: وبَنُو زُرَيْقٍ: خلقٌ من الأنصار، والنِّسْبَةُ إليهم زُرَقِيٌّ، كجُهَنِيٍّ، وهم: بَنُو زُريق بنِ عامِرِ بنِ زُريق بنِ عَبْد حارِثَةَ بن مالكٍ بن غَضْبِ الخَزْرَجِيِّ، إليه يَرْجعُ كلّ زُرَقِيٍّ، ما خلا زُريقَ ثَعْلَبَةِ طَيِّئٍ، وأَخُوه بَياضةُ بن عامِرِ بن زُريقٍ، وقد يُقال لهم: زُرَقِيُّونَ أيضًا، وهم بالبياضيِّينَ أَقْعَدُ في العَزْوَة، قالهُ الشَّرِيفُ الجَوَّانِيُّ في المُقَدّمةِ الفاضِلِيّة. انتهى . (يُقَالُ لَهُ: لَبِيدُ) بفتح اللام، وكسر الموحّدة، بعدها تحتانية ساكنة، ثم مهملة، (ابْنُ الأَعْصَمِ) - بوزن أحمر، بمهملتين - ووقع في رواية ابن عيينة عند البخاريّ: «رجلٌ من بني زُريق، حليف اليهود، وكان منافقًا»، ويُجمع بينهما بأن من أطلق أنه يهوديّ نظر إلى ما في نفس الأمر، ومن أطلق عليه منافقًا نظر إلى ظاهر أمره. وقال ابن الجوزيّ: هذا يدلُّ على أنَّه كان أسلم نفاقًا، وهو واضح، وقد حَكَى عياض في «الشفاء» أنه كان أسلم، ويَحْتَمِل أن يكون قيل له: يهوديّ؛ لكونه كان من حلفائهم، لا أنه كان على دينهم، وبنو زُريق بطن من الأنصار مشهور، من الخزرج، وكان بين كثير من الأنصار، وبين كثير من اليهود قبل الإسلام حِلْفٌ، وإخاء، ووُدّ، فلما جاء الإسلام، ودخل الأنصار فيه تبرؤوا منهم . [تنبيه]: قد بَيّن الواقديّ السَّنة التي وقع فيها السحر للنبيّ - ﷺ -، أخرجه عنه ابن سعد بسند له إلى عمر بن الحكم مرسلًا، قال: لما رجع رسول الله - ﷺ - من الحديبية في ذي الحجة، ودخل المحرَّم من سنة سبع جاءت رؤساء اليهود إلى لَبيد بن الأعصم، وكان حليفًا في بني زُريق، وكان ساحرًا، فقالوا له: يا أبا الأَعصم أنت أسحرنا، وقد سحرنا محمدًا، فلم نصنع شيئًا، ونحن نجعل لك جُعْلًا على أنَّ تسحره لنا سحرًا ينكؤه، فجعلوا له ثلاثة دنانير. ووقع في رواية أبي ضمرة، عند الإسماعيليّ: فأقام أربعين ليلةً، وفي رواية وهيب، عن هشام عند أحمد: ستة أشهر. ويمكن الجمع بأن تكون الستة أشهر من ابتداء تغير مزاجه، والأربعين يومًا من استحكامه، وقال السهيليّ: لَمْ أقف في شيء من الأحاديث المشهورة على قدر المدة التي مكث النبيّ - ﷺ - فيها في السحر، حتى ظَفِرت به في «جامع معمر» عن الزهريّ أنه لبث ستة أشهر، قال الحافظ: كذا قال، وقد وجدناه موصولًا بإسناد الصحيح، فهو المعتمد. (قَالَتْ: حَتَّى كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَفْعَلُ الشَّيْءَ، وَمَا يَفْعَلُهُ) قال المازريّ - ﵀ - : أنكر بعض المبتدعة هذا الحديث، وزعموا أنه يَحُطّ منصب النبوة، ويشكك فيها، قالوا: وكل ما أدَّى إلى ذلك فهو باطل، وزعموا أن تجويز هذا يُعْدِم الثقة بما شرعوه من الشرائع؛ إذ يَحْتَمِل على هذا أن يُخَيَّل إليه أنه يرى جبريل، وليس هو ثَمَّ، وأنه يوحَى إليه بشيء، ولم يوح إليه بشيء، قال المازريّ: وهذا كله مردود؛ لأنَّ الدليل قد قام على صدق النبيّ - ﷺ - فيما يبلغه عن الله تعالى، وعلى عصمته في التبليغ، والمعجزات شاهدات بتصديقه، فتجويز ما قام الدليل على خلافه باطلٌ، وأما ما يتعلق ببعض أمور الدنيا التي لَمْ يُبعث لأجلها، ولا كانت الرسالة من أجلها، فهو في ذلك عُرْضة لِمَا يعترض البشر، كالأمراض، فغير بعيد أن يُخَيَّل إليه في أمر من أمور الدنيا ما لا حقيقة له، مع عصمته. عن مثل ذلك في أمور الدين، قال: وقد قال بعض الناس: إن المراد بالحديث أنه كان - ﷺ - يخيل إليه أنه وطئ زوجاته، ولم يكن وطأهن، وهذا كثيرًا ما يقع تخيله للإنسان في المنام، فلا يبعد أن يُخَيَّل إليه في اليقظة. قال الحافظ: وهذا قد ورد صريحًا في رواية ابن عيينة عند البخاريّ، ولفظه: «حتى كان يَرَى أنه يأتي النساء، ولا يأتيهن»، وفي رواية الحميديّ: «أنه يأتي أهله، ولا يأتيهم»، قال الداوديّ: «يُرَى» بضم أوله؛ أي: يَظُنّ، وقال ابن التين: ضبطت «يَرَى» بفتح أوله، قال الحافظ: وهو من الرأي، لا من الرؤية، فيرجع إلى معنى الظنّ. وفي مرسل يحيى بن يعمر، عند عبد الرزاق: «سُحِر النبيّ - ﷺ - عن عائشة، حتى أنكر بصره»، وعنده في مرسل سعيد بن المسيِّب: «حتى كاد يُنكر بصره»، قال عياض : فظهر بهذا أن السحر إنما تسلَّط على جسده، وظواهر جوارحه، لا على تمييزه، ومعتقده. ووقع في مرسل عبد الرَّحمن بن كعب، عند ابن سعد: «فقالت أخت لبيد بن الأعصم: إن يكن نبيًّا، فسيُخْبَر، وإلا فسيذهله هذا السحر. حتى يذهب عقله»، قال الحافظ: فوقع الشق الأول، كما في هذا الحديث الصحيح. وقد قال بعض العلماء؛ لا يلزم من أنه كان يظنّ أنه فعل الشيء، ولم يكن فعله أن يجزم بفعله ذلك، وإنما يكون ذلك من جنس الخاطر يخطر، ولا يثبت، فلا يبقى على هذا للملحد حجة. وقال عياض - ﵀ - : يَحْتَمِل أن يكون المراد بالتخيل المذكور أنه يظهر له من نشاطه، ما أَلِفه من سابق عادته من الاقتدار على الوطء، فإذا دنا من المرأة فَتَرَ عن ذلك، كما هو شأن المعقود، ويكون قوله في الرواية الأخرى: «حتى كاد ينكر بصره»؛ أي: صار كالذي أنكر بصره بحيث أنه إذا رأى الشيء يُخَيَّل إليه أنه على غير صفته، فإذا تأمله عرف حقيقته، ويؤيد جميع ما تقدم أنه لَمْ يُنقل عنه في خبر من الأخبار أنه قال قولًا، فكان بخلاف ما أخبر به. وقال المهلَّب - ﵀ - : صون النبيّ - ﷺ - من الشياطين لا يمنع إرادتهم كيده، فقد مضى في «الصحيح» أن شيطانًا أراد أن يُفسد عليه صلاته، فأمكنه الله منه، فكذلك السحر ما ناله من ضرره ما يُدخل نقصًا على ما يتعلق بالتبليغ، بل هو من جنس ما كان يناله من ضرر سائر الأمراض، من ضعف عن الكلام، أو عجز عن بعض الفعل، أو حدوث تخيل لا يستمرّ، بل يزول، ويُبطل الله كيد الشياطين. واستَدَلّ ابنُ القصار على أنَّ الذي أصابه كان من جنس المرض بقوله في آخر الحديث: «أما أنا، فقد شفاني الله»، وفي الاستدلال بذلك نظر، لكن يؤيد المدَّعَى أن في رواية عمرة عن عائشة، عند البيهقيّ في «الدلائل»: «فكان يدور، ولا يدري ما وجعه؟» وفي حديث ابن عباس عند ابن سعد: «مَرِض النبيّ - ﷺ -»، وأخِذ عن النساء، والطعام، والشراب، فهبط عليه ملكان … «الحديث. (حَتَّى إِذَا كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ، أَو ذَاتَ لَيْلَةٍ) وذات بالنصب ويجوز الرفع، ثم قيل: إنها مقحمة، وقيل: بلً هي من إضافة الشيء لنفسه، على رأي من يُجيزه. [تنبيه]: قوله:«أَو ذَاتَ لَيْلَةِ»شكّ من الراوي، قال الحافظ: وأظنه من البخاريّ؛ لأنه أخرجه في«صفة إبليس»من«بدء الخلق»، فقال:«حتى كان ذات يوم»، ولم يشكّ، ثم ظهر لي أن الشك فيه من عيسى بن يونس، وأن إسحاق بن راهويه أخرجه في«مسنده»عنه على الشكّ، ومن طريقه أخرجه أبو نعيم، فيُحمَل الجزم الماضي على أنَّ إبراهيم بن موسى شيخ البخاريّ حدثه به تارةً بالجزم، وتارةً بالشكّ، ويؤيده ما سأذكره من الاختلاف عنه، وهذا من نوادر ما وقع في البخاريّ أن يُخرج الحديث تامًّا بإسناد واحد بلفظين، ووقع في رواية أبي أسامة الآتية قريبًا:«ذات يوم» بغير شك. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي ذكره الحافظ من نسبة الشكّ إلى عيسى بن يونس، محلّ نظر، فقد أخرجه مسلم هنا عن عبد الله بن نمير بالشكّ أيضًا، فالذي يظهر أن الشكّ من هشام، لا من عيسى، والله تعالى أعلم. (دَعَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، ثُمَّ دَعَا، ثمَّ دَعَا) هذا هديه - ﷺ - من أنه يكرّر الدعاء ثلاث مرّات، قال النوويّ - ﵀ -: فيه استحباب الدعاء عند حصول الأمور المكروهات، وتكريره، والالتجاء إلى الله تعالى في دفع ذلك . وقال الحافظ: سلك النبيّ - ﷺ - في هذه القصة مسلكي التفويض، وتعاطي الأسباب، ففي أول الأمر فَوَّض، وسَلَّم لأمر ربه، فاحتسب الأجر في حبره على بلائه، ثم لمّا تمادى ذلك، وخَشِي من تماديه أن يُضعفه عن فنون عبادته، جنح إلى التداوي، ثم إلى الدعاء، وكلّ من المقامين غاية في الكمال. انتهى . وفي رواية البخاريّ: «وهو عندي، لكنه دعا، ودعا»، قال الكرمانيّ - ﵀ -: يَحْتَمِل أن يكون هذا الاستدراك من قولها: «عندي»؛ أي: لَمْ يكن مشتغلًا بي، بل اشتغل بالدعاء، ويَحْتَمِل أن يكون من التخيُّل؛ أي: كان السحر أضرَّه في بدنه، لا في عقله، وفَهْمه، بحيث إنه توجه إلى الله، ودعا على الوضع الصحيح، والقانون المستقيم. انتهى . (ثُمَّ قَالَ) - ﷺ -: («يَا عَائِشَةُ أَشَعَرْتِ) بفتح العين المهملة، قال: شَعَرت بالشيء شُعورًا، من باب قَعَدَ، وشِعْرًا، وشِعْرَةً بكسرهما: عَلِمْت به، قاله الفيّوميّ ، وقال المجد: شَعَرَ به، كنصر، وكَرُم شِعْرًا وشَعْرًا، وشعرةً مثلَّثةً، وشِعْرَى: عَلِمَ به، وفَطِنَ لَهُ، وعَقَلَهُ. انتهى ، فدلّ على أنَّ فِعْله من بابي نصر، وكرُم، فتنبّه. (أَنَّ اللهَ) بفتح همزة«أَنّ»؛ لوقوعها مفعولًا لـ«شَعَرتِ»، (أفتَانِي فِيمَا استَفْتَيْتُهُ فِيهِ) وفي رواية الحميديّ:«أفتاني في أمر استفتيته فيه»؛ أي: أجابني فيما دعوته، فأَطلق على الدعاء استفتاءً؛ لأنَّ الداعي طالب، والمجيب مُفْتٍ، أو المعنى: أجابني بما سألته عنه؛ لأنَّ دعاءه كان أن يُطْلِعه الله على حقيقة ما هو فيه؛ لِمَا اشْتَبَهَ عليه من الأمر، ووقع في رواية عمرة، عن عائشة:«أن الله أنبأني بمرضي»؛ أي: أخبرني، وقوله: (جَاءَنِي رَجُلَانِ) تفسير لِمَا أفتاه به، ووقع في رواية أبي أسامة:«قلت: وما ذاك؟ قال: أتاني رجلان»، ووقع في رواية معمر، عند أحمد، ومرجأ بن رجاء، عند الطبرانيّ كلاهما عن هشام:«أتاني ملكان»، وسمّاهما ابن سعد في رواية منقطعة:«جبريل، وميكائيل». (فَقَعَدَ أَحَدُهُمَا عِنْدَ رَأسِي، وَالآخَرُ عِنْدَ رِجْلَيَّ) قال الحافظ - ﵀ -: لَمْ يقع لي أيهما قعد عند رأسه، لكنني أظنه جبريل؛ لخصوصيته به - ﵇ -. ثم وجدت في«السيرة»للدمياطي الجزم بأنه جبريل، قال: لأنه أفضل، ثم وجدت في حديث زيد بن أرقم عند النسائيّ، وابن سعد، وصححه الحاكم، وعبد بن حميد:«سَحَر النبيَّ - ﷺ - رجلٌ من اليهود، فاشتكى لذلك أيامًا، فأتاه جبريل، فقال: إن رجلًا من اليهود سَحَرك، عَقَد لك عَقْدًا في بئر كذا»، فدَلّ مجموع الطرق على أن المسؤول هو جبريل، والسائل ميكائيل. انتهى . (فَقَالَ الَّذِي عِنْدَ رَأْسِي لِلَّذِي عِنْدَ رِجْلَيَّ، أَو) قال (الَّذِي عِنْدَ رِجْلَيَّ لِلَّذِي عِنْدَ رَأْسِي) فـ«أو»للشّكّ من الراوي، وفي رواية البخاريّ:«فقال أحدهما لصاحبه»، وفي رواية ابن عيينة عنده: «فقال الذي عند رأسي للآخر»، وفي رواية الحميديّ: «فقال الذي عند رجلي للذي عند رأسي»، قال الحافظ: وكأنها أصوب، وكذا هو في حديث ابن عباس، عند البيهقيّ. (مَا وَجَعُ الرَّجُلِ؟) قال في «الفتح»: كذا للأكثر، وفي رواية ابن عيينة: «ما بال الرجل؟»، وفي حديث ابن عباس عند البيهقيّ: «ما ترى؟»، وفيه إشارة إلى أن ذلك وقع في المنام؛ إذ لو جاءا إليه في اليقظة لخاطباه، وسألاه، ويَحْتَمِل أن يكون كان بصفة النائم، وهو يقظان، فتخاطبا، وهو يسمع، وأطلق في رواية عمرة، عن عائشة أنه كان نائمًا، وكذا في رواية ابن عيينة عند الإسماعيليّ: «فانتبه من نومه ذات يوم»، قال الحافظ: وهو محمول على ما ذكرتُ، وعلى تقدير حَمْلها على الحقيقة، فرؤيا الأنبياء وحيٌّ، ووقع في حديث ابن عباس عند ابن سعد بسند ضعيف جدًّا: «فهبط عليه ملكان، وهو بين النائم واليقظان». (قَالَ) الملك المسؤول: (مَطْبُوبٌ)؛ أي: هو مسحورٌ ، يقال: طُبّ الرجلُ بالضم: إذا سُحِر، يقال: كَنَوْا عن السحر بالطبّ تفاؤلًا، كما قالوا للَّديغ: سَلِيم، وقال ابن الأنباريّ: الطبّ من الأضداد، يقال لعلاج الداء: طِبّ، والسحرُ من الداء، ويقال له: طِبّ، وأخرج أبو عبيد من مرسل عبد الرَّحمن بن أبي ليلى: «قال: احتجم النبيّ - ﷺ - على رأسه بقرن حين طُبّ»، قال أبو عبيد - ﵀ -: يعني سُحِرَ. قال ابن القيم - ﵀ -: بَنَى النبيُّ - ﷺ - الأمر أَوّلًا على أنَّه مَرِضَ، وأنه عن مادّة مالت إلى الدماغ، وغلبت على البطن المقدَّم منه، فغيرت مزاجه، فرأى استعمال الحجامة لذلك مناسبًا، فلمّا أوحي إليه أنه سُحِر عدل إلى العلاج المناسب له، وهو استخراجه، قال: ويَحْتَمِل أن مادّة السحر انتهت إلى إحدى قوى الرأس، حتى صار يُخَيَّل إليه ما ذُكِر، فإن السحر قد يكون من تأثير الأرواح الخبيثة، وقد يكون من انفعال الطبيعة، وهو أشدّ السحر، واستعمال الحجامة لهذا الثاني نافع؛ لأنه إذا هَيَّجَ الأخلاط، وظهر أثره في عضو، كان استفراغ المادّة الخبيثة نافعًا في ذلك. وقال القرطبيّ - ﵀ -: إنما قيل للسحر طِبّ؛ لأنَّ أصل الطبّ الْحِذْق بالشيء، والتفطن له، فلما كان كلّ من علاج المرض والسحر، إنما يتأتى عن فِطْنة، وحِذْق أُطلق على كلّ منهما هذا الاسم. انتهى . (قَالَ) السائل: (مَنْ طَبَّهُ؟)؛ أي: من الذي سحره - ﷺ -؟ (قَالَ) المسؤول (لَبِيدُ بْنُ الأَعْصَم، قَالَ) السائل: (فِي أَيِّ شَيْءٍ؟) طبّه (قَالَ) المسؤول: (فِي مُشْطٍ) بضم الميم، ويجوز كسرها، أثبته أبو عبيد، وأنكره أبو زيد، وبالسكون فيهما، وقد يضم ثانيه، مع ضم أوله فقط، وهو الآلة المعروفة التي يُسَرَّح بها شعر الرأس واللحية، وهذا هو المشهور، ويُطلق المشط بالاشتراك على أشياء أخرى، منها العظم العريض في الكتف، وسُلاميات ظهرِ القدم، ونبت صغير، يقال له: مشط الذَّنْب. قال القرطبيّ - ﵀ -: يَحْتَمِل أن يكون الذي سُحِر فيه النبيّ - ﷺ - كما أحد هذه الأربع، قال الحافظ: وفاته آلةٌ لها أسنان، وفيها هِرَاوة يُقبض عليها، ويغطى بها الإناءة، قال ابن سيده في «المحكم»: إنها تسمى المشط، والمشط أيضًا سمة من سمات البعير، تكون في العين، والفخذ، ومع ذلك فالمراد بالمشط هنا هو الأول، فقد وقع في رواية عمرة، عن عائشة: «فإذا فيها مشط رسول الله - ﷺ -، ومن مراطة رأسه»، وفي حديث ابن عباس: «من شعر رأسه، ومن أسنان مشطه»، وفي مرسل عمر بن الحكم: «فعَمَد إلى مشط، وما مشط من الرأس، من شعر، فعقد بذلك عَقْدًا». (وَمُشَاطَةٍ) بضم الميم: ما يخرج من الشعر إذا مُشِط، ولا اختلاف فيه بين أهل اللغة، قال ابن قتيبة: المشاطة ما يخرج من الشعر الذي سقط من الرأس إذا سُرِّح بالمشط، وكذا من اللحية، ويقال أيضًا لمشاطة الكتان، فيكون اللفظ مشتركًا بين الشعر إذا مُشِط وبين الكتان إذا سُرّح، ووقع عند البخاريّ في رواية غير أبي ذر: «والمشاقة»، قال في «الفتح»: وهو أشبه، وقيل المشاقة: هي المشاطة بعينها، والقاف تُبدل من الطاء؛ لِقُرب المخرج ، والله أعلم. (قَالَ: وَجُبِّ) وفي بعض النسخ: «جُفّ»، (طَلْعَةِ ذَكَرٍ) قال القاضي عياض - ﵀ - : وقع للجرجاني - يعني: في البخاريّ - والعذري - يعني: في مسلم - بالفاء، ولغيرهما بالموحّدة، قال الحافظ: أما رواية عيسى بن يونس هنا، فوقع للكشميهني بالفاء، ولغيره بالموحّدة، وأما روايته في «بدء الخلق» فالجميع بالفاء، وكذا في رواية ابن عيينة للجميع، وللمستملي في رواية أبي أسامة بالموحّدة، وللكشميهني بالفاء، وللجميع في رواية أبي ضمرة في «الدعوات» بالفاء، قال القرطبيّ : روايتنا - يعني: في مسلم - بالفاء، وقال النوويّ : في أكثر نُسخ بلادنا بالباء - يعني: في مسلم - وفي بعضها بالفاء، وهما بمعنى واحد، وهو الغِشاء الذي يكون على الطلع، ويُطلق على الذكر والأنثى، فهذا قيَّده بالذَّكر في قوله: «طَلْعَةِ ذَكَرِ»، وهو بالإضافة. انتهى. قال الحافظ: ووقع في روايتنا هنا - عند البخاريّ - بالتنوين فيهما، على أن لفظ «ذَكَر» صفة لـ «جُفّ». وقال القرطبيّ - ﵀ -: قوله: «جُفّ طلعة ذَكَر» روايتنا فيه بالفاء، وهي المشهورة، وقال أبو عمر: قد رُوي بالباء بواحدة تحتها، فبالفاء: هي وعاء الطلع، وهو الغشاء الذي يكون عليه، وبالباء قال شمر: أراد بالجب داخل الطلعة، إذا أخرج عنها الكُفُرَّى ، كما يقال لداخل الرَّكِيَّة ، من أسفلها إلى أعلاها: جبٌّ، وقيل فيه: إنه من القطع؛ يعني به: ما قُطِع من قشورها. انتهى . وقال أبو عمرو الشيبانيّ: «الجفّ» بالفاء: شيء يُنقر من جذوع النخل. (قَالَ) السائل: (فَأَيْنَ هُوَ؟)؛ أي: السحر الذي سُحر به - ﷺ -، (قَالَ) المسؤول: (فِي بِئْرِ ذِي أَرْوَانَ) قال القرطبيّ - ﵀ -: كذا هو في الأصل، وخارج الحاشية: «في بئر ذروان»، ووقع في البخاري في «كتاب الدَّعوات»: «في ذروان بئر في بني زريق»، وقال القتبيّ: الصواب: ذي أروان، كما في الأصل. انتهى . وقال في «الفتح»: وذَرْوان بفتح المعجمة، وسكون الراء، وحَكَى ابن التين فتحها، وأنه قرأه كذلك، قال: ولكنه بالسكون أشبه، فقوله: «بئر ذروان» من إضافة الشيء لنفسه، ويُجمع بين الروايتين بأن الأصل: «بئر ذي أروان»، ثم لكثرة الاستعمال سُهِّلت الهمزة، فصارت ذروان، ويؤيده أن أبا عبيد البكريّ صَوّب أن اسم البئر «أروان» بالهمز، وأن من قال: ذروان أخطأ، قال الحافظ: وقد ظهر أنه ليس بخطأ على ما وجّهته، ووقع في رواية أحمد عن وهيب، وكذا في روايته عن ابن نُمير: «بئر أروان»، كما قال البكريّ، فكان رواية الأصيليّ كانت مثلها، فسقطت منها الراء، ووقع عند الأصيليّ فيما حكاه عياض : «في بئر ذي أوان» بغير راء، قال عياض: وهو وَهَمٌ، فإن هذا موضع آخر على ساعة من المدينة، وهو الذي بُنِي فيه مسجد الضرار. (قَالَتْ) عائشة - ﵂ -: (فَأَتَاهَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فِي أُنَاسٍ مِنْ أَصْحَابِهِ) ووقع في حديث ابن عباس، عند ابن سعد: «فبعث إلى عليّ، وعمار، فأمرهما أن يأتيا البئر»، وعنده في مرسل عمر بن الحكم: «فدعا جبير بن إياس الزُّرَقيّ، وهو ممن شَهِد بدرًا، فدلّه على موضعه في بئر ذروان، فاستخرجه - قال - ويقال: الذي استخرجه قيس بن مِحْصَن الزُّرَقيّ»، ويُجمع بأنه أعان جبيرًا على ذلك، وباشره بنفسه، فنُسب إليه، وعند ابن سعد أيضًا: «أن الحارث بن قيس قال: يا رسول الله، ألا يُهَوَّر البئرُ؟»، فيمكن تفسير من أُبْهم بهؤلاء، أو بعضهم، وأن النبيّ - ﷺ - وجّههم أوَّلًا، ثم توجّه، فشاهدها بنفسه . (ثُمَّ قَالَ: يَا عَائِشَةُ) - ﵂ -؛ أي: بعد رجوعه من البئر، وفي رواية البخاريّ: «فجاء، فقال: يا عائشة»، وفي رواية وهيب: «فلما رجع قال: يا عائشة»، ونحوه في رواية أبي أسامة، ولفظه: «فذهب النبيّ - ﷺ - إلى البئر، فنظر إليها، ثم رجع إلى عائشة، فقال»، وفي رواية عمرة، عن عائشة: «فنزل رجل، فاستخرجه»، وفيه من الزيادة: «أنه وجد في الطلعة تِمْثالًا من شَمَعٍ، تِمْثالَ رسول الله - ﷺ -، وإذا فيه إبر مَغروزة، وإذا وَتَرٌ فيه إحدى عشرة عُقْدة، فنزل جبريل بالمعوذتين، فكلما قرأ آية انحلت عقدة، وكلما نزع إبرة وَجَدَ لها ألَمًا، ثم يجد بعدها راحةً»، وفي حديث ابن عباس نحوه، وفي حديث زيد بن أرقم عند عبد بن حميد وغيره: «فأتاه جبريل، فنزل عليه بالمعوذتين»، وفيه: «فأمره أن يَحُلّ العُقَد، ويقرأ آية، فجعل يقرأ، ويَحُلّ، حتى قام، كأنما نَشِط من عِقَال»، وعند ابن سعد من طريق عمر مولى غُفْرة مُعْضلًا: «فاستخرج السحر من الْجُفّ من تحت البئر، ثم نزعه، فحَلّه، فكُشِف عن رسول الله - ﷺ -». (وَاللهِ لَكَأَنَّ مَاءَهَا)؛ أي: البئر، (نُقَاعَةُ الْحِنَّاءِ) - بضم النون، وتخفيف القاف - والحناء: معروف، وهو بالمدّ؛ أي: أن لون ماء البئر لونُ الماء الذي يُنقع فيه الحناء، قال ابن التين: يعني: أحمر، وقال الداوديّ: المراد: الماء الذي يكون من غُسالة الإناء الذي تُعجن فيه الحناء. ووقع في حديث زيد بن أرقم عند ابن سعد، وصححه الحاكم: «فوَجَد الماء، وقد اخضَرّ»، وهذا يقوي قول الداوديّ. وقال القرطبيّ - ﵀ -: قوله: «والله لكأن ماءها نقاعة الحناء، ولكأن نخلها رؤوس الشياطين»: فيه دليل على جواز اليمين، وإن لَمْ يستحلف، ونقاعة الحنَّاء: الماء الذي يخرج فيه لونها إذا نُقِعت فيه، وتشبيهه نخلها برؤوس الشياطين؛ يعني: أنَّها مستكرهه، مستقبَحة المنظر، والمَخْبَر، وهذا على عادة العرب إذا استقبحوا شيئًا شبَّهوه بأنياب أغوال، ورؤوس الشياطين، وقد تقدَّم نحو هذا، ويعني - والله أعلم -: أن هذه الأرض التي فيها النخل والبئر خراب، لا تُعَمَّر؛ لرداءتها، فبئرها معطلة، ونخلها مشذَّبةٌ ، مهملة، وتغيُّر ماء البئر، إما لطول إقامته، وإما لِمَا خالطه مما أُلقي فيه. انتهى . وعند ابن سعد من مرسل عبد الرَّحمن بن كعب: أن الحارث بن قيس هَوَّر البئر المذكورة، وكان يستعذب منها، وحَفَر بئرًا أخرى، فأعانه رسول الله - ﷺ - في حفرها . (وَلَكَأَنَّ نَخْلَهَا رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ) وفي رواية للبخاريّ: «وكأن رؤوس نخلها رؤوس الشياطين»، وفي رواية له: «نخلها كأنه رؤوس الشياطين»، قال في «الفتح»: وفي رواية ابن عيينة، وأكثر الرواة عن هشام: «كأن نخلها»، بغير ذكر «رؤوس» أَوّلًا، والتشبيه إنما وقع على رؤوس النخل، فلذلك أفصح به في رواية الباب، وهو مقدَّر في غيرها، ووقع في رواية عمرة، عن عائشة: «فإذا نخلها الذي يَشرب من مائها، قد الْتَوَى سعفه، كأنه رؤوس الشياطين»، وقد وقع تشبيه طَلْع شجرة الزَّقُّومَ في القرآن برءوس الشياطين، قال الفراء وغيره: يَحْتَمِل أن يكون شبَّه طلعها في قبحه برؤوس الشياطين؛ لأنَّها موصوفة بالقبح، وقد تقرر في اللسان أن من قال: فلان شيطان أراد أنه خبيث، أو قبيح، وإذا قبحوا مذكَّرًا قالوا: شيطان، أو مؤنثًا قالوا: غُول، ويَحْتَمِل أن يكون المراد بالشياطين: الحيات، والعرب تسمي بعض الحيات شيطانًا، وهو ثعبان قبيح الوجه، ويَحْتَمِل أن يكون المراد: نبات قبيح، قيل: إنه يوجد باليمن. انتهى . (قَالَتْ) عائشة - ﵂ -: (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، أَفَلَا أَحْرَقْتَهُ؟) وفي الرواية الثانية: «قلت: يا رسول الله فأَخْرِجْهُ»، قال النوويّ: كلاهما صحيح، فطلبت أن يخرجه، ثم يحرقه، والمراد إخراج السحر، فدفنها رسول الله - ﷺ -، وأخبر أن الله تعالى قد عافاه، وأنه يخاف من إخراجه، وإحراقه، وإشاعته، ضررًا وشرًّا على المسلمين، من تذكّر السحر، أو تعلّمه، وشيوعه. انتهى . وفي رواية للبخاريّ: «قلت: يا رسول الله أفلا استخرجته؟»، زاد في رواية: «فقال: لا»، قال في «الفتح»: ووقع في رواية ابن عيينة: «أنه استخرجه، وأن سؤال عائشة إنما وقع عن النُّشرة، فأجابها بلا». انتهى. قَالَ - ﷺ - («لَا)؛ أي: لا أُحرقه، ثم ذكر سبب تركه، فقال: (أَمَّا أَنَا فَقَدْ عَافَانِي اللهُ)؛ أي: فلا حاجة لي إلى إحراقه، وقال القرطبيّ - ﵀ -: وقولها:»أفلا أحرقته«كذا صحَّت الرواية، وتعني به: السِّحر، ورقع في بعض النُّسخ:»أخرجته«بدل»أحرقته«، وهي أصوب؛ لأنَّها هي التي تناسب قوله:»لا، أما أنا فقد عافاني الله، وكرهت أن أثير على الناس شرًّا«؛ أي: بإخراج السِّحر من البئر، فلعلَّه يُعمل به، أو يَضُرَّ أحدًا، انتهى . (وَكَرِهْتُ) بكسر الراء، (أَنْ أُثِيرَ) بضمِّ أوله، من الإثارة، (عَلَى النَّاسِ شَرًّا) وفي رواية الكشميهني عند البخاريّ:«سُوءًا»، قال في«الفتح»: ووقع في رواية أبي أسامة:«أن أُثَوِّر»بفتح المثلثة، وتشديد الواو، وهما بمعني، والمراد بالناس التعميم في الموجودين، قال النووي: خَشِي من إخراجه، وإشاعته ضررًا على المسلمين، من تذكّر السحر، وتعلّمه، ونحو ذلك، وهو من باب ترك المصلحة خوف المفسدة. ووقع في رواية ابن نُمير:«على أمتي»، وهو قابل أيضًا للتعميم؛ لأنَّ الأمة تُطلق على أمة الإجابة، وأمة الدعوة، وعلى ما هو أعمّ، وهو يَرُدّ على من زعم أن المراد بالناس هنا لبيد بن الأعصم؛ لأنه كان منافقًا، فأراد - ﷺ - أن لا يثير عليه شرًّا؛ لأنه كان يُؤثِر الإغضاء عمن يظهر الإسلام، ولو صدر منه ما صدر. وقد وقع أيضًا في رواية ابن عيينة:«وكرهت أن أثير على أحد من الناس شرًّا»، نعم وقع في حديث عمرة، عن عائشة:«فقيل: يا رسول الله لو قتلته؟ قال: ما وراءه من عذاب الله أشدّ»، وفي رواية عمرة:«فأخذه النبيّ - ﷺ -، فاعترف، فعفا عنه». وفي حديث زيد بن أرقم:«فما ذكر رسول الله - ﷺ - لذلك اليهوديّ شيئًا، مما صنع به، ولا رآه في وجهه». وفي مرسل عمر بن الحكم:«فقال له: ما حملك على هذا؟ قال: حب الدنانير»، وقد تقدم في«كتاب الجزية»قول ابن شهاب:«إن النبيّ - ﷺ - لَمْ يقتله»، وأخرج ابن سعد من مرسل عكرمة أيضًا:«أنه لَمْ يقتله». ونَقَل عن الواقديّ أن ذلك أصحّ من رواية من قال: إنه قتله، ومن ثم حَكَى عياض في«الشفاء»قولين: هل قُتل، أم لَمْ يقتل؟ وقال القرطبيّ: لا حجة على مالك من هذه القصة؛ لأنَّ تَرْك قَتْل لبيد بن الأعصم كان لخشية أن يثير بسبب قتله فتنة، أو لئلا ينفر الناس عن الدخول في الإسلام، وهو من جنس ما راعاه النبيّ - ﷺ - من منع قتل المنافقين، حيث قال:«لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه». انتهى . قال - ﷺ -: (فَأَمَرْتُ بِهَا)؛ أي: بتلك البئر (فَدُفِنَتْ») هكذا رواية مسلم: «فأمرتُ» بتاء المتكلّم، وفي رواية البخاريّ: «فأمر بها، فدُفنت»، قال في «الفتح»: وهكذا وقع في رواية ابن نُمير وغيره عن هشام، وأورده مسلم من طريق أبي أسامة، عن هشام عقب رواية ابن نمير - يعني: الرواية التالية - وقال: لَمْ يقل أبو أسامة في روايته: «فأمرت بها فدفنت». قال الحافظ: وكأن شيخه لَمْ يذكرها حين حدّثه، وإلا فقد أوردها البخاريّ عن عبيد بن إسماعيل، عن أبي أسامة، وقال في آخره: «فأمر بها فدُفنت»، وفي مرسل عبد الرَّحمن بن كعب: «أن الحارث بن قيس هَوَّرَها». انتهى ، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة - ﵂ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢/ ٥٦٩١ و٥٦٩٢] (٢١٨٩)، و(البخاريّ) في «الجزية» (٣١٧٥) و«بدء الخلق» (٣٢٦٨) و«الطبّ» (٥٧٦٥ و٥٧٦٦) و«الأدب» (٦٠٦٣) و«الدعوات» (٦٣٩١)، و(النسائيّ) في «الكبرى» (٤/ ٣٨٠)، و(ابن ماجة) في «الطبّ» (٣٥٩٠)، و(الشافعيّ) في «مسنده» (١/ ٣٨٢)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (٨/ ٣٠ و٣١)، و(الحميديّ) في «مسنده» (١/ ١٢٦)، و(أحمد) في «مسنده» (٦/ ٥٧ و٦٣ و٩٦)، و(ابن راهويه) في «مسنده» (٢/ ٢٢٩)، و(ابن سعد) في «الطبقات» (٢/ ١٩٦)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٦٥٨٣ و٦٥٨٤)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (٨/ ٢٩٠)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٨/ ١٣٥)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان أن السحر حقّ، وأنه يؤثّر في المسحور تأثيرًا حقيقيًّا، ومن أنكر ذلك فإنما هو مكابر، ومعاند، فقد جاء النصّ، ولا يدفعه العقل. ٢ - (ومنها): بيان ما كان عليه اليهود من إيذاء رسول الله - ﷺ -، والمؤمنين، إلَّا أن الله - ﷿ - يدفع كيدهم في نحورهم، ويرجعون خائبين. ٣ - (ومنها): بيان استحباب علاج السحر بالدعاء، والرُّقى الشرعيّة، ولا ينافي ذلك التوكّل، فإنه - ﷺ - سيّد المتوكّلين، وكان يرقي نفسه، ويسأل الله تعالى أن يشفيه من أمراضه، فهو الأسوة الحسنة. ٤ - (ومنها): بيان استحباب الدعاء عند حصول الأمور المكروهات، وتكريره، وحسن الالتجاء إلى الله تعالى. ٥ - (ومنها): أن في قوله - ﷺ -: «لا» لَمّا سألته عائشة - ﵂ - «أفلا أحرقته»، ترك المصلحة لدفع مفسدة أعظم، فقد ترك - ﷺ - إخراجه، وإحراقه، وإشاعته، ورأى أن فيه ضررًا، وشرًّا على المسلمين، من تذكّر السحر، أو تعلّمه، وشيوعه، والحديث فيه، أو إيذاء فاعله، فيحمله ذلك، أو يحمل بعض أهله، ومحبيه، والمتعصبين له من المنافقين، وغيرهم على سحر الناس، وأذاهم، وانتصابهم لمناكدة المسلمين بذلك، فهذا من باب ترك مصلحةٍ لخوف مفسدة أعظم منها، وهو من أهم قواعد الإسلام، وقد سبقت المسألة مرات، قاله النوويّ - ﵀ - . ٦ - (ومنها): ما قال ابن القيّم - ﵀ -: ومن أنفع علاجات السحر الأدويةُ الإلهيةُ، بل هي أدويته النافعةٌ بالذات، فإنه من تأثيرات الأرواح الخبيثة السُّفْلية، ودَفْع تأثيرها يكون بما يعارضها، ويقاومها من الأذكار، والآيات، والدعوات التي تبطل فعلها وتأثيرها، وكلما كانت أقوى وأشدّ كانت أبلغ في النُّشْرة، وذلك بمنزلة التقاء جيشين، مع كلّ واحد منهما عُدَّته، وسلاحه، فأيهما غلب الآخر قَهَره، وكان الحكم له، فالقلب إذا كان ممتلئًا من الله، مغمورًا بذِكْره، وله من التوجهات، والدعوات، والأذكار، والتعوذات، وِرْدٌ لا يُخِل به، يطابق فيه قلبه لسانه، كان هذا من أعظم الأسباب التي تمنع إصابة السحر له، ومن أعظم العلاجات له بعد ما يصيبه. وعند السحرة أن سحرهم إنما يتم تأثيره في القلوب الضعيفة المنفعلة، والنفوس الشهوانية التي هي معلقة بالسفليات، ولهذا فإن غالب ما يؤثر في النساء والصبيان، والجهال، وأهل البوادي، ومن ضَعُف حظه من الدين، والتوكل، والتوحيد، ومن لا نصيب له من الأوراد الإلهية، والدعوات، والتعوذات النبوية. وبالجملة: فسلطان تأثيره في القلوب الضعيفة المنفعلة التي يكون ميلها إلى السفليات، قالوا: والمسحور هو الذي يُعِين على نفسه، فإنا نجد قلبه متعلقًا بشيء كثير الالتفات إليه، فيتسلط على قلبه بما فيه من الميل والالتفات، والأرواحُ الخبيثة، إنما تتسلط على أرواح تلقاها مستعدّة لتسلطها عليها، بميلها إلى ما يناسب تلك الأرواح الخبيثة، وبفراغها من القوّة الإلهية، وعدم أخدها للعُدّة التي تحاربها بها، فتجدها فارغة لا عدّة معها، وفيها ميل إلى ما يناسبها، فتتسلط عليها، ويتمكن تأثيرها فيها بالسحر وغيره، والله أعلم. انتهى . ٧ - (ومنها): ما قاله ابن القيّم - ﵀ - أيضًا: قد أنكر هذا طائفة من الناس - سحر اليهوديّ للنبيّ - ﷺ - وقالوا: لا يجوز هذا عليه، وظنّوه نقصًا وعيبًا، وليس الأمر كما زعموا، بل هو من جنس ما كان يعتريه - ﷺ - من الأسقام، والأوجاع، وهو مرض من الأمراض، وإصابته به كإصابته بالسمّ، لا فرق بينهما، وقد ثبت في «الصحيحين» عن عائشة - ﵂ - أنَّها قالت: سُحِر رسول الله - ﷺ - حتى إن كان ليخيَّل إليه أنه يأتي نساءه، ولم يأتهنّ، وذلك أشدّ ما يكون من السحر. قال القاضي عياض: والسحر مرض من الأمراض، وعارض من العلل، يجوز عليه - ﷺ - كأنواع الأمراض، وهو مما لا يُنْكَر، ولا يَقدح في نبوته، وأما كونه يُخَيَّل إليه أنه فَعَل الشيء ولم يفعله، فليس في هذا ما يُدخل عليه داخلة في شيء من صدقه؛ لقيام الدليل، والإجماع على عصمته من هذا، وإنما هذا فيما يجوز طروّه عليه في أمر دنياه التي لَمْ يُبعث لسببها، ولا فُضِّل من أجلها، وهو فيها عُرْضة للآفات، كسائر البشر، فغير بعيد أنه يُخَيَّل إليه من أمورها ما لا حقيقة له، ثم ينجلي عنه كما كان. والمقصود: ذِكْر هديه في علاج هذا المرض وقد روي عنه فيه نوعان: أحدهما - وهو أبلغهما -: استخراجه وإبطاله كما صحّ عنه - ﷺ - أنه سأل ربه سبحانه في ذلك، فدُلَّ عليه، فاستخرجه من بئر، فكان في مُشط ومُشاطة وجُفّ طلعةِ ذَكَرٍ، فلما استخرجه ذهب ما به، حتى كأنما أُنشط من عقال، فهذا مِن أبلغ ما يُعالج به المطبوب، وهذا بمنزلة إزالة المادة الخبيثة، وقلعها من الجسد بالاستفراغ. والنوع الثاني: الاستفراغ في المحل الذي يصل إليه أذى السحر، فإن للسحر تأثيرًا في الطبيعة، وهيجان أخلاطها، وتشويش مزاجها، فإذا ظهر أثره في عضو، وأمكن استفراغ المادة الرديئة من ذلك العضو نفع جدًّا. وقد ذكر أبو عبيد في «كتاب غريب الحديث» له بإسناده عن عبد الرَّحمن بن أبي ليلى أن النبيّ - ﷺ - احتجم على رأسه بقرن حين طُبّ، قال أبو عبيد: معنى طُبّ؛ أي: سُحِر. وقد أشكل هذا على من قلّ علمه، وقال: ما للحجامة والسحر؟ وما الرابطة بين هذا الداء وهذا الدواء؟ ولو وَجَد هذا القائل أبقراط، أو ابن سينا، أو غيرهما قد نصّ على هذا العلاج لتلقاه بالقبول والتسليم، وقال: قد نص عليه من لا يُشَكّ في معرفته، وفضله. فاعلم أن مادة السحر الذي أصيب به - ﷺ - انتهت إلى رأسه إلى إحدى قواه التي فيه بحيث كان يُخيَّل إليه أنه يفعل الشيء، ولم يفعله، وهذا تصرف من الساحر في الطبيعة والمادة الدموية بحيث غلبت تلك المادة على البطن المقدَّم منه، فغيَّرت مزاجه عن طبيعته الأصلية. والسحر: هو مركب من تأثيرات الأرواح الخبيثة، وانفعال القوى الطبيعية عنها، وهو أشدّ ما يكون من السحر، ولا سيما في الموضع الذي انتهى السحر إليه، واستعمال الحجامة على ذلك المكان الذي تضررت أفعاله بالسحر من أنفع المعالجة، إذا استُعملت على القانون الذي ينبغي. قال أبقراط: الأشياء التي ينبغي أن تُستفرغ يجب أن تستفرغ من المواضع التي هي إليها أميل بالأشياء التي تصلح لاستفراغها. وقالت طائفة من الناس: إن رسول الله - ﷺ - لمّا أصيب بهذا الداء، وكان يخيل إليه أنه فعل الشي ولم يفعله، ظَنّ أن ذلك عن مادة دموية أو غيرها، مالت إلى جهة الدماغ، وغلبت على البطن المقدَّم منهن فأزالت مزاجه عن الحالة الطبيعية له، وكان استعمال الحجامة إذ ذاك من أبلغ الأدوية، وأنفع المعالجة، فاحتجم وكان ذلك قبل أن يوحى إليه أن ذلك من السحر، فلما جاءه الوحي من الله تعالى، وأخبره أنه قد سُحر عدل إلى العلاج الحقيقيّ، وهو استخراج السحر، وإبطاله، فسأل الله سبحانه، فدلّه على مكانه، فاستخرجه، فقام كأنما أنشط من عقال، وكان غاية هذا السحر فيه إنما هو في جسده، وظاهر جوارحه، لا على عقله وقلبه، ولذلك لم يكن يعتقد صحة ما يخيل إليه من إتيان النساء، بل يعلم أنه خيال لا حقيقة له، ومثل هذا قد يحدث من بعض الأمراض، والله أعلم. انتهى كلام ابن القيّم ﵀ ، وهو بحث نفيسٌ، والله تعالى أعلم. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم السحر: قد استُدِل بقوله تعالى: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ الآية: على أن السحر كفر، ومتعلمه كافر، قال الحافظ: وهو واضح في بعض أنواعه التي قدّمتها، وهو التعبد للشياطين، أو للكواكب، وأما النوع الآخر الذي هو من باب الشعوذة، فلا يكفر به مَنْ تعلَّمه أصلًا. وقال النوويّ: عمل السحر حرام، وهو من الكبائر بالإجماع، وقد عدّه النبيّ - ﷺ - من السبع الموبقات، ومنه ما يكون كفرًا، ومنه ما لا يكون كفرًا، بل معصيةً كبيرةً، فإن كان فيه قول، أو فعل يقتضي الكفر فهو كفر، وإلا فلا، وأما تعلمه وتعليمه فحرام، فإن كان فيه ما يقتضي الكفر كَفَرَ، وإلا فلا، دماذا لم يكن فيه ما يقتضي الكفر عُزِّر، واستتيب منه، ولا يُقتل عندنا، فإن تاب قُبلت توبته. وقال مالك: الساحر كافر يُقتل بالسحر، ولا يستتاب، ولا تُقبل توبته، بل يتحتم قتله، والمسألة مبنية على الخلاف في قبول توبة الزنديق؛ لأن الساحر عنده كافر، كما ذكرنا، وعندنا ليس بكافر، وعندنا تقبل توبة المنافق والزنديق. قال القاضي عياض: وبقول مالك قال أحمد بن حنبل، وهو مروي عن جماعة من الصحابة والتابعين. قال الشافعيّة: فإذا قَتَل الساحر بسحره إنسانًا، واعترف أنه مات بسحره، وأنه يَقتل غالبًا لزمه القصاص، وإن قال: مات به، ولكنه قد يَقتل، وقد لا، فلا قصاص، وتجب الدية والكفارة، وتكون الدية في ماله، لا على عاقلته؛ لأن العاقلة لا تحمل ما ثبت باعتراف الجاني، قالوا: ولا يُتصور القتل بالسحر بالبينة، وإنما يُتصور باعتراف الساحر، والله أعلم. انتهى . وقال في «الفتح»: وقد أجاز بعض العلماء تعلّم السحر لأحد أمرين: إما لتمييز ما فيه كفر من غيره، وإما لإزالته عمن وقع فيه، فأما الأول: فلا محذور فيه، إلا من جهة الاعتقاد، فماذا سَلِم الاعتقاد، فمعرفة الشيء بمجرده لا تستلزم منعًا، كمن يعرف كيفية عبادة أهل الأوثان للأوثان؛ لأن كيفية ما يعمله الساحر إنما هي حكاية قول، أو فعل، بخلاف تعاطيه، والعمل به، وأما الثاني: فإن كان لا يتم كما زعم بعضهم إلا بنوع من أنواع الكفر، أو الفسق، فلا يحلّ أصلًا، وإلا جاز للمعنى المذكور، وهذا فَصْل الخطاب في هذه المسألة. انتهى كلام الحافظ ﵀ ، وهو بحث نفيسٌ، والله تعالى أعلم. وبالسند المتصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٥٦٩٢] (…) - (حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيه، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: سُحِرَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، وَسَاقَ أَبُو كُرَيْب الْحَدِيثَ بِقِصَّتِهِ نَحْوَ حَدِيثِ ابْنِ نُمَيْرٍ، وَقَالَ فِيهِ: فَذَهَبَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِلَى الْبِئْر، فَنَظَرَ إِلَيْهَا، وَعَلَيْهَا نَخْلٌ، وَقَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، أفَأَخْرَجْتَهُ؟ ، وَلَمْ يَقُلْ: أفَلَا أَحْرَقْتَهُ؟، وَلَمْ يَذْكُرْ: (فَأَمَرْتُ بِهَا، فَدُفِنَتْ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: وكلهم ذُكروا في الباب، وقبل باب. وقولها: (أفَأَخْرَجْتَهُ؟) بصيغة الماضي، والهمزة للاستفهام، ووقع في بعض النُّسخ:«فَأَخْرِجه»بصيغة الأمر. [تنبيه]: رواية أبي أسامة عن هشام بن عروة ساقها أبو يعلى ﵀ في«مسنده»، فقال: (٤٨٨٢) - حدَثنا مجاهد بن موسى، حدّثنا أبو أسامة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: سُحر النبيّ - ﷺ - حتى إنه ليُخَيَّل إليه أنه فعل الشيء، وما فعله، حتى إذا كان ذات يوم، وهو عندي دعا الله، ودعا، ثم قال:«أشعرت يا عائشة أن الله قد أفتاني فيما استفتيته فيه»، قلت: وما ذاك يا رسول الله؟ قال:«أتاني ملكان، فجلس أحدهما عند رأسي، والآخر عند رجلي، ثم قال أحدهما لصاحبه: ما وجع الرجل؟ قال: مطبوب، قال: من طبه؟ قال: لبيد بن الأعصم اليهوديّ، من بني زُريق، قال: فيماذا؟ قال: في مُشط، ومُشاطة، قال: فأين هو؟ قال: في بئر ذي أروان»، قال: فذهب النبيّ - ﷺ - وناس من أصحابه إلى البئر، فنظروا إليها، ونخلها، ثم رجع إلى عائشة، فقال:«والله كأن ماءها نُقاعة الحناء، وكأن نخلها رؤوس الشياطين»،
مصادر المؤلف (٤٢)

١. وفي نسخة:«وجفّ».

٢. «الفتح» ١٣/ ٢٠٥، كتاب «الطبّ» رقم (٥٧٦٣).

٣. «المصباح المنير» ٢/ ٦٤٢

٤. «تاج العروس» ١/ ٦٣٥٥.

٥. «الفتح» ١٣/ ٢٠٥ - ٢٠٦، كتاب «الطبّ» رقم (٥٧٦٣).

٦. «المعلم» ٣/ ٩٣.

٧. «إكمال المعلم» ٧/ ٨٨.

٨. «إكمال المعلم» ٧/ ٨٨.

٩. راجع: «شرح البخاريّ» لابن بطَّال ٥/ ٣٥٩.

١٠. «الفتح» ١٣/ ٢٠٨، كتاب «الطبّ» رقم (٥٧٦٣).

١١. «شرح النوويّ» ١٤/ ١٧٥ - ١٧٦.

١٢. «الفتح» ١٣/ ٢٠٨، كتاب «الطبّ» رقم (٥٧٦٣).

١٣. «شرح البخاريّ» للكرمانيّ ٢١/ ٣٧ - ٣٨.

١٤. «المصباح المنير» ١/ ٣١٥.

١٥. «القاموس المحيط» ص ٦٨٩ - ٦٩٠.

١٦. «الفتح في ١٣/ ٢٠٩، كتاب»الطبّ«رقم (٥٧٦٣).

١٧. قال الأصفهانيّ في «دلائله»: المطبوب: المسحور، وجُفُّ طلعة؛ أي: وعاء ثمر النخلة، والمشاقة: ما يُفتل منه الخيوط، والرعوفة: حجر يَجلس عليه الذي يدخل البئر، فيغرف الماء منها في الدلو، واللغة المعروفة: راعوفة، بألف، ونقاعة الحناء: ما ينقع فيه الحناء، فيتغير لونه، وقول عائشة - ﵂ -: «فهلا تنشّرتَ؟» من النُّشرة: أي: هلا حللت السحر الذي سُحِرت بعلاج، أو مداواة. انتهى. «دلائل النبوة» للأصبهانيّ - ﵀ - ١/ ١٧٠.

١٨. «المفهم» ٥/ ٥٧١.

١٩. «الفتح» ١٣/ ٢١٥، كتاب «الطبّ» رقم (٥٧٦٣).

٢٠. «مشارق الأنوار» ١/ ١٧٨.

٢١. «المفهم» ٥/ ٥٧٢.

٢٢. «شرح النوويّ» ١٤/ ١٧٦.

٢٣. «الكفرّى»: وعاء طلع النخل، وفيها لغات.

٢٤. «الركية»: البئر.

٢٥. «المفهم» ٥/ ٥٧٢.

٢٦. «المفهم» ٥/ ٥٧٢.

٢٧. «مشارق الأنوار» ١/ ١٥٢ و٣٤٤.

٢٨. «الفتح» ١٣/ ٢١٢، كتاب «الطبّ» رقم (٥٧٦٣).

٢٩. أي: مقطوعة الأغصان، ومقشّرة اللحاء.

٣٠. «المفهم» ٥/ ٥٧٣.

٣١. «الفتح» ١٣/ ٢١٢، كتاب «الطبّ» رقم (٥٧٦٣).

٣٢. «الفتح» ١٣/ ٢١٣، كتاب «الطبّ» رقم (٥٧٦٣).

٣٣. «شرح النوويّ» ١٤/ ١٧٧.

٣٤. «المفهم»٥/ ٥٧٣.

٣٥. «الفتح» ١٣/ ٢١٣ - ٢١٤، كتاب «الطبّ» رقم (٥٧٦٣).

٣٦. «الفتح» ١٣/ ٢١٤، كتاب «الطبّ» رقم (٥٧٦٣).

٣٧. «شرح النوويّ» ١٤/ ١٧٨.

٣٨. «زاد المعاد» ٤/ ١١٦.

٣٩. «زاد المعاد» ٤/ ١١٣.

٤٠. «شرح النوويّ» ١٤/ ١٧٦.

٤١. «الفتح»١٣/ ٢٠٢ - ٢٠٣، كتاب«الطبّ»رقم (٥٧٦٣).

٤٢. وفي نسخة:«فأخْرِجه؟ ».