HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٢٠٤

حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ وَأَبُو الطَّاهِرِ وَأَحْمَدُ بْنُ عِيسَى. قَالُوا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي عَمْرٌو (وهو ابن الحارث) عن عبدربه بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرِ، عن رسول الله ﷺ؛ أَنَّهُ قَال «لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءٌ. فَإِذَا أُصِيبَ دَوَاءُ الدَّاءِ بَرَأَ بِإِذْنِ اللَّهِ ﷿».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج7 ص21
ج ٤ ص ١٧٢٩

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في مصدر واحد مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣٦ ص١٤١
(١١) - (بَابُ قَوْلهِ -ﷺ-: «لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءٌ»، وَاسْتِحْبَابِ التَّدَاوِي) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّل الكتاب قال: [٥٧٢٩] (٢٢٠٤) - (حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ، وَأَبُو الطَّاهِرِ، وَأَحْمَدُ بْنُ عِيسَى، قَالُوا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرٌو -وَهُوَ ابْنُ الْحَارِثِ- عَنْ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- أَنَّهُ قَالَ: «لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءٌ، فَإِذَا أُصِيبَ دَوَاءُ الدَّاءِ، بَرَأَ بِإِذْنِ اللهِ -﷿»). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ) الخزّاز الضرير، أبو عليّ المروزيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣١) (خ م د) تقدم في «الإيمان» ٦٣/ ٣٥٠. ٢ - (أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى) بن حسّان المصريّ المعروف بابن التستريّ، صدوق تكلموا فيه بلا حجة [١٠] (ت ٢٤٣) (خ م س ق) تقدم في «الإيمان» ٨/ ١٣٤. ٣ - (عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ) بن يعقوب الأنصاريّ مولاهم، أبو أيوب المصريّ، ثقةٌ حافظٌ فقيهٌ [٧] مات قبل (١٥٠) (ع) تقدم في «الإيمان» ١٦/ ١٦٩. والباقون ذُكروا قبل باب، وقيل: أربعة أبواب، و«عَبْدُ رَبِّهِ بْنُ سَعِيدٍ» هو: الأنصاريّ المدنيّ، أخو يحيى بن سعيد. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-، وله فيه ثلاث من الشيوخ قرن بينهم؛ لاتّحاد كيفيّة التحمّل، وصيغة الأداء، وأن نصفه الأول مصريّون، والثاني مدنيّون، غير أبي الزبير، فمكيّ، وفيه جابر -﵁- من المكثرين السبعة. شرح الحديث: (عَنْ جَابِرٍ) -﵁- (عَنْ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- أَنَّهُ قَالَ: «لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءٌ) مبتدأ وخبره، قال في»المشارق«: الداء ممدودًا: العيب، والمرض، وقوله:»لكل داء دواء«ممدودان، ويقال: دواء بفتح الدال، وكسرها، صحيحان. انتهى ، وقال المناويّ -﵀-:«لكل داء»بفتح الدال ممدودةً، وقد تُقصر،«دواء»يعني شيء مخلوقٌ مُقَدّرٌ له. انتهى . وقال النوويّ -﵀-: الدواء بفتح الدال، ممدودٌ، وحَكَى جماعات -منهم الجوهريّ- فيه لغةً بكسر الدال، قال القاضي: هي لغة الكلابيين، وهو شاذّ. انتهى . وقال في«القاموس»، و«شرحه»: الدواء مثلثةً، والفتح هو المشهور فيه، وقال الجوهريّ: الكسر لغة فيه، وهذا البيت يُنشَد على هذه اللغة [من الطويل]: يَقُولُونَ مَخْمُورٌ وَهَذَا دِوَاؤُهُ … عَلَىَّ إِذَنْ مَشْيٌ إِلَى الْبَيْتِ وَاجِبُ أي قالوا: إن الْجَلْد، والتعزير دِواؤه، قال: وعليّ حجة ماشيًا، إن كنت شربتها، ويقال: الدِّواءُ بالكسر، إنما هو مصدر داويته مُداواةً، ودِوَاءً. انتهى. والدُّواء بالضم عن الْهَجَرِيّ، وهو اسم ما داويت به. انتهى . وقال القرطبيّ -﵀-: قوله: «لكل داء دواء»: الدَّاء: بفتح الدَّال لا غير، والدَّواء تُفتح داله، وتكسر، والفتح أفصح، وهذه الكلمة صادقة العموم؛ لأنها خبر من الصادق البشير، عن الخالق القدير: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤)﴾ [الملك: ١٤]، فالدَّاء، والدَّواء خَلْقه، والشِّفاء والهلاك فِعْله، ورَبْط الأسباب بالمسبَّبات حِكمته، وحُكمه، على ما سبق به علمه، فكل ذلك بقدر، لا مَعْدِل عنه، ولا وزر، وما أحسن قول النبيّ -ﷺ-، فيما خرَّجه الترمذيّ، عن أبي خزامة بن يعمر، قال: سألت رسول الله -ﷺ-، فقلت: يا رسول الله! أرأيت رُقًى نسترقيها، ودواء نتداوى به؛ هل تردُّ من قدر الله شيئًا؟ قال: «هي من قدر الله» ، قال: هذا حديث حسن صحيح، وكفى بهذا بيانًا، لكن للبصراء، لا للعميان. انتهى . (فَإِذَا أُصِيبَ دَوَاءُ الدَّاءِ) بإضافة «دواء» إلى الداء، وهي بمعنى اللام، (بَرَأَ) تقدَّم أنه من باب ضرب، وتعب، وكرُم، بمعنى تعافى، وحصل له الشفاء (بِإِذْنِ اللهِ -﷿-«) قال القرطبيّ -﵀-: معناه: أن الله تعالى إذا شاء الشِّفاء يسَّر دواء ذلك الدَّاء، ونبَّه عليه مستعمله، فيستعمله على وجهه، وفي وقته، فيُشْفَى ذلك المرض، وإذا أراد إهلاك صاحب المرض، أذهل عن دوائه، أو حجبه بمانع يمنعه، فهلك صاحبه، وكلُّ ذلك بمشيئته، وحُكمه، كما سبق في علمه، ولقد أحسن من الشعراء من قال في شرح الحال: وَالنَّاسُ يَلْحَوْنَ الطَّبِيبَ وَإنَّمَا … غَلَطُ الطَّبيبِ إِصَابَةُ الْمَقْدُورِ وقد خرَّج أبو داود هذا الحديث، وحديث أسامة بن شريك، وقال فيه: إنَّه -ﷺ- قال: «يا عباد الله! تداووا، فإنَّ الله لم يضع داءً إلا وضع له شِفَاءً، غير داءٍ واحد: الهرم» ، فاستثنى الهرم من جملة الأدواء، وإن لم يكن داء بنفسه، لكن تلازمه الأدواء، وهو مُفْضٍ بصاحبه إلى الهلاك، وهذا نحو من قوله في الحديث الآخر: «كفى بالسَّلامة داء» ؛ أي: مصير السلامة إلى الدَّاء، وكما قال حميد بن ثور [من الطويل]: أَرَى بَصَرِي قد رابَنِي بَعْد صِحَّةٍ … وَحَسْبُكَ داءً أَنْ تَصِحَّ وتَسْلمَا مسائل تتعلّق بهدا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جابر -﵁- هذا من أفراد المصنّف -﵀-. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١١/ ٥٧٢٩] (٢٢٠٤)، و(النسائيّ) في «الكبرى» (٤/ ٣٦٩)، و(أحمد) في «مسنده» ٣/ ٣٣٥)، و(ابن حبّان) في، صحيحه«(٦٠٦٤)، و(الطحاويّ) في»شرح معاني الآثار«(٤/ ٣٢٣)، و(أبو يعلى) في (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان إباحة التعالج؛ لأن رسول الله -ﷺ- لم يُنكر ذلك عليهم. ٢ - (ومنها): بيان جواز إتيان المتطبب إلى صاحب العلة. ٣ - (ومنها): بيان أن الله -﷿- هو الممرض والشافي، وأنه لا يكون في ملكه إلا ما شاء، وأنه أنزل الداء والدواء، وقدّره، وقضى به، وكذلك ثبت عن النبيّ -ﷺ- أنه كان يَرْقِي، ويقول:«اشف أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، اشف شفاءً لا يغادر سَقَمًا»، وهذا يصحح لك أن المعالجة إنما هي لتطيب نفس العليل، ويأنس بالعلاج، ورجاء أن يكون من أسباب الشفا، كالتسبب لطلب الرزق الذي قد فُرغ منه. ٤ - (ومنها): ما قال ابن عبد البرّ -﵀-: في قوله -ﷺ-:«أنزل الدواء الذي أنزل الأدواء» دليل على أن البرء ليس في وسع مخلوق أن يعجّله قبل أن ينزل، ويقدّر وقته، وحينه، وقد رأينا المنتسبين إلى علم الطبّ يعالج أحدهم رجلين، وهو يزعم أن علتهما واحدة، في زمن واحد، وسنّ واحد، وبلد واحد، وربما كانا أخوين توأمين، غذاؤهما واحد، فعالجهما بعلاج واحد، فيُفيق أحدهما، ويموت الآخر، أو تطول علته، ثم يفيق عند الأمد المقدور له. انتهى ، والله تعالى أعلم. (المسألة الرابعة): قال النوويّ -﵀-: في هذا الحديث إشارة إلى استحباب الدواء، وهو مذهب أصحابنا، وجمهور السلف، وعامة الخلف، قال القاضي: في هذه الأحاديث جُمَلٌ من علوم الدين والدنيا، وصحة علم الطبّ، وجواز التطبيب في الجملة، واستحبابه بالأمور المذكورة في هذه الأحاديث التي ذكرها مسلم، وفيها ردّ على من أنكر التداوي من غُلاة الصوفيّة، وقال: كل شيء بقضاء وقدر، فلا حاجة إلى التداوي، وحجة العلماء هذه الأحاديث، ويعتقدون أن الله تعالى هو الفاعل، وأن التداوي هو أيضًا مِن قَدَر الله، وهذا كالأمر بالدعاء، وكالأمر بقتال الكفار، وبالتحصن، ومجانبة الإلقاء باليد إلى التهلكة، مع أن الأجل لا يتغير، والمقادير لا تتأخر، ولا تتقدم عن أوقاتها، ولا بدّ من وقوع المقدرات، والله أعلم. قال الإمام أبو عبد الله المازريّ: ذكر مسلم هذه الأحاديث الكثيرة في الطب والعلاج، وقد اعتَرَضَ في بعضها من في قلبه مرض، فقال: الأطباء مجمعون على أن العسل مُسْهِل، فكيف يوصف لمن به الإسهال؟ ومجمعون أيضًا أن استعمال المحموم الماء البارد مخاطرة، قريب من الهلاك؛ لأنه يجمع المسامّ، ويحقن البخار، ويعكس الحرارة إلى داخل الجسم، فيكون سببًا للتلف، وينكرون أيضًا مداواة ذات الجنب بالقُسْط، مع ما فيه من الحرارة الشديدة، ويرون ذلك خطرًا. قال المازريّ: وهذا الذي قاله هذا المعترض جهالة بينة، وهو فيها كما قال الله تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ﴾ [يونس: ٣٩]. ونحن نشرح الأحاديث المذكورة في هذا الموضع، فنقول: قوله -ﷺ-: «لكل داء دواء، فإذا أصيب دواء الداء برئ بإذن الله»، فهذا فيه بيانٌ واضحٌ لأنه قد عُلِم أن الأطباء يقولون: المرض هو خروج الجسم عن المجرى الطبيعيّ، والمداواة ردّه إليه، وحفظ الصحة بقاؤه عليه، فحِفْظها يكون بإصلاح الأغذية، وغيرها، وردّه يكون بالموافق من الأدوية المضادّة للمرض، وبقراط يقول: الأشياء تداوى بأضدادها، ولكن قد يَدِقّ، ويغمض حقيقة المرض، وحقيقة طبع الدواء، فيقلّ الثقة بالمضادّة، ومن ها هنا يقع الخطأ من الطبيب فقط، فقد يظنّ العلة عن مادّة حارّة، فيكون عن غير مادّة، أو عن مادة باردة، أو عن مادة حارة دون الحرارة التي ظنها، فلا يحصل الشفاء، فكأنه -ﷺ- نبَّه بآخر كلامه على ما قد يعارض به أوله، فيقال: قلتَ: «لكل داء دواءٌ»، ونحن نجد كثيرين من المرضى يداوون، فلا يبرءون، فقال: إنما ذلك لِفَقْد العلم بحقيقة المداواة، لا لفقد الدواء، وهذا واضح، والله أعلم. انتهى . وقال ابن عبد البرّ -﵀-: واختَلَف العلماء في هذا الباب، فذهبت منهم طائفة إلى كراهية الرُّقَى والمعالجة، قالوا: الواجب على المؤمن أن يترك ذلك؛ اعتصامًا بالله تعالى، وتوكلًا عليه، وثقةً به، وانقطاعًا إليه، وعلمًا بأن الرقية لا تنفعه، وأن تركها لا يضرّه؛ إذ قد علم الله أيام المرض، وأيام الصحة، فلا تزيد هذه بالرُّقَى، والعلاجات، ولا تنقص تلك بترك السعي والاحتيالات، لكل صنف من ذلك زمنٌ، قد علمه الله، ووقت قد قدّره قبل أن يخلق الخلق، فلو حَرَص الخلق على تقليل أيام المرض، وزمن الداء، أو على تكثير أيام الصحة، ما قدروا على ذلك، قال الله -﷿-: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ [الحديد: ٢٢]، واحتجوا بحديث ابن عباس -﵄- مرفوعًا: «عُرِضت عليّ الأمم»، فذكر حديث السبعين الذين يدخلون الجنّة بغير حساب، وفيه: «فقال: هم الذين لا يسترقون، ولا يتطيرون، ولا يكتوون، وعلى ربهم يتوكلون». قال ابن عبد البرّ: فلهذه الفضيلة ذهب بعض أهل العلم إلى كراهية الرُّقَى، والاكتواء. والآثار بهذا كثيرة ثابتة عن النبيّ -ﷺ-، وممن ذهب إلى هذا داود بن عليّ، وجماعة من أهل الفقه والأثر. وذهب آخرون من العلماء إلى إباحة الاسترقاء، والمعالجة، والتداوي، وقالوا: إن من سُنَّة المسلمين التي يجب عليهم لزومها لروايتهم لها عن نبيّهم -ﷺ- الفَزَعَ إلى الله عند الأمر، يَعْرِض لهم، وعند نزول البلاء بهم، في التعوّذ بالله من كل شر، والى الاسترقاء، وقراءة القرآن، والذِّكر، والدعاء، واحتجوا بالآثار المروية عن النبيّ -ﷺ- في إباحة التداوي، والاسترقاء، منها قوله: «تداووا عبادَ الله، ولا تداووا بحرام، فإن الله لم يُنزل داء، إلا أنزل له دواء»، وبقوله -ﷺ-: «الشفاء في ثلاثة: في شَرْبة عسل، أو شُرْطة مِحْجَم، أو كَيّة نار، وما أحب أن أَكْتَوِيَ»، وبحديث أبي هريرة -﵁-، عن النبيّ -ﷺ- أنه قال: «إن كان في شيء مما تداووا به خير فالحجامة»، وبحديث سمرة -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: «خير ما يُتداوى به الحجامة»، وبحديث ابن عباس -﵄- «أن رسول الله -ﷺ- احتجم، واسْتَعَطَ، وأعطى الحجام أجره»، ورُوي عنه أنه قال: «إن كان دواء يبلغ الداء، فالحجامة تبلغه»، وقال -ﷺ-: «ما خلق الله داء، إلا خلق له دواء، إلا الموت، والهرَم»، وقال -ﷺ-: «في الحبة السوداء شفاءٌ من كل داء، إلا السام»؛ يعني: الموت، رواه ابن شهاب عن سعيد، عن أبي هريرة -﵁-، وقال: «الكمأة من المنّ، وماؤها شفاء للعين»، ورَقَى رسول الله -ﷺ- نفسه، ورَقَى أصحابه، وأمرهم بالرقية، وأباح الأكل بالرقية، وكان يُعَوِّذ الحسن والحسين، ويسترقي لهما، وكذلك جاء عنه في ابني جعفر، وأمر عامر بن ربيعة بالاغتسال لسهيل بن حُنيف من العين، وكان يقول: «من قال أعوذ بعزة الله وقدرته، كُشف عنه كذا، ومن قال: أعوذ بكلمات الله التامات لم يضرّه شيء»، ونحو هذا من الحديث، وقال رسول الله -ﷺ- لأسماء بنت عميس: «بم كنت تستمشين؟» قالت: بالشبرم؟ قال: «حارّ جارّ»، قالت: ثم استَمْشَيْتُ بالسَّنَا، فقال -ﷺ-: «لو كان شيء يشفي من الموت كان السنا»، وأجاز -ﷺ- اللَّدُود، والسَّعُوط، والمَشْي، والحجامة، والعَلَق. وقال إبراهيم النخعيّ: كانوا لا يرون بالاستشفاء بأسًا، وإنما كرهوا منه ما كرهوا مخافة أن يُضعفهم، وقال عطاء: لا بأس أن يَستشفي المجذوم، وغير المجذوم، وقد سئل رسول الله -ﷺ-، فقيل له: أرأيت أدوية نتداوى بها، ورُقًى نسترقي بها، أتردّ من قدر الله؟ فقال: «هي من قدر الله»، وذكر آثارًا كثيرًا من هذا النوع. قال: واكتوى ابن عمر وغيره من السلف، فمن زعم أنه لا معنى للرقى، والاستعاذة، ومنع من التداوي، والمعالجة، ونحو ذلك، مما يُلتمس به العافية من الله، فقد خرج من عُرف المسلمين، وخالف طريقهم. قالوا: ولو كان الأمر كما ذهب إليه من كَرِه التداوي والرقَى، ما قَطَع الناس أيديهم، وأرجلهم، وغير ذلك من أعضائهم للعلاج، وما افتصدوا، ولا احتجموا، وهذا عروة بن الزبير قد قطع ساقه. قالوا: وقد يَحْتَمِل أن يكون قول النبي -ﷺ-: «لا يسترقون، ولا يكتوون»، أن يكون قَصَدَ إلى نوع من الكيّ، مكروه منهيّ عنه، أو يكون قصد إلى الرُّقَى بما ليس في كتاب الله، ولا مِن ذِكْره، وقد جاء عن أبي بكر الصديق كراهية الرقية بغير كتاب الله، وعلى ذلك العلماء، وأباح لليهودية أن تَرْقِيَ عائشة بكتاب الله. قال ابن عبد البرّ: هذا كله قد نزع به، أو ببعضه من قصد إلى الردّ على القول الأول، والذي أقول به: إنه قد كان من خيار هذه الأمة، وسلفها، وعلمائها، قوم يصبرون على الأمراض، حتى يكشفها الله، ومعهم الأطباء، فلم يعابوا بترك المعالجة، ولو كانت المعالجة سُنَّة من السنن الواجبة، لكان الذمّ قد لَحِقَ مَن تَرَك الاسترقاء، والتداوي، وهذا لا نعلم أحدًا قاله، ولكان أهل البادية، والمواضع النائية عن الأطباء، قد دخل عليهم النقص في دينهم؛ لتركهم ذلك، وإنما التداوي -والله أعلم- مباح على ما قدمنا؛ لميل النفوس إليه، وسكونها نحوه: ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾ [الرعد: ٣٨]، لا أنه سُنّة، ولا أنه واجب، ولا أن العلم بذلك علم موثوق به، لا يخالف، بل هو خطر، وتجربة، موقوفة على القدر، والله نسأله العصمة والتوفيق. وعلى إباحة التداوي، والاسترقاء، جمهور العلماء، وقد رخصوا أن يداوي الرجال عند الاضطرار النساءَ على سبيل السترة والاحتياط. انتهى كلام ابن عبد البرّ -﵀- ، وهو بحث مفيدٌ، والله تعالى أعلم. (المسألة الخامسة): قال الإمام المحقّق ابن القيّم -﵀- بعد أن أورد حديث مسلم هذا، وذَكَر حديث «الصحيحين» عن عطاء، عن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «ما أنزل الله من داء، إلا أنزل له شفاء»، وفي «مسند الإمام أحمد» بإسناد صحيح: من حديث زياد بن عِلاقة، عن أسامة بن شريك، قال: كنت عند النبيّ -ﷺ-، وجاءت الأعراب، فقالوا: يا رسول الله! أنتداوى؟ فقال: «نعم يا عباد الله تداووا، فإن الله لم يضع داءً، إلا وضع له شفاءً، غير داء واحد»، قالوا: ما هو؟ قال: «الهرم». وفي لفظ: «إن الله لم ينزل داء إلا أنزل له شفاء، عَلِمه من عَلِمه، وجَهِله من جهله». وفي «المسند» بإسناد صحيح: من حديث ابن مسعود -﵁- يرفعه: «إن الله -﷿- لم ينزل داء، إلا أنزل له شفاء، علمه من علمه، وجهله من جهله»، وفي «المسند» أيضًا و«السنن»: عن أبي خِزامة قال: قلت: يا رسول الله! أرأيت رُقًى نسترقيها، ودواء نتداوى به، وتقاة نتقيها، هل ترُدّ من قدر الله شيئا؟ فقال: «هي من قدر الله» . قال: فقد تضمنت هذه الأحاديث إثبات الأسباب والمسببات، وابطال قول من أنكرها، ويجوز أن يكون قوله: «لكل داء دواء» على عمومه، حتى يتناول الأدواء القاتلة، والأدواء التي لا يمكن لطبيب أن يبرئها، ويكون الله -﷿- قد جعل لها أدوية تبرئها، ولكن طَوَى علمها عن البشر، ولم يجعل لهم إليه سبيلًا؛ لأنه لا علم للخلق إلا ما علّمهم الله، ولهذا عَلَّق النبيّ -ﷺ- الشفاء على مصادفة الدواء للداء، فإنه لا شيء من المخلوقات إلا له ضدّ، وكل داء له ضدّ من الدواء، يعالج بضدّه، فعلّق النبيّ -ﷺ- البرء بموافقة الداء للدواء، وهذا قدر زائد على مجرد وجوده، فإن الدواء متى جاوز درجة الداء في الكيفية، أو زاد في الكمية على ما ينبغي، نَقَلَهُ إلى داء آخر، ومتى قصر عنها لم يف بمقاومته، وكان العلاج قاصرًا، ومتى لم يقع المداوي على الدواء، أو لم يقع الدواء على الداء لم يحصل الشفاء، ومتى لم يكن الزمان صالِحًا لذلك الدواء لم ينفع، ومتى كان البدن غير قابل له، أو القوّة عاجزة عن حمله، أو ثَمّ مانع يمنع من تأثيره لم يحصل البرء؛ لعدم المصادفة، ومتى تمَّت المصادفة حصل البرء بإذن الله تعالى، ولا بدّ، وهذا أحسن المَحْمَلَين في الحديث. والثاني: أن يكون من العامّ المراد به الخاصّ، لا سيما والداخل في اللفظ أضعاف أضعاف الخارج منه، وهذا يستعمل في كل لسان، ويكون المراد: أن الله لم يضع داء يقبل الدواء إلا وضع له دواء، فلا يدخل في هذا الأدواءُ التي لا تقبل الدواء، وهذا كقوله تعالى في الريح التي سلطها على قوم عاد: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الأحقاف: ٢٥]؛ أي: كل شيء يقبل التدمير، ومن شأن الريح أن تدمّره، ونظائره كثيرة. ومن تأمل خلق الأضداد في هذا العالم، ومقاومة بعضها لبعض، ودَفْع بعضها ببعض، وتسليط بعضها على بعض، تبيَّن له كمال قدرة الرب تعالى، وحكمته، وإتقانه ما صنعه، وتفرده بالربوبية، والوحدانية، والقهر، وأن كل ما سواه فله ما يضادّه، ويمانعه، كما أنه الغنيّ بذاته، وكل ما سواه محتاج بذاته. وفي الأحاديث الصحيحة الأمر بالتداوي، وأنه لا ينافي التوكل، كما لا ينافيه دفع داء الجوع، والعطش، والحرّ، والبرد، بأضدادها، بل لا تتم حقيقة التوحيد إلا بمباشرة الأسباب التي نصبها الله مقتضيات لمسبَّباتها قدرًا وشرعًا، وأن تعطيلها يقدح في نفس التوكل، كما يقدح في الأمر، والحكمة، ويُضْعفه من حيث يظنّ معطِّلها أن تركها أقوى في التوكل، فإنَّ تَرْكَها عجزًا ينافي التوكل الذي حقيقته اعتماد القلب على الله في حصول ما ينفع العبد في دينه، ودنياه، ودَفْع ما يضرّه في دينه، ودنياه، ولا بدّ مع هذا الاعتمادِ من مباشرة الأسباب، وإلا كان معطّلًا للحكمة، والشرع، فلا يجعل العبد عجزه توكلًا، ولا توكله عجزًا. وفيها رَدٌّ على من أنكر التداوي، وقال: إن كان الشفاء قد قُدِّر فالتداوي لا يفيد، وإن لم يكن قد قُدِّر فكذلك، وأيضًا فإن المرض حصل بقدر الله، وقدر الله لا يُدفع، ولا يُرَدّ، وهذا السؤال هو الذي أورده الأعراب على رسول الله -ﷺ-، وأما أفاضل الصحابة -﵃- فأعلمُ بالله، وحكمته، وصفاته، من أن يوردوا مثل هذا، وقد أجابهم النبيّ -ﷺ- بما شفى، وكفى، فقال: هذه الأدوية، والرُّقَى، والتُّقَى، هي من قدر الله، فما خرج شيء عن قدره، بل يُرَدُّ قدره بقدره، وهذا الردّ من قدره فلا سبيل إلى الخروج عن قدره بوجه ما، وهذا كردّ قَدَر الجوع، والعطش، والحرّ، والبرد، بأضدادها، وكردّ قدر العدوّ بالجهاد، وكل من قدر الله: الدافع، والمدفوع، والدفع. ويقال لمورد هذا السؤال: هذا يوجب عليك أن لا تباشر سببًا من الأسباب التي تَجْلُب بها منفعة، أو تدفع بها مضرّة؛ لأن المنفعة، والمضرة، إن قُدِّرتا لم يكن بُدّ من وقوعهما، وإن لم تُقَدَّرا لم يكن سبيل إلى وقوعهما، وفي ذلك خراب الدين والدنيا، وفساد العالم، وهذا لا يقوله إلا دافعٌ للحقّ، معاند له، فيذكر القدر؛ ليدفع حجة المحقّ عليه، كالمشركين الذين قالوا: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا﴾ [الأنعام: ١٤٨]، و﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا﴾ [النحل: ٣٥]، فهذا قالوه دفعًا لحجة الله عليهم بالرسل. وجواب هذا السائل أن يقال: بقي قسم ثالث لم تذكره، هو أن الله قدّر كذا وكذا بهذا السبب، فإن أتيت بالسبب حصل المسبَّب، وإلا فلا، فإن قال: إن كان قُدِّر لي السبب فعلته، وإن لم يقدّره لي لم أتمكن من فعله، قيل: فهل تقبل هذا الاحتجاج من عبدك، وولدك، وأجيرك، إذا احتَجّ به عليك فيما أمرته به، ونهيته عنه، فخالفك؟ فإن قبلته فلا تَلُم من عصاك، وأخذ مالك، وقذف عرضك، وضيَّع حقوقك، وإن لم تقبله فكيف يكون مقبولًا منك في دفع حقوق الله عليك؟. وقد رُوي في أثر إسرائيلي: أن إبراهيم الخليل -﵇- قال: يا رب ممن الداء؟ قال: مني، قال: فممن الدواء؟ قال: مني، قال: فما بال الطبيب؟ قال: رجل أُرسلُ الدواء على يديه. وفي قوله -ﷺ-: «لكل داء دواءٌ» تقوية لنفس المريض، والطبيب، وحَثّ على طلب ذلك الدواء، والتفتيش عليه، فإن المريض إذا استشعرت نفسه أن لدائه دواء يزيله تعلَّق قلبه بروح الرجاء، وبردت عنده حرارة اليأس، وانفتح له باب الرجاء، ومتى قويت نفسه انبعثت حرارته الغريزية، وكان ذلك سببها لقوة الأرواح الحيوانية، والنفسانية، والطبيعية، ومتى قويت هذه الأرواح قويت القوى التي هي حاملة لها، فقهرت المرض، ودفعته. وكذلك الطبيب إذا علم أن لهذا الداء دواء، أمكنه طلبه، والتفتيش عليه، وأمراض الأبدان على وزان أمراض القلوب، وما جعل الله للقلب مرضًا إلا جعل له شفاء بضدّه، فإن علمه صاحب الداء، واستعمله، وصادف داء قلبه أبرأه بإذن الله تعالى. انتهى كلام ابن القيّم -﵀- ، وهو بحثٌ نفيسٌ، وتحقيقٌ أنيسٌ، والله تعالى أعلم.
مصادر المؤلف (١٦)

١. «مشارق الأنوار» ١/ ٢٦٣.

٢. «فيض القدير على الجامع الصغير» للمناويّ -﵀- ٥/ ٢٨٣.

٣. «شرح النوويّ» ١٤/ ١٩١.

٤. «تاج العروس» ١/ ٨٣٨٨.

٥. رواه الترمذيّ (٢٠٦٥ و٢١٤٨) وقال: حديث حسن صحيح، وحسّنه الشيخ الألبانيّ.

٦. «المفهم» ٥/ ٥٩٢.

٧. أي: يشتمونه، ويسبّونه.

٨. حديث صحيح، رواه أبو داود (٣٨٥٥).

٩. رواه القضاعي في«مسند الشهاب»رقم (٨٦١) وضعّفه الشيخ الألبانيّ.

١٠. «المفهم»٥/ ٥٩٣.«مسنده»(٤/ ٣٢)، و(الحا كم) في«المستدرك»(٤/ ٤٠١)، و(البيهقيّ) في«الكبرى»(٩/ ٣٤٣)، والله تعالى أعلم.

١١. «التمهيد» لابن عبد البرّ ٥/ ٢٦٤.

١٢. «شرح النوويّ» ١٤/ ١٩١ - ١٩٢.

١٣. «التمهيد» لابن عبد البرّ ٥/ ٢٨٠.

١٤. أخرجه أحمد، والترمذيّ، والحاكم، وابن ماجه، وفي سنده مجهول، وفي الباب عن حكيم بن حزام عند الحاكم ٤/ ١٩٩، وصححه، ووافقه الذهبيّ.

١٥. من بابي ضرب، وقتل.

١٦. «زاد المعاد» ٤/ ١٣ - ١٧.