HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٢٠٥

حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ وَأَبُو الطَّاهِرِ. قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي عَمْرُو؛ أَنَّ بُكَيْرًا حَدَّثَهُ؛ أَنَّ عَاصِمَ بْنَ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ حَدَّثَهُ؛ أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَادَ الْمُقَنَّعَ ثُمَّ قَالَ: لَا أَبْرَحُ حَتَّى تَحْتَجِمَ. فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «إِنَّ فِيهِ شِفَاءً».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج7 ص21
ج ٤ ص ١٧٢٩

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في مصدرين صحيح البخاري, مسند أحمد
التحرير في شرح صحيح مسلم · قوام السنة الأصبهاني · ج١ ص٥٢٤
[٦٥٧] وقوله: (أَوْ لَذْعَةٍ بِنَارٍ) ؛ لذعه: أي: أحرقه، يريد: الكي، و(شَرطَةُ المِحجَمِ): الحجامة، والمِشْرَط: حديدة يقطع بها العرق. * * *
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣٦ ص١٥٢
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّل الكتاب قال: [٥٧٣٠] (٢٢٠٥) - (حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ، وَأَبُو الطَّاهِرِ، قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرٌو، أَنَّ بُكَيْرًا حَدَّثَهُ، أَنَّ عَاصِمَ بْنَ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ حَدَّثَهُ، أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ عَادَ الْمُقَنَّعَ، ثُمَّ قَالَ: لَا أبْرَحُ حَتَّى تَحْتَجِمَ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- يَقُولُ: «إِنَّ فِيهِ شِفَاءً»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ) بن النعمان الأنصاري الأوسيّ، أبو عُمَر المدنيّ، ثقةٌ عالم بالمغازي [٤] مات بعد (١٢٠) (ع) تقدم في «المساجد ومواضع الصلاة» ٤/ ١١٩٤. والباقون ذُكروا قبله. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-، وأن نصفه الأول مسلسلٌ بالمصريين، والثاني بالمدنيين، وأنه مسلسلٌ أيضًا بالتحديث، والإخبار، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه جابر -﵁- من المكثرين السبعة. شرح الحديث: عن بُكير بن الأشجّ (أَنَّ عَاصِمَ بْنَ عُمَرَ) بن قتادة الأنصاريّ الأوسيّ، يكنى أبا عُمَر، قال في «الفتح»: ما له في البخاريّ سوى هذا الحديث، وآخر تقدم في «باب من بني مسجدًا» في أوائل «الصلاة»، وهو تابعيٌّ ثقةٌ عندهم، وأغرب عبد الحقّ، فقال في «الأحكام»: وثقه ابن معين، وأبو زرعة، وضعّفه غيرهما، وردّ ذلك أبو الحسن ابن القطان على عبد الحقّ، فقال: لا أعرف أحدًا ضعّفه، ولا ذَكَره في الضعفاء. انتهى، قال الحافظ: وهو كما قال. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: قوله: وما له في البخاريّ. . . إلخ، وكذا ليس له عند مسلم إلا الحديثان المذكوران عند البخاريّ فتنبّه، والله تعالى أعلم. (حَدَّثَهُ)؛ أي: حدّث بُكيرًا (أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) -﵄- (عَادَ الْمُقَنَّعَ)؛ أي: زاره، وهو مريضٌ، -وهو بضمّ الميم، وفتح النون المشدّدة- هو ابن سنان التابعيّ، قال الحافظ: لا أعرفه إلا في هذا الحديث. (ثُمَّ قَالَ) جابر -﵁- (لَا أَبْرَحُ)؛ أي: لا أخرُج من مكاني هذا (حَتَّى تَحْتَجِمَ)؛ أي: حتى تعمل الحجامة على خُراجك، (فَإِنِّي) الفاء تعليليّة؛ أي: إنما أمرتك بالاحتجام؛ لأني (سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- يَقُولُ: «إِنَّ فِيهِ شِفَاءً») قال في «العمدة»: الضمير يرجع إلى الْحَجْم الذي يدلّ عليه قوله: «حتى تحتجم». انتهى . وقال المناويّ: «إن فيه شفاءً»؛ أي: من غالب الأمراض، لغالب الناس، في قطر مخصوص، في زمن مخصوص، هكذا فافهم كلام الرسول، ولا عليك من ضعفاء العقول، فإن هذا وأشباهه يخرج جوابًا لسؤال معيَّن، يكون الحجم له من أنفع الأدوية، ولا يلزم من ذلك الاطراد. انتهى . وقال في «الفتح»: قال الموفّق البغداديّ: الحجامة تُنَقِّي سطح البدن أكثر من الفصد، والفصد لأعماق البدن، والحجامة للصبيان، وفي البلاد الحارّة أَولى من الفصد، وآمن غائلة، وقد تغني عن كثير من الأدوية، ولهذا وردت الأحاديث بذكرها دون الفصد، ولأن العرب غالبًا ما كانت تعرف إلا الحجامة، وقال صاحب «الهدى»: التحقيق في أمر الفصد، والحجامة، أنهما يختلفان باختلاف الزمان، والمكان، والمزاج، فالحجامة في الأزمان الحارّة، والأمكنة الحارّة، والأبدان الحارّة التي دم أصحابها في غاية النُّضْج أنفع، والفصد بالعكس، ولهذا كانت الحجامة أنفع للصبيان، ولمن لا يقوى على الفصد. انتهى . مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله -﵄- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١١/ ٥٧٣٠ و٥٧٣١] (٢٢٠٥)، و(البخاريّ) في «الطبّ» (٥٦٨٣ و٥٦٩٧ و٥٧٠٤)، و(النسائيّ) في «الكبرى» (٤/ ٣٧٦)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (٨/ ٨٤)، و(أحمد) في «مسنده» (٣/ ٣٣٥ و٣٤٣)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٦٠٧٦)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (٢٠٣٧)، و(الطبريّ) في «تهذيب الآثار» (١/ ٥٠١)، و(الحاكم) في «مستدركه» (٤/ ٤٠٩)، و(الطحاويّ) في «شرح معاني الآثار» (٤/ ٣٢٢)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٩/ ٣٣٩ و٣٤١)، و(البغويّ) في «شرح السنّة» (٣٢٢٩)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّل الكتاب قال: [٥٧٣١] (. . .) - (حَدَّثَنِي نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، قَالَ: جَاءَنَا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ فِي أَهْلِنَا، وَرَجُلٌ يَشْتَكِي خُرَاجًا بِهِ، أَوْ جِرَاحًا، فَقَالَ: مَا تَشْتَكِي؟ قَالَ: خُرَاجٌ بِي، قَدْ شَقَّ عَلَيَّ، فَقَالَ: يَا غُلَامُ ائْتِنِي بِحَجَّامٍ ، فَقَالَ لَهُ: مَا تَصْنَعُ بِالْحَجَّامِ يَا أَبَا عَبْدِ اللهِ؟ قَالَ: أُرِيدُ أَنْ أُعَلِّقَ فِيهِ مِحْجَمًا، قَالَ: وَاللهِ إِنَّ الذُّبَابَ لَيُصِيبُنِي، أَوْ يُصِيبُنِي الثَّوْبُ، فَيُؤْذِينِي، وَيَشُقُّ عَلَىَّ، فَلَمَّا رَأَى تَبَرُّمَهُ مِنْ ذَلِكَ قَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- يَقُولُ: «إِنْ كَانَ فِي شَيْءٍ مِنْ أَدْوِيَتِكُمْ خَيْرٌ، فَفِي شَرْطَةِ مَحْجَمٍ، أَوْ شَرْبَةٍ مِنْ عَسَلٍ، أَوْ لَذْعَةٍ بِنَارٍ»، قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «وَمَا أُحِبُّ أَنْ أَكْتَوِيَ»، قَالَ: فَجَاءَ بِحَجَّامٍ ، فَشَرَطَهُ، فَذَهَبَ عَنْهُ مَا يَجِدُ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ) البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، طُلب للقضاء، فامتنع [١٠] (ت ٢٥٠) أو بعدها (ع) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٣٠. ٢ - (أَبُوهُ) عليّ بن نصر بن عليّ الْجَهْضميّ البصريّ، ثقةٌ من كبار [١٠] (ت ١٨٧) (ع) تقدم في «الإيمان» ٦/ ١٢٦. ٣ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سُلَيْمَانَ) بن عبد الله بن حنظلة الأنصاريّ الأوسيّ، أبو سليمان المدنيّ، المعروف بابن الغسيل، والغسيل جدّ أبيه حنظلة بن أبي عامر، غسلته الملائكة يوم أحد - ﵁ -؛ لأنه استُشْهِد، وهو جُنُبٌ، صدوقٌ فيه لين [٦]. رَوَى عن حمزة، والمنذر، والزبير، وسعد ابني أبي أُسيد الساعديّ، وعن مالك بن حمزة بن أبي أسيد، وأسيد بن عليّ بن عبيد مولى أبي أسيد، وعباس بن سهل بن سعد، وعاصم بن عمر بن قتادة، وغيرهم، ورأى أنس بن مالك، وسهل بن سعد. وروى عنه عبد الله بن إدريس، والحسين بن الوليد النيسابوريّ، وزيد بن الحباب، وعليّ بن نصر الجهضميّ الكبير، ووكيع بن الجراح، وأبو أحمد الزبيريّ، أبو عامر العَقَديّ، ويحيى بن زكريا بن أبي زائدة، وإبراهيم بن الوزير، وغيرهم. قال الدُّوريّ عن ابن معين: ثقةٌ ليس به بأس، وقال الدارميّ عن ابن معين صُويلح، وقال أبو زرعة، والنسائيّ، والدارقطنيّ: ثقةٌ، وقال النسائي في موضع آخر: ليس به بأس، وقال مرّة: ليس بقويّ، وقال ابن عديّ: وهو ممن يُعتبر حديثه، ويُكتب، وقال ابن حبان: كان ممن يُخطئ، ويَهِم كثيرًا، مَرَّض القول فيه أحمد، ويحيى، وقالا: صالحٌ، وقال الأزديّ: ليس بالقويّ عندهم. قال البخاريّ: ويقال: مات سنة إحدى، وقال أبو حسان الزياديّ: مات سنة اثنتين وسبعين ومائة، وقال إسماعيل بن أبان: ثنا عبد الرحمن بن الغسيل، وقد أتى عليه مائة وستون سنة، أخرجه ابن عديّ، قال الحافظ: مقتضاه أن يكون وُلد في خلافة أبي بكر، وهو باطل، فإن أباه لم يكن وُلد بعدُ، فلعله كان مائةً وسنة، أو سنتين، فتصحّف. أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والترمذيّ في «الشمائل»، وابن ماجه، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث. والباقيان ذُكرا قبله. شرح الحديث: عن (عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سُلَيْمَانَ) بن الغَسِيل، واسم الغَسِيل حنظلة بن أبي عامر الأوسيّ الأنصاريّ، استُشْهِد بأحد، وهو جُنُب، فغسلته الملائكة، فقيل له: الغسيل، وهو فَعِيل بمعنى مفعول، وهو جدّ جدّ عبد الرحمن، فهو ابن سليمان بن عبد الرحمن بن عبد الله بن حنظلة، وعبد الرحمن معدود في صغار التابعين؛ لأنه رأى أنسًا، وسهل بن سعد، وجُلّ روايته عن التابعين، وهو ثقة عند الأكثرين، واختَلَفَ فيه قول النسائيّ، وقال ابن حبان: كان يُخطئ كثيرًا. انتهى، وكان قد عُمِّر، فجاز المائة، فلعله تغيّر حِفظه في الآخر، وقد احتجّ به الشيخان، قاله في «الفتح» . (عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ) الأنصاريّ (قَالَ: جَاءَنَا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) -﵄- (فِي أَهْلِنَا)، وقوله: (وَرَجُلٌ) لا يُعرف اسمه . (يَشْتَكِي) جملة حاليّة، (خُرَاجًا بِهِ) بضم الخاء، وتخفيف الراء، قال الفيّوميّ: الْخُرَاج وزانُ غُرَاب: بَثْرٌ، الواحدة خُرَاجةٌ. انتهى . (أَوْ جِرَاحًا) «أو» للشكّ من الراوي، هل قال: «خراجًا»، أو قال: «جِرَاحًا»، والْجِراح بالكسر: جمع جراحة، وقال في «التاج»: الجِرَاحُ بالكسر: جَمْع جِرَاحَةٍ، وهو من الجَمْع الّذي لا يُفارِق واحِدَه إِلا بالهاءِ، وفي «التّهذيب»: قال اللّيث : الجِراحةُ: الواحِدَةُ من طَعْنَةٍ، أَو ضَرْبةٍ. انتهى . (فَقَالَ) جابر -﵁- (مَا تَشْتَكِي؟) «ما» استفهاميّة؛ أي: أيَّ شيء تشتكي؟ (قَالَ) الرجلُ (خُرَاجٌ بِي) مبتدأ خبره قوله: (قَدْ شَقَّ عَلَيَّ) والمراد أنه يشتكي خُراجًا ببدنه، قد أضرّ به، ويَحتَمِل أن يكون قوله: «خُراج بي» خبرًا لمحذوف؛ أي: هو، أي المشتَكَى خُراج، وقوله: «قد شقّ عليّ» جملة حاليّة من «خُرَاجٌ». (فَقَالَ) جابر -﵁-: (يا غُلَامُ) لم يُعرف اسمه، (ائْتِنِي بِحَجَّامٍ) وفي نسخة: «بالحجّام» بالتعريف، (فَقَالَ لَهُ)؛ أي: قال الرجل المشتكي لجابر -﵁-. (مَا) استفهاميّة؛ أي: أيَّ شيء (تَصْنَعُ بِالْحَجَّامِ، يَا أَبَا عَبْدِ اللهِ؟) كنية جابر -﵁-. (قَالَ) جابر (أُرِيدُ أَنْ أُعَلِّقَ فِيهِ)؛ أي: في محلّ شكواك (مِحْجَمًا) بكسر الميم، وفتح الجيم: هي الآلة التي تُمَصّ، ويُجمع بها موضع الحجامة، قاله النوويّ -﵀- . وقال الفيّوميّ -﵀-: حجمه الحاجم حَجْمًا، من باب قَتَلَ: شَرَطَهُ، وهو حجّام أيضًا مبالغة، واسم الصناعة حِجَامةٌ بالكسر، والقارورة مِحْجَمةٌ بكسر الأول، والهاء تثبُتُ، وتُحذف، والْمَحْجَمُ، مثلُ جَعْفر: موضع الحجامة. انتهى . وذكر المجد -﵀- للحجم معاني، ومنها: الْمَصُّ، قال: حجم يَحْجِم، ويحجُم، من بابي ضرب، ونصر، والْحجّام الْمَصّاص، قال: والْمِحْجَم، والْمِحْجَمَة بكسرهما: ما يُحتجم به، وحِرفته: الْحِجامة، ككتابة، واحتَجَم: طَلَبها. انتهى . (قَالَ) الرجل (وَاللهِ إِنَّ الذُّبَابَ لَيُصِيبُنِي، أَوْ يُصِيبُنِي الثَّوْبُ، فَيُؤْذِينِي، وَيَشُقُّ عَلَيَّ) أراد أنه لا يتحمّل عضّ الذباب على موضع المرض، أو إصابة الثوب، فكيف يتحمّل تعليق المحجم عليه؟ (فَلَمَّا رَأَى) جابر -﵁- (تَبَرُّمَهُ)؛ أي: تضجّره، ومَلاله، يقال: بَرِمَ بالشيء -بكسر الراء- بَرَمًا، فهو بَرِمٌ، مثلُ ضَجِرَ ضَجَرًا، فهو ضَجِرٌ، وزنًا ومعنًى، ويتعدّى بالهمزة، فيقال: أبرمته به، وتبرّم مثلُ بَرِم . (مِنْ ذَلِكَ قَالَ) جابر -﵁- (إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- يَقُولُ: «إِنْ كَانَ)»إن«هنا شرطيّة، جيء بها للتهييج، لا للشكّ، كما يقول الرجل لولده: إن كنت ولدي فافعل كذا، فالمعنى هنا أن هذه الأدوية الثلاثة فيها خير عظيم، فعليكم بالتداوي بها، والله تعالى أعلم. (فِي شَيْءٍ مِنْ أَدْوِيَتِكُمْ خَيْرٌ)؛ أي: شفاء، قال القرطبيّ -﵀-: قوله -ﷺ-:»إن كان في أدويتكم خيرٌ، ففي شَرْطة مِحْجَم«يعني بالخير: الشِّفاء، والْمِحْجم: هو الوعاء الذي تُجمع فيها موضع الحجامة، ويجتمع فيه الدَّم، وهو جمعٌ واحده: محجمة، وهي بكسر الميم، وقد يقال على الحديدة التي يُشْرَط بها، وهي المعنيّة هنا، وجاء هذا الحديث هنا بصيغة الاشتراط من غير تحقيق الأخبار، وقد جاء في البخاريّ من حديث ابن عباس -﵄- مرفوعًا:«الشِّفاء في ثلاث»، وذكرها، فحقَّق الخبر. قال الجامع عفا الله عنه: قد أسلفت أن«إن» هنا للتهييج، فلا تغفل، والله تعالى أعلم. قال: قال بعض علمائنا: أشار النبيّ -ﷺ- إلى جميع ضروب المعاناة القياسيَّة، وذلك: أن العلل منها ما يكون مفهوم السبب، ومنها ما لا يكون كذلك، فالأول كغلبة أحد الأخلاط التي هي: الدم، والبلغم، والصفراء، والسَّوداء، فمعالجة ذلك باستفراغ ذلك الامتلاء بما يليق به من تلك الأمور المذكورات في الحديث، فمنها ما يُستفرغ بإخراج الدَّم بالشَّرط، وفي معناه: الفصد، والبطُّ، والعَلَقُ، ومنها ما يُستفرغ بالعسل وما في معناه من الأدوية المسهِّلة، ومنها ما يستفرغ بالكيّ؛ فإنه يجفف رطوبات موضع المرض، وهو آخر الطبِّ. وأما ما كان من العلل عن ضعف قوة من القوى، فعلاجه بما يقوي تلك القوة من الأشربة، ومن أنفعها في ذلك: العسل إذا استُعمل على وجهه، وأما ما كان من العلل غير مفهوم السبب، فكالسِّحر، والعين، ونظرة الجنّ، فعلاجه بالرُّقَى، والكلامِ الحسن، وأنواع من الخواص مغيبة السِّرِّ، ولهذا القسم أشار رسول الله -ﷺ- فيما رُوي عنه: أنه زاد في هذا الحديث: «أو آية من كتاب الله» زيادة على ما ذَكر فيما تقدَّم منه. قال القرطبيّ: هذا معنى ما قاله علماؤنا، ويمكن أن يقال: إن هذه المذكورات في هذا الحديث إنما خُصَّت بالذكر؛ لأنَّها كانت أغلب أدويتهم، وأنفع لهم من غيرها بحكم اعتيادهم لها، ومناسبتها لغالب أمراضهم، ولا يلزم أن تكون كذلك في حقّ غيرهم ممن يخالفهم في بلادهم، وعاداتهم، وأهويتهم، ومن المعلوم بالمشاهدة اختلاف العلاجات والأدوية حسب اختلاف البلاد، والعادات، وإن اتحدت أسباب الأمراض. والله تعالى أعلم. انتهى . (فَفِي شَرْطَةِ مَحْجَمٍ)؛ أي: فهو في شرطة محجم؛ أي: استفراغ الدم، وهو بفتح الشين: ضَرْبة مِشراط على مَحَل الْحَجْم؛ ليخرج الدم، والْمِحْجم بالكسر: قارورة الحجام التي يجتمع فيها الدم، وبالفتح موضع الحجامة، وهو المراد هنا، ذَكره بعضهم، قال في «الفتح»: وإنما خصه بالذكر؛ لأن غالب إخراجهم الدم بالحجامة، وفي معناه إخراجه بالفصد. انتهى . وقال الطيبيّ -﵀-: قوله: «شرطة مِحْجم»: «المِحْجم» بكسر الميم، هي الآلة التي يجتمع فيها دم الحجامة عند المصّ، ويُراد بها هنا الحديدة التي يُشْرط بها موضع الحجامة، والشرْطة فَعْلَةٌ، من شَرَطَ الحاجم يَشْرُطُ، من بابي ضرب، وقَتَلَ: إذا بَزَغَ، وهو الضرب على موضع الحجامة؛ ليخرج الدم منه. انتهى . (أَوْ) للتنويع، لا للشكّ، (شَرْبَةٍ) بفتح الشين المعجمة، وإسكان الراء، قال الجوهريّ: الشَّرْبةُ بالفتح من الماء: ما يُشرب مرّةً، والشَّرْبةُ أيضًا: المرّة الواحدة من الشرب. انتهى . (مِنْ عَسَلٍ) بفتحتين، يُذكّر، ويؤنّث، وهو الأكثر، ومن التأنيث قول الشاعر: بِهَا عَسَلٌ طَابَتْ يَدَا مَنْ يَشُورُهَا ويُصغّر على عُسَيلة على لغة التأنيث ذَهَابًا إلى أنها قطعةٌ من الجنس، وطائفة منه، قاله الفيّوميّ -﵀- . (أَوْ) للتنويع كسابقه، (لَذْعَةٍ بِنَارٍ») -بفتح اللام، وسكون الذال المعجمة، وبالعين المهملة- واللَّذْع: الخفيف من حرق النار، وأما اللَّدْغ -بالدال المهملة، وبِالْغَين المعجمة- فهو عَضّ ذات السمّ، قاله في«العمدة». وفي رواية البخاريّ:«أو لذعة بنار توافق الدواء»، قال في«الفتح»: فيه إشارة إلى أن الكيّ إنما يُشْرَع منه ما يتعيَّن طريقًا إلى إزالة ذلك الداء، وأنه لا ينبغي التجربة لذلك، ولا استعماله إلا بعد التحقّق، ويَحْتَمِل أن يكون المراد بالموافقة موافقة القَدَر. انتهى . (قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: (وَمَا) نافية، (أُحِبُّ أَنْ أَكْتَوِيَ») قال في «الفتح»: هو من جنس تَرْكه -ﷺ- أكل الضبّ، مع تقريره أكله على مائدته، واعتذاره بأنه يعافه. انتهى . وقال القرطبيّ -﵀-: قوله: «وما أحبُّ أن أكتوي»، وفي حديث ابن عبّاس -﵄- عند البخاريّ بلفظ: «وأنا أنهى أمتي عن الكيّ»، إنما كان ذلك لشدَّة ألم الكيّ، فإنَّه يُرْبِي على ألم المرض، ولذلك لا يُرجع إليه إلا عند العجز عن الشفاء بغيره من الأدوية، وأيضًا: فلأنَّه يشبه التعذيب بعذاب الله تعالى الذي نُهي عنه، وقد تقدَّم القول في هذا في الإيمان. انتهى . وقال ابن عبد البرّ -﵀-: الكيّ باب من أبواب التداوي، والمعالجة، ومعلوم أن طلب العافية بالعلاج، والدعاء مباح، فلا يجب أن يُمتنع من التداوي بالكيّ وغيره إلا بدليل، لا معارض له، وقد عارض النهي عن الكي من الإباحة بما هو أقوى وعليه جمهور العلماء، ما أعلم بينهم خلافًا، أنهم لا يرون بأسًا بالكيّ عند الحاجة إليه، قال: فمن ترك الكيّ ثقةً بالله، وتوكلًا عليه، كان أفضل؛ لأن هذه منزلة يقينٍ صحيحٍ وتلك منزلة رخصةٍ وإباحة. ثم أخرج بسنده حديث: «لم يتوكل مَن استرقَى، أو اكتوى»، ثم قال: معناه -والله أعلم- ما توكل حقَّ التوكل من استرقى، أو اكتوى؛ لأن من ترك ذلك توكلًا على الله، وعلمًا بأن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن أيام الصحة لا سقم فيها، كان أفضل منزلةً، وأعلى درجةً، وأكمل يقينٍ، وتوكلٍ والله أعلم، وقد قيل: إن الذي نُهي عنه من الكيّ هو ما يكون منه قبل نزول البلاء؛ حفظًا للصحة، وأما بعد نزول ما يحتاج فيه إلى الكيّ فلا. (قَالَ) عاصم بن عمر (فَجَاءَ) ذلك الغلام (بِحَجَّامٍ) وفي بعض النسخ: «بالحجّام» (فَشَرَطَهُ)؛ أي: بزغه، يقال: شرط الحاجم يشرِط، ويشرُط، من بابي ضرب، ونصر: إذا بزغ، قاله الجوهريّ . (فَذَهَبَ عَنْهُ)؛ أي: عن الرجل المشتكي (مَا يَجِدُ)؛ أي: من الألم، وفيه أن الحجامة من أنفع الأدوية، والله تعالى أعلم. قال الجامع عفا الله عنه: حديث جابر بن عبد الله -﵄- هذا متّفقٌ عليه، وقد تقدّم تخريجه في الحديث الماضي، فلنذكر بقيّة المسائل: (المسألة الأولى): في فوائده: ١ - (منها): بيان استحباب التداوي بالحجامة، وأنها من أنفع الأدوية. ٢ - (ومنها): أن الْخُراج يعالج بالحجامة، فإنها من أنفع الأدوية فيه. ٣ - (ومنها): ما قال القاضي عياض -﵀-: وفي جملة هذه الأحاديث ما حَوَاه من علوم الدين والدنيا، وصحة علم الطبّ، وجواز التطبب في الجملة، واستحبابه بالأمور المذكورة، من الحجامة، وشرب الأدوية، والسَّعُوط، واللَّدُود، وقطع العروق، والرُّقَى، قال: قوله -ﷺ-: «أَنزل الدواء الذي أنزل الداء» هذا إعلام لهم، وإذن فيه، وقد يكون المراد بإنزاله إنزال الملائكة الموكلين بمباشرة مخلوقات الأرض، من داء، ودواء، قال: وذكر بعض الأطباء في قوله -ﷺ-: «شَرْطة مِحْجَم، أو شَرْبة عسل، أو لَذْعَةٌ بنار»، أنه إشارة إلى جميع ضروب المعافاة، والله أعلم. انتهى. (المسألة الثانية): قال النوويّ -﵀-: قوله -ﷺ-: «إن كان في شيء من أدويتكم خير، ففي شَرْطة مِحجم. . . إلخ»: هذا من بديع الطبّ عند أهله؛ لأن الأمراض الامتلائية دموية، أو صفراوية، أو سوداوية، أو بلغمية، فإن كانت دموية، فشفاؤها إخراج الدم، وإن كانت من الثلاثة الباقية فشفاؤها بالإسهال بالمسهل اللائق لكل خلط منها، فكأنه نبَّه -ﷺ- بالعسل على المسهلات، وبالحجامة على إخراج الدم بها، وبالفصد، ووضع العَلَق وغيرها مما في معناها، وذَكَر الكيّ؛ لأنه يُستعمل عند عدم نفع الأدوية المشروبة، ونحوها، فآخر الطبّ الكيّ. وقوله: «وما أحب أن أكتوي» إشارة إلى تأخير العلاج بالكيّ حتى يُضْطَرَّ إليه؛ لِمَا فيه من استعمال الألم الشديد في دفع ألم، قد يكون أضعف من ألم الكيّ. وأما ما اعتَرَضَ به الملحد المتقدّم ذكره، فنقول في إبطاله: إن علم الطبّ من أكثر العلوم احتياجًا إلى التفصيل، حتى إن المريض يكون الشيء دواءه في ساعة، ثم يصير داء له في الساعة التي تليها بعارض يَعْرِض، من غضب يُحَمِّي مزاجه، فيغيّر علاجه، أو هواء يتغير، أو غير ذلك، مما لا تحصى كثرته، فإذا وُجد الشفاء في شيء في حالة بالشخص لم يلزم منه الشفاء به في سائر الأحوال، وجميع الأشخاص، والأطباء مجمعون على أن المرض الواحد يختلف علاجه، باختلاف السنّ، والزمان، والعادة، والغذاء المتقدمة، والتدبير المألوف، وقوّة الطباع. فإذا عرفت ما ذكرناه، فاعلم أن الإسهال يحصل من أنواع كثيرة، منها الإسهال الحادث من التخم، والهيضات ، وقد أجمع الأطباء في مثل هذا على علاجه بأن يترك الطبيعة وفعلها، وإن احتاجت إلى مُعِين على الإسهال أُعينت ما دامت القوّة باقيةً، فأما حبسها فضرر عندهم، واستعجال مرض، فيَحْتَمِل أن يكون هذا الإسهال للشخص المذكور في الحديث أصابه من امتلاء، أو هيضة، فدواؤه تَرْك إسهاله على ما هو، أو تقويته، فأَمَره -ﷺ- بشرب العسل، فرآه إسهالًا، فزاده عسلًا، إلى أن فنيت المادّة، فوقف الإسهال، ويكون الخلط الذي كان يوافقه شرب العسل، فثبت بما ذكرناه أن العسل جارٍ على صناعة الطبّ، وأن المعترِض عليه جاهل لها، ولسنا نقصد الاستظهار لتصديق الحديث بقول الأطباء، بل لو كذّبوه كذبناهم، وكفّرناهم، فلو أوجدوا المشاهدة بصحة دعواهم تأولنا كلامه -ﷺ- حينئذٍ، وخرّجناه على ما يصح، فذكرنا هذا الجواب، وما بعده عُدّةً للحاجة إليه، إن اعتضدوا بمشاهدة، وليظهر به جهلُ المعترض، وأنه لا يُحسن الصناعة التي اعتُرض بها، وانتسب إليها، وكذلك القول في الماء البارد للمحموم، فإن المعترض يقول على النبيّ -ﷺ- ما لم يقل، فإنه -ﷺ- لم يقل أكثر من قوله: «أبردوها بالماء»، ولم يُبيّن صفته، وحالته، والأطبّاء يسلّمون أن الْحُمّى الصفراويّ يُبرّد صاحبها بسقي الماء البارد الشديد البرودة، ويسقونه الثلج، ويغسلون أطرافه بالماء البارد، فلا يبعد أنه -ﷺ- أراد هذا النوع من الحمّى والغسل على نحو ما قالوه، وقد ذكر مسلم هنا في «صحيحه» عن أسماء -﵂- أنها كانت تُؤْتَى بالمرأة الموعوكة، فتصب الماء في جيبها، وتقول: إن رسول الله -ﷺ- قال: «أبردوها بالماء»، فهذه أسماء راوية الحديث، وقربها من النبيّ -ﷺ- معلوم تأولت الحديث على نحو ما قلناه، فلم يبق للملحد المعترض إلا اختراعه الكذب، واعتراضه به، فلا يُلتفت إليه. وأما إنكارهم الشفاء من ذات الجَنْب بالقُسط فباطل، فقد قال بعض قدماء الأطباء: إن ذات الجنب إذا حدثت من البلغم، كان القُسط من علاجها، وقد ذكر جالينوس وغيره أنه ينفع من وجع الصدر، وقال بعض قدماء الأطباء: ويستعمل حيث يحتاج إلى إسخان عضو من الأعضاء، وحيث يحتاج إلى أن يجذب الخلط من باطن البدن إلى ظاهره، وهكذا قاله ابن سينا وغيره، وهذا يبطل ما زعمه هذا المعترض الملحد. وأما قوله -ﷺ-: «فيه سبعة أشفية»: فقد أطبق الأطباء في كتبهم على أنه يُدِرّ الطمث، والبول، وينفع من السموم، ويُحَرِّك شهوة الجماع، ويقتل الدود، وحبّ القرع في الأمعاء، إذا شُرب بعسل، ويُذهب الكَلَف، إذا طُلِي عليه، وينفع من ضعف المعدة، والكبد، وبردهما، ومن حُمّى الورد، والربع، وغير ذلك، وهو صنفان: بحريّ، وهنديّ، والبحريّ: هو القسط الأبيض، وهو أكثر من صنفين، ونصّ بعضهم أن البحريّ أفضل من الهنديّ، وهو أقل حرارة منه، وقيل: هما حارّان يابسان في الدرجة الثالثة، والهنديّ أشد حرًّا في الجزء الثالث من الحرارة، وقال ابن سينا: القسط حارّ في الثالثة، يابس في الثانية، فقد اتَّفَقَ العلماء على هذه المنافع التي ذكرناها في القسط، فصار ممدوحًا شرعًا، وطِبًّا، وإنما عدّدنا منافع القسط من كتب الأطباء؛ لأن النبيّ -ﷺ- ذَكَر منها عددًا مجملًا. وأما قوله -ﷺ-: «إن في الحبة السوداء شفاءً من كل داء، إلا السام»، فيُحْمَل أيضًا على العلل الباردة، على نحو ما سبق في القسط، وهو -ﷺ- قد يصف بحسب ما شاهده من غالب أحوال أصحابه -﵃-. وذكر القاضي عياض كلام المازري الذي قدمناه، ثم قال: وذَكَر الأطباء في منفعة الحبة السوداء التي هي الشونيز أشياء كثيرة، وخوَاصّ عجيبة، يُصَدِّقها قوله -ﷺ- فيها، فذكر جالينوس أنها تحل النفخ، وتقتل ديدان البطن، إذا أكل، أو وضع على البطن، وتشفي الزكام، إذا قُلِي، وصُرَّ في خرقة، وشُمَّ، وتزيل العلة التي يتقشر منها الجلد، وتقلع الثآليل المتعلقة، والمنكسة، والخيلان، وتُدرّ الطمث المنحبس، إذا كان انحباسه من أخلاط غليظة لزجة، وتنفع الصداع إذا طُلِيَ بها الجبين، وتقلع البثور، والجرَب، وتحلل الأورام البلغمية، إذا تضمد بها مع الخلّ، وتنفع من الماء العارض في العين، إذا استُعِط بها مسحوقًا بدهن الأريا، وتنفع من انتصاب النفس، ويتمضمض بها من وجع الأسنان، وتدرّ البول، واللبن، وتنفع من نهشة الرتيلا، وإذا بُخِّر به طرد الهوام. قال القاضي: وقال غير جالينوس: خاصيته إذهاب حمى البلغم، والسوداء، وتقتل حب القرع، وإذا عُلِّق في عنق المزكوم نفعه، وينفع من حمى الربع، قال: ولا يبعد منفعة الحارّ من أدواء حارّة بخواص فيها، فقد نجد ذلك في أدوية كثيرة، فيكون الشونيز منها؛ لعموم الحديث، ويكون استعماله أحيانًا منفردًا، وأحيانًا مركبًا، والله تعالى أعلم . (المسألة الثالثة): قال الخطابيّ -﵀-: انتظم هذا الحديث على جملة ما يَتَدَاوَى به الناس، وذلك أن الحجم يَستفرغ الدم، وهو أعظم الأخلاط، والحجم أنجحها شفاءً عند هيجان الدم، وأما العسل فهو مُسهِل للأخلاط البلغمية، ويدخل في المعجونات؛ ليحفظ على تلك الأدوية قواها، ويخرجها من البدن، وأما الكيّ، فإنما يُستعمل في الخلط الباغي الذي لا تنحسم مادته إلا به، ولهذا وصفه النبيّ -ﷺ-، ثم نَهَى عنه، وإنما كَرِهه لِمَا فيه من الألم الشديد، والخطر العظيم، ولهذا كانت العرب تقول في أمثالها: آخرُ الدواء الكيّ، وقد كَوَى النبيّ -ﷺ- سعد بن معاذ وغيره، واكتوى غير واحد من الصحابة. قال الحافظ -﵀-: ولم يُرِد النبيّ -ﷺ- الحصر في الثلاثة، فإن الشفاء قد يكون في غيرها، وإنما نبَّه بها على أصول العلاج، وذلك أن الأمراض الامتلائية تكون دموية، وصفراوية، وبلغمية، وسوداوية، وشفاء الدموية بإخراج الدم، وإنما خَصّ الحجمَ بالذِّكر؛ لكثرة استعمال العرب، وإِلْفِهم له، بخلاف الفَصْد، فإنه وإن كان في معنى الحجم، لكنه لم يكن معهودًا لها غالبًا، على أن في التعبير بقوله: «شَرْطَةُ مِحْجَم» ما قد يتناول الفصد، وأيضًا فالحجم في البلاد الحارّة أنجح من الفصد، والفصد في البلاد التي ليست بحارّة أنجح من الحجم. وأما الامتلاء الصفراويّ، وما ذُكر معه، فدواؤه بالْمُسْهل، وقد نَبَّه عليه بذكر العسل، وسيأتي توجيه ذلك قريبًا. وأما الكيّ، فإنه يقع آخرًا لإخراج ما يتعسر إخراجه من الفضلات، وإنما نَهَى عنه مع إثباته الشفاء فيه، إما لكونهم كانوا يرون أنه يَحسم المادّة بطبعه، فكرهه لذلك، ولذلك كانوا يبادرون إليه قبل حصول الداء؛ لظنهم أنه يَحسِم الداء، فيتعجل الذي يكتوي التعذيب بالنار؛ لأمر مظنون، وقد لا يتفق أن يقع له ذلك المرض الذي يقطعه الكيّ. ويؤخذ من الجمع بين كراهته -ﷺ- للكيّ، وبين استعماله له، أنه لا يُترك مطلقًا، ولا يُستعمل مطلقًا، بل يُستعمل عند تعيّنه طريقًا إلى الشفاء، مع مصاحبة اعتقاد أن الشفاء بإذن الله تعالى، وعلى هذا التفسير يُحْمَل حديث المغيرة -﵁-، رفعه: «مَنِ اكتوى، أو استرقى فقد برئ من التوكل»، أخرجه الترمذيّ، والنسائيّ، وصححه ابن حبان، والحاكم. وقال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة -﵀-: عُلِم من مجموع كلامه -ﷺ- في الكيّ أن فيه نفعًا، وأن فيه مضرّةً، فلمّا نَهَى عنه عُلِم أن جانب المضرة فيه أغلب، وقريب منه إخبار الله تعالى أن في الخمر منافع، ثم حرّمها؛ لأن المضار التي فيها أعظم من المنافع. انتهى مُلَخَّصًا. وقد قيل: إن المراد بالشفاء في هذا الحديث الشفاء من أحد قسمي المرض؛ لأن الأمراض كلها إما ماديّة، أو غيرها، والمادية كما تقدم حارّة، وباردة، وكل منهما -وإن انقسم إلى رطبة، ويابسة، ومركبة- فالأصل الحرارة، والبرودة، وما عداهما ينفعل من إحداهما، فنبَّه بالخبر على أصل المعالجة بضرب من المثال، فالحارّة تعالج بإخراج الدم؛ لِمَا فيه من استفراغ المادّة، وتبريد المزاج، والباردة بتناول العسل؛ لِمَا فيه من التسخين، والإنضاج، والتقطيع، والتلطيف، والجلاء، والتليين، فيحصل بذلك استفراغ المادّة برفق. وأما الكيّ فخاص بالمرض المزمن؛ لأنه يكون عن مادّة باردة، فقد تفسد مزاج العضو، فإذا كُوِي خرجت منه. وأما الأمراض التي ليست بماديّة، فقد أشير إلى علاجها بحديث: «الْحُمَّى من فَيْحِ جهنم، فأبردوها بالماء». انتهى ما في «الفتح» ، وهو بحثٌ نفيسٌ جدًّا، والله تعالى أعلم. (المسألة الرابعة): كتب الإمام ابن القيّم -﵀- بحثًا طويلًا في الحجامة، أحببت إيراده هنا، وإن كان كثير منه تقدّم إلا أن فيه زوائد مهمةً، قال -﵀-: فصل: في هديه -ﷺ- في العلاج بشرب العسل، والحجامة، والكيّ: في «صحيح البخاريّ»: عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن النبيّ -ﷺ- قال: «الشفاء في ثلاث: شَربة عسل، وشَرطة محجم، وكيّة نار، وأنا أنهى أمتي عن الكيّ». قال أبو عبد الله المازريّ: الأمراض الامتلائية: إما أن تكون دموية، أو صفراوية، أو بلغمية، أو سوداوية، فإن كانت دموية فشفاؤها إخراج الدم، وإن كانت من الأقسام الثلاثة الباقية، فشفاؤها بالإسهال الذي يليق بكل خلط منها، وكأنه -ﷺ- نبّه بالعسل على المسهلات، وبالحجامة على الفصد، وقد قال بعض الناس: إن الفصد يدخل في قوله: «شَرطة محجم»، فإذا أعيا الدواء فآخر الطبّ الكيّ، فذَكَره -ﷺ- في الأدوية؛ لأنه يُستعمل عند غلبة الطباع لقوى الأدوية، وحيث لا ينفع الدواء المشروب، وقوله: «وأنا أنهى أمتي عن الكيّ»، وفي الحديث الآخر: «وما أحب أن أكتوي» إشارة إلى أن يؤخر العلاج به، حتى تدفع الضرورة إليه، ولا يعجل التداوي به؛ لِمَا فيه من استعجال الألم الشديد في دَفْع ألم قد يكون أضعف من ألم الكيّ. انتهى كلامه. وقال بعض الأطباء: الأمراض المزاجية: إما أن تكون بمادة، أو بغير مادة، والمادية منها: إما حارّة، أو باردة، أو رطبة، أو يابسة، أو ما تركَّب منها، وهذه الكيفيات الأربع منها كيفيتان فاعلتان: وهما الحرارة، والبرودة، وكيفيتان منفعلتان، وهما الرطوبة، واليبوسة، ويلزم من غلبة إحدى الكيفيتين الفاعلتين استصحاب كيفية منفعلة معها، وكذلك كان لكل واحد من الأخلاط الموجودة في البدن، وسائر المركبات كيفيتان: فاعلة، ومنفعلة، فحصل من ذلك أن أصل الأمراض المزاجية هي التابعة لأقوى كيفيات الأخلاط التي هي الحرارة والبرودة، فجاء كلام النبوة في أصل معالجة الأمراض التي هي الحارّة والباردة على طريق التمثيل، فإن كان المرض حارًّا عالجناه بإخراج الدم بالفصد كان، أو بالحجامة؛ لأن في ذلك استفراغًا للمادة، وتبريدًا للمزاج، وإن كان باردًا عالجناه بالتسخين، وذلك موجود في العسل، فإن كان يحتاج مع ذلك إلى استفراغ المادّة الباردة، فالعسل أيضًا يفعل في ذلك؛ لِمَا فيه من الإنضاج، والتقطيع، والتلطيف، والجلاء، والتليين، فيحصل بذلك استفراغ تلك المادّة برفق، وأَمْن، من نكاية المسهلات القوية. وأما الكيّ: فلأن كل واحد من الأمراض الماديّة، إما أن يكون حادًّا، فيكون سريع الإفضاء لأحد الطرفين، فلا يحتاج إليه فيه، وإما أن يكون مُزمنًا، وأفضل علاجه بعد الاستفراغ الكيّ في الأعضاء التي يجوز فيها الكيّ؛ لأنه لا يكون مُزمنًا إلا عن مادّة باردة غليظة، قد رسخت في العضو، وأفسدت مزاجه، وأحالت جميع ما يصل إليه إلى مشابهة جوهرها، فيشتعل في ذلك العضو، فيستخرج بالكيّ تلك المادّة من ذلك المكان الذي هو فيه بإفناء الجزء الناريّ الموجود بالكيّ لتلك المادّة. فتعلَّمنا بهذا الحديث الشريف أَخْذَ معالجة الأمراض الماديّة جميعها، كما استنبطنا معالجة الأمراض الساذجة من قوله -ﷺ-: «إن شدة الْحُمَّى من فيح جهنم، فأبردوها بالماء». فصل: وأما الحجامة ففي «سنن ابن ماجه» من حديث جُبَارة بن الْمُغَلِّس -وهو ضعيف - عن كَثير بن سُليم، قال: سمعت أنس بن مالك -﵁- يقول: قال رسول الله -ﷺ-: «ما مررت ليلة أُسري بني بملإ إلا قالوا: يا محمد! مر أمتك بالحجامة» . وروى الترمذي في «جامعه» من حديث ابن عباس -﵄- هذا الحديث: وقال فيه: «عليك بالحجامة يا محمد» . وفي «الصحيحين»: من حديث طاوس، عن ابن عباس -﵄- أن النبيّ -ﷺ-: «احتجم، وأعطى الحجام أجره». وفي «الصحيحين» أيضًا عن حميد الطويل، عن أنس: أن رسول الله -ﷺ- حجمه أبو طيبة، فأمر له بصاعين من طعام، وكَلَّم مواليه، فخففوا عنه من ضريبته، وقال: «خير ما تداويتم به الحجامة». وفي جامع الترمذيّ عن عباد بن منصور، قال: سمعت عكرمة يقول: «كان لابن عباس غِلْمة ثلاثةٌ حجامون، فكان اثنان يُغِلّان عليه، وعلى أهله، وواحد لِحَجْمه، وحَجْم أهله»، قال: وقال ابن عباس -﵄-: قال نبي الله -ﷺ-: «نِعْم العبد الحجّام يذهب بالدم، ويخف الصلب، ويجلو البصر»، وقال: إن رسول الله -ﷺ- حيث عُرج به ما مَرّ على ملأٍ من الملائكة، إلا قالوا: «عليك بالحجامة»، وقال: «إن خير ما تحتجمون فيه يوم سبع عشرة، ويوم تسع عشرة، ويوم إحدى وعشرين»، وقال: «إن خير ما تداويتم به السَّعُوط، واللَّدُود، والحجامة، والمشي»، وإن رسول الله -ﷺ- لُدّ، فقال: «من لدّني؟ فكلهم أمسكوا، فقال: لا يبقى أحد في البيت إلا لُدّ إلا العباس»، قال: هذا حديث غريب، ورواه ابن ماجه . فصل: وأما منافع الحجامة: فإنها تُنَقِّي سطح البدن أكثر من الفصد، والفصد لأعماق البدن أفضل، والحجامة تستخرج الدم من نواحي الجلد. قال ابن القيّم: والتحقيق في أمرها، وأمر الفصد أنهما يختلفان باختلاف الزمان، والمكان، والأسنان، والأمزجة، فالبلاد الحارّة، والأزمنة الحارّة، والأمزجة الحارّة التي دم أصحابها في غاية النضج الحجامة فيها أنفع من الفصد بكثير، فإن الدم يَنضِج، ويَرِقّ، ويخرج إلى سطح الجسد الداخل، فتُخرج الحجامة ما لا يخرجه الفصد، ولذلك كانت أنفع للصبيان من الفصد، ولمن لا يقوى على الفصد، وقد نَصّ الأطباء على أن البلاد الحارّة الحجامة فيها أنفع وأفضل من الفصد، وتستحب في وسط الشهر، وبعد وسطه، وبالجملة في الربع الثالث من أرباع الشهر؛ لأن الدم في أول الشهر لم يكن يعد قد هاج وتبيّغ، وفي آخره يكون قد سكن، وأما في وسطه وبُعَيده، فيكون في نهاية التزيد. قال صاحب «القانون»: ويؤمر باستعمال الحجامة لا في أول الشهر؛ لأن الأخلاط لا تكون قد تحركت، وهاجت، ولا في آخره؛ لأنها تكون قد نقصت، بل في وسط الشهر، حين تكون الأخلاط هائجة بالغة، في تزايدها؛ لتزيد النور في جرم القمر، وقد رُوي عن النبيّ -ﷺ- أنه قال: «خير ما تداويتم به الحجامة، والفصد» ، وفي حديث: «خير الدواء الحجامة، والفصد». انتهى. وقوله -ﷺ-: «خير ما تداويتم به الحجامة» إشارة إلى أهل الحجاز، والبلاد الحارّة؛ لأن دماءهم رقيقة، وهي أميل إلى ظاهر أبدانهم؛ لجذب الحرارة الخارجة لها إلى سطح الجسد، واجتماعها في نواحي الجلد، ولأن مسام أبدانهم واسعة، وقواهم متخلخلة، ففي الفصد لهم خطر، والحجامة قال الجامع: ذكر الزرقاني في «شرح الموطأ» ٤/ ٤٩٠ لفظ الرواية الثانية، فقال: ولأبي نعيم عن عليّ رفعه: «خير الدواء الحجامة، والفصد»، لكن في سنده حسين بن عبد الله بن ضُميرة كذبه مالك، وغيره. انتهى. تَفَرُّق اتصاليّ إراديّ يتبعه استفراغ كليّ من العروق، وخاصة العروق التي لا تُفصد كثيرًا، ولفصد كل واحد منها نفع خاصّ، ففصد الباسليق: ينفع من حرارة الكبد، والطحال، والأورام الكائنة فيهما من الدم، وينفع من أورام الرئة، وينفع من الشَّوْصة وذات الجنب، وجميع الأمراض الدموية العارضة من أسفل الركبة إلى الورك. وفصد الأكحل: ينفع من الامتلاء العارض في جميع البدن، إذا كان دمويًّا، وكذلك إذا كان الدم قد فسد في جميع البدن. وفصد القيفال : ينفع من العلل العارضة في الرأس، والرقبة، من كثرة الدم، أو فساده. وفصد الودجين: ينفع من وجع الطحال، والرَّبْو، والبَهَر، ووجع الجبين. والحجامة على الكاهل: تنفع من وجع المنكب، والحلق. والحجامة على الأخدعين تنفع من أمراض الرأس، وأجزائه، كالوجه، والأسنان، والأذنين، والعينين، والأنف، والحلق، إذا كان حدوث ذلك عن كثرة الدم، أو فساده، أو عنهما جميعًا، قال أنس -﵁-: «كان رسول الله -ﷺ- يحتجم في الأخدعين، والكاهل» . وعن أنس -﵁- قال: «كان رسول الله -ﷺ- يحتجم ثلاثًا: واحدة على كاهله، واثنتين على الأخدعين» . وفي «الصحيح» عنه: «أنه احتجم، وهو محرم في رأسه، لصداع كان به». . وفي «سنن ابن ماجه» عن عليّ -﵁-: «نزل جبريل على النبيّ -ﷺ- بحجامة الأخدعين، والكاهل» . وفي «سنن أبي داود» من حديث جابر -﵁-: أن النبيّ -ﷺ-: «احتجم في وركه، من وَثْءٍ كان به» . فصل: واختَلَف الأطباء في الحجامة على نُقرة القفا، وهي القَمَحْدُوة : وذكر أبو نعيم في «كتاب الطب النبويّ» حديثًا مرفوعًا: «عليكم بالحجامة في جَوْزَة الْقَمَحْدوة، فإنها تشفي من خمسة أدواء»، ذكر منها الجذام . وفي حديث آخر: «عليكم بالحجامة في جَوْزة القَمَحْدُوة، فإنها شفاء من اثنين وسبعين داء». فطائفة منهم استحسنته، وقالت: إنها تنفع من جحظ العين، والنتوء العارض فيها، وكثير من أمراضها، ومن ثقل الحاجبين، والجفن، وتنفع من جَرَبه. ورُوي أن أحمد بن حنبل احتاج إليها، فاحتجم في جانبي قفاه، ولم يحتجم في النقرة، وممن كرهها صاحب «القانون»، وقال: إنها تورث النسيان حقًّا، كما قال سيدنا، ومولانا، وصاحب شريعتنا محمد -ﷺ-، فإن مُؤَخَّر الدماغ موضع الحفظ، والحجامة تذهبه. انتهى كلامه. ورَدّ عليه آخرون، وقالوا: الحديث لا يثبت، وإن ثبت فالحجامة إنما تضعف مؤخر الدماغ، إذا استُعملت لغير ضرورة، فأما إذا استعملت لغلبة الدم عليه، فإنها نافعة له طبًّا وشرعًا، فقد ثبت عن النبيّ -ﷺ- أنه احتجم في عِدّة أماكن، من قفاه، بحسب ما اقتضاه الحال في ذلك، واحتجم في غير القفا، بحسب ما دعت إليه حاجته. فصل: والحجامة تحت الذَّقَن تنفع من وجع الأسنان، والوجه، والحلقوم، إذا استُعملت في وقتها، وتنقي الرأس، والفكين، والحجامة على ظهر القدم تنوب عن فصد الصافن، وهو عرق عظيم عند الكعب، وتنفع من قروح الفخذين، والساقين، وانقطاع الطمث، والحكة العارضة في الأنثيين، والحجامة في أسفل الصدر نافعة من دماميل الفخذ، وجَرَبه، وبثوره، ومن النَّقْرِس، والبواسير، والفيل، وحكة الظهر. فصل: في هديه -ﷺ- في أوقات الحجامة: روى الترمذي في «جامعه»: من حديث ابن عباس -﵄- يرفعه: «إن خير ما تحتجمون في يوم سابع عشرة، أو تاسع عشرة، ويوم إحدى وعشرين» ، وفيه عن أنس: «كان رسول الله -ﷺ- يحتجم في الأخدعين، والكاهل، وكان يحتجم لسبعة عشر، وتسعة عشر، وفي إحدى وعشرين» ، وفي «سنن ابن ماجه» عن أنس، مرفوعًا: «من أراد الحجامة فليتحرَّ سبعة عشر، أو تسعة عشر، أو إحدى وعشرين، لا يتبيّغ بأحدكم الدم، فيقتله» ، وفي «سنن أبي داود» من حديث أبي هريرة -﵁- مرفوعًا: «من احتجم لسبع عشرة، أو تسع عشرة، أو إحدى وعشرين، كانت شفاء من كل داء» ، وهذا معناه: من كل داء سببه غلبة الدم. وهذه الأحاديث موافقة لِمَا أجمع عليه الأطباء أن الحجامة في النصف الثاني، وما يليه من الربع الثالث من أرباعه، أنفع من أوله وآخره، وإذا استعملت عند الحاجة إليها نفعت، أي وقت كان من أول الشهر وآخره. قال الخلال: أخبرني عصمة بن عصام قال: حدثنا حنبل قال: كان أبو عبد الله أحمد بن حنبل يحتجم، أيّ وقت هاج به الدم، وأي ساعة كانت. وقال صاحب «القانون»: أوقاتها في النهار: الساعة الثانية، أو الثالثة، ويجب توقّيها بعد الحمّام إلا فيمن دمه غليظ، فيجب أن يستحمّ، ثم يستجمّ ساعة، ثم يحتجم. انتهى. وتكره عندهم الحجامة على الشبع، فإنها ربما أورثت سددًا، وأمراضًا رديئةً، لا سيما إذا كان الغذاء رديئًا غليظًا، وفي أثر: «الحجامة على الريق دواء، وعلى الشبع داء، وفي سبعة عشر من الشهر شفاء» . واختيار هذه الأوقات للحجامة فيما إذا كانت على سبيل الاحتياط، والتحرز من الأذى، وحفظًا للصحة، وأما في مداواة الأمراض فحيثما وُجد الاحتياح إليها وجب استعمالها، وفي قوله: «لا يتبيغ بأحدكم الدم، فيقتله»، دلالة على ذلك؛ يعني: لئلا يتبيغ، فحذف حرف الجر مع «أن»، ثم حُذفت «أن»، والتبيغ: الهيج، وهو مقلوب البغي، وهو بمعناه، فإنه بغي الدم، وهيجانه، وقد تقدم أن الإمام أحمد كان يحتجم أيّ وقت احتاج من الشهر. فصل: وأما اختيار أيام الأسبوع للحجامة، فقال الخلال في «جامعه»: أخبرنا حرب بن إسماعيل، قال: قلت لأحمد: تكره الحجامة في شيء من الأيام؟ قال: قد جاء في الأربعاء، والسبت، وفيه: عن الحسين بن حسان أنه سأل أبا عبد الله عن الحجامة، أيّ يوم تُكره؟ فقال: في يوم السبت، ويوم الأربعاء، ويقولون: يوم الجمعة، وروى الخلال عن أبي سلمة، وأبي سعيد المقبريّ، عن أبي هريرة مرفوعًا: «من احتجم يوم الأربعاء، أو يوم السبت، فأصابه بياض، أو برص، فلا يلومنّ إلا نفسه» . وقال الخلال: أخبرنا محمد بن عليّ بن جعفر، أن يعقوب بن بختان حدثهم، قال: سئل أحمد عن النورة، والحجامة يوم السبت، ويوم الأربعاء؟ فكرهها، وقال: بلغني عن رجل أنه تنوّر، واحتجم؛ يعني: يوم الأربعاء، فأصابه البرص، قلت له: كأنه تهاون بالحديث؟ قال: نعم. وفي «كتاب الأفراد» للدارقطنيّ من حديث نافع قال: قال لي عبد الله بن عمر: تبيّغ بي الدم، فابغ لي حجّامًا، ولا يكن صبيًّا، ولا شيخًا كبيرًا فإني سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «الحجامة تزيد الحافظ حفظًا، والعاقل عقلًا، فاحتجموا على اسم الله تعالى، ولا تحتجموا الخميس، والجمعة، والسبت، والأحد، واحتجموا الاثنين، وما كان من جذام، ولا برص، إلا نزل يوم الأربعاء»، قال الدارقطني: تفرد به زياد بن يحيى، وقد رواه أيوب، عن نافع، وقال فيه: «واحتجموا يوم الاثنين، والثلاثاء، ولا تحتجموا يوم الأربعاء». وقد روى أبو داود في «سننه» من حديث أبي بكرة -﵁- أنه كان يكره الحجامة يوم الثلاثاء، وقال: إن رسول الله -ﷺ - قال: «يوم الثلاثاء يوم الدم، وفيه ساعة لا يرقأ فيها الدم» . انتهى ما كتبه ابن القيّم -﵀- ، وهو بحث نفيسٌ مفيد، والله تعالى أعلم. (المسألة الخامسة): قال الإمام البخاريّ: في «صحيحه»: «بابُ الدواء بالعسل»، وقول الله تعالى: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ [النحل: ٦٩]، قال في «الفتح»: كأنه أشار بذكر الآية إلى أن الضمير فيها للعسل، وهو قول الجمهور، وزعم بعض أهل التفسير أنه للقرآن، وذكر ابن بطال أن بعضهم قال: إن قوله تعالى: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾؛ أي: لبعضهم، وحَمَله على ذلك أن تناول العسل قد يَضُرّ ببعض الناس، كمن يكون حارّ المزاج، لكن لا يُحتاج إلى ذلك؛ لأنه ليس في حَمْله على العموم ما يمنع أنه قد يَضُرّ ببعض الأبدان بطريق العَرَض. قال: و«الْعَسَل» يذكَّر، ويؤنث، وأسماؤه تزيد على المائة، وفيه من المنافع ما لخّصه الموفَّق البغداديّ، وغيره، فقالوا: يُجَلِّي الأوساخ التي في العروق، والأمعاء، ويدفع الفضلات، ويغسل المعدة، ويُسَخِّنها تسخينًا معتدلًا، ويفتح أفواه العروق، ويشدّ المعدة، والكبد، والكُلَى، والمثانة، وفيه تحليل للرطوبات أكلًا، وطِلاءً، وتغذيةً، وفيه حفظ للمعجونات، وإذهاب لكيفية الأدوية المستكرهة، وتنقية للكبد، والصدر، وإدرار البول، والطمث، وينفع للسعال الكائن من البلغم، والأمزجة الباردة، وإذا أضيف إليه الخلّ نفَعَ أصحاب الصفراء، ثم هو غذاء من الأغذية، ودواء من الأدوية، وشراب من الأشربة، وحلوى من الحلاوات، وطلاء من الأطلية، ومفرح من المفرحات. ومن منافعه أنه إذا شُرِب حارًّا بدهن الورد نفع من نهش الحيوان، وإذا شُرب وحده بماء نفع من عَضَّة الكَلْب الكَلِبِ، وإذا جُعل فيه اللحم الطريّ حُفِظ طراوته ثلاثة أشهر، وكذا الخيار، والقرع، والباذنجان، والليمون ونحو ذلك، وإذا لُطِخ به البدن للقمل قَتَل القمل، والصئبان، وطَوَّل الشعر، وحَسَّنه، ونعّمَه، وإن اكْتُحِل به جلا ظلمة البصر، وإن استُنَّ به صَقَّل الأسنان، وحَفِظ صحتها، وهو عجيب في حفظ جثة الموتى، فلا يُسرع إليها البِلا، وهو مع ذلك مأمون الغائلة، قليل المضرّة، ولم يكن يُعَوِّل قدماء الأطباء في الأدوية المركبة إلا عليه، ولا ذِكْر للسكّر في أكثر كتبهم أصلًا. وقد أخرج أبو نعيم في «الطب النبوي» بسند ضعيف من حديث أبي هريرة -﵁- رفعه، وابن ماجه بسند ضعيف، من حديث جابر -﵁- رفعه: «مَنْ
مصادر المؤلف (٥٠)

١. «الفتح» ١٣/ ٦٥ - ٦٦، كتاب «الطبّ» رقم (٥٦٨٣).

٢. «عمدة القاري» ٢١/ ٢٤٢.

٣. «فيض القدير على الجامع الصغير» للمناويّ ٢/ ٤٧١.

٤. «الفتح» ١٣/ ٨٣، كتاب «الطبّ» رقم (٥٦٩٦).

٥. وفي نسخة: «بالحجّام».

٦. وفي نسخة: «بالحجّام».

٧. «الفتح» ١٣/ ٦٥ - ٦٦، كتاب «الطبّ» رقم (٥٦٨٣).

٨. راجع: «تنبيه المعلم» ص ٣٧٦.

٩. «المصباح المنير» ١/ ١٦٦.

١٠. تعقّب الأزهريّ قول الليث هذا، راجع: «التاج» ١/ ١٥٦٤.

١١. «تاج العروس» ١/ ١٥٦٤.

١٢. «شرح النوويّ»١٤/ ١٩٧.

١٣. «المصباح المنير»١/ ١٢٣.

١٤. «القاموس المحيط»ص ٢٦٨.

١٥. «المصباح المنير»١/ ٤٥.

١٦. «المفهم» ٥/ ٥٩٤ - ٥٩٥.

١٧. «فيض القدير على الجامع الصغير»للمناويّ ٣/ ٣١.

١٨. «الكاشف عن حقائق السُّنن»٩/ ٢٩٥٤ بزيادة من«المصباح»١/ ٣٠٩.

١٩. «الصحاح»ص ٥٣٨.

٢٠. «المصباح المنير»٢/ ٤٠٩.

٢١. «عمدة القاري»٢١/ ٢٣٣.

٢٢. «الفتح»٦٦، كتاب«الطبّ»رقم (٥٦٨٣).

٢٣. «الفتح» ٦٣، كتاب «الطبّ» رقم (٥٦٨٠).

٢٤. «المفهم» ٥/ ٥٩٥.

٢٥. «الصحاح» ص ٥٤٣.

٢٦. قال في «القاموس»: الْهَيْضة: معاودة الهمّ والحزن، والمرضَةُ بعد الْمَرْضة. انتهى.

٢٧. «شرح النوويّ» ١٤/ ١٩٢ - ١٩٧.

٢٨. «الفتح» ١٣/ ٦٢ - ٦٣، كتاب «الطبّ» رقم (٥٦٨٠).

٢٩. وشيخه كثير أيضًا ضعيف.

٣٠. حديث صحيح بشواهده، أخرجه ابن ماجه (٣٤٧٩) وسنده ضعيف، لكن في الباب عن ابن عبّاس عند الترمذيّ (٢٠٥٤)، وعن ابن مسعود عند الترمذيّ أيضًا (٢٠٥٣).

٣١. رواه الترمذيّ (٢٠٥٤) وفي سنده عبّاد بن منصور ضعيف؛ لسوء حفظه وتغيّره، لكن أسلفنا أن الحديث صحيح بشواهده، فلا تغفل.

٣٢. رواه الترمذيّ (٢٠٥٤)، وابن ماجه (٣٤٧٨) وفي سنده عباد بن منصور ضعيف، كما تقدّم.

٣٣. أخرجه الشيخان وغيرهما بدون لفظ الفصد، قال محقق «زاد المعاد» ٤/ ٥٤: لفظ «والفصد» لم نقف عليه في شيء من كتب الحديث التي بأيدينا. انتهى.

٣٤. الشَّوْصة: وَجَع في البطن بسبب ريح تأخذ الإنسان مرّة هنا، ومرّةً هناك.

٣٥. «القيفال»: عرق في الذراع.

٣٦. رواه الترمذيّ في «جامعه» (٢٠٥٢)، وفي «الشمائل» ٢/ ٢٢٣، وأبو داود (٣٨٦٠)، وابن ماجه (٣٤٨٣)، وأحمد ٣/ ١١٩ و١٩٢، وإسناده صحيح، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبيّ.

٣٧. عزاه ابن القيّم -﵀- إلى «الصحيحين»، فوهّمه المحقّق، وقال: لم يخرجاه، ولا أحدهما، وإنما أخرجه أحمد، وأصحاب السُّنن، كما سبق في التعليق الماضي، فتنبّه.

٣٨. رواه البخاريّ في «الطبّ» ١/ ١٢٨.

٣٩. رواه ابن ماجه (٣٤٨٢) وفيه أصبغ بن نُباتة، وهو ضعيف.

٤٠. حديث صحيح، رواه أبو داود (٣٨٦٤). والوَثْءُ: وجع يصيب العضو من غير كسر.

٤١. قال في «القاموس»: الْقَمَحْدُوة: الْهَنَة الناشزة فوق القفا، وأعلى الْقَذَال خلف الأذنين، ومؤخّر القذال، جمعه قَماحد. انتهى.

٤٢. ضعيف، راجع: «الضعيفة» للشيخ الألبانيّ -﵀-.

٤٣. رواه الترمذيّ (٢٠٥٤) وفي سنده عبّاد بن منصور ضعّفوه، لكن الحديث حسن بشواهده، فتنبّه.

٤٤. رواه الترمذيّ (٢٠٥١) ورجاله ثقات، وقال الترمذيّ: حديث حسن غريب.

٤٥. رواه ابن ماجه (٣٤٨٦) وفي سنده النهاس بن قهم، ضعيف، لكن يشهد له حديث أبي هريرة الذي بعده، وحديث ابن عباس المتقدّم.

٤٦. رواه أبو داود (٣٨٦١) وسنده حسن.

٤٧. هذا الأثر بهذا اللفظ لم أجد من رواه، لكن الحديث رواه ابن ماجه في «سننه» ٢/ ١١٥٣ بسنده عن ابن عمر -﵄- قال: «يا نافع قد تبيّغ بني الدم، فالتمس لي حجامًا، واجعله رفيقًا، إن استطعت، ولا تجعله شيخًا كبيرًا، ولا صبيًّا صغيرًا»، فإني سمعت رسول الله -ﷺ-: «يقول الحجامة على الريق أمثل، وفيه شفاء، وبركة، وتزيد في العقل، وفي الحفظ، فاحتجموا على بركة الله يوم الخميس، واجتنبوا الحجامة يوم الأربعاء، والجمعة، والسبت، ويوم الأحد، تحريًا، واحتجموا يوم الاثنين، والثلاثاء، فإنه اليوم الذي عافى الله فيه أيوب من البلاء، وضربه بالبلاء يوم الأربعاء، فإنه لا يبدو جذام، ولا برص، إلا يوم الأربعاء، أو ليلة الأربعاء». انتهى، وسنده ضعيف، وحسّنه الشيخ الألبانيّ -﵀-، راجع: «الصحيحة» ٢/ ٣٩٢. ثم أخرجه بسند آخر، ولفظه: قال ابن عمر: يا نافع تبيّغ بني الدم، فأتني بحجام، واجعله شابًّا، ولا تجعله شيخًا، ولا صبيًّا، قال: وقال ابن عمر: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «الحجامة على الريق أمثل، وهي تزيد في العقل، وتزيد في الحفظ، وتزيد الحافظ حفظًا، فمن كان محتجمًا، فيوم الخميس، على اسم الله، واجتنبوا الحجامة يوم الجمعة، ويوم السبت، ويوم الأحد، واحتجموا يوم الاثنين، والثلاثاء، واجتنبوا الحجامة يوم الأربعاء، فإنه اليوم الذي أصيب فيه أيوب بالبلاء، وما يبدو جذام، ولا برص، إلا في يوم الأربعاء، أو ليلة الأربعاء». انتهى، وسنده ضعيف أيضًا، وحسّنه الشيخ الألبانيّ -﵀- أيضًا.

٤٨. رواه الحاكم، ٤/ ٤٠٩، والبيهقيّ ٩/ ٣٤٠، وفي سنده سليمان بن الأرقم، وهو متروك.

٤٩. رواه أبو داود، وفي سنده مجهولة.

٥٠. «زاد المعاد» ٤/ ٥٣.