HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٢٠٨

حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ. حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ. حَدَّثَنَا أبو الزبير عن جابر. ح وحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا أَبُو خيثمة عن أبي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ. قال: رُمِيَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ فِي أَكْحَلِهِ. قَالَ فَحَسَمَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِيَدِهِ بِمِشْقَصٍ. ثُمَّ وَرِمَتْ فحسمه الثانية.
ج ٤ ص ١٧٣١

سلسلة الرواة

التحرير في شرح صحيح مسلم · قوام السنة الأصبهاني · ج١ ص٥٢٤
[٦٥٨] وقوله: (فَحَسَمَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِيَدِهِ بِمِشْقَص) ؛ الحسم كي العروق بالنار لينقطع الدم، وفي الحديث أنه: (أَتِيَ بِسَارِقٍ فَقَالَ: اقْطَعُوهُ ثُمَّ احْسِمُوهُ) ، أي: اقطعوا عنه الدم بالكي، و(المِشْقَصُ): نصل عريض، وقوله: (اسْتَعَطَ)؛ بتخفيف الطاء هو افتعل من السُّعوط، يقال: أسعطتُه الدواء فاستعط، والمُسْعَط: الذي يجعل فيه السَّعوط: وهو الدواء الذي يجعل في الأنف. * * * ومن باب معالجة الحمى بالماء
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣٦ ص١٨٦
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّل الكتاب قال: [٥٧٣٦] (٢٢٠٨) - (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ (ح) وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: رُمِيَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ فِي أَكْحَلِهِ. قَالَ: فَحَسَمَهُ النَّبِيُّ -ﷺ- بِيَدِهِ، بِمِشْقَصٍ، ثُمَّ وَرِمَتْ، فَحَسَمَهُ الثَّانِيَةَ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ) هو: أحمد بن عبد الله بن يونس التميميّ اليربوعيّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ، من كبار [١٠] (ت ٢٢٧) عن (٩٤) سنةً (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥٣. ٢ - (زُهَيْرُ) بن معاوية بن حُديج الجعفيّ، تقدّم قريبًا. والباقون ذُكروا في الباب، و«أبو خيثمة» هو زهير بن معاولة المذكور في السند الأول. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من رباعيّات المصنّف -﵀-، وهو (٤٤٣) من رباعيّات الكتاب. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تَدْرس المكيّ (عَنْ جَابِرٍ) -﵁-. [فإن قلت]: كيف أخرج مسلم رواية أبي الزبير هذه، وهي معنعنة، وهو مدلّس؟. [قلت]: لا تضرّ عنعنة أبي الزبير هنا؛ لأن الليث بن سعد تابع زهير بن معاوية فيها، عند الترمذيّ، وغيره، كما يأتي في التنبيه الآتي، وقد صحّ عن الليث أنه لا يروي عن أبي الزبير إلا ما سمعه من جابر -﵁-، كما أشرت إليه بقولي: إِنْ يَرْوِ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ اللَّيْثُ لَا … تَخْشَ لَهُ التَّدْلِيسَ بَلْ خُذْ مُوصَلَا فَإِنَّهُ لَمْ يَرْوِ عَنْهُ غَيْرَ مَا … سَمِعَهُ مِنْ جَابِرٍ فَاغْتَنِمَا ولا تلتفت إلى ما أشار إليه بعض من كَتَب على مسلم من الطعن في هذه الرواية بأنها من رواية أبي الزبير، وهو مدلّس، فإنه غفلة عن القاعدة المذكورة، فتنبّه، والله الهادي إلى سواء السبيل. (قَالَ: رُمِيَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذِ) بن النعمان الأنصاريّ الأشهليّ، أبو عمرو، سيّد الأوس، شَهِد بدرًا، واستُشهِد من سهم أصابه بالخندق، ومناقبه كثيرة، وله في مسلم ذِكر، دون رواية، وله عند البخاريّ حديث واحد موقوف، رواه عنه ابن مسعود. وأخرج ابن سعد في «الطبقات»، قال: كان سعد بن معاذ رجلًا أبيض، طُوالًا، جميلًا، حسن الوجه، أعين، حسن اللحية، فرُمي يوم الخندق، سنة خمس من الهجرة، فمات من رَمْيته تلك، وهو يومئذٍ ابن سبع وثلاثين سنةً، فصلى عليه رسول الله -ﷺ-، ودُفن بالبقيع. انتهى . [تنبيه]: الذي رَمَى سعد بن معاذ -﵁- رجل من قريش، يقال له: حِبّان ابن الْعَرِقة، وهو حبّان بن قيس، ويقال: ابن أبي قيس بن علقمة بن عبد مناف، والْعَرِقة -بفتح العين المهملة، وكسر الراء، ثم قاف- أمه، وهي بنت سعيد بن سعد بن سِهْم ، وقد تقدّمت القصّة مستوفاة في «الجهاد»: «باب جواز قتال من نقض العهد» [٢٢/ ٤٥٨٨] (١٧٦٩) فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق. (فِي أَكْحَلِهِ) هو عِرق في الذراع يقال له: عِرْق الحياة؛ لأنه إذا قُطع مات صاحبه، وقد تقدّم تمام البحث فيه في الحديث الماضي. (قَالَ) جابر -﵁- (فَحَسَمَهُ)؛ أي: كواه (النَّبِيُّ -ﷺ- بِيَدِهِ) الشريفة؛ ليقطع دمه، وأصل الحسم: القطع، (بِمِشْقَصٍ) -بكسر الميم، وسكون الشين المعجمة، وفتح القاف، وبصاد مهملة-: وهو نصل السهم إذا كان طويلًا غير عريض . (ثُمَّ وَرِمَتْ) بكسر الراء، يقال: وَرِمَ يَرِم -بكسرهما- وَرَمًا، وتورّم، وهو تغلّظه من مرض، وجمع الورم أورام، قاله الفيّوميّ ، وقال المجد: الورم محرّكةً: النتوء، والانتفاخ. انتهى. (فَحَسَمَهُ الثَّانِيَةَ)؛ أي: كواه النبيّ -ﷺ- مرّة ثانية. قال القرطبيّ -﵀-: وكيّ النبيّ -ﷺ- لأُبيّ، وسعد دليلٌ على جواز الكيّ، والعمل به، إذا ظن الإنسان منفعته، ودعت الحاجة إليه، فيُحْمَل نهيه -ﷺ- عن الكيّ على ما إذا أمكن أن يُستَغنَى عنه بغيره من الأدوية، فمن فعله في محله، وعلى شرطه لم يكن ذلك مكروهًا في حقّه، ولا مُنقصًا له من فضله، ويجوز أن يكون من السَّبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة بغير حساب، كيف لا؟ وقد كوى النبيّ -ﷺ- سعد بن معاذ الذي اهتز له عرش الرَّحمن، وأُبي بن كعب المخصوص بأنه أقرأ الأمَّة للقرآن، وقد اكتوى عمران بن حصين، فمن اعتقد أن هؤلاء لا يصلحون أن يكونوا من السبعين ألفًا؛ ففساد كلامه لا يخفى، وعلى هذا البحث فيكون قوله في السبعين ألفًا: «أنهم هم الذين لا يكتوون» إنما يعني به: الذي يكتوي وهو يجد عنه غنى. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: هكذا قرّر القرطبيّ -﵀-، وفي بعض ما قاله نظر، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: ساق الترمذيّ -﵀- قصة سعد بن معاذ -﵁- هذه مطوّلةً في «جامعه»، فقال: (١٥٨٢) - حدّثنا قتيبة، حدّثنا الليث، عن أبي الزبير، عن جابر، أنه قال: رُمي يوم الأحزاب سعد بن معاذ، فقطعوا أكحله، أو أبجله، فحسمه رسول الله -ﷺ- بالنار، فانتفخت يده، فتركه، فنزفه الدم، فحسمه أخرى، فانتفخت يده، فلما رأى ذلك قال: اللهم لا تُخرج نفسي، حتى تُقِرّ عيني من بني قريظة، فاستمسك عِرْقُه، فما قطر قطرة، حتى نزلوا على حكم سعد بن معاذ، فأرسل إليه، فحَكَم أن يُقتل رجالهم، ويُستحيى نساؤهم، يستعين بهنّ المسلمون، فقال رسول الله -ﷺ-: «أصبت حكم الله فيهم»، وكانوا أربعمائة، فلمّا فرغ من قتلهم انفتق عِرْقه فمات، قال أبو عيسى: هذا حديث حسنٌ صحيحٌ. انتهى . وساقها الطبرانيّ في «المعجم الكبير» بأطول من هذا، فقال: (٥٣٢٧) - حدّثنا محمد بن عمرو بن خالد الحرانيّ، حدّثني أبي، ثنا ابن لَهِيعة، عن أبي الأسود، عن عروة، أن سعد بن معاذ -﵁- رُمِي يوم الخندق رَمْيةً، فقُطعت الأكحل من عضده، فزعموا أنه رماه حِبّان بن قيس، أحد بني عامر بن لؤيّ، ثم أخو بني الْعَرِقة، ويقول آخرون: رماه أبو أسامة الْجُشَميّ، فقال سعد بن معاذ -﵁-: رب اشفني من بني قريظة قبل الممات، فرقأ الكَلْم بعدما قد انفجر، قال: وأقام النبيّ -ﷺ- على بني قريظة، حتى سألوه أن يجعل بينه وبينهم حَكَمًا، ينزلون على حُكْمه، فقال رسول الله -ﷺ-: «اختاروا من أصحابي من أردتم، فلنستمع لقوله»، فاختاروا سعد بن معاذ، فرَضِي به رسول الله -ﷺ-، وسلّموا، وأمر رسول الله -ﷺ- بأسلحتهم، فجُعلت في بيت، وأَمر بهم، فكُتِّفوا، وأُوثقوا، فجُعلوا في دار أسامة بن زيد، وبعث رسول الله -ﷺ- إلى سعد بن معاذ، فأقبل على حمار أعرابيّ، يزعمون أن وطأة برذعه من ليف، واتبعه رجل من بني عبد الأشهل، فجعل يمشي معه، يُعَظِّم حق بني قريظة، وَيذكُر حلفهم، والذي أبلوهم يوم بُعاث، وأنهم اختاروك على من سواك رجاء عطفك، وتحنّنك عليهم، فاستبْقهم، فإنهم لك جَمَالٌ وعُدَدٌ، قال: فأكثر ذلك الرجل، ولم يُحِرْ إليه سعد شيئًا، حتى دَنَوا، فقال له الرجل: ألا ترجع إليّ شيئًا، فقال سعد: والله لا أبالي في الله لومة لائم، ففارقه الرجل، فأتى إلى قومه، قد يئس من أن يستبقيهم، وأخبرهم بالذي كلّمه به، والذي رجع إليه، ونَفَذَ سعد حتى أتى رسول الله -ﷺ-، فقال: يا سعد احكم بيننا وبينهم، فقال سعد -﵁-: أحكم فيهم بأن تُقْتَل مقاتلتُهم، ويُغتنم سبيهم، وتؤخذ أموالهم، وتسبى ذراريهم، ونساؤهم، فقال رسول الله -ﷺ-: حَكَم فيهم سعد بن معاذ بحكم الله، ويزعم ناس أنهم نزلوا على حكم رسول الله -ﷺ-، فرَدّ رسول الله -ﷺ- الحكم فيهم إلى سعد بن معاذ، فأُخرجوا رسلًا رسلًا، فضُربت أعناقهم، وأُخرج حُيَيّ بن أخطب، فقال له رسول الله -ﷺ-: «هل أخزاك الله؟» فقال: قد ظهرت عليّ، وما ألوم نفسي فيك، فأمر به رسول الله -ﷺ-، فأُخرج إلى أحجار الزيت التي بالسوق، فضُربت عنقه، كل ذلك بعين سعد بن معاذ، وزعموا أنه كان برئ كَلْم سعد، وتحجر بالبرء، ثم إنه دعا، فقال: اللهم رب السماوات والأرض، فإنه لم يكن في الأرض قوم أبغض إليّ من قوم كذبوا رسولك، وأخرجوه، وإني أظن أن قد وضعت الحرب بيننا وبينهم، فإن كان بقي بيننا وبينهم قتال، فأبقني، أقاتلهم فيك، وإن كنت قد وضعت الحرب بيننا وبينهم، فافجر هذا المكان، واجعل موتي فيه، ففجره الله ﵎، وإنه لراقد بين ظهري الليل، فما دَرَوا به، حتى مات، وما رقأ الكلم حتى مات -﵀-. انتهى . قال الحافظ أبو بكر الهيثميّ -﵀- في «المجمع»: رواه الطبرانيّ مرسلًا، وفيه ابن لَهيعة، وحديثه حسنٌ، وفيه ضَعف، وفي «الصحيح» بعضه عن عائشه -﵂- متصل الإسناد. انتهى . مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جابر -﵁- هذا من أفراد المصنّف -﵀-. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١١/ ٥٧٣٦] (٢٢٠٨)، و(أبو داود) في «الطبّ» (٣٨٦٦)، و(الترمذيّ) في «السير» (١٥٨٢)، و(النسائيّ) في «الكبرى» (٥/ ٢٠٦)، و(ابن ماجه) في «الطبّ» (٣٤٩٤)، و(أحمد) في «مسنده» (٣/ ٣١٢ و٣٥٠ و٣٨٦)، و(الطيالسيّ) في «مسنده» (١٧٤٥)، و(الدارميّ) في «سننه» (٢/ ٢٣٨)، و(ابن الجعد) في «مسنده» (١/ ٣٨٨)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٤٧٨٤)، و(الطبرانيّ) في «الكبير» (٦/ ٧)، و(الطحاويّ) في «شرح معاني الآثار» (٤/ ٣٢١)، و(الحاكم) في «المستدرك» (٤/ ٤١٧)، و(ابن سعد) في «الطبقات» (٣/ ٤٢٩)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٩/ ٣٤٢)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّل الكتاب قال: [٥٧٣٧] (١٢٠٢) - (حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ صَخْرٍ الدَّارِمِيُّ، حَدَّثَنَا حَبَّانُ بْنُ هِلَالٍ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- احْتَجَمَ، وَأَعْطَى الْحَجَّامَ أَجْرَهُ، وَاسْتَعَطَ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ صَخْرٍ الدَّارِمِيُّ) أبو جعفر السَّرَخْسيّ، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت ٢٥٣) (خ م د ت ق) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٩٣. ٢ - (حَبَّانُ بْنُ هِلَالٍ) أبو حبيب البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] (ت ٢١٦) تقدم في «الإيمان» ٥٥/ ٣٢٢. ٣ - (وُهَيْبُ) بن خالد البصريّ، تقدّم قريبًا. ٤ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ طَاوُسٍ) اليمنيّ، تقدّم أيضًا قريبًا. ٥ - (أَبُوهُ) طاوس بن كيسان اليمنيّ، تقدّم أيضًا قريبًا. ٦ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) عبد الله البحر الحبر -﵄-، تقدّم أيضًا قريبًا. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-، وفيه رواية الابن عن أبيه، وفيه ابن عبّاس -﵄- حبر الأمة، وبحرها، وأحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة. شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) -﵄- (أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- احْتَجَمَ) بالبناء للفاعل؛ أي: طلب من يَحْجُمُهُ، يقال: حجمه يحجمه، من بابي ضرب، ونصر: إذا امتصّ دمه بالْمِحَجَم. (وَأَعْطَى الْحَجَّامَ أَجْرَهُ) وفي رواية تقدّمت للمصنّف في «البيوع» من رواية الشعبيّ، عن ابن عبّاس -﵄-: «حَجَمَ النبيَّ -ﷺ- عبدٌ لبني بياضة، فأعطاه النبيّ -ﷺ- أجره، وكَلَّم سيّده، فخفّف عنه من ضريبته»، ولو كان سُحتًا لم يُعطه النبيّ. قيل: العبد المذكور هو أبو طيبة المذكور في حديث أنس -﵁- المتقدّم هناك، فراجع ما تقدّم، والله تعالى أعلم. (وَاسْتَعَطَ)؛ أي: استَعمل السَّعُوط، وهو أن يَستلقي على ظهره، ويَجعل بين كتفيه ما يرفعهما لينحدر رأسه، ويقطر في أنفه ماء، أو دهنٌ، فيه دواءٌ مفرد، أو مركبٌ؛ ليتمكن بذلك من الوصول إلى دماغه؛ لاستخراج ما فيه من الداء بالعطاس، وأخرج الترمذيّ عن ابن عبّاس -﵄- رفعه: «إن خير ما تداويتم به السَّعُوط» ، ذكره في «الفتح» ، والله تعالى أعلم. قال الجامع عفا الله عنه: حديث ابن عبّاس -﵄- هذا متّفقٌ عليه، وقد مضى تخريجه في «البيوع» [٣٣/ ٤٠٣٤ و٤٠٣٥] (١٢٠٢)، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق. [تنبيه]: ذكر الإمام ابن القيّم -﵀- في هذا الباب بحثًا مهمًّا، أحببت إيراده هنا؛ لنفاسته، وكثرة فوائده، قال -﵀-: وفي ضمن هذه الأحاديث المتقدمة استحباب التداوي، واستحباب الحجامة، وأنها تكون في الموضع الذي يقتضيه الحال، وجواز احتجام المُحْرِم، وإن آل إلى قطع شيء من الشعر، فإن ذلك جائز، وفي وجوب الفدية عليه نظر، ولا يقوى الوجوب، وجواز احتجام الصائم، فإن في «صحيح البخاريّ» أن رسول الله -ﷺ-: «احتَجَم، وهو صائم»، ولكن هل يُفطر بذلك أم لا؟ مسألة أخرى، الصواب: الفطر بالحجامة؛ لصحته عن رسول الله -ﷺ- من غير معارض، وأصح ما يعارَض به حديث حجامته، وهو صائم، ولكن لا يدلّ على عدم الفطر، إلا بعد أربعة أمور: أحدها: أن الصوم كان فرضًا. الثاني: أنه كان مقيمًا. الثالث: أنه لم يكن به مرض، احتاج معه إلى الحجامة. الرابع: أن هذا الحديث متأخر عن قوله: «أفطر الحاجم، والمحجوم». فإذا ثبتت هذه المقدمات الأربع أمكن الاستدلال بفعله -ﷺ- على بقاء الصوم مع الحجامة، وإلا فما المانع أن يكون الصوم نفلًا يجوز الخروج منه بالحجامة وغيرها، أو من رمضان، لكنه في السفر، أو من رمضان في الحضر، لكن دعت الحاجة إليها، كما تدعو حاجة من به مرض إلى الفطر، أو يكون فرضًا من رمضان في الحضر، من غير حاجة إليها، لكنه مُبَقًّى على الأصل؟ وقوله: «أفطر الحاجم، والمحجوم» ناقل، ومتأخر، فيتعيّن المصير إليه، ولا سبيل إلى إثبات واحدة من هذه المقدّمات الأربع، فكيف بإثباتها كلها؟. وفيها دليل على استئجار الطبيب، وغيره، من غير عقد إجارة، بل يعطيه أجرة المِثل، أو ما يُرضيه. وفيها دليل على جواز التكسب بصناعة الحجامة، وإن كان لا يطيب للحرّ أَكْل أجرته من غير تحريم عليه، فإن النبيّ -ﷺ- أعطاه أجره، ولم يمنعه من أكله، وتسميته إياه خبيثًا كتسميته للثوم والبصل خبيثين، ولم يلزم من ذلك تحريمهما. وفيها دليل على جواز ضرب الرجل الخراج على عبده، كلَّ يوم شيئًا معلومًا بقدر طاقته، وأن للعبد أن يتصرف فيما زاد على خراجه، ولو مُنِع من التصرف لكان كسبه كله خراجًا، ولم يكن لتقديره فائدة، بل ما زاد على خراجه فهو تمليك من سيده له، يتصرف فيه كما أراد، والله أعلم. انتهى . وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوَّل الكتاب قال: [٥٧٣٨] (١٥٧٧) - (وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، وَقَالَ أَبُو كُرَيْبٍ -وَاللَّفْظُ لَهُ-: أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ، عَنْ مِسْعَرٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ الأَنْصَارِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: احْتَجَمَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-، وَكَانَ لَا يَظْلِمُ أَحَدًا أَجْرَهُ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عَمْرُو بْنُ عَامِرٍ الأَنْصَارِيُّ) الكوفيّ، ثقةٌ [٥]. رَوَى عن أنس بن مالك، وعنه أبو الزناد، وشعبة، والثوريّ، ومِسعر، وشريك، وغيرهم. قال أبو حاتم: ثقةٌ، صالح الحديث، وقال النسائيّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في «الثقات». أخرج له الجماعة، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث . والباقون تقدّموا قبل أربعة أبواب. شرح الحديث: (عَنْ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ الأَنْصَارِيِّ) الكوفيّ، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ) -﵁- (يَقُولُ: احْتَجَمَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-) وفي الرواية المتقدّمة للمصنّف في «البيوع» من رواية حميد، قال: سئل أنس بن مالك عن كسب الحجّام، فقال: احتَجَمَ رسول الله -ﷺ-، حَجَمه أبو طيبة، فأمر له بصاعين من طعام، وكَلَّم
مصادر المؤلف (١٤)

١. «الطبقات الكبرى» لابن سعد ٣/ ٤٣٣.

٢. راجع: «الفتح» ٩/ ٢١٥، كتاب «المغازي» رقم (٤٠٩٧).

٣. «عمدة القاري» ٢٢/ ٢٣٩.

٤. «المصباح المنير» ٢/ ٦٥٦.

٥. «المفهم» ٥/ ٥٩٧ - ٥٩٨.

٦. «جامع الترمذيّ» ٤/ ١٤٤.

٧. «المعجم الكبير» للطبرانيّ ٦/ ٧ - ٨.

٨. «مجمع الزوائد» ٦/ ١٣٩.

٩. هذا الرقم مكرّر.

١٠. حديث ضعيف.

١١. «الفتح» ١٣/ ٧٨.

١٢. «زاد المعاد» ٤/ ٥٦.

١٣. هذا الرقم مكرّر.

١٤. وقال في «الفتح»: ليس له في البخاريّ إلا ثلاثة أحاديث، حديث الباب، وحديث في الطهارة، وحديث في الصلاة.