HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٢٠٩

حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. قَالَا: حَدَّثَنَا يَحْيَى (وَهُوَ ابْنُ سَعِيدٍ) عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ. أَخْبَرَنِي نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عن النبي ﷺ قال: «الحمى من فيح جهنم. فابردوها بالماء».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج7 ص23
ج ٤ ص ١٧٣١

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٣ مصادر سنن ابن ماجه, صحيح البخاري, مسند أحمد
التحرير في شرح صحيح مسلم · قوام السنة الأصبهاني · ج١ ص٥٢٥
[٦٥٩] فيه حديث ابن عمر ﵁ وفيه دلالة على إباحة طلب المخرج من المكاره، وفيه طلب الشفاء من الله عند حدوث الداء بالأسباب التي وضع الله له. * * *
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣٦ ص١٩٤
أهله، فوضعوا عنه من خراجه، وقال: «إن أفضل ما تداويتم به الحجامة، أو هو من أمثل دوائكم». (وَكَانَ) -ﷺ- (لَا يَظْلِمُ أَحَدًا أَجْرَهُ) بل يُعطيه فوق ما تمنّاه، كما فعل بأبي طيبة المذكور، حيث أعطاه صاعين، وأمر أهله فخفّفوا عنه ضريبته، وهذا من كمال شفقته -ﷺ-. وفي رواية البخاريّ -﵀-: «كان النبيّ -ﷺ- يحتجم، ولم يكن يظلم أحدًا أجره»، قال في «الفتح»: فيه إشعار بالمواظبة، وفيه إثبات إعطائه أجرة الحجّام بطريق الاستنباط، بخلاف رواية ابن عبّاس بلفظ: «وأعطى الحجام أجره»، ففيها الجزم بذلك على سبيل التنصيص. انتهى . وقال في «العمدة»: قوله: «ولم يكن يظلم أحدًا أجره» أعمّ من أجر الحجام وغيره، ممن يُستَعْمَلُ في عمل، والمراد أنه يوفي أجر كل أجير، ولم يكن يظلم؛ أي: ينقص من أجر أحد، ولا يردّه بغير أجر. انتهى ، والله تعالى أعلم. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك -﵁- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١١/ ٥٧٣٨] (١٥٧٧) ، و(البخاريّ) في «الإجارة» (٢٢٨٠)، و(أحمد) في «مسنده» (٣/ ١٢٠ و١٧٧ و٢١٥ و٢٦١)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (٦/ ٣٧٥)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّل الكتاب قال: [٥٧٣٩] (٢٢٠٩) - (حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَا: حَدَّثَنَا يَحْيَى -وَهُوَ ابْنُ سَعِيدٍ - عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، أَخْبَرَنِي نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: «الْحُمَّى مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ، فَابْرُدُوهَا بِالْمَاءِ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عُبَيْدُ اللهِ) بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطّاب العمريّ، أبو عثمان المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٥] مات سنة بضع و(١٤٠) (ع) تقدم في «الإيمان» ٢٨/ ٢٢٢. ٢ - (نَافِعٌ) مولى ابن عمر، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ مشهور [٣] (ت ١١٧) (ع) تقدم في «الإيمان» ٢٨/ ٢٢٢. ٣ - (ابْنُ عُمَرَ) هو: عبد الله بن عمر بن الخطّاب العدويّ، أبو عبد الرحمن المدنيّ الصحابيّ ابن الصحابيّ، مات -﵁- سنة (٧٣) أو أول التي تليها (ع) تقدم في «الإيمان» ١/ ١٠٢. والباقون تقدّموا قريبًا. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه ابن عمر -﵄- أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، وأشدّ الناس اتّباعًا للأثر. شرح الحديث: (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بن عمر الْعُمَريّ، أنه قال: (أَخْبَرَنِي نَافِعٌ) مولى ابن عمر (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) -﵄-. [تنبيه]: هكذا أخرج الحديث مسلم من طريق يحيى القطّان عن عبيد الله العمري، عن نافع، وأخرجه البخاريّ من طريق عبد الله بن وهب عن مالك، عن نافع، وهو أيضًا عند مسلم، قال في «الفتح» بعد ذِكر هذا: وأخرجه النسائيّ من طريق عبد الرحمن بن القاسم، عن مالك، قال الدارقطنيّ في «الموطآت»: لم يروه من أصحاب مالك في «الموطأ»: إلا ابن وهب، وابن القاسم، وتابعهما الشافعيّ، وسعيد بن عُفير، وسعيد بن داود، قال: ولم يأت به مَعْن، ولا القعنبيّ، ولا أبو مصعب، ولا ابن بكير. انتهى، وكذا قال ابن عبد البرّ في «التقصي»، قال الحافظ: وقد أخرجه شيخنا -يعني: الحافظ العراقيّ- في «تقريبه» من رواية أبي مصعب، عن مالك، وهو ذهول منه؛ لأنه اعتَمَد فيه على «الملخّص» للقابسيّ، والقابسيّ إنما أخرج «الملخص» من طريق ابن القاسم، عن مالك، وهذا ثاني حديث عَثَرت عليه في «تقريب الأسانيد» لشيخنا -عفا الله تعالى عنه- من هذا الجنس، وقد نبهت عليه نصيحةً لله تعالى، والله أعلم. وقد أخرجه الدارقطنيّ، والإسماعيليّ من رواية حرملة، عن الشافعيّ، وأخرجه الدارقطنيّ من طريق سعيد بن عُفير، ومن طريق سعيد بن داود، ولم يخرجه ابن عبد البرّ في «التمهيد»؛ لأنه ليس في رواية يحيى بن يحيى الليثيّ، والله أعلم. انتهى . (عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ-) أنه (قَالَ: «الْحُمَّى مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ) -بفتح الفاء، وسكون التحتانية، بعدها مهملة- في حديث رافع:»من فوح«بالواو، وفي حديث له بلفظ:»فور«بالراء بدل الحاء، وكلها بمعنى، والمراد: سُطوع حَرّها، ووَهَجُهُ، والحمّى أنواع، كما سيأتي تحقيقه. وقال القرطبيّ -﵀-: قوله:«من فيح جهنَّم»؛ أي: شدَّة حرارتها، وأصله من فاحت القِدْر: إذا غَلَت، وقد يعبَّر عنه بالفور؛ كما جاء في الرواية الأخرى، ولفحُ النَّار: إصابة شدَّة حرارتها، وجهنم: اسم عَلَمٌ من أسماء نار الآخرة؛ مؤنث، ولذلك لم ينصرف، وقد تقدم اشتقاقه. انتهى . وقال ابن القيّم -﵀-: قوله:«من فيح جهنم»هو شدّة لَهَبها، وانتشارها، ونظيره قوله:«شدة الحر من فيح جهنم»، وفيه وجهان: أحدهما: أن ذلك أنموذج، ورقيقة اشتُقّت من جهنم؛ ليستدل بها العباد عليها، ويعتبروا بها، ثم إن الله سبحانه قدّر ظهورها بأسباب تقتضيها، كما أن الرَّوْح، والفرح، والسرور، واللذة من نعيم الجنة أظهرها الله في هذه الدار عبرةً، ودلالةً، وقدّر ظهورها بأسباب توجبها. والثاني: أن يكون المراد التشبيه، فشبّه شدة الحمى، ولهبها بفيح جهنم، وشبه شدة الحرّ به أيضًا؛ تنبيهًا للنفوس على شدة عذاب النار، وأن هذه الحرارة العظيمة مشبهة بفيحها، وهو ما يصيب من قَرُب منها من حرّها. انتهى . وقال في «الفتح»: واختُلِف في نسبة الحمّى إلى جهنم، فقيل: حقيقةٌ، واللهب الحاصل في جسم المحموم قطعة من جهنم، وقَدّر الله ظهورها بأسباب تقتضيها؛ ليعتبر العباد بذلك، كما أن أنواع الفَرَح واللذة من نعيم الجنة، أظهَرَها في هذه الدار عبرةً، ودلالةً، وقد جاء في حديث أخرجه البزار، من حديث عائشة -﵂-، بسند حسنٍ وفيه: عن أبي أمامة، عند أحمد، وعن أبي رَيحانة، عند الطبرانيّ، وعن ابن مسعود، في «مسند الشهاب»: «الحمى حَظّ المؤمن من النار»، وهذا كما تقدم في حديث الأمر بالإبراد: «إن شدة الحر من فيح جهنم، وأن الله أَذِن لها بنَفَسين». وقيل: بل الخبر ورد مورد التشبيه، والمعنى: أن حَرّ الحمّى شبيه بحرّ جهنم؛ تنبيهًا للنفوس على شدة حر النار، وأن هذه الحرارة الشديدة شبيهة بفيحها، وهو ما يصيب مَن قَرُب منها من حرّها، كما قيل بذلك في حديث الإبراد، والأول أَولى، والله أعلم، ويؤيده ما في آخر الحديث عند البخاريّ: «قال نافع: وكان عبد الله يقول: اكشف عنّا الرجز»، أفاده في «الفتح» ، وهو تحقيقٌ نفيسٌ جدًّا، والله تعالى أعلم. (فَابْرُدُوهَا) قال في «الفتح»: المشهور في ضَبْطها بهمزة وصل، والراء مضمومة، وحُكِيَ كسرها، يقال: بَرَدتُ الحمَّى أَبرُدُها بَرْدًا، بوزن قَتَلتها أقتُلُها قَتْلًا؛ أي: أسكنت حرارتها، قال شاعر الحماسة [من الطويل]: إِذَا وَجَدتُ لَهِيبَ الْحُبِّ فِي كَبِدِي … أَقْبَلْتُ نَحْوَ سِقَاءِ الْقَوْمِ أَبْتَرِدُ هَبْنِي بَرَدْتُ بِبَرْدِ الْمَاءِ ظَاهِرَهُ … فَمَنْ لِنَارٍ عَلَى الأَحْشَاءِ تَتَّقِدُ وحَكَى عياض روايةً بهمزة قطع مفتوحة، وكسر الراء، من أبرد الشيءَ: إذا عالجه، فصَيَّره باردًا، مثل أسخنه: إذا صيّره سُخْنًا، وقد أشار إليها الخطابيّ، وقال الجوهريّ: إنها لغة رديئة. انتهى . وقال القرطبيّ -﵀-: قوله: «فابْرُدوها بالماء» صوابه بوصل الألف؛ لأنَّه من بَرَّد الماءُ حرارةَ جوفي، وهو ثلاثيّ معدَّى؛ كما قال [من الطويل]: وَعَطِّلْ قَلُوصِي فِي الرِّكاب فإنَّها … ستَبْرُدُ أكبادًا وتُبْكِي بَوَاكِيَا وقد أخطأ من قال: أَبردوها، بقطع الألف، وفي الرواية الأخرى: «فأطفئوها»، بالهمزة رباعيًّا، من أطفأ. انتهى . وقال النوويّ -﵀-: قوله -ﷺ-: «الحمى من فيح جهنم فابرُدوها بالماء»، وفي رواية: «من فَوْر جهنم» هو بفتح الفاء فيهما، وهو شدّة حرّها، ولهبها، وانتشارها، وأما «فابرُدوها» فبهمزة وصل، وبضم الراء، يقال: بَرَدتُ الحمَّى أبرُدها بَرْدًا، على وزن قتَلتها أقتُلها قَتْلًا؛ أي: أسكنت حرارتها، وأطفأت لهبها، كما قال في الرواية الأخرى: «فأطفئوها بالماء»، وهذا الذي ذكرناه من كونه بهمزة وصل، وضم الراء، هو الصحيح الفصيح المشهور في الروايات، وكُتُب اللغة، وغيرها، وحَكَى القاضي عياض في «المشارق» أنه يقال: بهمزة قطع، وكَسْر الراء في لغة، قد حكاه الجوهريّ، وقال: هي لغة رديئة. انتهى . وقوله: (بِالْمَاءِ) قال ابن القيّم -﵀-: فيه قولان: أحدهما: أنه كل ماء، وهو الصحيح، والثاني: أنه ماء زمزم، واحتَجّ أصحاب هذا القول بما رواه البخاريّ في «صحيحه» عن أبي جمرة نصر بن عمران الضُّبَعيّ قال: كنت أجالس ابن عباس بمكة، فأخذتني الحمى، فقال: أبردها عنك بماء زمزم، فإن رسول الله -ﷺ- قال: «إن الحمى من فيح جهنم، فابْرُدُوها بالماء، أو قال: بماء زمزم»، وراوي هذا قد شكّ فيه، ولو جزم به لكان أمرًا لأهل مكة بماء زمزم؛ إذ هو متيسِّر عندهم، ولغيرهم بما عندهم من الماء. قال: ثم اختَلَفَ من قال: إنه على عمومه، هل المراد به الصدقة بالماء، أو استعماله؟ على قولين، والصحيح أنه استعماله، وأظن أن الذي حَمَل من قال: المراد الصدقة به أنه أشكل عليه استعمال الماء البارد في الحمى، ولم يفهم وجهه، مع أن لقوله وجهًا حسنًا، وهو أن الجزاء من جنس العمل، فكما أَخمد لهيب العطش عن الظمآن بالماء البارد، أخمد الله لهيب الحمى عنه جزاءً وفاقًا، ولكن هذا يؤخذ من فقه الحديث، وإشارته، وأما المراد به فاستعماله. انتهى . وقال في «الفتح»: وفي حديث أبي هريرة -﵁- عند ابن ماجه: «بالماء البارد»، ومثله في حديث سمرة -﵁- عند أحمد، ووقع في حديث ابن عباس -﵄-: «بماء زمزم»، فقد أخرج البخاريّ من رواية أبي جمرة -بالجيم- قال: «كنت أجالس ابن عباس بمكة، فأخذتني الحمّى»، -وفي رواية أحمد-: كنت أدفع الناس عن ابن عباس، فاحتبست أيّامًا، فقال: ما حبسك؟ قلت: الحمَّى، قال: أبْرِدها بماء زمزم، فإن رسول الله -ﷺ- قال: «الحمى من فيح جهنم، فأبردوها بالماء، أو بماء زمزم» شك همام، كذا في رواية البخاريّ من طريق أبي عامر العَقَديّ، عن همام. وقد تعلّق به من قال بأن ذِكْر ماء زمزم ليس قيدًا؛ لشكِّ راويه فيه، وممن ذهب إلى ذلك ابن القيّم. قال الجامع عفا الله عنه: ليس ابن القيّم ممن قال بهذا، بل هو قائل بأن المراد به العموم، ولكنه تأول قول من قال بهذا، على تقدير ثبوته، كما أسلفت لك نصّه، فتنبّه، والله تعالى أعلم. قال: وتُعُقِّب بأنه وقع في رواية أحمد، عن عفّان، عن همام: «فأبردوها بماء زمزم»، ولم يشكّ، وكذا أخرجه النسائيّ، وابن حبان، والحاكم، من رواية عفان، وإن كان الحاكم وَهِمَ في استدراكه، وترجم له ابن حبان بعد إيراده حديث ابن عمر، فقال: «ذِكْر الخبر المفسِّر للماء المجمل في الحديث الذي قبله، وهو أن شدّة الحمى تُبَرَّد بماء زمزم دون غيره من المياه»، وساق حديث ابن عباس. وقد تُعُقّب على تقدير أن لا شك في ذِكر ماء زمزم فيه، بأن الخطاب لأهل مكة خاصّة؛ لتيسُّر ماء زمزم عندهم، كما خصّ الخطاب بأصل الأمر بأهل البلاد الحارّة، وخفي ذلك على بعض الناس. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن حمله على العموم هو الصواب، كما أشار إليه ابن القيّم -﵀- في كلامه السابق؛ لأن التنصيص على بعض أفراد العامّ لا يُخصّص، فالحقّ أن الحديث على عمومه، فمن تيسّر له ماء زمزم كأهل مكة برّدها به، ومن لا؛ كغيرهم برّدها بما لديه من الماء، فتنبّه، والله تعالى أعلم. وقال ابن عبد البرّ -﵀-: وأما معنى الحديث فقد فسرته فاطمة بنت المنذر في روايتها له عن أسماء، بأنها كانت تَصُبّ الماء بين المرأة المحمومة وبين جيبها؛ كأنها كانت تصبه بين طوق قميصها، وعنقها، حتى يصل إلى جسدها، وذكر ابن وهب في صفة الغسل للحمى حديثًا في «جامعه» مرفوعًا إلى النبيّ -ﷺ- أنه قال لرجل شكى إليه الحمى: «اغتسل ثلاثة أيام قبل طلوع الشمس، كل يوم، وقل: بسم الله، وبالله، اذهبي يا أم مِلْدَم فإن لم تذهب، فاغتسل سبعًا». قال أبو عمر: مَن فعل شيئًا مما في هذين الحديثين، أو غيرهما مع اليقين الثابت، لم تلبث الحمى أن تُقلع إن شاء الله تعالى. قال: وقد رَوَى ابن عباس -﵄- عن النبيّ -ﷺ- أنه قال: «إن الحمى من فيح جهنم، فابْرُدوها بماء زمزم»، رواه أبو جمرة عنه، ورَوَى مِقْسم عن ابن عباس أنه كان إذا حُمّ بَلّ ثوبه، ثم لبسه، ثم قال: «إنها من فيح جهنم، فابْرُدوها بالماء»، قال أبو عمر: تأويل ابن عباس حسن أيضًا إن شاء الله -﷿-. انتهى . [تنبيه]: زاد في رواية البخاريّ من طريق مالك عن نافع في آخر الحديث ما نصّه: قال نافع: وكان عبد الله يقول: «اكشف عنّا الرجز». انتهى. قال في «الفتح»: قوله: «قال نافع: وكان عبد الله»؛ أي: ابن عمر يقول: اكشف عنا الرجز؛ أي: العذاب، وهذا موصول بالسند الذي قبله، وكأن ابن عمر فَهِم من كون أصل الحمى من جهنم أن من أصابته عُذِّب بها، وهذا التعذيب يختلف باختلاف محله، فيكون للمؤمن تكفيرًا لذنوبه، وزيادةً في أجوره، كما سبق، وللكافر عقوبةً، وانتقامًا، وإنما طَلَب ابن عمر كشفه مع ما فيه من الثواب؛ لمشروعية طلب العافية من الله سبحانه؛ إذ هو قادر على أن يُكَفِّر سيئات عبده، ويُعظم ثوابه من غير أن يصيبه شيء يَشُقّ عليه، والله تعالى أعلم . مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عمر -﵄- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١١/ ٥٧٣٩ و٥٧٤٠ و٥٧٤١ و٥٧٤٢] (٢٢٠٩)، و(البخاريّ) في «بدء الخلق» (٣٢٦٤)، و«الطبّ» (٥٧٢٣)، و(النسائيّ) في «الكبرى» (٤/ ٢٧٩)، و(ابن ماجه) في «الطبّ» (٣٤٧٢)، و(مالك) في «الموطّأ» (٢/ ٩٤٥)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (٨/ ٨١)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٢١ و٨٥)، و(الطبرانيّ) في «الكبير» (١٣٣٤٢)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٦٠٦٦ و٦٠٦٧)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): قال الخطابيّ، ومن تبعه: اعتَرَض بعض سُخفاء الأطباء على هذا الحديث بأن قال: اغتسال المحموم بالماء خطر يقربه من الهلاك؛ لأنه يجمع المسامّ، ويحقن الْبُخار، ويعكس الحرارة إلى داخل الجسم، فيكون ذلك سببًا للتلف. قال القرطبيّ -﵀-: وجوابه أن هذا إن صدر عمَّن ارتاب في صدق النبيّ -ﷺ-، فجوابه بالمعجزات الدَّالة على صدقه -ﷺ- التي تدل قطعًا على صحة قوله، وصواب فعله، فإنْ حصل له التصديق والإيمان، وإلا فقد يفعل الله بالسيف والسِّنان ما لا يُفعل بالبرهان، وإن صدر عن مصدِّقٍ له، ومؤمن برسالته -وما أقله فيمن يتعاطى صنعة الأطباء! - قيل له: تفهَّم مراده من هذا الكلام؛ فإنَّه لم ينصَّ على كيفية تبريد الحمى بالماء، وإنَّما أرشد إلى تبريدها بالماء مطلقًا، فإنْ أظهر الوجودُ، أو صناعة الطبّ أن غمس المحموم في الماء، أو صبَّه على جميع بدنه يضرُّه، فليس هو الذي قصد النبيّ -ﷺ- إليه، وإنما قصد استعمال الماء على وجه ينفع، فيُبْحث عن ذلك الوجه، وتُجرَّب الوجوه التي لا ضرر فيها، فإنَّه سيظهر نفعه قطعًا، وقد ظهر هذا المعنى في أمره للعائن بالغسل، فإنَّه وإن كان قد أمره بأن يغتسل مطلقًا، فلم يكن مقصوده أن يغسل جميع جسده، بل بعض ذلك، كما تقدَّم. وإذا تقرَّر هذا، فلا يبعُد أن يكون مقصوده أن يُرشَّ بعض جسد المحموم، أو يفعل كما كانت أسماء تفعل، فإنَّها كانت تأخذ ماءً يسيرًا ترش به في جيب المحموم، أو يُنضح به وجهه، ويداه، ورجلاه، ويذكر اسم الله تعالى، فيكون ذلك من باب النُّشْرة الجائزة، كما تقدَّم. وقد يجوز أن يكون ذلك من باب الطبّ، فقد ينفع ذلك في بعض الحميات، فإنَّ الأطباء قد سلّموا أن الحمى الصفراوية يُبَرّد صاحبها بسقي الماء الشديد البرودة، حتى يسقوه الثلج، وتغسل أطرافه بالماء البارد، وعلى هذا فلا بُعد في أن يكون هذا المقصودَ بالحديث، والله أعلم. ولئن سلَّمنا: أنه أراد جميع جسد المحموم؛ فجوابه: أنه يَحْتَمِل أن يريد بذلك استعماله بعد أن تُقلع الحمَّى، وتسكن حرارتها، ويكون ذلك في وقت مخصوص، وبعدد مخصوص، فيكون ذلك من باب الخواص التي قد اطلع عليها النبيّ -ﷺ-، كما قد رَوَى قاسم بن ثابت: أن رجلًا شكا إلى رسول الله -ﷺ- الحمى، فقال له: «اغتسل ثلاثًا قبل طلوع الشمس، وقل: باسم الله، اذهبي يا أم مِلْدَم ، فإنْ لم تذهب، فاغتسل سبعًا». انتهى . وقال الخطابيّ: غَلِط بعض من يُنسب إلى العلم، فانغمس في الماء لمّا أصابته الحمى، فاحتقنت الحرارة في باطن بدنه، فأصابته علة صعبة، كادت تُهلكه، فلما خرج من علته قال قولًا سيّئًا، لا يَحْسُن ذكره، وإنما أوقعه في ذلك جهله بمعنى الحديث. والجواب: أن هذا الإشكال صَدَر عن صَدْر مرتاب في صدق الخبر، فيقال له: أوّلًا من أين حَمَلت الأمر على الاغتسال، وليس في الحديث الصحيح بيان الكيفية، فضلًا عن اختصاصها بالغسل، وإنما في الحديث الإرشاد إلى تبريد الحمى بالماء؟ فإن أظهر الوجودُ، أو اقتضت صناعةُ الطبّ أن انغماس كل محموم في الماء أو صبه إياه على جميع بدنه يضرّه، فليس هو المراد، وإنما قَصَد -ﷺ- استعمال الماء على وجه ينفع، فليُبحث عن ذلك الوجه؛ ليحصل الانتفاع به، وهو كما وقع في أمره العائن بالاغتسال، وأطلق، وقد ظهر من الحديث الآخر أنه لم يُرِد مطلق الاغتسال، وإنما أراد الاغتسال على كيفية مخصوصة. وأَولى ما يُحْمَل عليه كيفية تبريد الحمى ما صنعته أسماء بنت الصديق -﵄-، فإنها كانت تَرُشّ على بدن المحموم شيئًا من الماء بين يديه، وثوبه، فيكون ذلك من باب النُّشْرة المأذون فيها، والصحابيّ، ولا سيما مثلُ أسماء التي هي ممن كان يلازم بيت النبيّ -ﷺ- أعلم بالمراد من غيرها، ولعل هذا هو السرّ في إيراد البخاري لحديثها عقب حديث ابن عمر المذكور، وهذا من بديع ترتيبه. وقال المازريّ: ولا شك أن علم الطب من أكثر العلوم احتياجًا إلى التفصيل، حتى إن المريض يكون الشيء دواءه في ساعة، ثم يصير داء له في الساعة التي تليها؛ لعارض يَعْرِض له من غضب يُحْمِي مزاجه مثلًا، فيتغير علاجه، ومثل ذلك كثير، فإذا فُرِض وجود الشفاء لشخص بشيء في حالةٍ مّا لم يلزم منه وجود الشفاء به له أو لغيره في سائر الأحوال، والأطباء مجمعون على أن المرض الواحد يختلف علاجه باختلاف السنّ، والزمان، والعادة، والغذاء المتقدم، والتأثير المألوف، وقوّة الطباع، ثم ذكر نحو ما تقدم. قالوا: وعلى تقدير أن يَرِدَ التصريح بالاغتسال في جميع الجسد، فيجاب بأنه يَحْتَمِل أن يكون أراد أنه يقع بعد إقلاع الحمى، وهو بعيد، ويَحْتَمِل أن يكون في وقت مخصوص بعدد مخصوص، فيكون من الخواص التي اطَّلَع -ﷺ- عليها بالوحي، ويضمحلّ عند ذلك جميع كلام أهل الطبّ. وقد أخرج الترمذيّ من حديث ثوبان مرفوعًا: «إذا أصاب أحدكم الحمى، وهي قطعة من النار، فليطفئها عنه بالماء، يستنقع في نهر جارٍ، ويستقبل جَرْيَته، وليقل: بسم الله، اللهم اشف عبدك، وصَدِّق رسولك، بعد صلاة الصبح، قبل طلوع الشمس، ولينغمس فيه ثلاث غمسات، ثلاثة أيام، فإن لم يبرأ فخمس، وإلا فسبع، وإلا فتسع، فإنها لا تكاد تجاوز تسعًا، بإذن الله»، قال الترمذيّ: غريبٌ، قال الحافظ: وفي سنده سعيد بن زُرعة، مختلفٌ فيه. قال: ويَحْتَمِل أن يكون لبعض الحميات دون بعض، في بعض الأماكن دون بعض، لبعض الأشخاص دون بعض، وهذا أوجه، فإن خطابه -ﷺ- قد يكون عامًّا، وهو الأكثر، وقد يكون خاصًّا، كما قال: «لا تستقبلوا القبلة بغائط، ولا بول، ولكن شرِّقوا، أو غرِّبوا»، فقوله: «شرِّقوا، أو غرِّبوا» ليس عامًّا لجميع أهل الأرض، بل هو خاصّ لمن كان بالمدينة النبوية، وعلى سَمْتها، كما تقدم تقريره في «كتاب الطهارة»، فكذلك هذا يَحْتَمِل أن يكون مخصوصًا بأهل الحجاز، وما والاهم؛ إذ كان أكثر الحميات التي تَعْرض لهم من العرضية الحادثة عن شدّة الحرارة، وهذه ينفعها الماء البارد شربًا، واغتسالًا؛ لأن الحمى حرارة غريبة، تشتعل في القلب، وتنتشر منه بتوسط الروح والدم في العروق، إلى جميع البدن، وهي قسمان: عَرَضية، وهي الحادثة عن وَرَم، أو حركة، أو إصابة حرارة الشمس، أو القيظ الشديد، ونحو ذلك، ومَرَضية، وهي ثلاثة أنواع، وتكون عن مادّة، ثم منها ما يُسَخِّن جميع البدن، فإن كان مبدأ تعلقها بالروح، فهي حمى يوم؛ لأنها تقع غالبًا في يوم، ونهايتها إلى ثلاثة، وإن كان تعلقها بالأعضاء الأصلية، فهي حمى دقّ، وهي أخطرها، وإن كان تعلقها بالأخلاط، سميت عفنية، وهي بعدد الأخلاط الأربعة، وتحت هذه الأنواع المذكورة أصناف كثيرة، بسبب الإفراد، والتركيب. وإذا تقرر هذا فيجوز أن يكون المراد النوع الأول، فإنها تسكن بالانغماس في الماء البارد، وشرب الماء المبرد بالثلج، وبغيره، ولا يحتاج صاحبها إلى علاج آخر، وقد قال جالينوس في كتاب «حيلة البرء»: لو أن شابًّا حسن اللحم، خَصْبَ البدن ليس في أحشائه وَرَمٌ، استَحَمّ بماء بارد، أو سَبَحَ فيه وقت القيظ عند منتهى الحمى، لانتفع بذلك. وقال أبو بكر الرازيّ: إذا كانت القُوَى قويّة، والحمى حادّة، والنُّضْجُ بَيِّن، ولا وَرَمَ في الجوف، ولا فَتْقَ، فإن الماء البارد ينفع شربه، فإن كان العليل خِصْب البدن، والزمانُ حارًّا، وكان معتادًا باستعمال الماء البارد اغتسالًا، فليُؤْذَن له فيه، وقد نَزَّل ابن القيّم حديث ثوبان على هذه القيود، فقال: هذه الصفة تنفع في فصل الصيف، في البلاد الحارّة، في الحمى العرضية، أو الغِبّ الخالصة التي لا وَرَم معها، ولا شيء من الأعراض الرديئة، والمواد الفاسدة، فيطفئها بإذن الله، فإن الماء في ذلك الوقت أبرد ما يكون لِبُعده عن ملاقاة الشمس، ووفور القُوَى في ذلك الوقت؛ لكونه عقب النوم والسكون، وبرد الهواء، قال: والأيام التي أشار إليها هي التي يقع فيها بحرارة الأمراض الحادّة غالبًا، ولا سيما في البلاد الحارّة، والله أعلم. قالوا: وقد تكرر في الحديث استعماله -ﷺ- الماء البارد في علته، كما قال: «صُبُّوا عليّ من سبع قِرَب، لم تُحْلَل أوكيتهن». وقال سمرة: «كان رسول الله -ﷺ- إذا حُمّ دعا بقِربة من ماء، فأفرغها على قَرْنه، فاغتسل»، أخرجه البزّار، وصححه الحاكم، ولكن في سنده راو ضعيف. وقال أنس: «إذا حُمّ أحدكم، فلْيَشُنّ عليه من الماء البارد، من السَّحَر، ثلاثَ ليال»، أخرجه الطحاويّ، وأبو نعيم في «الطب»، والطبرانيّ في «الأوسط»، وصححه الحاكم، وسنده قويّ، وله شاهد من حديث أم خالد بنت سعيد، أخرجه الحسن بن سفيان في «مسنده»، وأبو نعيم في «الطب»، من طريقه. وقال عبد الرحمن بن المرقع، رفعه: «الحمى رائد الموت، وهي سجن الله في الأرض، فبرّدوا لها الماء في الشنان، وصبوه عليكم، فيما بين الأذانين المغرب والعشاء، قال: ففعلوا، فذهب عنهم»، أخرجه الطبرانيّ. وهذه الأحاديث كلها تَرُدّ التأويل الذي نقله الخطابيّ عن ابن الأنباريّ أنه قال: المراد بقوله: «فأبردوها» الصدقة به، قال ابن القيّم: أظن الذي حَمَل قائلَ هذا أنه أشكل عليه استعمال الماء في الحمى، فعدل إلى هذا، وله وجه حسنٌ؛ لأن الجزاء من جنس العمل، فكأنه لمّا أخمد لهيب العطشان بالماء، أخمد الله لهيب الحمى عنه، ولكن هذا يؤخذ من فقه الحديث، وإشارته، وأما المراد به بالأصل فهو استعماله في البدن حقيقةً، كما تقدم، والله أعلم. انتهى. (المسألة الرابعة): قال الإمام ابن القيّم -﵀-: ذكر أبو نعيم وغيره من حديث أنس -﵁- يرفعه: «إذا حُمّ أحدكم، فليرشّ عليه الماء البارد ثلاث ليال، من السَّحَر» . وفي «سنن ابن ماجه» عن أبي هريرة -﵁- يرفعه: «الحمى كير من كير جهنم، فنحّوها عنكم بالماء البارد» . وعن الحسن، عن سمرة -﵁- يرفعه: «الحمى قطعة من النار، فأبردوها عنكم بالماء البارد، وكان رسول الله -ﷺ- إذا حُمَّ دعا بقربة من ماء، فأفرغها على رأسه، فاغتسل». انتهى«. وأخرج مسلم عن جابر بن عبد الله -﵁- أن رسول الله -ﷺ- دخل على أم السائب، أو أم المسيّب، فقال:«ما لك يا أم السائب، أو يا أم المسيّب تُزفزفين؟ »قالت: الحمى لا بارك الله فيها، فقال:«لا تسبي الحمى، فإنها تُذهب خطايا بني آدم، كما يُذهب الكير خَبَث الحديد». وفي«سنن ابن ماجه»: من حديث أبي هريرة -﵁- قال: ذُكرت الحمى عند رسول الله -ﷺ-، فسبّها رجل، فقال رسول الله -ﷺ-:«لا تسبّها، فإنها تنفي الذنوب، كما تنفي النار خبث الحديد». قال: لَمّا كانت الحمّى يتبعها حمية عن الأغذية الرديئة، وتناول الأغذية، والأدوية النافعة، وفي ذلك إعانة على تنقية البدن، ونفي أخباثه، وفضوله، وتصفيته من مواده الرديئة، وتفعل فيه كما تفعل النار في الحديد، في نفي خبثه، وتصفية جوهره، كانت أشبه الأشياء بنار الكير التي تُصَفِّي جوهر الحديد، وهذا القَدْر هو المعلوم عند أطباء الأبدان. وأما تصفيتها القلب من وسخه، ودَرَنه، وإخراجها خبائثه، فأمْرٌ يعلمه أطباء القلوب، ويجدونه، كما أخبرهم به نبيهم رسول الله -ﷺ-، ولكن مرض القلب إذا صار ميؤوسًا من برئه لم ينفع فيه هذا العلاج، فالحمى تنفع البدن والقلب، وما كان بهذه المثابة فسبّه ظلم، وعدوان. قال: وذكرت مرةً وأنا محموم قول بعض الشعراء يسبّها [من الكامل]: زَارَتْ مُكَفِّرَةُ الذُّنُوبِ وَوَدَّعَتْ … تَبًّا لَهَا مِنْ زَائِرٍ وَمُوَدِّعِ قَالَتْ وَقَدْ عَزَمْت عَلَى تَرْحَالِهَا … مَاذَا تُرِيدُ فَقُلْتُ أَنْ لَا تَرْجِعِي فقلت: تبًّا له؛ إذ سبّ ما نَهَى رسول الله -ﷺ- عن سبّه، ولو قال: زَارَتْ مُكَفِّرَةُ الذُّنُوبِ لِصَبِّهَا … أَهْلًا بِهَا مِنْ زَائِرٍ وَمُوَدِّعِ قَالَتْ وَقَدْ عَزَمَتْ عَلَى تَرْحَالِهَا … مَاذَا تُرِيدُ فَقُلْتُ أَنْ لَا تُقْلِعِي لكان أَولى به، ولأقلعت عنه، فأقلعت عني سريعًا. قال: وقد رُوي في أثر لا أعرف حاله: «حُمَّى يوم كفارةُ سنة»، وفيه قولان: أحدهما: أن الحمى تدخل في كل الأعضاء، والمفاصل، وعدّتها ثلاثمائة وستون مَفْصِلًا، فتكفّر عنه -بعدد كل مَفْصِل- ذنوب يوم. والثاني: أنها تؤثّر في البدن تأثيرًا لا يزول بالكلية إلى سنة، كما قيل في قوله -ﷺ-: «من شَرِب الخمر لم تُقبل له صلاة أربعين يومًا»: إن أثر الخمر يبقى في جوف العبد، وعروقه، وأعضائه، أربعين يومًا، والله أعلم. قال أبو هريرة -﵁-: ما من مرض يصيبني أحبّ إلي من الحمى؛ لأنها تدخل في كل عضو مني، وإن الله سبحانه يعطي كل عضو حظه من الأجر. وقد روى الترمذيّ في «جامعه» من حديث ثوبان -﵁- ، يرفعه: «إذا أصابت أحدكم الحمى -وإن الحمى قطعة من النار- فليطفئها بالماء البارد، ويستقبل نَهْرًا جاريًا، فليستقبل جرية الماء بعد الفجر، وقبل طلوع الشمس، وليقل: بسم الله، اللهم اشف عبدك، وصَدِّق رسولك، وينغمس فيه ثلاث غمسات، ثلاثة أيام، فإن برئ، وإلا ففي خمس، فإن لم يبرأ في خمس، فسبع، فإن لم يبرأ في سبع فتسع، فإنها لا تكاد تجاوز تسعًا بإذن الله» . قال ابن القيّم: وهو ينفع فعله في فصل الصيف في البلاد الحارّة على الشرائط التي تقدمت، فإن الماء في ذلك الوقت أبرد ما يكون لبعده عن ملاقاة الشمس، ووفور القوى في ذلك الوقت؛ لِمَا أفادها النوم والسكون، وبرد الهواء، فتجتمع فيه قوة القوى، وقوة الدواء، وهو الماء البارد على حرارة الحمى العرضية، أو الغِبّ الخالصة؛ أعني: التي لا وَرَمَ معها، ولا شيء من الأعراض الرديئة، والمواد الفاسدة، فيطفئها بإذن الله، لا سيما في أحد الأيام المذكورة في الحديث، وهي الأيام التي يقع فيها بحران الأمراض الحادّة كثيرًا، سيما في البلاد المذكورة؛ لرقة أخلاط سكانها، وسرعة انفعالهم عن الدواء النافع. انتهى كلام ابن القيّم -﵀- . وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّل الكتاب قال: [٥٧٤٠] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، وَمُحَمَّدُ بْن بِشْرٍ (ح) وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: «إِنَّ شِدَّةَ الْحُمَّى مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ، فَابْرُدُوهَا بِالْمَاءِ»). رجال هذا الإسناد: سبعة: وكلّهم ذُكروا في الباب، وقبل أربعة أبواب. والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوَّل الكتاب قال: [٥٧٤١] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِيُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي مَالِكٌ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ، أَخْبَرَنَا الضَّحَّاكُ -يَعْنِي: ابْنَ عُثْمَانَ- كِلَاهُمَا عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- قَالَ: «الْحُمَّى مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ، فَأَطْفِئُوهَا بِالْمَاءِ»). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِيُّ) أبو جعفر، نزيل مصر، ثقةٌ فاضلٌ [١٠] (ت ٢٥٣)، وله (٨٣) سنةً (م د س ق) تقدم في «الإيمان» ٢٩/ ٢٢٥. ٢ - (مَالِكُ) بن أنس إمام دار الهجرة، تقدّم قريبًا. ٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) النيسابوريّ، تقدّم في الباب الماضي. ٤ - (ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ) محمد بن إسماعيل بن مسلم بن أبي فُديك الدِّيليّ مولاهم، أبو إسماعيل المدنيّ، صدوقٌ، من صغار [٨] (ت ٢٠٠) على الصحيح (ع) تقدم في «الحيض» ١٦/ ٧٧٥. ٥ - (الضَّحَّاكُ بْنُ عُثْمَانَ) بن عبد الله بن خالد بن حِزَام الأسديّ الحِزاميّ، أبو عثمان المدنيّ، صدوقٌ يَهِمُ [٧] (م ٤) تقدم في «الحيض» ١٦/ ٧٧٤. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (فأطفئوها بالماء) هو بهمزة قطع، ثم طاء مهملة، وفاء مكسورة، ثم همزة: أمْر بالإطفاء. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله قبلُ، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتصل إلى المؤلّف -﵀- أوَّل الكتاب قال: [٥٧٤٢] (. . .) - (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَكَمِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ (ح) وَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ -وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا رَوْحٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- قَالَ: «الْحُمَّى مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ، فَأَطْفِئُوهَا بِالْمَاءِ»).
مصادر المؤلف (٢٤)

١. «الفتح» ٦/ ٥٦، كتاب «الإجارة» رقم (٢٢٨٠).

٢. «عمدة القاري» ١٢/ ١٠٢.

٣. هذا الرقم مكرّر، فتنبّه.

٤. «الفتح» ١٣/ ١٢٢ - ١٢٣، كتاب «الطبّ» رقم (٥٧٢٣).

٥. «المفهم» ٥/ ٥٩٩.

٦. «زاد المعاد» ٤/ ٢٣.

٧. «الفتح» ١٣/ ١٢١، كتاب «الطبّ» رقم (٥٧٢٣).

٨. «الفتح» ١٣/ ١٢٢ - ١٢٣، كتاب «الطبّ» رقم (٥٧٢٣).

٩. «المفهم» ٥/ ٥٩٩.

١٠. «شرح النوويّ» ١٤/ ١٩٨.

١١. «زاد المعاد» ٤/ ٢٣.

١٢. «الفتح» ١٣/ ١٢٣ - ١٢٤، كتاب «الطبّ» رقم (٥٧٢٣).

١٣. «الاستذكار» لابن عبد البرّ ٨/ ٤١٩.

١٤. «الفتح» ١٣/ ١٢٧، كتاب «الطبّ» رقم (٥٧٢٣).

١٥. وقع في النسخة: «يُدبّر»، والظاهر أنه تصحيف، فليُحرّر.

١٦. بكسر الميم، وسكون اللام: هي الحمّى.

١٧. «المفهم» ٥/ ٦٠٠ - ٦٠١.

١٨. أخرجه الحاكم في«المستدرك»٤/ ٢٠٠ وصححه، ووافقه الذهبيّ، وقال في«الفتح»: سنده قويّ.

١٩. رواه ابن ماجه (٣٤٧٥) وقال البوصيريّ: إسناده صحيح.

٢٠. قال الهيثميّ في«مجمع الزائد» ٥/ ٩٤: رواه الطبرانيّ، والبزّار، وفيه إسماعيل بن مسلم: متروك. انتهى.

٢١. رواه ابن ماجه (٣٤٦٩) وفي سنده موسى بن عُبيدة، وهو ضعيف، لكن يقوّيه حديث مسلم المذكور قبله، فتنبّه.

٢٢. وقول ابن القيّم من حديث رافع بن خديج لعله غلط، فإن الحديث عن الترمذيّ، وأحمد عن ثوبان، فتنبّه.

٢٣. راوه الترمذيّ (٢٠٨٥)، وأحمد ٥/ ٢٨١، وفي سنده رجل مجهول.

٢٤. «زاد المعاد» ٤/ ٢٣.