HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٢١٣

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ. حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ سُفْيَانَ. حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ أَبِي عَائِشَةَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَائِشَةَ. قالت: لَدَدْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي مَرَضِهِ. فَأَشَارَ أَنْ لَا تَلُدُّونِي. فَقُلْنَا: كَرَاهِيَةَ الْمَرِيضِ لِلدَّوَاءِ. فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ «لَا يَبْقَى أَحَدٌ مِنْكُمْ إِلَّا لُدَّ. غَيْرُ الْعَبَّاسِ. فإنه لم يشهدكم»
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج7 ص24
ج ٤ ص ١٧٣٣

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في مصدرين صحيح البخاري, مسند أحمد
التحرير في شرح صحيح مسلم · قوام السنة الأصبهاني · ج١ ص٥٢٦
[٦٦٢] وقولها: (لَدَدْنَا رَسُولَ اللهِ ﷺ) ، اللَّدود: ما يُصب في الفم من الدواء، والسَّعُوط ما يجعل في الأنف من الدواء، قال صاحب المجمل : اللَّدود: ما سقي الإنسان من دواء في أحد شقي فمه، يقال: لَدَدْتُ المريض؛ والْتَدَدْتُ أنا، قال الشاعر: شَرِبْتُ الشُّكَاعَى والتَدَدْتُ أَلِدَّةً … وأَقْبَلْتُ أَفْواهَ العُروقِ المَكاوِيا قال صاحب المجمل : أسعَطْتُه [الدواء] فاسْتَعَط، وطعنته فأسعطته الرمح، والمُسْعَط: الذي يجعل فيه السَّعوط. وفي هذه الأحاديث إباحة قطع العِرق عند غلبة الدم، وشرب العسل عند غلبة الرطوبة، والسَّعوط لترطيب الدماغ، وقوله: (فَحَسَمَه)؛ يقال حسم الداء أي قطعه، وفيه دليل على حسم العرق عند سيلان الدم، قال صاحب المجمل : الحسم أن تحسم عرقا فتكويه بالنار، قيل: إن الحمى إذا كانت من حرارة مفرطة فبُرَّد بالماء نفعها ذلك بإذن الله، وفيه دليل أن أخذ الأجرة على الحجامة جائز، وفي قوله: (إِنَّ الله لَمْ يُنْزِلْ دَاءً) ؛ دلالة أن الله الأمور، وكما خلق الداء خلق الدواء، ولا شفاء إلا بإذن الله. وأما الكي فكوى النبي ﷺ سعد ليرقأ الدم عن جرحه ، خاف أن ينزف فيهلك، والكيُّ من العلاج الذي يستعمله العرب كثيرا فيما يعرض لها من الأدواء، وقالوا: آخر الدَّاءِ الكَيُّ ؛ قال شاعرهم: إِذَا كَوَيْتَ كَيَّةً فَأَنْضِجِ … تُشْفِ بِهَا الدَّاءَ وَلَا تُلَهوِجِ وأما حديث عمران بن حصين ﵁ في النهي عن الكي ، فإنما نهي عنه لئلا يروا أنه يبرئ ويذهب الداء، وإذا لم يفعل ذلك هلك صاحبه، نهاهم عن ذلك لأجل هذا، وحيث أباح لهم استعماله أباحه على معنى التوكل على الله سبحانه؛ والترجي للبرء بما يُحدث الله ﷿ من صنعه فيه، فيكون الكي والدواء سببا لا علة، وكثيرا ما نسمع الناس يقولون: لو أقام فلان بأهله وبلده لم يهلك، وإن شرب الدواء لم يَسقم، ونحوَ ذلك من تجويز إضافة الأمور إلى الأسباب؛ دون تغليب المقادير فيها، والأسباب أمارات لا موجبات، وقد قال الله في كتابه: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء: ٧٨]، وقال حكاية عن الكفار: ﴿لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا﴾ [آل عمران: ١٥٦]، وقد أصاب أبو ذؤيب في قوله: يَقُولُونُ لِي لَو كَانَ بِالرَّملِ لَم يَمُت … نَشِيبَة وَالكُهَان يَكْذِبُ قِيلُها وَلَو أَنَّني استودعته الشمسَ لارْتَقَت … إِليْهِ المَنايا عَينُها ورسولُها يريد بالكهان الأطباء، ونَشِيبَة: ولد أبي ذؤيب، وكان قد مات. وقيل: النهي عن الكي؛ هو أن يفعله احترازا عن الداء قبل نزول البَلِيَّة، وذلك مكروه، وإنما أبيح العلاج والتداوي عند وقوع الحاجة، ألا ترى أنه كوى سعدًا حين خاف عليه الهلاك من النزف. * * *
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣٦ ص٢١٨
[تنبيه]: رواية سفيان عن أبيه ساقها البخاريّ -﵀- في «صحيحه»، فقال: (٣٠٨٩) - حدّثني عمرو بن عباس، حدّثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان، عن أبيه، عن عَباية بن رِفاعة، قال: أخبرني رافع بن خَدِيج، قال: سمعت النبيّ -ﷺ- يقول: «الحمى من فور جهنم، فابْرُدُوها عنكم بالماء». انتهى . ورواية أبي بكر بن أبي شيبة التي أشار إليها المصنّف ساقها هو في «مصنّفه»، فقال: (٢٣٦٧٠) - حدّثنا ابن مهديّ، عن سفيان، عن أبيه، عن عَباية بن رِفاعة، قال: أخبرني رافع بن خَدِيج، أن رسول الله -ﷺ- قال: «الحمى من فور جهنم، فابْرُدُوها بالماء». انتهى . ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (١٢) - (بَابُ كَرَاهِيَةِ التَّدَاوِي بِاللَّدُودِ) «اللَّدود» بفتح اللام، وبمهملتين: هو الدواء الذي يُصبّ في أحد جانبي فم المريض، واللُّدُود بضمّ اللام الفعل، ولَدَدتُ المريضَ: فعلتُ ذلك به . وقال النوويّ: قال أهل اللغة: اللَّدُود بفتح اللام: هو الدواء الذي يُصبّ في أحد جانبي فم المريض، ويُسقاه، أو يُدْخَل هناك بأصبع، وغيرها، ويُحَنَّك به، ويقال منه: لددته أَلُدّه، وحَكَى الجوهريّ أيضًا: ألددته رُبَاعيًّا، والتددتّ أنا، قال الجوهريّ: ويقال للَّدُود: لَدِيد أيضًا. انتهى . وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّل الكتاب قال: [٥٧٤٩] (٢٢١٣) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ سُفْيَانَ، حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ أَبِي عَائِشَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: لَدَدْنَا رَسُولَ اللهِ -ﷺ- فِي مَرَضِهِ، فَأَشَارَ أَنْ لَا تَلُدُّونِي، فَقُلْنَا: كَرَاهِيَةُ الْمَرِيضِ لِلدَّوَاءِ، فَلَمَّا أفَاقَ قَالَ: «لَا يَبْقَى أَحَدٌ مِنْكُمْ إِلَّا لُدَّ، غَيْرُ الْعَبَّاسِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَشْهَدْكُمْ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُوسَى بْنُ أَبِي عَائِشَةَ) الْهَمْدانيّ مولاهم، أبو الحسن الكوفيّ، ثقةٌ عابدٌ، وكان يرسل [٥] (ع) تقدم في «الصلاة» ٢٢/ ٩٤١. ٢ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عتبة بن مسعود الْهُذليّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٣] (ت ٩٤)، وقيل غير ذلك (ع) تقدم في «المقدمة» ٣/ ١٤. والباقون ذُكروا في الباب الماضي، و«محمد بن حاتم» هو: ابن ميمون، و«يحيى بن سعيد» هو: القطّان، و«سفيان» هو: الثوريّ، و«عائشة» هي: أم المؤمنين -﵂-. [تنبيه]: من لطائف هدا الإسناد: أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه عائشة -﵂- من المكثرين السبعة. شرح الحديث: (عَنْ عَائِشَةَ) -﵂- أنها (قَالَتْ: لَدَدْنَا رَسُولَ اللهِ -ﷺ-)؛ أي: جعلنا في جانب فمه دواءً بغير اختياره، وهذا هو اللَّدود، فأما ما يُصب في الحلق، فيقال له: الْوَجور، والذي يُصَبّ في الأنف يسمى السَّعُوط ، وقد وقع عند الطبرانيّ من حديث العباس -﵁- أنهم أذابوا قُسْطًا؛ أي: بِزَيْتٍ، فلدُّوه به (فِي مَرَضِهِ) الذي مات فيه. أخرج محمد بن سعد، من طريق عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة -﵂-، قالت: كانت تأخذ رسول الله -ﷺ- الخاصرة، فاشتدّت به، فأُغمي عليه، فلددناه، فلما أفاق قال: «هذا مِن فِعْل نساء جئن من هنا»، وأشار إلى الحبشة، «وإن كنتم ترون أن الله يسلط عليّ ذات الجنب، ما كان الله ليجعل لها عليّ سلطانًا، والله لا يبقى أحد في البيت إلا لُدّ»، فما بقي أحد في البيت إلا لُدّ، ولددنا ميمونة، وهي صائمة. ومن طريق أبي بكر بن عبد الرحمن، أن أم سلمة، وأسماء بنت عُميس أشارتا بأن يَلُدُّوه. ورواه عبد الرزاق بإسناد صحيح، عن أسماء بنت عُميس، قالت: «إن أول ما اشتكى رسول الله -ﷺ- في بيت ميمونة، فاشتدّ مرضه، حتى أُغمي عليه، فتشاورن في لَدّه، فلَدّوه، فلما أفاق قال: هذا فعل نساء جئن من هنا، وأشار إلى الحبشة، وكانت أسماء منهنّ، فقالوا: كنا نَتّهِم بك ذات الجنب، فقال: ما كان الله ليعذبني به، لا يبقى أحد في البيت إلا التدّ، إلا عمّ رسول الله -ﷺ-؛ يعني: عبّاسًا، قال: فلقد التدّت ميمونة يومئذ، وهي صائمة». قال الحافظ: وفي رواية ابن أبي الزناد هذه بيان ضعف ما رواه أبو يعلى، بسند فيه ابن لَهِيعة من وجه آخر، عن عائشة، أن النبيّ -ﷺ- مات من ذات الجنب، قال: ثم ظهر لي أنه يمكن الجمع بينهما، بأن ذات الجنب تُطلق بإزاء مرضين: أحدهما: وَرَمٌ حارّ يَعْرِض في الغِشَاء المستبطن، والآخر: ريح مُحتقِن بين الأضلاع، فالأول هو المنفيّ هنا. وقد وقع في رواية الحاكم في «المستدرك»: «ذات الجنب من الشيطان»، والثاني هو الذي أُثبت هنا، وليس فيه محذور كالأول. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: هذا التفريق الذي ذكره الحافظ فيه نظر لا يخفى، فإنه -ﷺ- نفى بنصّه الصريح أن لا يسلط الله تعالى عليه ذات الجنب دون تفريق بين نوع ونوع، وهذا ثبت بسند صحيح، وأما حديث موته بذات الجنب، فسنده ضعيف، فلا داعي إلى التكلّف بالجمع بينهما، فتبصّر، والله تعالى أعلم. (فَأَشَارَ) -ﷺ- (أَنْ لَا تَلُدُّونِي) بضمّ اللام، وكسرها. (فَقُلْنَا: كَرَاهِيَةُ الْمَرِيضِ لِلدَّوَاءِ) قال القاضي عياض: ضبطناه بالرفع؛ أي: هذا منه كراهيةُ المريض، وقال أبو البقاء: هو خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هذا الامتناع كراهية المريض، وهو معنى ما قاله عياض، ويجوز نصبه على أنه مفعول لأجله؛ أي: لأجل كراهية المريض، ويجوز انتصابه على المصدرية؛ أي: كَرِهه كراهيةَ المريض الدواء، أفاده في «العمدة» ، قال عياض: الرفع أوجه من النصب على المصدر. انتهى . (فَلَمَّا أَفَاقَ)؛ أي: رجع إليه -ﷺ- وعيه، يقال: أفاق المريض إفاقةً: إذا رجع إليه عقله، وأفاق السكران إفاقة، والأصل أفاق من سُكْره، كما استيقظ من نومه . (قَالَ: «لَا يَبْقَى أَحَدٌ مِنْكُمْ إِلَّا لُدَّ) بضم اللام، وتشديد الدال المهملة مبنيًّا للمجهول، زاد في رواية البخاريّ:»وأنا أنظر«، وهي جملة حالية؛ أي: لا يبقى أحد في البيت إلا يُلَدّ في حضوري، وحال نظري إليهم؛ مكافأةً لفعلهم، أو عقوبةً لهم، حيث خالفوا إشارته في عدم اللَّدّ بنحو ما فعلوه به . قال النوويّ -﵀-: وإنما أمر -ﷺ- بِلَدّهم عقوبةً لهم، حين خالفوه في إشارته إليهم:«لا تلدُّوني»، ففيه أن الاشارة الْمُفْهِمة كصريح العبارة في نحو هذه المسألة، وفيه تعزير المتعدي بنحو من فعله الذي تعدى به، إلا أن يكون فعلًا محرّمًا. انتهى . وقال القرطبيّ -﵀-: قوله:«لا تلدّوني» نهيٌ ظاهر في المنع، فكان ينبغي لهم أن ينتهوا عن ذلك، غير أنَّهم تأوَّلوا أن ذلك من باب ما عُلِم من أحوال المرضى، من كراهتهم الدَّواء، فخالفوه، فعاقبهم بأن اقتَصّ منهم، ففَعَل بهم مثل ما فعلوا به، فكان فيه دليل على مشروعية القصاص في كل شيء، يتأتى فيه القصاص، كما قال تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ الآية [البقرة: ١٩٤]. قال: وقال بعض أصحابنا -يعني: المالكيّة-: فيه ما يدلّ على قتل الجماعة بالواحد؛ لأنَّهم لمّا تمالؤوا، وتعاونوا على لَدّه اقتصَّ من جميعهم، وفيه بُعدٌ؛ لإمكان مراعاة الفرق، فإنَّه يمكن أن يقال: جاز ذلك فيما لا إراقة دم فيه؛ لخفّته في مقصود الشرع، ولا يجوز ذلك في الدِّماء؛ لِحُرمتها، وعِظَم أمرها في مقصود الشرع، فلا يصح حمل أحدهما على الآخر. قال الجامع عفا الله عنه: هذا الاستبعاد فيه نظر لا يخفى، بل الاستدلال على مشروعيّة قتل الجماعة بالواحد منه ظاهر، فتأمله بالإمعان، والله تعالى أعلم. قال: وإنَّما الذي يُستنبط منه أن الحاضر في الجناية الْمُعِين عليها كالناظور الذي هو الطليعة كالمباشر لها، فيُقْتَصّ من الكل، لكن فيما لا دم فيه على ما قررناه، وقد نبَّه النبيّ -ﷺ- على هذا المعنى بقوله: «إلا العباس، فإنَّه لم يشهدكم». انتهى . (غَيْرُ الْعَبَّاسِ) بن عبد المطّلب عمّ النبيّ -ﷺ-، وهو استثناء من «أحدٌ»، ثم بيّن سبب استثناء العبّاس -﵁- بقوله: (فَإِنَّه لَمْ يَشْهَدْكُمْ«)؛ أي: لم يحضركم حالة الأمر. قيل: قال ابن إسحاق في«المغازي»: إن العباس هو الآمر باللَّدّ، وقال: والله لأَلُدّنّه، ولمّا أفاق قال:«من صنع هذا بي؟ »قالوا: يا رسول الله عمك. وأجيب بأنه يمكن التلفيق بينهما بأن يقال: لا منافاة بين الأمر وعدم الحضور وقت اللَّدّ، قاله في«العمدة». قال الجامع عفا الله عنه: لا حاجة إلى التلفيق، فما في«الصحيحين»نصّ صريح في استثناء العبّاس -﵁- من اللدّ لعدم مشاركته لهم فيه، فلا يمكن أن يكون هو الآمر به، ففي صحة ما في«المغازي»نظر لا يخفى، فتأمّل، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة -﵂- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٢/ ٥٧٤٩] (٢٢١٣)، و(البخاريّ) في (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان منع إكراه المريض على الطعام، والشراب، والدواء، كما قد رُوي عن النبيّ -ﷺ- أنه قال:«لا تُكرهوا مرضاكم على الطعام، والشراب، فإنَّ الله تعالى يغذيهم». ٢ - (ومنها): بيان مشروعية الاقتصاص من المرأة بما جنته على الرجل؛ لأن الذين لَدُّوه كانوا رجالًا ونساءً، وقد ورد التصريح في بعض طرقه بأنهم لَدُّوا ميمونة، وهي صائمة، من أجل عموم الأمر. ٣ - (ومنها): أن في قوله -ﷺ-:«إلا العباس فإنه لم يشهدكم»أن صاحب الحق أن يستثني من غرمائه من شاء، فيعفو عنه، ويقتصّ من الباقين، هكذا قيل، وفيه نظر؛ لقوله -ﷺ-:«لم يشهدكم». ٤ - (ومنها): أن فيه بيانَ أخذ الجماعة بالواحد. ٥ - (ومنها): ما قيل: فيه مشروعية القصاص في جميع ما يصاب به الإنسان عمدًا، وفيه نظرٌ؛ لأن الجميع لم يتعاطوا ذلك، وإنما فعل بهم ذلك عقوبة لهم لتركهم امتثال نهيه عن ذلك، أما من باشره فظاهر، وأما من لم يباشره فلكونهم تركوا نهيهم عما نهاهم هو عنه. ٦ - (ومنها): أنه يستفاد منه أن التأويل البعيد لا يعذر به صاحبه، وفيه نظر أيضًا؛ لأن الذي وقع في معارضة النهي، قال ابن العربيّ: أراد أن لا يأتوا يوم القيامة، وعليهم حقه، فيقعوا في خطب عظيم. وتُعقِّب بأنه كان يمكن العفو؛ لأنه كان لا ينتقم لنفسه، قال الحافظ: والذي يظهر أنه أراد بذلك تأديبهم؛ لئلا يعودوا، فكان ذلك تأديبًا، لا قصاصًا، ولا انتقامًا. قال الجامح عفا الله عنه: بل الظاهر أنه قصاص، ولذلك أورده البخاريّ -﵀-، وأجاد في ذلك تحت ترجمة: «بابُ القصاص بين الرجال، والنساء في الجراحات»، وأورده أيضًا تحت: «بابٌ إذا أصاب قومٌ من رجل، هل يُعاقِب، أو يَقتصّ منهم كلّهم؟»، فتبصّر، والله تعالى أعلم. ٧ - (ومنها): ما قيل: وإنما كَرِهَ -ﷺ- اللَّدَّ، مع أنه كان يتداوى؛ لأنه تحقق أنه يموت في مرضه، ومن حَقَّق ذلك كُرِه له التداوي، قال الحافظ: وفيه نظر، والذي يظهر أن ذلك كان قبل التخيير، والتحقّق، وإنما أنكر التداوي؛ لأنه كان غير ملائم لدائه؛ لأنهم ظنّوا أن به ذات الجنب، فداووه بما يلائمها، ولم يكن به ذلك، كما هو ظاهر من سياق الخبر كما ترى، والله أعلم. انتهى . ٨ - (ومنها): أن فيه حجةً لمن رأى القصاص في اللَّطْمة ونحوها، وهو الحقّ، واعتلّ من لم ير ذلك بأن اللطم يتعذر ضبطه وتقديره، بحيث لا يزيد، ولا ينقص، وأما اللَّدُود فاحتَمَل أن يكون قصاصًا، واحتَمَل أن يكون معاقبةً على مخالفة أمره، فعوقبوا من جنس جنايتهم، وسيأتي تمام البحث في ذلك في المسألة التالية -إن شاء الله تعالى-. ٩ - (ومنها): أن الشركاء في الجناية يقتص من كل واحد منهم، إذا كانت أفعالهم لا تتميز، بخلاف الجناية في المال؛ لأنها تتبعّض؛ إذ لو اشترك جماعة في سرقة ربع دينار لم يُقطعوا اتفاقًا، والله تعالى أعلم. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في القصاص من الطعنة، ونحوها: قد حقّق هذه المسألة الإمام ابن قيّم الجوزيّة -﵀- في «تهذيب السنن»، بما لا تجده عند غيره من المحقّقين، أحببت إيراده بطوله؛ تتميمًا للفائدة، وتكميلًا للعائدة، قال -﵀-: قد اختلف الناس في هذه المسألة، وهي القصاص في اللطمة، والضربة، ونحوهما، مما لا يمكن المقتصّ أن يفعل بخصمه مثل ما فعله به من كلّ وجه، هل يسوغ القصاص في ذلك، أو يُعدل إلى عقوبته بجنس آخر، وهو التعزير؟ على قولين: [أصحّهما]: أنه يُشْرع فيه القصاص، وهو مذهب الخلفاء الراشدين، ثبت ذلك عنهم، حكاه عنهم أحمد، وأبو إسحاق الْجُوزجانيّ، ونصّ عليه الإمام أحمد في رواية الشالنجيّ، وغيره، قال شيخنا -يعني: ابن تيميّة-: وهو قول جمهور السلف. [القول الثاني]: أنه لا يُشرع فيه القصاص، وهو المنقول عن الشافعيّ، ومالك، وأبي حنيفة، وقولُ المتأخّرين من أصحاب أحمد، حتى حَكَى بعضهم الإجماع على أنه لا قصاص فيه، وليس كما زَعَم، بل حكاية إجماع الصحابة على القصاص أقرب من حكاية الإجماع على منعه، فإنه ثبت عن الخلفاء الراشدين، ولا يُعلم لهم مخالف فيه. ومأخذ القولين أن الله تعالى أمر بالعدل في ذلك، فبقي النظر في أَيّ الأمرين أقرب إلى العدل؟. فقال المانعون: المماثلة لا تمكن هنا، فكان العدل يقتضي العدول إلى جنس آخر، وهو التعزير، فإن القصاص لا يكون إلا مع المماثلة، ولهذا لا يجب في الجرح حتى ينتهي إلى حدّ، ولا في القطع إلا من مفصل؛ لتمكن الماثلة، فإذا تعذّرت في القطع، والجرح صرنا إلى الدية، فكذا في اللطمة، ونحوها لَمّا تعذّرت صرنا إلى التعزير. قال المجوّزون: القصاص في ذلك أقرب إلى الكتاب، والسُّنَّة، والقياس، والعدل من التعزير. وأما الكتاب: فإن الله -﷾- قال: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ الآية [الشورى: ٤٠]، وقال: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ الآية [البقرة: ١٩٤]، ومعلوم أن المماثلة مطلوبةٌ بحسب الإمكان، واللطمة أشدّ مماثلة للّطمة، والضربة للضربة من التعزير لها، فإنه ضرب في غير الموضع، غير مماثل، لا في الصورة، ولا في المحلّ، ولا في القدر، فأنتم فررتم من تفاوت لا يمكن الاحتراز منه بين اللطمتين، فصرتم إلى أعظم تفاوتًا منه، بلا نصّ، ولا قياس. قالوا: وأما السُّنَّة، فما ذُكِر من الأحاديث في هذا الباب، ولو لم يكن في الباب إلا سنّة الخلفاء الراشدين، لكفى بها دليلًا، وحجةً. قالوا: فالتعزير لا يُعتبر فيه جنس الجناية، ولا قَدْرها، بل قد يُعزّر بالسوط والعصا، ويكون إنما ضَرَبه بيده، أو رجله، فكانت العقوبة بحسب الإمكان في ذلك أقرب إلى العدل الذي أنزل الله به كُتُبه، وأرسل به رُسُله. قالوا: وقد دلّ الكتاب والسُّنَّة في أكثر من مائة موضع على أن الجزاء من جنس العمل في الخير والشرّ، كما قال تعالى: ﴿جَزَاءً وِفَاقًا (٢٦)﴾ [النبأ: ٢٦]؛ أي: وِفْق أعمالهم، وهذا ثابتٌ شرعًا، وقَدْرًا، أما الشرع، فلقوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ الآية [المائدة: ٤٥]، فأخبر -﷾- أن الجروح قصاص، مع أن الجارح قد يشتدّ عذابه إذا فُعل به كما فَعَل، حتى يُستوفَى منه. وقد ثبت عن النبيّ -ﷺ-: «أنه رضخ رأس اليهوديّ»، كما رضخ رأس الجارية، وهذا القتل قصاص؛ لأنه لو كان لنقض العهد، أو للحرابة لكان بالسيف، ولا يُرضخ الرأس. ولهذا كان أصحّ الأقوال أنه يُفعل بالجاني مثلُ ما فعل بالمجنيّ عليه، ما لم يكن محرّمًا لحقّ الله؛ كالقتل باللواطة، وتجريع الخمر، ونحوه، فيُحَرَّق كما حرّق، ويُلقى من شاهق كما فَعَل، ويُخنق كما خَنَق؛ لأن هذا أقرب إلى العدل، وحصولِ مُسمّى القصاص، وإدراك الثأر، والزجر المطلوب من القصاص، وهذا مذهب مالك، والشافعيّ، وإحدى الروايتين عن أحمد. قالوا: وأما كون القصاص لا يجب في الجرح حتى ينتهي إلى حدّ، ولا في الطرَف حتى ينتهي إلى مَفصل؛ لتحقّق المماثلة، فهذا إنما اشتُرط؛ لئلا يزيد المقتصّ على مقدار الجناية، فيصير المجنيّ عليه مظلومًا بذهاب ذلك الجزء، فتعذّرت المماثلة، فصرنا إلى الدية، وهذا بخلاف اللطمة، والضربة، فإنه لو قدّر تعدّي المقتصّ فيها لم يكن ذلك بذهاب جزء، بل بزيادة ألم، وهذا لا يمكن الاحتراز منه، ولهذا توجبون التعزير، مع أن ألمه يكون أضعاف ألم اللطمة، والبَرْد من سنّ الجاني مقدار ما كسر من سنّ المجنيّ عليه، مع شدّة الألم، وكذلك قلع سنّه، وعينه، أو نحو ذلك، لا بدّ فيه من زيادة ألم ليصل المجنيّ عليه إلى استيفاء حقّه، فهلّا اعتبرتم هذا الألم المقدّرة زيادته في اللطمة، والضربة، كما اعتبرتموه فيما ذكرنا من الصور، وغيرها؟. قال المانعون: كما عَدَلْنا في الإتلاف الماليّ إلى القيمة، عند تعذّر المماثلة، فكذلك ههنا، بل أَولى لحرمة البشرة، وتأكّدها على حرمة المال. قال المجوّزون: هذا قياس فاسدٌ من وجهين: [أحدهما]: أنكم لا تقولون بالمماثلة في إتلاف المال، فإنه إذا أتلف عليه ثوبًا لم تجوّزوا أن يُتلف عليه مثله من كلّ وجه، ولو قطع يده، وقتله لقطعت يده، وقُتل به، فعُلم الفرق بين الأموال والأبشار، ودلّ على أن الجناية على النفوس والأطراف يُطلب فيها الْمُقاصّة بما لا يُطلب في الأموال. [والثاني]: من هو الذي سلّم لكم أن غير المكيل والموزون يُضمن بالقيمة، لا بالنظير، ولا إجماع في المسألة، ولا نصّ؟ بل الصحيح أنه يجب المِثل في الحيوان وغيره بحسب الإمكان، كما ثبت عن الصحابة -﵃- في جزاء الصيد أنهم قضوا فيه بمِثله من النَّعم، بحسب الإمكان، فقضوا في النعامة بَبَدنة، وفي بقرة الوحش ببقرة، وفي الظبي بشاة، إلى غير ذلك. قال المانعون: هذا على خلاف القياس، فيصار إليه؛ اتّباعًا للصحابة، ولهذا منعه أبو حنيفة، وقدّم القياس عليه، وأوجب القيمة. قال المجوّزون: قولكم: إن هذا على خلاف القياس، فرع على صحّة الدليل الدّالّ على أن المعتَبر في ذلك هو القيمة، دون النظير، وأنتم لم تذكروا على ذلك دليلًا، من كتاب، ولا سنّة، ولا إجماع، حتّى يكون قضاء الصحابة بخلافه، على خلاف القياس، فأين الدليل؟. قال المانعون: الدليل على اعتبار القيمة في إتلاف الحيوان، دون المِثل، أن النبيّ -ﷺ- ضمّن معتق الشِّقص إذا كان موسرًا بقيمته، ولم يضمّنه نصيب الشريك بمثله، فدلّ على أن الأصل هو القيمة في غير المكيل والموزون. قال المجوّزون: هذا أصل ما بنيتم عليه اعتبار القيمة في هذه المسائل وغيرها، ولكنه بناء على غير أساس، فإن هذا ليس مما نحن فيه في شيء، فإن هذا ليس من باب ضمان المتلَفات بالقيمة، بل هو من باب تملّك مال الغير بالقيمة؛ كتملّك الشقص المشفوع بثمنه، فإن نصيب الشريك يقدّر دخوله في ملك المعتِقِ، ثم يَعتِق عليه بعد ذلك، والقائلون بالسراية متّفقون على أنه يَعتِق كله على ملك المعتِقِ، والولاء له، دون الشريك. واختلفوا، هل يسري العتق عقب إعتاقه، أو لا يَعتق حتى يؤدّي الثمن؟ على قولين للشافعيّ، وهما في مذهب أحمد، قال شيخنا -يعني: ابن تيميّة-: والصحيح أنه لا يَعتق إلا بالأداء. وعلى هذا ينبني ما إذا أعتق الشريك نصيبه بعد عتق الأول، وقبل وزن القيمة، فعلى الأول لا يعتق عليه، وعلى الثاني يعتق عليه، ويكون الولاء بينهما. وعلى هذا أيضًا ينبني ما إذا قال أحدهما: إذا أعتقت نصيبك، فنصيبي حرّ، فعلى القول الأول لا يصحّ هذا التعليق، ويَعتق كله في مال المعتِقِ، وعلى القول الثاني يصحّ التعليق، ويَعتق نصيب الشريك من ماله. فظهر بهذا أن استدلالكم بالعتق استدلالٌ باطلٌ، بل إنما يكون إتلافًا إذا قتله، فلو ثبت لكم بالنصّ أنه ضمّن قاتل العبد بالقيمة دون المِثل، كان حجةً، وأنَّى لكم بذلك؟. قالوا: وأيضًا فالفرق واضحٌ بين أن يكون الْمُتْلَفُ عينًا كاملةً، أو بعضَ عين، فلو سلّمنا أن التضمين كان تضمين إتلافٍ لم يجب مثله في العين الكاملة، والفرق بينهما أن حقّ الشريك في العين التي لا يمكن قسمتها في نصف القيمة مثلًا، أو ثلثها، فالواجب له من القيمة بنسبة مُلكه، ولهذا يُجبر شريكه على البيع إذا طلبه ليتوصّل إلى حقّه من القيمة، والنبيّ -ﷺ- راعى ذلك، وقوّم عليه العبد قيمةً كاملةً، ثم أعطاه حقّه من القيمة، ولم يقوّم عليه الشقص وحده، فيعطيه قيمته، فدلّ على أن حقّ الشريك في نصف قيمته، فإذا كان كذلك، فلو ضمّنّا المعتق نصيب الشريك بمثله من عبد آخر لم نُجبره على البيع إذا طلبه شريكه؛ لأنه إذا لم يكن له حقّ في القيمة، بل حقّه في نفس العين، فحقّه باقٍ منها. قالوا: فظهر أنه ليس معكم أصلٌ تقيسون عليه، لا من كتاب، ولا سنّة، ولا إجماع. وقد ثبت في «الصحيح»: أن النبيّ -ﷺ- اقترض بَكْرًا، وقضى خيرًا منه، واحتجّ به من يُجوّز قرض الحيوان، مع أن الواجب في القرض ردّ المثل، وهذا يدلّ على أن الحيوان مثليّ. ومن العجب أن يقال: إذا اقترض حيوانًا ردّ قيمته، ويقال: ذلك على الإتلاف، والغصب، فيُترك موجَب النصّ الصحيح؛ لقياس لم يثبت أصله بنصّ، ولا إجماع، ونصوص أحمد: أن الحيوان في القرض يُضمن بمثله. وقال بعض أصحابه: بل بالقيمة؛ طردًا للقياس على الغصب. واختلف أصحابه في موجَب الضمان في الغصب، والإتلاف على ثلاثة أوجه: [أحدها]: أن الواجب القيمة في غير المكيل والموزون. [والثاني]: الواجب المثل في الجميع. [والثالث]: الواجب المثل في غير الحيوان، ونصّ عليه أحمد في الثوب، والقصعة، ونحوهما، ونصّ عليه الشافعيّ في الجدار المهدوم ظلمًا يُعاد مثله، وأقْوَلُ الناس بالقيمة أبو حنيفة، ومع هذا فعنده إذا أتلف ثوبًا ثبت في ذمّته مثله، لا قيمته، ولهذا يجوز الصلح عنه بأكثر من قيمته، ولو كان الثابت في الذّمّة القيمة لَمَا جاز الصلح عنها بأكثر منها. فظهر أن من لم يعتبر المِثل، فلا بدّ من تناقضه، أو مناقضته للنّصّ الصريح، وهذا ما لا مَخْلَص منه. وأصل هذا كلّه هو الحكومة التي حكم فيها داود وسليمان ﵇، وقصّها الله تعالى علينا في كتابه، وكانت في الحرث، وهو البستان، وقيل: إنها كانت أشجار عنب، فنفشت فيها الغنم -والنفش إنما يكون ليلًا- فقضى داود ﵇ لأصحاب البستان بالغنم؛ لأنه اعتبر قيمة ما أفسدته، فوجده يساوي الغنم، فأعطاهم إياها، وأما سليمان ﵇ فقضى على أصحاب الغنم بالمثل، وهو أن يعمّروا البستان كما كان، ثم رأى أن مغلّه إلى حين عَوْده يفوت عليهم، ورأى أن مغلّ الغنم يساويه، فأعطاهم الغنم يستغلّونها حتى يعود بستانهم كما كان، فإذا عاد ردّوا إليهم غنمهم. فاختلف العلماء في مثل هذه القضيّة على أربعة أقوال: [أحدها]: القول بالحكم السليمانيّ في أصل الضمان، وكيفيّته، وهو أصحّ الأقوال، وأشدّها مطابقة لأصول الشرع، والقياس، كما قد بيّنّا ذلك في كتاب مفرد في الاجتهاد، وهذا أحد القولين في مذهب أحمد، نصّ عليه في غير موضع، ويُذكر وجهًا في مذهب مالك، والشافعيّ. [والثاني]: موافقته في النفش، دون المثل، وهذا هو المشهور من مذهب الشافعيّ، ومالك، وأحمد. [والثالث]: عكسه، وهو موافقته في المثل، دون النفش، وهو قول داود، وغيره، فإنهم يقولون: إذا أتلف البستان بتفريطه ضمنه بمثله، وأما إذا انفلتت الغنم ليلًا لم يَضْمَن صاحبها ما أتلفته. [والرابع]: أن النفش لا يوجب الضمان، ولو أوجبه لم يكن بالمثل، بل بالقيمة، فلم يوافقه لا في النفش، ولا في المثل، وهو مذهب أبي حنيفة، وهذا من اجتهادهم في القياس، والعدل هو الذي أوجبه الله. فكلّ طائفة رأت العدل هو قولَها، وإن كانت النصوص، والقياس، وأصول الشرع تشهد بحكم سليمان -﵇-، كما أن الله -﷾- أثنى عليه به، وأخبر أنه فهّمه إياه. وذِكرُ مأخذ هذه الأقوال، وأدلّتها، وترجيح الراجح منها، له موضعٌ غير هذا، أليق به من هذا. والمقصود أن القياس، والنصّ يدلّان على أنه يُفْعَل به كما فَعَل، وقد تقدّم أن النبيّ -ﷺ-: رضّ رأس اليهوديّ، كما رضّ رأس الجارية، وأن ذلك لم يكن لنقض العهد، ولا للحرابة؛ لأن الواجب في ذلك القتلُ بالسيف، وعن أحمد في ذلك أربع روايات: [إحداهنّ]: أنه لا يُستوفى القود إلا بالسيف في العنق، وهذا مذهب أبي حنيفة. [والثانية]: أنه يُفعَلُ به كما فَعَلَ، إذا لم يكن محرّمًا لحقّ الله تعالى، وهذا مذهب مالك، والشافعيّ. [والثالثة]: إن كان الفعلُ، أو الجرح مُرهقًا فُعِل به نظيرُهُ، وإلا فلا. [والرابعة]: إن كان الجرح، أو القطع موجبًا للقود لو انفرد فُعِل به نظيره، وإلا فلا. وعلى الأقوال كلّها إن لم يمت بذلك قُتل. وقد أباح الله تعالى للمسلمين أن يَمثُلُوا بالكفّار إذا مَثَلُوا بهم، وإن كانت المُثْلة منهيًّا عنها، فقال تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ الآية [النحل: ١٢٦]، وهذا دليلٌ على أن العقوبة بجدع الأنف، وقطع الأذن، وبَقْرِ البطن، ونحو ذلك هي عقوبةٌ بالمثل، ليست بعُدوان، والمثلُ هو العدل. وأما كون المثلة منهيًّا عنها؛ فلِمَا روى أحمد في «مسنده» من حديث سمرة بن جندب، وعمران بن حصين -﵃-، قالا: «ما خطبنا رسول الله -ﷺ- خطبةً، إلا أمرنا بالصدقة، ونهانا عن المثلة». [فإن قيل]: لو لم يمُت إذا فُعل به نظير ما فعل، فأنتم تقتلونه، وذلك زيادة على ما فعل، فأين المماثلة؟. [قيل]: هذا يُنتقض بالقتل بالسيف، فإنه لو ضربه في العنق، ولم يوجبه، كان لنا أن نضربه ثانيةً، وثالثةً، حتى يوجبه اتفاقًا، وإن كان الأَولى إنما ضَرْبه ضربة واحدة، واعتبار المماثلة له طريقان: [إحداهما]: اعتبار الشيء بنظيره ومثله، وهو قياس العلّة الذي يُلحق فيه الشيء بنظيره. [والثاني]: قياس الدلالة الذي يكون الجمع فيه بين الأصل والفرع بدليل العلّة، ولازمها، فإن انضاف إلى واحد من هذين عموم لفظىّ كان من أقوى الأدلّة؛ لاجتماع العمومين: اللفظيّ، والمعنويّ، وتضافر الدليلين: السمعيّ، والاعتباريّ. فيكون موجَبُ الكتاب، والميزان، والقصاص في مسألتنا هو من هذا الباب، كما تقدّم تقريره، وهذا واضحٌ، لا خفاء به، ولله الحمد، والمنّة. انتهى كلام الإمام ابن القيّم -﵀- . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: لقد أعطى الإمام ابن القيّم -﵀- هذه المسألة حقّها من التحقيق، والاستقصاء في الاستدلال، فأجاد، وأفاد، وأسهب، وأعاد، فجزاه الله تعالى خيرًا. وخلاصة البحث أن الصواب وجوب القصاص في الطعنة، واللطمة، والجبذة، ونحوها؛ لعموم الأدلّة، والأحاديث الواردة في هذا الباب، وإن كان
مصادر المؤلف (١٦)

١. «صحيح البخاريّ» ٣/ ١١٩٠.

٢. «مصنف ابن أبي شيبة» ٥/ ٥٨.

٣. «الفتح» ١٣/ ١٠٩، كتاب «الطبّ» رقم (٥٧٠٩).

٤. «شرح النوويّ» ١٤/ ١٩٩.

٥. «عمدة القاري» ١٨/ ٧٣.

٦. «الفتح» ٩/ ٦١٥ - ٦١٦.

٧. «عمدة القاري» ١٨/ ٧٣.

٨. «الفتح» ٩/ ٦١٤.

٩. راجع: «المصباح المنير» ٢/ ٤٨٤.

١٠. «عمدة القاري» ٢١/ ٢٤٩.

١١. «شرح النوويّ» ١٤/ ١٩٩.

١٢. «المفهم»٥/ ٦٠١ - ٦٠٢.

١٣. «عمدة القاري»١٨/ ٧٣.«المغازي»(٤٤٥٨) و«الطبّ»(٥٧١٢) و«الديات»(٦٨٨٦ و٦٨٩٧)، و(الترمذيّ) في«الجمعة»(٤/ ٣٩١)، و(النسائيّ) في«الكبرى»(٧٥٨٦)، و(عبد الرزّاق) في«مصنّفه»(٩٧٥٤)، و(أحمد) في«مسنده»(٦/ ٥٣ و٤٣٨)، و(الطبرانيّ) في«الكبير»(٢٤/ ٣٧٢)، و(الحاكم) في«مستدركه»(٤/ ٢٠٢)، و(ابن حبّان) في«صحيحه»(٦٥٨٧ و٦٥٨٨)، و(أبو يعلى) في«مسنده»(٨/ ٣٥٣)، و(ابن سعد) في«الطبقات»(٢/ ٢٣٥)، والله تعالى أعلم.

١٤. رواه الترمذيّ (٢٠٤٠)، وابن ماجه (٣٤٤٤) وحسّنه الترمذيّ، والألبانيّ، وفيه نظر، فقد قال أبو حاتم: هذا الحديث باطل، راجع: «تهذيب التهذيب» ١/ ٢٤٧.

١٥. «الفتح» ٩/ ٦١٥، كتاب «المغازي» رقم (٤٤٥٨).

١٦. «تهذيب السُّنن» ١٢/ ١٧٥ - ١٨٠. من هامش «عون المعبود».