HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٢٢٧

وحَدَّثَنَاه إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ. أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرًا يُخْبِرُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. قال «إِنْ كَانَ فِي شَيْءٍ، فَفِي الرَّبْعِ وَالْخَادِمِ والفرس».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج7 ص35
ج ٤ ص ١٧٤٨

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في مصدرين سنن النسائي, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣٦ ص٣٤٧
عن رأيه الذي وافق عليه مشيخة قريش، من رجوعه بالناس، وإنما مراده أنه لَمّا سَمِع الخبر رَجَحَ عنده ما كان عزم عليه من الرجوع، وذلك أنه قال: «إني مُصْبح على ظهر»، فبات على ذلك، ولم يَشْرَع في الرجوع حتى جاء عبد الرحمن بن عوف، فحدَّث بالحديث المرفوع، فوافق رأي عمر الذي رآه، فحصر سالم سبب رجوعه في الحديث؛ لأنه السبب الأقوي، ولم يُرِد نفي السبب الأول، وهو اجتهاد عمر، فكأنه يقول: لولا وجود النصّ لأمكن إذا أصبح أن يتردد في ذلك، أو يرجع عن رأيه، فلما سمع الخبر استمرّ على عزمه الأول، ولولا الخبر لَمَا استمرّ. فالحاصل: أن عمر أراد بالرجوع ترك الإلقاء إلى التهلكة، فهو كمن أراد الدخول إلى دار، فرأى بها مثلًا حريقًا تعذر طفؤه، فعدل عن دخولها؛ لئلا يصيبه، فعدل عمر لذلك، فلما بلغه الخبر جاء موافقًا لرأيه، فأعجبه، فلأجل ذلك قال من قال: إنما رجع لأجل الحديث، لا لِمَا اقتضاه نَظَره فقط. انتهى . ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (١٨) - (بَابُ لَا عَدْوَى، وَلَا طِيَرَةَ، وَلَا هَامَةَ، وَلَا صَفَرَ، وَلَا نَوْءَ، وَلَا غُولَ، وَلَا يُورِدُ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ) [٥٧٧٤] (٢٢٢٠) - (حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى -وَاللَّفْظُ لأَبِي الطَّاهِرِ- قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَحَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، حِينَ قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «لَا عَدْوَي، وَلَا صَفَرَ، وَلَا هَامَةَ»، فَقَالَ أَعْرَابِيٌّ: يَا رَسُولَ اللهِ، فَمَا بَالُ الإِبِلِ، تَكُونُ فِي الرَّمْلِ؛ كَأَنَّهَا الظِّبَاءُ، فَيَجِيءُ الْبَعِيرُ الأَجْرَبُ، فَيَدْخُلُ فِيهَا، فَيُجْرِبُهَا كُلَّهَا؟ قَالَ: «فَمَنْ أَعْدَى الأوَّلَ؟»). رجال هذا الإسناد: سبعة: وكلهم تقدّموا في الباب الماضي، وقبله بثلاثة أبواب. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) -﵁- (حِينَ قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-) «حين» متعلّق بحال محذوف؛ أي: حال كونه ناقلًا، أو آخذًا وقت قول رسول الله -ﷺ-، وعلّق بعضهم بقوله: «فقال أعرابيّ»، على زيادة الفاء، والأول أقرب، وأوضح، فتأمل، والله تعالى أعلم. («لَا عَدْوَى) بفتح العين، وسكون الدال المهملتين، وفتح الواو مقصورًا، قال ابن الأثير -﵀-: الْعَدْوَى اسم من الإعداء؛ كالرَّعْوَي، والْبَقْوَي، من الإرعاء، والإبقاء، يقال: أعداه الداء يُعديه إعداءً، وهو أن يصيبه مثل ما بصاحب الداء، وذلك أن يكون ببعير جَرَبٌ مثلًا، فَتُتَّقَى مخالطته بإبل أخري؛ حِذارًا أن يتعدى ما به من الجرب إليها، فيصيبها ما أصابه، وقد أبطله الإسلام؛ لأنهم كانوا يظنون أن المرض بنفسه يتعدي، فأعلمهم النبيّ -ﷺ- أنه ليس الأمر كذلك، وإنما الله هو الذي يُمرِض، ويُنزل الداء، ولهذا قال في الحديث: »فمن أعدى الأول«؛ أي: مِن أين صار فيه الجرب؟ انتهى . وقال التوربشتيّ -﵀-: العَدْوَى هنا مجاوزة العلّة من صاحبها إلى غيره، يقال: أعدى فلان فلانًا من خُلُقه، أو من علّة به، وذلك على ما يذهب إليه المتطبّبة في عِلَلٍ سبع: الجذام، والجَرَب، والجدريّ، والحصبة، والبخر، والرمد، والأمراض الوبائيّة. انتهى . (وَلَا صَفَرَ) قال ابن الأثير -﵀-: كانت العرب تزعم أن في البطن حَيّةً يقال لها: الصفر، تصيب الإنسان إذا جاع، وتؤذيه، وأنها تُعْدِي، فأبطل الإسلام ذلك، وقيل: أراد به النسيء الذي كانوا يفعلونه في الجاهلية، وهو تأخير المحرَّم إلى صفر، ويجعلون صفر هو الشهر الحرام، فأبطله. انتهى . وقال البخاريّ -﵀- في «صحيحه»: «باب لا صفر، وهو داء يأخذ البطن»، قال في «الفتح»: كذا جزم بتفسير الصفر، وهو بفتحتين، وقد نَقَل أبو عبيدة معمر بن المثنى في «غريب الحديث» له عن يونس بن عبيد الجرميّ، أنه سأل رُؤبة بن العَجّاج، فقال: هي حية تكون في البطن تصيب الماشية والناس، وهي أعدى من الْجَرَب عند العرب، فعلى هذا فالمراد بنفي الصفر ما كانوا يعتقدونه فيه من العدوي، ورَجَحَ عند البخاري هذا القول؛ لكونه قُرِن في الحديث بالعدوي، وكذا رَجَّحَ الطبريّ هذا القول، واستَشْهَد له بقول الأعشى: لَا يَتَأَرَّى لِمَا فِي الْقِدْرِ يَرْقُبُهُ … وَلَا يَعَضُّ عَلَى شُرْسُوفِهِ الصَّفَرُ والشُّرْسُوف: بضم المعجمة، وسكون الراء، ثم مهملة، ثم فاء: الضلع، والصفر: دودٌ يكون في الجوف، فربما عَضَّ الضلع، أو الكبد، فقتل صاحبه، وقيل: المراد بالصفر الحية، لكن المراد بالنفي نفي ما كانوا يعتقدون أن من أصابه قَتَله، فَرَدّ ذلك الشارع بأن الموت لا يكون إلا إذا فَرَغ الأجلُ، وقد جاء هذا التفسير عن جابر -﵁-، وهو أحد رواة حديث: «لا صفر»، قاله الطبريّ، وقيل في الصفر قول آخر، وهو أن المراد به شهر صفر، وذلك أن العرب كانت تُحَرِّم صفر، وتستحل المحرَّم، كما تقدم في «كتاب الحجِّ»، فجاء الإسلام بردّ ما كانوا يفعلونه من ذلك، فلذلك قال -ﷺ-: «لا صفر»، قال ابن بطال: وهذا القول مرويّ عن مالك، والصفر أيضًا وجع في البطن، يأخذ من الجوع، ومن اجتماع الماء الذي يكون منه الاستسقاء. انتهى . (وَلَا هَامَةَ) بتخفيف الميم على المشهور، وقيل: بتشديدها، قال أبو داود في «سننه»: قال بقيّة: سألت محمد بن راشد عن قوله: «لا هامة»، فقال: كان أهل الجاهليّة يقولون: ليس أحدٌ يموت فيُدفن إلا خرج من قبره هامة. انتهى. وقال النوويّ: فيها تأويلان: [أحدهما]: أن العرب كانت تتشاءم بها، وهي من طير الليل. وقيل: هي الْبُومة، قالوا: كانت إذا سقطت على دار أحدهم، فيراها ناعيةً له نفسه، أو بعض أهله، وهو تفسير مالك بن أنس. [وثانيهما]: كانت تعتقد أن عظام الميت، وقيل: روحه تنقلب هامة تطير، وهذا تفسير أكثر العلماء، وهو المشهور، ويجوز أن يكون المراد النوعين معًا، فإنهما باطلان، فبيّن النبيّ -ﷺ- إبطال ذلك، وضلالة الجاهليّة فيما تعتقده من ذلك. و«الهامة» بتخفيف الميم على المشهور الذي لم يذكر الجمهور غيره. وقيل: بتشديدها. قاله جماعة، وحكاه القاضي عن أبي زيد الأنصاريّ الإمام في اللغة. انتهى . وقال ابن الأثير -﵀-: الهامة الرأس، واسم طائر، وهو المراد في الحديث، وذلك أنهم كانوا يتشاءمون بها، وهي من طير الليل، وقيل: هي الْبُومة، وقيل: كانت العرب تزعم أن رُوح القتيل الذي لا يُدْرَك بثأره تصير هامة، فتقول: اسقوني، فإذا أُدرك بثأره طارت، وقيل: كانوا يزعمون أن عظام الميت، وقيل: روحه تصير هامة، فتطير، ويسمونه الصَّدَى، فنفاه الإسلام، ونهاهم عنه، وذكره الهرويّ في الهاء والواو، وذكره الجوهريّ في الهاء والياء. انتهى . وقال في «الفتح»: قوله: «باب لا هامة» قال أبو زيد: هي بالتشديد، وخالفه الجميع، فخففوها، وهو المحفوظ في الرواية، وكأن مَن شدَّدها ذهب إلى واحدة الهوامّ، وهي ذوات السموم، وقيل: دواب الأرض التي تَهُمّ بأذى الناس، وهذا لا يصح نفيه، إلا إن أُريدَ أنها لا تضرّ لذواتها، وإنما تضر إذا أراد الله إيقاع الضرر بمن أصابته، وقد ذكر الزبير بن بكار في «الموفقيات» أن العرب كانت في الجاهلية تقول: إذا قُتل الرجلُ، ولم يؤخذ بثأره خرجت من رأسه هامة، وهي دودة، فتدور حول قبره، فتقول: اسقوني، اسقوني، فإن أُدرك بثأره ذهبت، وإلا بقيت، وفي ذلك يقول شاعرهم [من البسيط]: يَا عَمْرُو إِلَّا تَدَعْ شَتْمِي وَمَنْقَصَتِي … أَضْرِبْكَ حَتَّى تَقُولَ الْهَامَةُ اسْقُونِي قال: وكانت اليهود تزعم أنها تدور حول قبره سبعة أيام، ثم تذهب، وذكر ابن فارس وغيره من اللغويين نحو الأوّل، إلا أنهم لم يُعَيِّنوا كونها دودةً، بل قال القزاز: الهامة: طائر من طير الليل؛ كأنه يعني: البومة. وقال ابن الأعرابيّ: كانوا يتشاءمون بها إذا وقعت على بيت أحدهم يقول: نَعَتْ إليّ نفسي، أو أحدًا من أهل داري. وقال أبو عبيد: كانوا يزعمون أن عظام الميت تصير هامةً، فتطير، ويسمّون ذلك الطائر: الصَّدَي، فعلى هذا فالمعنى في الحديث: لا حياة لهامة الميت، وعلى الأول: لا شُؤْمَ بالْبُومة، ونحوها. انتهى . (فَقَالَ أَعْرَابِيٌّ) لا يُعرف ، و«الأعرابيّ» بفتح الهمزة، واحد الأعراب بفتحها، وهو الذي يكون صاحب نُجْعة وارتياد للكلإ، قال الأزهريّ: سواء كان من العرب، أو من مواليهم، فمن نزل البادية، وجاور البادِيْنَ، وظَعَن بظَعْنِهم، فهم أَعرابٌ، ومن نزل بلاد الرِّيف، واستوطن المدُن والقرى العربيّة وغيرها ممن ينتمي إلى العرب، فهم عَرَب، وإن لم يكونوا فصحاء، ويقال: سُمُّوا عربًا؛ لأن البلاد التي سكنوها تُسَمّى الْعَرَبَات، ويقال: العرَبُ العاربة هم الذين تكلّموا بلسان يَعرُب بن قَحْطان، وهو اللسان القديم، والعرب المستعرِبَة هم الذين تكلّموا بلسان إسماعيل بن إبراهيم عليهما الصلاة والسلام، وهي لغة الحجاز وما والاها . (يَا رَسُولَ اللهِ، فَمَا بَالُ) بالباء الموحّدة؛ أي: فما شأنها؛ (الإِبِلِ تَكُونُ فِي الرَّمْلِ) خبر تكون، (كَأَنَّهَا الظِّبَاءُ) بكسر الظاء المعجمة: جمع ظبي، شبّهها بها في صفاء بدنها، وسلامتها من الجرَب وغيره، من الأدواء، فقوله: «كأنها الظباء» حال من الضمير المستتر في الخبر، وهو تتميم لمعنى النقاوة، وذلك لأنها إذا كانت في التراب ربما يَلْصَق بها شيء منه. (فَيَجِيءُ الْبَعِيرُ الأَجْرَبُ)؛ أي: الذي فيه جَرَب وحكّة، قال الفيّوميّ -﵀-: الْجَرَبُ -بفتح الجيم، والراء-: ذُكر في كتب الطبّ أنه خِلْطٌ غليظٌ يَحْدُثُ تحت الجلد من مُخالطة الْبَلْغم الْمِلْحِ للدم، يكون معه بُثُور، وربّما حصَلَ معه هُزَالٌ لكثرته. انتهى . (فَيَدْخُلُ فِيهَا، فَيُجْرِبُهَا) بضمّ حرف المضارعة، من الإجراب؛ أي: يُعدي ذلك البعير جَرَبه إليها، وقوله: (كُلَّهَا) بالنصب توكيد للضمير المفعول. (قَالَ) -ﷺ- («فَمَنْ أَعْدَى الأَوَّلَ؟ »)؛ أي: من أجرب البعير الأول؟ يعني: ممن سَرَى إليه الجرب، فإن قلت: من بعير آخر يلزم التسلسل، وإن قلت: بسبب آخر، فعليك بيانه، وإن قلت: إن الذي فعله في الأول هو الذي فعله في الثاني ثبت المدَّعَي، وهو أن الذي فعل في الجميع ذلك هو الله الخالق القادر على كلّ شيء، وهذا جواب من النبيّ -ﷺ- في غاية البلاغة، والرَّشَاقة . وقال النوويّ -﵀-: معناه أن البعير الأول الذي جرِبَ من أجربه؟؛ أي: وأنتم تعلمون، وتعترفون أن الله تعالى هو الذي أوجد ذلك من غير ملاصقة لبعير أجرب، فاعلموا أن البعير الثاني والثالث وما بعدهما إنما جَرِب بفعل الله تعالى وإرادته، لا بعدوى تُعْدِي بطبعها، ولو كان الجرب بالعدوى بالطبائع لم يَجْرَب الأول؛ لعدم المعدِي، ففي الحديث بيان الدليل القاطع لإبطال قولهم في العدوى بطبعها. انتهى . وقال المناويّ -﵀-: قوله: «فمن أعدى الأول؟» من الأجوبة المسكتة البرهانية التي لا يمكن دفعها؛ إذ لو جَلَبت الأدواءُ بعضها بعضًا لزم فقد الداء الأول؛ لفقد الجالب، فقَطَع التسلسلَ، وأحال على حقيقة التوحيد الكامل الذي لا مَعْدِل عنه، فهو جواب في غاية الرَّشَاقة والبلاغة. [تنبيه]: قال الطيبي -﵀-: إنما أتى بـ «مَن»، والظاهر أن يقال: فما أعدى الأول ليجاب بقوله: الله تعالي، وذكر «أعدى» للمشاكلة والازدواج، كما في قوله: «كما تدين تدان». انتهى ، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٨/ ٥٧٧٤ و٥٧٧٥ و٥٧٧٦] (٢٢٢٠)، و(البخاريّ) في «الطبّ» (٥٧١٧ و٥٧٥٧ و٥٧٧٠)، و(أبو داود) في «الطبّ» (٤/ ١٧ - ١٨)، و(النسائيّ) في «الكبرى» (٤/ ٣٧٥ و٣٧٦ و٥/ ٤٠٢)، و(ابن ماجة) في «الطبّ» (٣٥٨٦)، و(عبد الرزّاق) في «مصنّفه» (١٩٥٠٧)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٢٦٧)، و(ابن راهويه) في «مسنده» (١/ ٤٠٩)، و(الطحاويّ) في «شرح معاني الآثار» (٤/ ٣٠٩ و٣١٢)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٦١١٦)، و(الطبريّ) في «تهذيب الآثار» (٣)، و(ابن أبي عاصم) في «السُّنَّة» (٢٧٢ و٢٧٣ و٢٧٤)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (١٠/ ٤٩٨)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٧/ ٢١٦)، و(البغويّ) في «شرح السُّنَّة» (٣٢٤٨)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): إبطال ما كان عليه الجاهليّة من اعتقاد إعداء المرض، فكانوا يعتقدون أن المريض إذا دخل في الأصحّاء أمرضهم، فنفى الشارع ذلك، وأبطله، أتم بطلان. ٢ - (ومنها): أن هذا الحديث، وإن كان ظاهره نفيًا لهذه الأشياء، لكن المراد منه النهي عن الالتفات إليها، والاعتناء بها؛ لأنها في أنفسها ليست بصحيحة، وإنما هي من أوهام جهّال العرب. قال القرطبيّ -﵀-: «لا» في هذا الحديث، وإن كانت نفيًا لِمَا ذُكر بعدها، فمعناها النهي عن الالتفات لتلك الأمور، والاعتناء بها؛ لأنَّها في أنفسها ليست بصحيحة، وإنما هي من أوهام جهَّال العرب، وبيان ذلك: أنهم كانوا يعتقدون أن المريض إذا دخل في الأصحاء أمرضهم، وأعداهم، وكذلك في الإبل، فنفى النبيّ -ﷺ- ذلك، وأبطله، ثم إنهم لمّا أوردوا عليه الشبهة الحاملة لهم على ذلك حين قالوا: «فما بال الإبل تكون في الرمل كأنها الظباء، فيجيء البعير الأجرب، فيدخل فيها، فيُجربها»، قطع حجتهم، وأزاح شبهتهم بكلمة واحدة، وهي قوله: «فمن أعدى الأول؟»، ومعنى ذلك: أن البعير الجرب الذي أجرب هذه الصحاح -على زعمهم- من أين جاءه الجرب؟ أمِنْ بعير آخر؟ فيلزم التسلسل، أو من سبب غير البعير؟ فهو الذي فعل الجرب في الأول والثاني، وهو الله تعالى الخالق لكل شيء، والقادر على كلّ شيء. قال: وهذه الشبهة التي وقعت لهؤلاء هي التي وقعت للطبائعيين أَوّلًا، وللمعتزلة ثانيًا، فقال الطبائعيون بتأثيرات الأشياء بعضها في بعض، وإيجادها إياها، وسمَّوا المؤثّر طبيعة، وقالت المعتزلة بنحو ذلك في أفعال الحيوانات، والمتولدات، وقالوا: إن قدرتهم مؤثرة فيها بالإيجاد، وأنهم خالقون لأفعالهم، مستقلون باختراعها، واستند الكل ممن ذكر للمشاهدة الحسية، وربما نسبوا منكر ذلك إلى إنكار البديهة، وهذا منهم غلط فاحش، وسببه: أنهم التبس عليهم إدراك الحسّ بإدراك العقل، فإنَّ الذي شاهدوه إنَّما هو تأثير شيء، عند شيء آخر، وهذا حظ الحس، وأما تأثيره فيه، فلا يُدرَك حسًّا، بل عقلًا، فإنَّ الحس إنما أدرك وجود شيء عند شيء، وارتفاعه عند ارتفاعه، أما إيجاده به فليس للحس فيه مدخل، فإنها المتقارنات في الوجود على حالة واحدةٍ، والعقل هو الذي يُفرِّق، فيحكم بتلازم بعضها بعضًا عقلًا، ويحكم بتلازم بعضها ببعض عادةً، مع جواز التبدُّل عقلًا، ولقد أحسن من قال من العقلاء النظار الفضلاء: إياك والانخداع بالوجود، والارتفاع، قال: واستيفاء الكلام على هذا في علم الكلام. انتهى . ٣ - (ومنها): إثبات القدر، ووجوب الإيمان به. ٤ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ -﵀-: فيه دليلٌ على جواز مشافهة من وقعت له شبهة في اعتقاده بذكر البرهان العقليّ، إذا كان السامع أهلًا لفهمه، فأما أهل القصور، فيُخاطَبون بما تحتمله عقولهم من الأمور الإقناعيات. وقال أيضًا: هذه الشبهة وقعت للطبائعيين، ثم للمعتزلة، فقال الطبائعيون: بتأثير الأشياء بعضها في بعض، وإيجادها إياها، ويسمّون المؤثّر طبيعةً، وقال المعتزلة به في أفعال العباد، وقالوا: قدرتهم مؤثرة فيها الإيجاد، مستقلون بها، واستَدَلّ كلٌّ بالمشاهدة الحسية، وهو غلط، سببه التباس إدراك العقد. انتهى . ٥ - (ومنها): ما قال ابن العربيّ -﵀-: هذا الحديث أصل عظيم في تكذيب القدرية، وأصل حدوث العالم، ووجوب دخول الأولية له، ودليل على صحة القياس في الأصل، وأما خبر: «لا يورد مُمْرِض على مُصِحٍّ»، فهو نهي عن إدخال التوهم والمحظور على العامّة باعتقاد وقوع العدوى عليهم بدخول البعير الأجرب فيهم. انتهي، والله تعالى أعلم. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في الجمع بين حديث: «لا عدوى»، وحديث: «لا يورد ممرض على مصحّ»، وكلاهما صحيحان اتفق الشيخان على إخراجهما: قال النوويّ: قال جمهور العلماء: يجب الجمع بين هذين الحديثين، وهما صحيحان، قالوا: وطريق الجمع أن حديث: «لا عدوى» المراد به نفي ما كانت الجاهلية تزعمه، وتعتقده أن المرض والعاهة تُعْدِي بطبعها، لا بفعل الله تعالي، وأما حديث: «لا يورد ممرض على مصح»، فأرشد فيه إلى مجانبة ما يحصل الضرر عنده في العادة بفعل الله تعالى وقَدَره، فنفى في الحديث الأول العدوى بطبعها، ولم ينف حصول الضرر عند ذلك بقَدَر الله تعالى وفعله، وأرشد في الثاني إلى الاحتراز مما يحصل عنده الضرر بفعل الله وإرادته وقَدَره، فهذا الذي ذكرناه من تصحيح الحديثين والجمع بينهما هو الصواب الذى عليه جمهور العلماء، ويتعيَّن المصير إليه، ولا يؤثّر نسيان أبي هريرة -﵁- لحديث: «لا عدوى»؛ لوجهين: [أحدهما]: أن نسيان الراوي للحديث الذي رواه لا يقدح في صحته، عند جماهير العلماء، بل يجب العمل به. [والثاني]: أن هذا اللفظ ثابت من رواية غير أبي هريرة، فقد ذكر مسلم هذا من رواية السائب بن يزيد، وجابر بن عبد الله، وأنس بن مالك، وابن عمر -﵃- عن النبي -ﷺ-. وحَكَى المازريّ، والقاضي عياض عن بعض العلماء أن حديث: «لا يورد ممرض على مصح» منسوخ بحديث: «لا عدوى»، وهذا غلط لوجهين: [أحدهما]: أن النسخ يشترط فيه تعذر الجمع بين الحديثين، ولم يتعذر، بل قد جمعنا بينهما. [والثاني]: أنه يُشترط فيه معرفة التاريخ، وتأخر الناسخ، وليس ذلك موجودًا هنا. وقال آخرون: حديث «لا عدوى» على ظاهره، وأما النهي عن إيراد الممرض على المصِحّ فليس للعدوي، بل للتأذي بالرائحة الكريهة، وقبح صورته، وصورة المجذوم، والصواب ما سبق. انتهى . وقال في «الفتح» عند شرح قوله: «وفرّ من المجذوم كما تفرّ من الأسد» ما نصّه: قال عياض: اختَلَفت الآثار في المجذوم، فجاء ما تقدم عن جابر أن النبيّ -ﷺ- أكل مع مجذوم، وقال: «ثقةً بالله، وتوكلًا عليه»، قال: فذهب عمر، وجماعة من السلف إلى الأكل معه، ورأوا أن الأمر باجتنابه منسوخ، وممن قال بذلك: عيسى بن دينار من المالكية، قال: والصحيح الذي عليه الأكثر، ويتعيَّن المصير إليه، أن لا نسخ، بل يجب الجمع بين الحديثين، وحَمْلُ الأمر باجتنابه، والفرار منه على الاستحباب، والاحتياط، والأكل معه على بيان الجواز. انتهى. هكذا اقتصر القاضي، ومن تبعه على حكاية هذين القولين. وحكى غيره قولًا ثالثًا، وهو الترجيح، وقد سلكه فريقان: أحدهما: سلك ترجيح الأخبار الدالة على نفي العدوَي، وتزييف الأخبار الدالة على عكس ذلك، مثل حديث الباب، فأعلُّوه بالشذوذ، وبأن عائشة -﵂- أنكرت ذلك، فأخرج الطبريّ عنها أن امرأة سألتها عنه، فقالت: ما قال ذلك، ولكنه قال: «لا عدوى»، وقال: «فمن أعدى الأول؟»، قالت: وكان لي مولى به هذا الداء، فكان يأكل في صحافي، ويشرب في أقداحي، وينام على فراشي، وبأن أبا هريرة تردّد في هذا الحكم، كما سيأتي بيانه، فيؤخذ الحكم من رواية غيره، وبأن الأخبار الواردة من رواية غيره في نفي العدوى كثيرة، شهيرة، بخلاف الأخبار المرخِّصة في ذلك، ومثل حديث: «لا تديموا النظر إلى المجذومين»، وقد أخرجه ابن ماجة، وسنده ضعيف، ومثل حديث عبد الله بن أبي أوفي، رفعه: «كَلِّم المجذوم، وبينك وبينه قيد رمحين»، أخرجه أبو نعيم في «الطبّ» بسند واه، ومثل ما أخرجه الطبريّ، من طريق معمر، عن الزهريّ: «أن عمر قال لمعيقيب: اجلس مني قيد رمح»، ومن طريق خارجة بن زيد: كان عمر يقول نحوه، وهما أثران منقطعان. وأما حديث الشريد الذي أخرجه مسلم، فليس صريحًا في أن ذلك بسبب الجذام. والجواب عن ذلك أن طريق الترجيح لا يصار إليها إلا مع تعذر الجمع، وهو ممكن، فهو أَولى. الفريق الثاني: سَلَكوا في الترجيح عكس هذا المسلك، فردُّوا حديث: «لا عدوى» بأن أبا هريرة رجع عنه، إما لشكّه فيه، وإما لثبوت عكسه عنده، كما سيأتي إيضاحه، قالوا: والأخبار الدالة على الاجتناب أكثر مخارجَ، وأكثر طرقًا، فالمصير إليها أَولي، قالوا: وأما حديث جابر -﵁- أن النبيّ -ﷺ- أخذ بيد مجذوم، فوضعها في القصعة، وقال: «كُلْ ثقةٌ بالله، وتوكلًا عليه»، ففيه نظر، وقد أخرجه الترمذيّ، وبيَّن الاختلاف فيه على راويه، ورجَّح وَقفه على عمر، وعلى تقدير ثبوته فليس فيه أنه -ﷺ- أكل معه، وإنما فيه أنه وضع يده في القصعة، قاله الكلاباذيّ في «معاني الأخبار». والجواب: أن طريق الجمع أَولي، كما تقدم، وأيضًا فحديث: «لا عدوى» ثبت من غير طريق أبي هريرة، فَصَحّ عن عائشة، وابن عمر، وسعد بن أبي وقّاص، وجابر، وغيرهم، فلا معنى لدعوى كونه معلولًا، والله أعلم. وفي طريق الجمع مسالك أخرى: أحدهما: نفي العدوى جملةً، وحَمْل الأمر بالفرار من المجذوم على رعاية خاطر المجذوم؛ لأنه إذا رأى الصحيح البدن السليم من الآفة تعظم مصيبته، وتزداد حسرته، ونحوه حديث: «لا تديموا النظر إلى المجذومين»، فإنه محمول على هذا المعنى. ثانيها: حمل الخطاب بالنفي والإثبات على حالتين مختلفتين، فحيث جاء: «لا عدوى» كان المخاطَب بذلك من قوي يقينه، وصح توكله، بحيث يستطيع أن يدفع عن نفسه اعتقاد العدوي، كما يستطيع أن يدفع التطير الذي يقع في نفس كل أحد، لكن القويّ اليقين لا يتأثر به، وهذا مثل ما تدفع قوة الطبيعة العلة فتبطلها، وعلى هذا يُحْمَل حديث جابر -﵁- في أكل المجذوم من القصعة، وسائر ما ورد من جنسه، وحيث جاء: «فِرّ من المجذوم» كان المخاطَب بذلك مَنْ ضَعُف يقينه، ولم يتمكن من تمام التوكل، فلا يكون له قوّة على دفع اعتقاد العدوي، فأريدَ بذلك سَدّ باب اعتقاد العدوى عنه، بأن لا يباشر ما يكون سببًا لإثباتها، وقريب من هذا كراهيته -ﷺ- الكيّ مع إذنه فيه، كما تقدم تقريره، وقد فعل هو -ﷺ- كلًّا من الأمرين؛ لِيَتَأسَّى به كلّ من الطائفتين. ثالث المسالك: قال القاضي أبو بكر الباقلانيّ: إثبات العدوى في الجذام ونحوه مخصوص من عموم نفي العدوي، قال: فيكون معنى قوله: «لا عدوى»؛ أي: إلا من الجذام، والبرص، والجرَب مثلًا، قال: فكأنه قال: لا يُعْدي شيء شيئًا إلا ما تقدم تبييني له أن فيه العدوي، وقد حكى ذلك ابن بطال أيضًا. رابعها: أن الأمر بالفرار من المجذوم ليس من باب العدوى في شيء، بل هو لأمر طبيعيّ، وهو انتقال الداء من جسد لجسد بواسطة الملامسة، والمخالطة، وشمّ الرائحة، ولذلك يقع في كثير من الأمراض في العادة انتقال الداء من المريض إلى الصحيح بكثرة المخالطة، وهذه طريقة ابن قتيبة، فقال: المجذوم تشتدّ رائحته، حتى يسقم من أطال مجالسته، ومحادثته، ومضاجعته، وكذا يقع كثيرًا بالمرأة من الرجل، وعكسه، وينزع الولد إليه، ولهذا يأمر الأطباء بترك مخالطة المجذوم، لا على طريق العدوي، بل على طريق التأثر بالرائحة؛ لأنها تُسقم من واظب اشتمامها، قال: ومن ذلك قوله -ﷺ-: «لا يورد مُمْرِضٌ على مُصِحٍّ»؛ لأن الجرَبَ الرطب قد يكون بالبعير، فإذا خالط الإبل، أو حككها، وأوى إلى مَبَارِكها، وصل إليها بالماء الذي يسيل منه، وكذا بالنظر نحو ما به، قال: وأما قوله: «لا عدوى»، فله معنى آخر، وهو أن يقع المرض بمكان؛ كالطاعون، فيفرّ منه مخافة أن يصيبه؛ لأن فيه نوعًا من الفرار من قدر الله تعالى. المسلك الخامس: أن المراد بنفي العدوى أن شيئًا لا يُعدي بطبعه نفيًا لِمَا كانت الجاهلية تعتقده، أن الأمراض تُعدي بطبعها، من غير إضافة إلى الله، فأبطل النبيّ -ﷺ- اعتقادهم ذلك، وأكل مع المجذوم؛ ليبيّن لهم أن الله هو الذي يُمرِض، ويَشفي، ونهاهم عن الدنوّ منه؛ ليبيّن لهم أن هذا من الأسباب التي أجرى الله العادة بأنها تفضي إلى مسبَّباتها، ففي نهيه إثبات الأسباب، وفي فعله إشارةٌ إلى أنها لا تستقلّ، بل الله هو الذي إن شاء سلبها قواها، فلا تؤثّر شيئًا، وإن شاء أبقاها، فأثّرت، ويَحْتَمِل أيضًا أن يكون أكْله -ﷺ- مع المجذوم أنه كان به أمر يَسير، لا يُعدي مثله في العادة؛ إذ ليس الْجَذْمَى كلهم سواءً، ولا تحصل العدوى من جميعهم، بل لا يحصل منه في العادة عدوى أصلًا؛ كالذي أصابه شيء من ذلك، ووقف، فلم يُعْدِ بقية جسمه، فلا يُعدي، وعلى الاحتمال الأول جرى أكثر الشافعية. قال البيهقيّ بعد أن أورد قول الشافعيّ ما نصّه: الجذام، والبرص، يزعم أهل العلم بالطبّ والتجارب أنه يُعدي الزوج كثيرًا وهو داء مانع للجماع، لا تكاد نفس أحد تطيب بمجامعة من هو به، ولا نفس امرأة أن يجامعها من هو به، وأما الولد فبيّن أنه إذا كان مَن وَلَدَه أجذم، أو أبرص، أنه قَلَّما يَسْلَم، وإن سَلِم أدرك نَسْله. قال البيهقيّ: وأما ما ثبت عن النبيّ -ﷺ- أنه قال: «لا عدوى»، فهو على الوجه الذي كانوا يعتقدونه في الجاهلية، من إضافة الفعل إلى غير الله تعالي، وقد يجعل الله بمشيئته مخالطة الصحيح مَن به شيء من هذه العيوب سببًا لحدوث ذلك، ولهذا قال -ﷺ-: «فِرّ من المجذوم فرارك من الأسد»، وقال: «لا يورد مُمْرِض على مُصِحّ»، وقال في الطاعون: «من سَمِع به بأرض، فلا يَقْدَم عليه»، وكل ذلك بتقدير الله تعالي، وتبعه على ذلك ابن الصلاح في الجمع بين الحديثين، ومَنْ بعده، وطائفة ممن قبله. المسلك السادس: العمل بنفي العدوى أصلًا، ورأسًا، وحَمْل الأمر بالمجانبة على حسم المادّة، وسدّ الذريعة؛ لئلَّا يَحْدُث للمخالط شيء من ذلك، فيظنّ أنه بسبب المخالطة، فيُثْبت العدوى التي نفاها الشارع، وإلى هذا القول ذهب أبو عبيد، وتبعه جماعة، فقال أبو عبيد: ليس في قوله: «لا يورد مُمْرِضٌ على مُصِحّ» إثبات العدوي، بل لأن الصحاح لو مَرِضت بتقدير الله تعالي، ربما وقع في نفس صاحبها أن ذلك من العدوي، فيَفْتَتِن، ويتشكك في ذلك، فأُمر باجتنابه، قال: وكان بعض الناس يذهب إلى أن الأمر بالاجتناب إنما هو للمخافة على الصحيح من ذوات العاهة، قال: وهذا شَرُّ ما حُمل عليه الحديث؛ لأن فيه إثبات العدوى التي نفاها الشارع، ولكن وجه الحديث عندي ما ذكرته، وأطنب ابن خزيمة في هذا في «كتاب التوكل»، فإنه أورد حديث: «لا عدوى» عن عدّة من الصحابة، وحديث: «لا يورد ممرض على مصحّ» من حديث أبي هريرة، وترجم للأول: «التوكل على الله في نفي العدوى»، وللثاني: «ذكر خبر غَلِطَ في معناه بعض العلماء، وأثبت العدوى التي نفاها النبيّ -ﷺ-»، ثم ترجم: «الدليلُ على أن النبيّ -ﷺ- لم يُرد إثبات العدوى بهذا القول»، فساق حديث أبي هريرة: «لا عدوي، فقال أعرابيّ: فما بال الإبل يخالطها الأجرب، فتجرب؟، قال: فمن أعدى الأول؟»، ثم ذكر طرقه عن أبي هريرة، ثم أخرجه من حديث ابن مسعود، ثم ترجم: «ذكرُ خبر رُوي في الأمر بالفرار من المجذوم، قد يخطر لبعض الناس أن فيه إثبات العدوي، وليس كذلك»، وساق حديث: «فِرَّ من المجذوم فرارك من الأسد»، من حديث أبي هريرة، ومن حديث عائشة، وحديث عمرو بن الشَّرِيد، عن أبيه، في أمر المجذوم بالرجوع، وحديث ابن عباس: «لا تُديموا النظر إلى المجذومين»، ثم قال: إنما أمرهم -ﷺ- بالفرار من المجذوم، كما نهاهم أن يورد الممرض على المصحّ؛ شفقةً عليهم، وخشيةَ أن يصيب بعض من يخالطه المجذوم الجذام، والصحيح من الماشية الجرب، فيسبق إلى بعض المسلمين أن ذلك من العدوي، فيُثبت العدوى التي نفاها -ﷺ-، فأمرهم بتجنب ذلك؛ شفقةً منه، ورحمةً؛ لِيَسْلَموا من التصديق بإثبات العدوي، وبيّن لهم أنه لا يُعدي شيء شيئًا، قال: ويؤيد هذا أكْله -ﷺ- مع المجذوم ثقةً بالله، وتوكلًا عليه، وساق حديث جابر في ذلك، ثم قال: وأما نهيه عن إدامة النظر إلى المجذوم، فيَحْتَمِل أن يكون؛ لأن المجذوم يغتمّ، ويُكره إدمان الصحيح نَظَره إليه؛ لأنه قلّ من يكون به داء، إلا وهو يَكره أن يطلع عليه. انتهى. وهذا الذي ذكره احتمالًا سبقه إليه مالك، فإنه سئل عن هذا الحديث، فقال: ما سمعت فيه بكراهية، وما أدري ما جاء من ذلك إلا مخافةَ أن يقع في نفس المؤمن شيء. وقال الطبريّ: الصواب عندنا القول بما صحّ به الخبر، وأن لا عدوي، وأنه لا يصيب نفسًا إلا ما كُتب عليها، وأما دنوّ عليل من صحيح، فغير موجب انتقال العلة للصحيح، إلا أنه لا ينبغي لذي صحة الدنوّ من صاحب العاهة التي يكرهها الناس، لا لتحريم ذلك، بل لخشية أن يظن الصحيح أنه لو نزل به ذلك الداء أنه من جهة دنوّه من العليل، فيقع فيما أبطله النبيّ -ﷺ- من العدوي، قال: وليس في أمره بالفرار من المجذوم معارضةٌ لِأَكْله معه؛ لأنه كان يأمر بالأمر على سبيل الإرشاد أحيانًا، وعلى سبيل الإباحة أخري، وإن كان أكثر الأوامر على الإلزام، وإنما كان يفعل ما نَهَى عنه أحيانًا لبيان أن ذلك ليس حرامًا. وقد سلك الطحاويّ في «معاني الآثار» مسلك ابن خزيمة فيما ذكره، فأورد حديث: «لا يورد ممرض على مصحّ»، ثم قال: معناه أن المصحّ قد يصيبه ذلك المرض، فيقول الذي أورده: لو أني ما أوردته عليه لم يُصِبْه من هذا المرض شيء، والواقع أنه لو لم يُورِدْه لأصابه، لكون الله تعالى قدّره، فنهى عن إيراده لهذه العلة التي لا يؤمن غالبًا من وقوعها في قلب المرء، ثم ساق الأحاديث في ذلك، فأطنب، وجَمَع بينها بنحو ما جمع به ابن خزيمة، ولذلك قال القرطبيّ في «المفهم»: إنما نهى رسول الله -ﷺ- عن إيراد الممرض على المصحّ مخافةَ الوقوع فيما وقع فيه أهل الجاهلية، من اعتقاد العدوي، أو مخافة تشويش النفوس، وتأثير الأوهام، وهو نحو قوله: «فِرّ من المجذوم فرارك من الأسد»، وإن كنا نعتقد أن الجذام لا يعدي، لكنا نجد في أنفسنا نفرةً، وكراهيةً لمخالطته، حتى لو أكره إنسان نفسه على القُرْب منه، وعلى مجالسته لتأذّت نفسه بذلك، فحينئذ فالأَولى للمؤمن أن لا يتعرض إلى ما يحتاج فيه إلى مجاهدة، فيجتنب طرق الأوهام، ويباعد أسباب الآلام، مع أنه يعتقد أن لا يُنْجِي حذرٌ مِنْ قَدَر، والله أعلم. قال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة: الأمر بالفرار من الأسد ليس للوجوب، بل للشفقة؛ لأنه كان ينهى أمته عن كلّ ما فيه ضرر، بأي وجه كان، ويدلّهم على كل ما فيه خير، وقد ذكر بعض أهل الطب أن الروائح تحدث في الأبدان خللًا، فكان هذا وجه الأمر بالمجانبة، وقد أكل هو مع المجذوم، فلو كان الأمر بمجانبته على الوجوب لَمَا فَعَله، قال: ويمكن الجمع بين فعله وقوله بأن القول هو المشروع من أجل ضَعف المخاطبين، وفِعْله حقيقة الإيمان، فمن فعل الأول أصاب السُّنَّة، وهي أثر الحكمة، ومن فعل الثاني كان أقوى يقينًا؛ لأن الأشياء كلها لا تأثير لها، إلا بمقتضى إرادة الله تعالي، وتقديره، كما قال تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٠٢]، فمن كان قوي اليقين، فله أن يتابعه -ﷺ- في فعله، ولا يضره شيء، ومَن وَجَد في نفسه ضَعفًا فليتّبع أَمْره في الفرار؛ لئلا يدخل بفعله في إلقاء نفسه إلى التهلكة. فالحاصل أن الأمور التي يُتوقع منها الضرر، وقد أباحت الحكمة الربانية الحذر منها، فلا ينبغي للضعفاء أن يقربوها، وأما أصحاب الصدق واليقين، فهم في ذلك بالخيار. قال: وفي الحديث أن الحكم للأكثر؛ لأن الغالب من الناس هو الضَّعف، فجاء الأمر بالفرار بحسب ذلك. واستُدِلّ بالأمر بالفرار من المجذوم لإثبات الخيار للزوجين في فسخ النكاح، إذا وجده أحدهما بالآخر، وهو قول جمهور العلماء. وأجاب فيه من لم يقل بالفسخ: بأنه لو أخذ بعمومه لثبت الفسخ إذا حدث الجذام، ولا قائل به. ورُدّ بأن الخلاف ثابت، بل هو الراجح عند الشافعية، واختُلِف في أَمَة الأجذم، هل يجوز لها أن تمنع نفسها من استمتاعه إذا أرادها؟ واختَلَف العلماء في المجذومين إذا كَثُروا، هل يُمنعون من المساجد، والمجامع؟ وهل يُتخذ لهم مكان منفرد عن الأصحاء؟ ولم يختلفوا في النادر أنه لا يُمنع، ولا في شهود الجمعة. انتهى ما في «الفتح» . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أقرب المسالك هو المسلك الخامس، وهو أن المراد بنفي العدوى نفي ما كانت عليه الجاهليّة من زعمهم أن المرض يُعدي بطبعه، لا بتقدير الله تعالي، فردّ عليهم ذلك، فقال: «لا عدوى»، وأمرهم بالفرار من المجذوم، ونهاهم عن إيراد الممرض على المصحّ؛ لئلا يحصل لهم بتقدير الله تعالى؛ إذ جرت سنّة الله تعالى بأن الأسباب تفضي إلى مسبَّباتها، ففيه إثبات الأسباب، وفي أَكْله -ﷺ- مع المجذوم بيانُ أن الأسباب لا تستقلّ بنفسها، بل الله تعالى إن شاء سلبها قواها، فلا تؤثّر، وإن شاء أبقاها، فتؤثّر، فهذا هو أقرب الوجوه المذكورة في الجمع بين أحاديث الباب المختلفة في نظري، فتأمله بالإمعان، والله تعالى وليّ التوفيق. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّل الكتاب قال: [٥٧٧٥] (…) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم، وَحَسَنٌ الْحُلْوَانِيُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ -وَهُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ- حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَغَيْرُهُ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- قَالَ: «لَا عَدْوَي، وَلَا طِيَرَةَ، وَلَا صَفَرَ، وَلَا هَامَةَ»، فَقَالَ أَعْرَابِيٌّ: يَا رَسُولَ اللهِ، بِمِثْلِ حَدِيثِ يُونُسَ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (حَسَنٌ الْحُلْوَانِيُّ) ابن عليّ بن محمد الْهُذَليّ، أبو عليّ الخلّال، نزيل مكة، ثقةٌ حافظٌ، له تصانيف [١] (ت ٢٤٢) (خ م د ت ق) تقدم في «المقدمة» ٤/ ٢٤. ٢ - (يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ) الزهريّ، أبو يوسف المدنيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ فاضلٌ، من صغار [٩] (ت ٢٠٨) (ع) تقدم في «الإيمان» ٩/ ١٤١. ٣ - (أَبُوهُ) إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، أبو إسحاق المدنيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ حُجّةٌ [٨] (ت ١٨٥) (ع) تقدم في «الإيمان» ٩/ ١٤١. ٤ - (صَالِحُ) بن كيسان الغِفَاريّ مولاهم، أبو محمد، أو أبو الحارث المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيةٌ [٤] مات بعد (٣٠ أو ١٤٠) (ع) تقدم في «الإيمان» ٩/ ١٤١. والباقون ذُكروا في الباب، وقبله. [تنبيه]: رواية صالح بن كيسان عن الزهريّ هذه ساقها البخاريّ -﵀- في «صحيحه»، فقال: (٥٣٨٧) - حدّثنا عبد العزيز بن عبد الله، حدّثنا إبراهيم بن سعد، عن صالح، عن ابن شهاب، قال: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن، وغيره: أن أبا هريرة -﵁- قال: إن رسول الله -ﷺ- قال: «لا عدوي، ولا صفر، ولا هامة»، فقال أعرابيّ: يا رسول الله، فما بال إبلي تكون في الرمل؛ كأنها الظباء، فيأتي البعير الأجرب، فيدخل بينها، فيُجربها؟ فقال: «فمن أعدى الأول؟». انتهى . وبالسند المتّصل إلى المؤلِّف -﵀- أوّل الكتاب قال: [٥٧٧٦] (…) - (وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْيَمَانِ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي سِنَانُ بْنُ أَبِي سِنَانٍ الدُّؤَلِيُّ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: «لَا عَدْوَى»، فَقَامَ أَعْرَابِيٌّ، فَذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ يُونُسَ، وَصَالِحٍ، وَعَنْ شُعَيْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ، ابْنُ أُخْتِ نَمِرٍ، أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: «لَا عَدْوَي، وَلَا صَفَرَ، وَلَا هَامَةَ»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ) الحافظ الشهير، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٢ - (أَبُو الْيَمَانِ) الحكم بن نافع الحمصيّ، تقدّم أيضًا قبل ثلاثة أبواب. ٣ - (شُعَيْبُ) بن أبي حمزة دينار الحمصيّ، تقدّم أيضًا قبل ثلاثة أبواب. ٤ - (سِنَانُ بْنُ أَبِي سِنَانٍ الدُّؤَلِيُّ) واسم أبيه يزيد بن أمية، ويقال: ابن ربيعة، ويقال له: الديليّ، المدنيّ، ثقةٌ [٣]. رَوَى عن أبي هريرة، والحسين بن عليّ، وجابر، وأبي واقد الليثيّ. وروى عنه الزهريّ، وزيد بن أسلم، وأبو طُوَالة على ما ذكره الحاكم. قال العجليّ: تابعيّ ثقة، وذكره ابن حبان في «الثقات». قال يحيى بن بُكير: مات سنة خمس ومائة، وله اثنتان وثمانون سنةً. أخرج له البخاريّ، والمصنّف، والترمذيّ، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب حديثان فقط ، هذا برقم (٢٢٢٠)، وحديث في «كتاب الفضائل» (٨٤٣) : «إن رجلًا أتاني، وأنا نائم، فأخذ السيف …» الحديث. ٥ - (السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ) بن سعيد بن ثُمامة الكنديّ، وقيل غير ذلك في نسبه، ويُعرف بابْنُ أُخْتِ النَّمِرٍ، صحابيّ صغير، له أحاديث قليلة، وحُجّ به في حجة الوداع، وهو ابن سبع سنين، وولّاه عمر سوق المدينة، مات سنة (٩١)، وقيل: قبل ذلك، وهو آخر من مات بالمدينة من الصحابة (ع) تقدم في «صلاة المسافرين وقصرها» ١٧/ ١٧١٢. والباقيان ذُكرا قبله. [تنبيه]: رواية شعيب عن الزهريّ هذه ساقها البخاريّ -﵀- في «صحيحه»، فقال: (٥٤٣٩) - حدّثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهريّ، قال: أخبرني سنان بن أبي سنان الدُّؤَليّ، أن أبا هريرة -﵁- قال: إن رسول الله -ﷺ- قال: «لا عدوى»، فقام أعرابيّ، فقال: أرأيت الإبل تكون في الرمال أمثال الظباء، فيأتيها البعير الأجرب، فَتَجْرَب؟ قال النبيّ -ﷺ-: «فمن أعدى الأول». انتهى. وأما رواية الزهريّ عن السائب بن يزيد، فساقها الإمام أحمد -﵀- في «مسنده»، فقال: (١٥٧٦٥) - حدّثنا أبو اليمان، ثنا شعيب، عن الزهريّ، قال: حدّثني السائب بن يزيد ابن أخت نَمِرَ، أن النبيَّ -ﷺ- قال: «لا عدوي، ولا صفر، ولا هامة». انتهى . وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّل الكتاب قال: [٥٧٧٧] (٢٢٢١) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ -وَتَقَارَبَا فِي اللَّفْظِ- قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ حَدَّثَهُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- قَالَ: «لَا عَدْوَى»، وَيُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- قَالَ: «لَا يُورِدُ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ»، قَالَ أَبُو سَلَمَةَ: كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُهُمَا كلَيْهِمَا عَنْ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-، ثُمَّ صَمَتَ أَبُو هُرَيْرَةَ بَعْدَ ذَلِكَ عَنْ قَوْلِهِ: «لَا عَدْوَى»، وَأقَامَ عَلَى «أَنْ لَا يُورِدُ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ»، قَالَ: فَقَالَ الْحَارِثُ بْنُ أَبِي ذُبَابٍ -وَهُوَ ابْنُ عَمِّ أَبِي هُرَيْرَةَ-: قَدْ كُنْتُ أَسْمَعُكَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ تُحَدِّثَنَا مَعَ هَذَا الْحَدِيثِ حَدِيثًا آخَرَ، قَدْ سَكَتَّ عَنْهُ، كُنْتَ تَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «لَا عَدْوَى»، فَأَبَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنْ يَعْرِفَ ذَلِكَ، وَقَالَ: «لَا يُورِدُ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ»، فَمَارَاْهُ الْحَارِثُ فِي ذَلِكَ حَتَّى غَضِبَ أَبُو هُرَيْرَةَ، فَرَطَنَ بِالْحَبَشِيَّةِ، فَقَالَ لِلْحَارِثِ: أَتَدْرِي مَاذَا قُلْتُ؟ قَالَ: لَا، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: قُلْتُ: أَبَيْتُ، قَالَ أَبُو سَلَمَةَ: وَلَعَمْرِي لَقَدْ كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُنَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- قَالَ: «لَا عَدْوَى»، فَلَا أَدْرِي أَنَسِيَ أَبُو هُرَيْرَةَ، أَوْ نَسَخَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ الآخَرَ؟). قال الجامع عفا الله عنه: هذا الإسناد ذُكِر قبل حديثين. شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ (أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ حَدَّثَهُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- قَالَ: «لَا عَدْوَى») اسم من الإعداء، وهو أن يكون ببعير جرب مثلًا، فتتقى مخالطته بإبل أخرى حِذارًا أن يتعدى ما به من الجرب إليها، فيصيبها ما أصابه، فقد أبطله الإسلام؛ لأنهم كانوا يظنون أن المرض بنفسه يتعدي، فأعلمهم النبيّ -ﷺ- أن الأمر ليس كذلك، وإنما الله تعالى هو الذي يُمْرِض، ويُنزل الداء . (وَيُحَدِّثُ) أبو هريرة -﵁- (أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- قَالَ: «لَا يُورِدُ) كذا هو عند مسلم بصيغة النفي، والمراد به النهي بدليل رواية البخاريّ بلفظ:»لا يوردنّ ممرض على مُصحّ«، والله تعالى أعلم. (مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ») قال ابن الأثير -﵀-: الْمُمْرِض الذي له إبل مَرْضَي، فنُهِي أن يسقي إبله مع إبل الْمُصِحّ، لا لأجل العدوي، ولكن لأن الصحاح ربما عَرَض لها مرضٌ، فوقع في نفس صاحبها أن ذلك من قبيل العدوي، فيفتنه، ويُشَكِّكه، فأُمر باجتنابه، والبعد عنه، وقد يَحْتَمِل أن يكون ذلك من قبيل الماء والمرعي، تستوبله الماشية، فتَمْرَض، فإذا شاركها في ذلك غيرها أصابه مثل ذلك الداء، فكانوا لجهلهم يسمونه عدوي، وإنما هو فِعل الله تعالى. انتهى . وقال القرطبيّ -﵀-: الورود: هو الوصول إلى الماء، و«أورد إبله»: إذا أوصلها إليه، فصاحب الإبل: مُورِدٌ، والإبل مُورَدَةٌ، وممرض: اسم فاعل من أمرض الرجل: إذا أصاب ماشيته مرض، قاله يعقوب، ومُصِحّ: اسم فاعل من أصح: إذا أصابت ماشيته عاهة، ثم صحّت، قاله الجوهريّ. انتهى . وقال النوويّ -﵀-: قوله: «يورد» بكسر الراء، والْمُمْرِضُ، والْمُصِحُّ بكسر الراء، والصاد، ومفعول يورد محذوف؛ أي: لا يورد إبله المراضَ، قال العلماء: الممرض صاحب الإبل المراض، والمصِحّ صاحب الإبل الصحاح، فمعنى الحديث: لا يورد صاحب الإبل المراض إبله على إبل صاحب الإبل الصحاح؛ لأنه ربما أصابها المرض بفعل الله تعالي، وقَدَره الذي أجرى به العادة، لا بطبعها، فيحصل لصاحبها ضرر بمرضها، وربما حصل له ضرر أعظم من ذلك باعتقاد العدوى بطبعها، فيكفر، والله أعلم. انتهى . وقيل: النهي ليس للعدوي، بل للتأذي بالرائحة المكريهة، ونحوها، حكاه ابن رسلان في «شرح السنن» . وفي رواية البخاريّ: «لا يردنّ مُمرض على مصحّ»، قال في «الفتح»: كذا فيه بتأكيد النهي عن الإيراد، والممرض بضم أوله، وسكون ثانيه، وكسر الراء، بعدها ضاد معجمة: هو الذي له إبل مَرْضَي، والمصحّ بضم الميم، وكسر الصاد المهملة، بعدها مهملة: مَن له إبل صِحاح، نَهَى صاحب الإبل المريضة أن يوردها على الإبل الصحيحة، قال أهل اللغة: الممرض: اسم فاعل من أمرض الرجل: إذا أصاب ماشيته مرض، والمصحّ: اسم فاعل من أصح: إذا أصاب ماشيته عاهةٌ، ثم ذهب عنها، وصحّت. انتهى . (قَالَ أَبُو سَلَمَةَ) بن عبد الرحمن (كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُهُمَا كِلَيْهِمَا)؛ أي: يحدث بحديث: «لا عدوى»، وحديث: «لا يورد ممرض على مُصِحّ»، ووقع في معظم النُّسخ بلفظ: «كلتيهما» بالتأنيث، بتأويله بالقصّة، أو الواقعة، وقال النوويّ -﵀-: قوله: «كلتيهما» كذا هو في جميع النسخ «كلتيهما» بالتاء، والياء مجموعتين، والضمير عائد إلى الكلمتين، أو القصتين، أو المسألتين، ونحو ذلك. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: قوله: في جميع النسخ: لعله يريد النسخ التي اطلع عليها، وإلا فقد أثبت في النسخة الهنديّة اللفظين: «كلتيهما»، و«كليهما»، فلذا أثبتُّه هنا، فتنبّه، والله تعالى أعلم. (عَنْ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-، ثُمَّ صَمَتَ)؛ أي: سكت، وترك التحديثَ (أَبُو هُرَيْرَةَ) -﵁- (بَعْدَ ذَلِكَ)؛ أي: بعد تحديثه بهما، (عَنْ قَوْلِهِ: «لا عَدْوَى»، وَأَقَامَ)؛ أي: ثبت عَلَى التحديث بحديث «لا يورد ممرض عَلَى مُصِحِّ»، وقوله: («أَنْ) مخفّفة من»أنّ «المشدّدة، واسمها ضمير شأن محذوف؛ أي: أنه لا يورد … إلخ، قال في»الخلاصة«: وَإِنْ تُخَففْ«أَنَّ»فَاسْمُهَا اسْتَكَنّْ … وَالْخَبَرَ اجْعَلْ جُمْلَةً مِنْ بَعْدِ«أَنْ»وَإِنْ يَكُنْ فِعْلًا وَلَمْ يَكُنْ دُعَا … وَلَمْ يَكُنْ تَصْرِيفُهُ مُمْتَنِعَا فَالأَحْسَنُ الْفَصْلُ بِـ«قَدْ»أَوْ نَفْيٍ أوْ … تَنْفِيسٍ أَوْ«لَوْ»وقَلِيلٌ ذِكْرُ«لَو»(لَا يُورِدُ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ«، قَالَ) أبو سلمة (فَقَالَ الْحَارِثُ بْنُ أَبِي ذُبَابٍ) -بضمّ الذال المعجمة، وبموحّدتين- هو الحارث بن عبد الرحمن بن عبد الله بن سعد بن ذُباب الدَّوْسيّ المدنيّ، صدوقٌ يَهِم من الخامسة، مات سنة (١٤٦) تقدّم في »المساجد ومواضع الصلاة« ٥٤/ ١٥٢٩. (وَهُوَ ابْنُ عَمِّ أَبِي هُرَيْرَةَ) -﵁- (قَدْ كُنْتُ أَسْمَعُكَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ تُحَدِّثَنَا مَعَ هَذَا الْحَدِيثِ)؛ أي: حديث: »لا يورد … إلخ« (حَدِيثًا آخَرَ، قَدْ سَكَتَّ عَنْهُ) الآن، (كُنْتَ تَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: »لَا عَدْوَى«، فَأَبَى)؛ أي: امتنع (أَبُو هُرَيْرَةَ) -﵁- (أَنْ يَعْرِفَ ذَلِكَ)؛ يعني: أنه نسيه (وَ) ثبت على الثاني، فـ (قَالَ: »لا يُورِدُ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ»، فَمَارَاْهُ) من المماراة، وهي المجادلة. (الْحَارِثُ فِيِ ذَلِكَ)؛ أي: في كونه حدّث بـ «لا عدوى»، (حَتَّى غَضِبَ أَبُو هُرَيْرَةَ) -﵁- (فَرَطَنَ بِالْحَبَشِيَّةِ)؛ أي: تكلّم باللغة الحبشيّة، قال المجد -﵀-: الرَّطَانَةُ -أي: بالفتح- ويُكسَر: الكلام بالأعجميّة، ورَطَنَ له، وراطنه: كلّمه بها، وتراطنوا: تكلّموا بها. انتهى . (فَقَالَ) أبو هريرة -﵁- (لِلْحَارِثِ: أَتَدْرِي)؛ أي: أتعلم (مَاذَا قُلْتُ؟)؛ أي: أيُّ شيء قلته؟ (قَالَ) الحارث (لَا) أدري، (قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) -﵁- (قُلْتُ: أَبَيْتُ)؛ أي: قلت كلامًا معناه بالعربيّة: أبيت؛ أي: امتنعت من الاعتراف بما قلت. (قَالَ أَبُو سَلَمَةَ) بن عبد الرحمن (وَلَعَمْرِي) بفتح العين، وسكون الميم؛ أي: وخالق حياتي، قال في «التاج»: العُمْرُ بالفَتْح، وبالضّمّ، وبضَمَّتَيْن: الحَيَاةُ، يقالُ: قد طال عَمْرُه، وعُمْرُه، لُغَتَان فَصِيحَتان، فإذا أَقْسَمُوا فقالوا: لَعَمْرُكَ، فَتَحُوا لا غير، وفي «البَصَائر»: العَمْرُ، والعُمْرُ واحدٌ، لكن خُصَّ القَسَمُ بالمَفْتُوحَة. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: قوله: «ولعمري» كونه للقسم غير جائز؛ لأنه حلف بغير الله تعالي، فيكون على حذف مضاف، كما قدّرناه، أو أنه لم يُرِدْ به القَسَم، بل مجرّد تأكيد الكلام، كما في: تَرِبَتْ يمينك، ونحوه، والله تعالى أعلم. (لَقَدْ كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ) -﵁- (يُحَدِّثُنَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- قَالَ: «لَا عَدْوَى»، فَلَا أَدْرِي أَنَسِيَ أَبُو هُرَيْرَةَ، أَوْ نَسَخَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ الآخَرَ؟) الأقرب أن السبب هو النسيان، قال في «الفتح»: هذا الذي قاله أبو سلمة ظاهر في أنه كان يعتقد أن بين الحديثين تمام التعارض، وقد تقدم وجه الجمع بينهما، وحاصله أن قوله: «لا عدوى» نَهْيٌ عن اعتقادها، وقوله: «لا يورد» سبب النهي عن الإيراد خشيةَ الوقوع في اعتقاد العدوي، أو خشية تأثير الأوهام، كما في حديث: «فِرّ من المجذوم»؛ لأن الذي لا يعتقد أن الجذام يُعدي يجد في نفسه نفرةً. حتى لو أكرهها على القرب منه لتألمت بذلك، فالأولى بالعاقل أن لا يتعرض لمثل ذلك، بل يباعد أسباب الآلام، ويجانب طرق الأوهام، والله أعلم. وقال ابن التين: لعل أبا هريرة كان يسمع هذا الحديث قبل أن يسمع من النبيّ -ﷺ- حديث: «من بسط رداءه، ثم ضمه إليه، لم ينس شيئًا سمعه من مقالتي»، وقد قيل في الحديث المذكور: إن المراد أنه لا ينسى تلك المقالة التي قالها ذلك اليوم، لا أنه ينتفي عنه النسيان أصلًا، وقيل: كان الحديث الثاني ناسخًا للأول، فسكت عن المنسوخ، وقيل: معنى قوله: «لا عدوى» النهي عن الاعتداء، ولعل بعض من أجلب عليه إبلًا جرباء أراد تضمينه، فاحتجّ عليه في إسقاط الضمان بأنه إنما أصابها ما قُدِّر عليها، وما لم تكن تنجو منه؛ لأن العجماء جُبَارٌ، ويَحْتَمِل أن يكون قال هذا على ظنه، ثم تبيّن له خلاف ذلك. انتهى. قال الحافظ: فأما دعوى نسيان أبي هريرة للحديث فهو بحسب ما ظن أبو سلمة، وقد بيّنت ذلك رواية يونس التي أشرت إليها، وأما دعوى النسخ فمردودة؛ لأن النسخ لا يصار إليه بالاحتمال، ولا سيما مع إمكان الجمع، وأما الاحتمال الثالث فبعيد من مساق الحديث، والذي بعده أبعد منه. قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن كون السبب هو النسيان هو الأقرب؛ لأن الاحتمالات الأخرى لا يخفى ما فيها التعسّف، فتأمل بالإمعان، والله تعالى أعلم. قال: ويَحْتَمِل أيضًا أنهما لمّا كانا خبرين متغايرين عن حكمين مختلفين، لا ملازمة بينهما جاز عنده أن يُحَدِّث بأحدهما، ويسكت عن الآخر، حسبما تدعو إليه الحاجة، قاله القرطبيّ في «المفهم»، قال: ويَحْتَمِل أن يكون خاف اعتقاد جاهل يظنهما متناقضين، فسكت عن أحدهما، وكان إذا أَمِن ذلك حَدَّث بهما جميعًا. وقال القرطبيّ -﵀-: قد جمع أبو هريرة -﵁- في هذه الرواية بين قوله -ﷺ-: «لا عدوى»، وبين قوله: «لا يورد ممرض على مصحّ»، وهو جمعٌ صحيح، لا بُعد فيه؛ إذ كلاهما خبر عن المشروعية، لا خبر عن الوجود، فقوله: «لا عدوى»، أي: لا يجوز اعتقادها، وقوله: «لا يورد ممرض على مصحٍّ»؛ أي: لا يفعل ذلك، فهما خبران يتضمنان النهي عن ذلك، وإنَّما نهى عن إيراد الممرض على المصح مخافةَ الوقوع فيما وقع فيه أهل الجاهلية من اعتقاد ذلك، أو مخافة تشويش النفوس، وتأثير الأوهام، وهذا كنحو أمره بالفرار من المجذوم، فإنه وإن كنا نعتقد أن الجذام لا يُعدي، فإنا نجد من أنفسنا نفرةً، وكراهيةً لذلك، حتى إذا أكره الإنسان نفسه على القرب منه، وعلى مجالسته تألَّمت نفسه، وربما تأذت بذلك، ومرضت، فيحتاج الإنسان في هذا إلى مجاهدة شديدة، ومكابدة، ومع ذلك فالطبع أغلب، وإذا كان الأمر بهذه المثابة؛ فالأَولى بالإنسان ألا يقرب شيئًا يحتاج الإنسان فيه إلى هذه المكابدة، وأن لا يتعرض فيه إلى هذا الخطر، والمتعرض لهذا الألم زاعمًا أنه يجاهد نفسه حتى يزيل عنها تلك الكراهة، هو بمنزلة من أدخل على نفسه مرضًا إرادة علاجه حتى يزيله، ولا شك في نقص عقل من كان على هذا، وإنما الذي يليق بالعقلاء، ويناسب تصرُّف الفضلاء أن يباعد أسباب الآلام، ويجانب طرق الأوهام، ويجتهد في مجانبة ذلك بكل ممكن، مع عِلْمه بأنه لا يُنْجي حذر عن قَدَر، وبمجموع الأمرين وَرَدَت الشرائع، وتوافقت على ذلك العقول والطبائع. قال: وأما سكوت أبي هريرة -﵁- عن قوله: «لا عدوى»، وإيراد حديثِ: «لا يورد ممرض على مصحّ» بعد أن حدَّث بمجموعها، فلا يصحّ أن يكون من باب النسخ، كما قدَّره أبو سلمة بن عبد الرحمن؛ لأنهما لا تعارض بينهما؛ إذ الجمع صحيحٌ كما قدَّمناه، بل الواجب أن يقال: إنهما خبران شرعيان عن أمرين مختلفين، لا متعارضين؛ كخبر يتضمَّن حكمًا من أحكام الصلاة، وآخر يتضمن حكمًا من أحكام الطهارة مثلًا، وقد بيَّنَّا وجه تباين الخبرين، وعلى هذا فسكوت أبي هريرة -﵁- يَحْتَمِل أوجهًا: أحدها: السببان المتقدِّمان، كما قال أبو سلمة. وثانيهما: أنهما لما كانا خبرين متغايرين لا ملازمة بينهما؛ جاز للمحدِّث أن يحدِّث بأحدهما، ويسكت عن الآخر؛ حسبما تدعو إليه الحاجة الحالية. وثالثها: أن يكون خاف اعتقاد جاهل يظنهما متناقضين، فسكت عن أحدهما حتى إذا أَمِن ذلك حدَّث بهما جميعًا. ورابعها: أن يكون حَمَله على ذلك وجه غير ما ذكرناه، لم يُطْلِع عليه أحدًا. وعلى الجملة: فكل ذلك مُحْتَمِل، غير أن الذي يُقطع بنفيه: النَّسخ، على ما قرَّرناه. والله أعلم. انتهى كلام القرطبيّ -﵀- . قال الجامع عفا الله عنه: قد أسلفت أن أقرب الاحتمالات عندي هو النسيان، ويدلّ على ذلك إنكار أبي هريرة -﵁- للحديث، فلما ماراه ابن عمّه غضب، فلولا نسيانه لما فعل هذا، فتأمل بالإمعان، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأول): حديث أبي هريرة -﵁- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٨/ ٥٧٧٧ و٥٧٧٨ و٥٧٧٩،] (٢٢٢١)، و(البخاريّ) في «الطبّ» (٥٧٧١ و٥٧٧٣ و٥٧٧٤)، و(أبو داود) في «الطبّ» (٣٩١١)، و(ابن ماجه) في «الطبّ» (٣٥٤١)، و(عبد الرزّاق) في «مصنّفه» (١٩٥٠٧)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٤٣٤)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٦١١٥)، و(الطبريّ) في «تهذيب الآثار» (٣/ ٦)، و(الطحاويّ) في «شرح معاني الآثار» (٤/ ٣٠٣)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٧/ ٢١٦ و٢١٧)، و(البغويّ) في «شرح السُّنَّة» (٣٢٤٨)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان سدّ الذريعة؛ لأنه وإن كانت الأمراض لا تُعدي إلا أن الأحوط أن لا يورد الممرض على المصحّ؛ لئلا يتّفق أن تمرض الصحاح بتقدير الله تعالي، فيقع في قلب صاحبها أنه بسبب الإيراد، فقطعه -ﷺ- بالنهي عن الإيراد لذلك، والله تعالى أعلم. ٢ - (ومنها): أن فيه وقوعَ تشبيه الشيء بالشيء إذا جَمَعهما وصف خاصّ، ولو تباينا في الصورة، قاله في «الفتح» . ٣ - (ومنها): أن فيه شدّةَ ورع أبي هريرة -﵁-؛ لأنه مع كون الحارث أغضبه حتى تكلم بغير العربية، خشي أن يظنّ الحارث أنه قال فيه شيئًا يكرهه، ففسَّر له في الحال ما قال، والله تعالى أعلم. انتهى . وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّل الكتاب قال: [٥٧٧٨] (…) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، وَحَسَنٌ الْحُلْوَانِيُّ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ عَبْدٌ: حَدَّثَنِي، وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ -يَعْنُونَ ابْنَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ- حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ صَالِح، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةً، يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- قَالَ: «لَا عَدْوَى»، وَيُحَدِّثُ مَعَ ذَلِكَ: «لَا يُورِدُ الْمُمْرِضُ عَلَى الْمُصِحِّ»، بِمِثْلِ حَدِيثِ يُونُسَ). قال الجامع عفا الله عنه: هذا الإسناد تقدّم في الباب قبل حديثين، غير «عبد بن حميد»، وقد تقدّم في الباب الماضي. [تنبيه]: رواية صالح بن كيسان عن ابن شهاب هذه لم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلِّف -﵀- أوّل الكتاب قال: [٥٧٩٩] (…) - (حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْيَمَانِ، حَدَّثَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ نَحْوَهُ). قال الجامع عفا الله عنه: هذا الإسناد تقدّم في الباب قبل حديثين. [تنبيه]: رواية شعيب عن الزهريّ هذه ساقها البخاريّ -﵀- في «صحيحه»، فقال: (٥٤٣٩) - حدّثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهريّ، قال: حدّثني أبو سلمة بن عبد الرحمن، أن أبا هريرة قال: إن رسول الله -ﷺ- قال: «لا عدوى»، قال أبو سلمة بن عبد الرحمن: سمعت أبا هريرة، عن النبيّ -ﷺ- قال: «لا تُورِدُوا الممرض على المصحّ». انتهى . وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّل الكتاب قال: [٥٧٨٠] (…) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبِ، وَقُتَيْبَةُ، وَابْنُ حُجْرٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ -يَعْنُونَ ابْنَ جَعْفَرٍ- عَنِ الْعَلَاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- قَالَ: «لَا عَدْوَي، وَلَا هَامَةَ، وَلَا نَوْءَ، وَلَا صَفَرَ»). قال الجامع عفا الله عنه: هذا الإسناد تقدّم في الباب قبل بابين، وتقدّم أيضًا شرح الحديث قريبًا، إلا قوله: (وَلَا نَوْءَ) -بفتح النون، وسكون الواو-؛ أي: طلوع نجم، وغروب ما يقابله، أحدهما في المشرق، والآخر بالمغرب، وكانوا يعتقدون أنه لا بُدّ عنده من مطر، أو ريح، ينسبونه إلى الطالع، أو الغارب، فنفى صحة ذلك، وقال بعضهم: النوء سقوط نجم من منازل القمر مع طلوع الصبح، وهي ثمانية وعشرون نجمًا يسقط في كل ثلاث عشرة ليلة نَجْم منها في المغرب، مع طلوع الفجر، ويطلع آخر مقابله في المشرق من ساعته. انتهى . وقال النوويّ -﵀-: قوله -ﷺ-: «ولا نوء»؛ أي: لا تقولوا: مُطرنا بنوء كذا، ولا تعتقدوه، وسبق شرحه واضحًا في «كتاب الصلاة». انتهى . وقال في «التاج»: والنَّوْءُ: النَّجْم إذا مالَ للغُروبِ، جمعه: أَنْواءٌ، ونُوآنٌ، مثل عَبْد، وعُبْدان، وبَطْن وبُطْنان، قال حسَّان بن ثابتٍ -﵁-[من المتقارب]: وَيثْرِبُ تَعْلَمُ أَنَّا بِهَا … إِذَا أَقْحَطَ الغَيْثُ نُوآنُهَا أَو هو سُقوطُ النَّجْمِ من المَنازِل في المَغْرِب مع الفَجْرِ، وطُلوعُ رَقيبه، وهو نجم آخر يُقابِلُه، من ساعَتِه في المَشْرِق، في كلِّ ليلةٍ إلى ثلاثةَ عَشَرَ يومًا، وهكذا كلُّ نَجْمٍ منها إلى انْقِضاءِ السُّنَّة، ما خلا الجَبْهَةَ، فإنَّ لها أَربعَةَ عشرَ يومًا، فتَنْقَضي جميعُها مع انقِضاءِ السُّنَّة، وفي «لسان العرب»: وإنَّما سمِّي نَوْءًا؛ لأَنَّه إذا سقط الغاربُ نَاءَ الطالِعُ، وذلك الطُّلوعُ هو النَّوْءُ، وبعضُهم يَجعلُ النَّوْءَ هو السُّقوط؛ كأَنَّه من الأَضدادِ، قال أبو عبيدٍ: ولم يُسمع في النَّوْءِ أَنه السُّقوط إِلَّا في هذا الموضع، وكانت العربُ تُضيفُ الأَمطارَ، والرِّياحَ، والحَرَّ، والبَرْدَ إلى السَّاقط منها. وقال الأَصمعيُّ: إلى الطالع منها في سُلْطانِه، فتقول: مُطِرْنا بنَوْءِ كذا، وقال أبو حَنيفةَ -الدِّينَوَريّ-: نَوْءُ النَّجْمِ: هو أَوَّل سُقوطٍ يُدْرِكُه بالغَداةِ، إذا همَّت الكواكبُ بالمُصُوحِ ، وذلك في بَياض الفَجْر المُسْتَطِير. وفي «التهذيب»: نَاءَ النجمُ يَنوءُ نَوْءًا إذا سقَط. وقال أبو عبيد: الأَنواءُ ثمانيةٌ وعشرون نجمًا، واحدُها نَوْءٌ، وقد نَاءَ الطالع بالمَشْرِق يَنوءُ نَوْءًا؛ أي: نهضَ، وطلَع، وذلك النُّهوضُ هو النَّوْءُ، فسمِّيَ النَّجمُ به، وكذلك كلُّ ناهضٍ بثِقَلٍ وإِبْطاءٍ، فإنَّه يَنوءُ عند نُهُوضه، وقد يكون النَّوْءُ السُّقوطَ، قال ذو الرُّمَّةِ [من الطويل]: تَنُوءُ بِأُخْراها فَلأْيًا قِيامُها … وتَمْشي الهُوَيْنى عن قَريبٍ فَتَبْهَرُ أُخْراها: عَجيزَتُها تُنيئُها إلى الأَرضِ؛ لضِخَمِها، وكَثرة لحمِها في أَردافها. انتهى . وقال ابن منظور -﵀-: قال شَمِر: هذه الثمانية وعشرون التي أَراد أَبو عبيد هي منازل القمر، وهي معروفة عند العرب، وغيرهم، من الفُرْس، والروم، والهند، لم يختلفوا في أَنها ثمانية وعشرون، ينزل القمر كل ليلة في منزلة منها، ومنه قوله تعالى: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾ [يس: ٣٩]، قال شَمِر: وقد رأَيتها بالهندية، والرومية، والفارسية مترجمة، قال: وهي بالعربية فيما أَخبرني به ابن الأَعرابيّ: الشَّرَطانِ، والبَطِينُ، والنَّجْمُ، والدَّبَرانُ، والهَقْعَةُ، والهَنْعَةُ، والذِّراع، والنَّثْرَةُ، والطَّرْفُ، والجَبْهةُ، والخَراتانِ، والصَّرْفَةُ، والعَوَّاءُ، والسِّماكُ، والغَفْرُ، والزُّبانَي، والإِكْليلُ، والقَلْبُ، والشَّوْلةُ، والنَّعائمُ، والبَلْدَةُ، وسَعْدُ الذَّابِحِ، وسَعْدُ بُلَعَ، وسَعْدُ السُّعُود، وسَعْدُ الأَخْبِيَةِ، وفَرْغُ الدَّلْو المُقَدَّمُ، وفَرْغُ الدَّلْوِ المُؤَخَّرُ، والحُوتُ، قال: ولا تَسْتَنِيءُ العَرَبُ بها كُلِّها، إِنما تذكر بالأَنْواءِ بَعْضَها، وهي معروفة في أَشعارهم، وكلامهم، وكان ابن الأَعرابيّ يقول: لا يكون نَوْءٌ حتى يكون معه مَطَر، وإِلا فلا نَوْءَ. قال أَبو منصور: أَول المطر الوَسْمِيُّ، وأَنْواؤُه العَرْقُوتانِ المُؤَخَّرتانِ، قال أَبو منصور: هما الفَرْغُ المُؤَخَّر، ثم الشَّرَطُ، ثم الثُّرَيَّا، ثم الشَّتَوِيُّ، وأَنْواؤُه الجَوْزاءُ، ثمَّ الذِّراعانِ، ونَثْرَتُهما، ثمَّ الجَبْهةُ، وهي آخِر الشَّتَوِيِّ، وأَوَّلُ الدَّفَئِيّ، والصَّيْفِيّ، ثم الصَّيْفِيُّ، وأَنْواؤُه السِّماكانِ: الأَوَّل الأَعْزَلُ، والآخرُ الرَّقيبُ، وما بين السِّماكَيْنِ صَيف، وهو نحو من أَربعين يومًا، ثمَّ الحَمِيمُ، وهو نحو من عشرين ليلة عند طُلُوعِ الدَّبَرانِ، وهو بين الصيفِ والخَرِيفِ، وليس له نَوْءٌ، ثمَّ الخَرِيفِيُّ، وأَنْواؤُه النَّسْرانِ، ثمَّ الأَخْضَرُ، ثم عَرْقُوتا الدَّلْوِ الأُولَيانِ، قال أَبو منصور: وهما الفَرْغُ المُقَدَّمُ، قال: وكلُّ مطَر من الوَسْمِيِّ إِلى الدَّفَئِيِّ ربيعٌ. وقال الزجاج في بعض «أَمالِيه»، وذَكر قَوْلَ النبيّ -ﷺ-: «مَنْ قال: سُقِينا بالنَّجْمِ، فقد آمَنَ بالنَّجْم، وكَفَر باللهِ، ومن قال: سَقانا اللهُ، فقد آمَنَ باللهِ، وكَفَر بالنَّجْمِ»، قال: ومعنى مُطِرْنا بِنَوْءِ كذا: أي: مُطِرْنا بطُلوع نجم، وسُقُوط آخَر، قال: والنَّوْءُ على الحقيقة سُقُوط نجم في المَغْرِب، وطُلوعُ آخَرَ في المشرق، فالساقِطةُ في المغرب هي الأَنْواءُ، والطالِعةُ في المشرق هي البَوارِحُ، قال: وقال بعضهم: النَّوْءُ ارْتِفاعُ نَجْمٍ من المشرق، وسقوط نظيره في المغرب، وهو نظير القول الأَوَّل، فإِذا قال القائل: مُطِرْنا بِنَوْءِ الثُّرَيَّا، فإِنما تأْويله أَنَّه ارتفع النجم من المشرق، وسقط نظيره في المغرب؛ أي: مُطِرْنا بما ناءَ به هذا النَّجمُ، قال: وإِنما غَلَّظَ النبيُّ -ﷺ- فيها؛ لأَنَّ العرب كانت تزعم أَن ذلك المطر الذي جاءَ بسقوطِ نَجْمٍ هو فعل النجم، وكانت تَنْسُبُ المطر إِليه، ولا يجعلونه سُقْيا من الله، وإِن وافَقَ سقُوطَ ذلك النجم المطرُ يجعلون النجمَ هو الفاعل؛ لأَن في الحديث دَلِيلَ هذا، وهو قوله: «مَن قال: سُقِينا بالنَّجْمِ، فقد آمَنَ بالنَّجْم، وكَفَرَ باللهِ»، قال أَبو إِسحق: وأَما من قال: مُطِرْنا بُنَوْءِ كذا وكذا، ولم يُرِدْ ذلك المعني، ومرادُه أَنَّا مُطِرْنا في هذا الوقت، ولم يَقْصِدْ إِلى فِعْل النجم فذلك -والله أَعلم- جائز. وقال ابن الأَثير: أمَّا مَنْ جَعلَ المَطَر مِنْ فِعْلِ اللهِ تعالي، وأَراد بقوله: مُطِرْنا بِنَوْءِ كذا؛ أي: في وَقْت كذا، وهو هذا النَّوْءُ الفلانيّ، فإِن ذلك جائز؛ أي: إِن اللهَ تعالى قد أَجْرَى العادة أَن يأْتِيَ المَطَرُ في هذه الأَوقات، قال: ورَوى عَليٌّ -﵁-، عن النبيِّ -ﷺ- أَنَّه قال في قوله تعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (٨٢)﴾ [الواقعة: ٨٢] قال: يقولون: مُطِرْنا بنوءِ كذا وكذا، قال أَبو منصور: معناه: وتَجْعَلُون شُكْرَ رِزْقِكم الذي رَزَقَكُمُوه اللهُ التَّكْذِيبَ أَنَّه من عندِ الرَّزَّاقِ، وتجعلون الرِّزْقَ من عندِ غيرِ اللهِ، وذلك كفر، فأَمَّا مَنْ جَعَلَ الرِّزْقَ مِن عِندِ اللهِ وجَعَل النجمَ وقْتًا وقَّتَه للغَيْثِ، ولم يَجعلْه المُغِيثَ الرَّزَّاقَ، رَجَوْتُ أَن لا يكون مُكَذِّبًا، والله أَعلم، قال: وهو معنى ما قاله أَبو إِسحق، وغيره، من ذوي التمييز. انتهى . وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّل الكتاب قال: [٥٧٨١] (٢٢٢٢) - (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ (ح) وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَي، أَخْبَرَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «لَا عَدْوَي، وَلَا طِيَرَةَ، وَلَا غُولَ»). قال الجامع عفا الله عنه: هذان الإسنادان تقدّما قريبًا، و«زُهير» هو: ابن معاوية بن حُديج، وهو أبو خيثمة في الإسناد الثاني. [تنبيه]: من لطائف هذين الإسنادين: أنهما من رباعيّات المصنّف، وهما (٤٤٤)، (٤٤٥) من رباعيّات الكتاب. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تَدْرُس المكيّ، (عَنْ جَابِرِ) بن عبد الله -﵄-، وقد صرّح أبو الزبير في رواية ابن جريجٍ الآتية بالسماع من جابر -﵁-، (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «لَا عَدْوَى) قال التوربشتيّ: -﵀-: العدوى مجاوزة العلّة صاحبها إلى غيره، يقال: أعدى فلان فلانًا من خُلُقه، أو من علّة به، وذلك على ما يذهب إليه المتطبّبة في عِلَل سبع: الجُذام، والْجَرَب، والْجُدريّ، والحصبة، والبَخَر، والرمَد، والأمراض الوبائيّة. وقد اختَلَف العلماء في التأويل، فمنهم من يقول: إن المراد منه نفي ذلك، وإبطاله على ما يدلّ عليه ظاهر الحديث، والقرائن المسوقة على العدوي، وهم الأكثرون. ومنهم من يرى أنه لم يُرد إبطالها، فقد قال -ﷺ-:«فِرّ من المجذوم فرارك من الأسد»، وقال:«لا يوردنّ ممرض على مصحّ»، وإنما أراد بذلك نفي ما كان يعتقده أصحاب الطبيعة، فإنهم كانوا يرون أن العلل المعدية مؤثّرة لا محالة، فأعلمهم بقوله هذا أن ليس الأمر على تتوهّمون، بل هو متعلّق بالمشيئة، إن شاء كان، وإن لم يشأ لم يكن، ويُشير إلى هذا المعنى قوله:«فمن أعدى الأول؟ »؛ أي: إن كنتم ترون أن السبب في ذلك العدوى لا غير، فمن أعدى الأول؟، وبيّن بقوله:«فِرّ من المجذوم»، وبقوله:«لا يوردنّ ممرض على مصحّ» أن مداناة ذلك من أسباب العلّة، فليتّقه اتّقاءه من الجدار المائل، والسفينة المعيبة. وقد ردّ الفرقة الأولى على الثانية في استدلالهم بالحديثين أن النهي فيهما إنما جاء شفقًا على مباشِر أحد الأمرين، فتصيبه علّة في نفسه، أو عاهة في بدنه، فيعتقد أن العدوى حقّ. قال: وأرى القول الثاني أَولى التأويلين؛ لِمَا فيه من التوفيق بين الأحاديث الواردة فيه، ثُمّ إن القول الأول يُفضي إلى تعطيل الأصول الطبّيّة، ولم يَرِد الشرع بتعطيلها، بل ورد بإثباتها، والعبرةِ بها على وجه لا يناقض أصول التوحيد، ولا مناقضة في القول بها على الوجه الذي ذكرناه. قال: وأما استدلالهم بالقرائن المنسوقة عليها، فإنا قد وجدنا الشارع قد يجمع في النهي بين ما هو حرام، وبين ما هو مكروه، وبين ما يُنهى عنه لمعني، وبين ما يُنهى عنه لمعان كثيرة، ويدلّ على صحة ما ذكرنا قوله -ﷺ- للمجذوم المبايع: «قد بايعنك، فارجع» في حديث الشريد بن سُويد الثقفيّ -﵁-، وقوله -ﷺ- للمجذوم الذي أخذ بيده، فوضعها معه في القصعة: «كل ثقةً بالله، وتوكّلًا عليه»، ولا سبيل إلى التوفيق بين هذين الحديثين إلا من هذا الوجه، يبيّن بالأول التوقّي من أسباب التلف، وبالثاني التوكّل على الله في متاركة الأسباب؛ ليثبت بالأول التعرّض بالأسباب، وهو سنّة، وبالثاني ترك الأسباب، وهو حاله. انتهى كلام التوربشتيّ -﵀- ، وهو بحث جيّد، إلا قوله في الأخير: «وهو حاله»، فإن حاله -ﷺ- الأخذ بالأسباب، مع التوكّل لا مجرّد التوكلّ، فليُتنبه، والله تعالى أعلم. (وَلَا طِيَرَةَ) -بكسر الطاء، وفتح الياء، آخر الحروف، وقد تسكن- هي التشاؤم بالشيء، وقال ابن الأثير: وهو مصدر تطيّر، يقال: تطيّر طِيَرةَ، وتَخَيَّر خِيَرَةً، ولم يجئ من المصادر هكذا غير هذين. انتهى . (وَلَا غُولَ»)«الغُول»بالفتح مصدرٌ، معناه البعد، والهلاك، وبالضم الاسم، وهو من السَّعَالي، وجمعه أغوال، وغِيلان، كانوا يزعمون أن الغِيلان في الفلاة، وهو من جنس الشياطين، تتراءى للناس، وتتغَوّل؛ أي: تتلوّن، فتضلّهم عن الطريق، فتُهلكهم، فأبطل ذلك، وقيل: إنما أبطل ما زعموه من تلوّنه، لا وجوده، ومعنى لا غول: أي: لا يستطيع أحد إضلال أحد. قال القاضي: والمراد بقوله -ﷺ-:«لا عدوى … إلخ» أن مصاحبة المعلول، ومؤاكلته، لا توجب حصول تلك العلة، ولا تؤثّر فيها؛ لتخلّفه عن ذلك طردًا، وعكسًا، لكنها تكون من الأسباب المقدّرة التي تعلقت المشيئة بترتب العلة عليها بالنسبة إلى بعض الأبدان إحداث الله تعالي، فعلى العاقل التحرز عنها ما أمكن، بتحرّزه عن الأطعمة الضارّة، والأشياء المخوفة. والطِّيَرة: التفاؤل بالطير، وكانوا يتفاءلون بأسمائها، وأصواتها، والهامة: الصَّدَاء، وهو طائر كبير، يضعف بصره بالنهار، ويطير بالليل، ويصوِّت فيه، ويقال له: بُوم، والناس يتشاءمون بصوته، ومن زعمات العرب أن رُوح القتيل الذي لا يُدرك ثأره تصير هامة، فتبدو، وتقول: اسقوني، فإذا أُدرك ثأره طارت. وقوله: «لا غُول» يَحْتَمِل أن المراد به نفيه رأسًا، وأن المراد نفيه على الوجه الذي يزعمونه، فإنهم يقولون: هو ضرب من الجنّ يتشخّص لمن يمشي وحده في فلاة، أو في الليلة الليلاء، ويمشي قدامه، فيظن الماشي خلفه أنه إنسان، فيتبعه، فيوقعه في الهلاك. انتهى . وقال الطيبيّ ﵀: قوله: «لا غُول» قال في «النهاية»: الْغُول: واحد الغِيلان، وهي جنس من الجنّ والشياطين، كانت العرب تزعم أن الغُول في الفلاة تترآى للناس، فيتغوّل تغوّلًا؛ أي: يتلوّن تلوّنًا في صور شتّى، ويغولهم؛ أي: يُضلّهم عن الطريق، ويُهلكهم، فنفاه النبيّ -ﷺ-، وأبطله. وقيل: قوله: «لا غُول» ليس نفيًا لِعَيْن الغُول ووجوده، وإنما فيه إبطال زعم العرب في تلوّنه بالصور المختلفة، واغتياله، فيكون المعنى بقوله: «لا غُول» إنها لا تستطيع أن تُضلّ أحدًا، ويشهد له الحديث الآخر: «لا غُول، ولكن السعالى»، والسعالى -بالسين المفتوحة، والعين المهملة- هم: سحرة الجنّ؛ أي: ولكن في الجن سحرة لهم تلبيس، وتخييلٌ، ومنه الحديث: «إذا تغوّلت الغيلان، فبادروا بالأذان» ؛ أي: ادفعوا شرّها بذكر الله تعالى، وهذا يدلّ على أنه لم يُرِد بنفيها عدمها، ومنه حديث: «كان ثمرة في سهوة، وكانت الغُول تجيء، فتأخذه» . وقال التوربشتيّ: قال الطحاويّ: يَحْتَمل أن الغُول قد كان، ثم دفعه الله تعالى عن عباده، أو عن بعضهم، وهذا ليس ببعيد؛ لأنه يَحْتَمل أنه من خصائص بعثة نبيّنا -ﷺ-، ونظيره مَنْع الشياطين من استراق السمع بالشهاب الثاقب. قال الطيبيّ: إنّ «لا» التي لنفي الجنس دخلت على المذكورات، ونفت ذواتها، وهي غير منفية، فيوجَّه النفي إلى أوصافها، وأحوالها التي هي مخالفة الشرع، فإن العدوى، وصفر، والهامة موجودة، والمنفيّ هو ما زعمت الجاهلية إثباتها، فإن نفي الذات لإرادة نفي الصفات أبلغ في باب الكناية، وقريب منه قوله تعالى: ﴿فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٢]، فنهاهم عن الموت، وهو ليس بمقدورهم، فالمنفيّ هو حالة إذا أدركهم الموت لم يجدهم عليها، وهي أن يكونوا على غير ملّة الإسلام، فالوجه هو ما ذهب إليه صاحب «النهاية»، من الوجه الثاني، واختاره التوربشتيّ. انتهى . [فائدة]: قال ابن مالك ﵀ في «شرح التسهيل»: أكثر ما يحذف الحجازيون خبر «لا» مع «إلّا»، نحو: «لا إله إلا الله»، ومِنْ حذفه دون «إلّا» نحو: «لا ضَرَر، ولا ضرار»، و«لا عدوى، ولا طِيَرَة». انتهى . مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جابر -﵁- هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٨/ ٥٧٨١ و٥٧٨٢ و٥٧٨٣] (٢٢٢٢)، و(أحمد) في «مسنده» (٣/ ٣٨٢ و٣٩٣)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٦١٢٨)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (١٧٨٩)، و(الطبريّ) في «تهذيب الآثار» (٢٦)، و(الطحاويّ) في «مشكل الآثار» (١/ ٣٤٠)، و(ابن أبي عاصم) في «السُّنَّة» (٢٨١)، و(ابن الجعد) في «مسنده» (٢٦٩٣ و٣١٨٣)، و(البغويّ) في «شرح السُّنَّة» (٣٢٥١)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٥٧٨٢] (…) - (وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ هَاشِمِ بْنِ حَيَّانَ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ -وَهُوَ التُّسْتَرِيُّ- حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «لَا عَدْوَى، وَلَا غُولَ، وَلَا صَفَرَ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ هَاشِمِ بْنِ حَيَّانَ) العَبْديّ، أبو عبد الرحمن الطُّوسيّ، سكن نيسابور، ثقةٌ صاحب حديث، من صغار [١٠] مات سنة بضع و(٢٥٠) (م) تقدم في «الإيمان» ٣/ ١١٢. ٢ - (بَهْزُ) بن أسد العَمِّيّ، أبو الأسود البصريّ، ثقة ثبت [٩] تقدم في «الإيمان» ٣/ ١١٢. ٣ - (يَزِيدُ التُّسْتَرِيُّ) هو: يزيد بن إبراهيم، نزيل البصرة، أبو سعيد، ثقةٌ ثبتٌ، ليّنوه في قتادة، من كبار [٧] (ت ١٦٣) على الصحيح (ع) تقدم في «الإيمان» ٨٤/ ٤٥٠. [تنبيه]: قوله: «التُّسْتَريّ -بضمّ المثنّاة، وسكون المهملة، وفتح المثنّاة، ثمّ راء-: نسبة إلى تُسْتَر بلدة من كور الأهواز، من خوزستان، قاله في»اللباب«. والباقيان ذُكرا قبله، والحديث من أفراد المصنّف ﵀، وقد تقدّم شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٥٧٨٣] (…) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجِ، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، أنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- يَقُولُ :«لَا عَدْوَى، وَلَا صَفَرَ، وَلَا غُولَ»، وَسَمِعْتُ أَبَا الزُّبَيْرِ يَذْكُرُ أَنَّ جَابِرًا فَسَّرَ لَهُمْ قَوْلَهُ:«وَلَا صَفَرَ»، فَقَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ: الصَّفَرُ الْبَطْنُ، فَقِيلَ لِجَابِرٍ: كَيْفَ؟ قَالَ: كَانَ يُقَالُ: دَوَابُّ الْبَطْنِ، قَالَ: وَلَمْ يُفَسِّرِ الْغُولَ، قَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ: هَذِهِ الْغُولُ الَّتِي تَغَوَّلُ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ) القيسيّ البصريّ، تقدّم قريبًا. ٢ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج، تقدّم في الباب الماضي. والباقون ذُكروا في الباب. وقوله: (وَسَمِعْتُ أَبَا الزُّبَيْرِ … إلخ) الفاعل ضمير ابن جُريج. وقوله: (فَقَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ … إلخ)؛ أي: ناقلًا تفسير جابر﵁-. وقوله: (الصَّفَرُ الْبَطْنُ)؛ أي: داء البطن، كما فسّره جابر بقوله: «دوابّ البطن». وقوله: (فَقِيلَ لِجَابِرٍ: كَيْفَ؟)، وفي رواية أحمد: «قيل لجابر: كيف هذا القول؟». وقوله: (كَانَ يُقَالُ … إلخ) «كان» هنا شأنيّة، فاسمها ضمير شأن مقدّر، وخبرها الجملة بعدها. وقوله: (دَوَابُّ الْبَطْنِ) تقدّم تفسيرها بأنها دود في البطن يهيج عند الجوع، كانت العرب تراها أعدى من الجرب. وقال أبو عبيد: سمعت يونس سأل رؤبة بن العجاج عن الصفر، فقال: هي حية تكون في البطن، تصيب الماشيةَ والناسَ، قال: وهي أعدى من الجرب عند العرب، قال أبو عبيد: فأبطل النبيّ -ﷺ- أنها تُعْدِي، قال: ويقال: إنها تشتدّ على الإنسان، وتؤذيه إذا جاع. انتهى . وقال النوويّ ﵀: قوله: «هي دواب البطن» هكذا هو في جميع نُسخ بلادنا: «دوابّ» بدال مهملة، وباء موحّدة، مشدّدة، وكذا نقله القاضي عن رواية الجمهور، قال: وفي رواية العذريّ: «ذوات» بالذال المعجمة، والتاء المثناة فوقُ، وله وجه، ولكن الصحيح المعروف هو الأول، قال القاضي: واختلفوا في قوله -ﷺ-: «لا عدوى» فقيل: هو نَهْيٌ عن أن يقال ذلك، أو يُعْتَقد، وقيل: هو خبر؛ أي: لا تقع عدوى بطبعها. انتهى . وقوله: (قَالَ: وَلَمْ يُفَسِّرِ الْغُولَ)؛ أي: قال أبو الزبير: ولم يفسّر جابر -﵁- الغول، كما فسّر قوله: «ولا صفر». وقوله: (قَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ)؛ يعني: أبا الزبير فسّر من عنده الغول، فقال: (هَذِهِ الْغُولُ الَّتِي تَغَوَّلُ) أصله تتغوّل، فحذف منه إحدى التاءين، كما في ﴿نَارًا تَلَظَّى﴾ [الليل: ١٤]، و﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ﴾ [القدر: ٤]، قال في «الخلاصة»: وَمَا بِتَاءَيْنِ ابْتُدِي قَدْ يُقْتَصَرْ … فِيهِ عَلَى تَا كَـ «تَبَيَّنُ الْعِبَرْ» ومعنى «تغوّل»: أي: تتلوّن، وتضلّ الناس، وفي رواية أحمد: «قال أبو الزبير من قبله: هذا الغول الشيطانة التي يقولون». وقال النوويّ ﵀: قوله: قال أبو الزبير: «هذه الغول التي تَغَوّل» هكذا هو في جميع نُسخ بلادنا: «قال أبو الزبير»، وكذا نقله القاضي عن الجمهور، قال: وفي رواية الطبريّ أحد رواة «صحيح مسلم»: قال أبو هريرة. قال: والصواب الأول. انتهى . والحديث من أفراد المصنّف، وقد تقدّم تخريجه قبل حديث، ولله الحمد والمنّة. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (١٩) - (بَابُ الطِّيَرَةِ، وَالْفَأْلِ، وَمَا يَكُونُ فِيهِ الشُّؤْمُ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٥٧٨٤] (٢٢٢٣) - (وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- يَقُولُ: «لَا طِيَرَةَ، وَخَيْرُهَا الْفَأْلُ»، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَا الْفَأْلُ؟ قَالَ: «الْكَلِمَةُ الصَّالِحَةُ يَسْمَعُهَا أَحَدُكُمْ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ) بن مسعود الفقيه المدنيّ، تقدّم قريبًا. والباقون ذُكروا في البابين الماضيين. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀، وأن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه عبيد الله بن عبد الله أحد الفقهاء السبعة، وفيه أبو هريرة -﵁- أحفظ من روى الحديث في دهره، روى (٥٣٧٤) حديثًا. شرح الحديث: (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ) بن مسعود الْهُذليّ المدنيّ (أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ) -﵁- (قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- يَقُولُ: «لَا طِيَرَةَ) -بكسر الطاء المهملة، وفتح التحتانية، وقد تُسَكَّن-: هي التشاؤم- بالشين، وهو مصدر تَطَيَّر، مثل تَحَيَّر حَيَرَةً، قال بعض أهل اللغة: لم يجئ من المصادر هكذا غير هاتين، وتُعُقّب بأنه سُمع: طِيَبَةٌ، وأورد بعضهم: التِّوَلَةَ، وفيه نظر. وأصل التطير أنهم كانوا في الجاهلية يعتمدون على الطير، فإذا خرج أحدهم لأمر، فإن رأى الطير طار يمنةً تيمّن به، واستمرّ، وإن رآه طار يَسْرَة، تشاءم به، ورجع، وربما كان أحدهم يُهِيج الطيرَ ليطير، فيعتمدها، فجاء الشرع بالنهي عن ذلك، وكانوا يسمّونه السانح -بمهملة، ثم نون، ثم حاء مهملة- والبارح -بموحدة، وآخره مهملة- فالسانح ما وَلّاك ميامنه، بأن يمر عن يسارك إلى يمينك، والبارح بالعكس، وكانوا يتيمّنون بالسانح، ويتشاءمون بالبارح؛ لأنه لا يمكن رميه، إلا بأن ينحرف إليه، وليس في شيء من سنوح الطير، وبُرُوحها ما يقتضي ما اعتقدوه، وإنما هو تكلُّف بتعاطي ما لا أصل له؛ إذ لا نطق للطير، ولا تمييز، فيُستدلَّ بفعله على مضمون معنى فيه، وطلب العلم من غير مظانه جَهْل من فاعله، وقد كان بعض عقلاء الجاهلية ينكر التطير، ويتمدح بتركه، قال شاعر منهم [من مجزوّ الكامل]: وَلَقَدْ غَدَوْتُ وَكُنْتُ لَا … أَغْدُو عَلَى وَاقٍ وَحَاتِمِ فَإِذَا الأشَائِمُ كَالأَيَا … مِنِ وَالأَيَامِنُ كَالأَشَائِمِ وقال آخر [من البسيط]: الزَّجْرُ وَالطَّيْرُ وَالْكُهَّانُ كُلُّهُمُ … مُضَلَّلُونَ وَدُونَ الْغَيْبِ أَقْفَالُ وقال آخر [من الطويل]: وَمَا عَاجِلَاتُ الطَّيْرِ تُدْنِي مِنَ الْفَتَى … نَجَاحًا وَلَا عَنْ رَيْثِهِنَّ قُصُورُ وقال آخر [من الطويل]: لَعَمْرُكَ مَا تَدْرِي الطَّوَارِقُ بِالْحَصَى … وَلَا زَاجِرَاتُ الطَّيْرِ مَا اللهُ صَانِعُ وقال آخر [من الوافر]: تَخَيَّرَ طَيْرَةً فِيهَا زِيَادُ … لِتُخْبِرَهُ وَمَا فِيهَا خَبِيرُ تَعَلَّمْ أَنَّهُ لَا طَيْرَ إِلَّا … عَلَى مُتَطَيِّرٍ وَهُوَ الثُّبُورُ بَلَى شَيءٌ يُوَافِقُ بَعْضَ شَيْءٍ … أَحَايِينًا وَبَاطِلُهُ كَثِيرُ وكان أكثرهم يتطيّرون، ويعتمدون على ذلك، ويصح معهم غالبًا؛ لتزيين الشيطان ذلك، وبقيت من ذلك بقايا في كثير من المسلمين. وقد أخرج ابن حبان في «صحيحه» من حديث أنس -﵁- رفعه: «لا طِيَرَةَ، والطِّيَرة على من تَطَيَّر». وأخرج عبد الرزاق، عن معمر، عن إسماعيل بن أمية، عن النبيّ -ﷺ-: «ثلاثةٌ لا يَسْلَم منهنّ أحد: الطيرة، والظنّ، والحسد، فإذا تطيّرت فلا ترجع، وإذا حسدت فلا تَبْغِ، وإذا ظننت فلا تُحَقِّق». قال الحافظ: وهذا مرسل، أو معضل، لكن له شاهدٌ، من حديث أبي هريرة -﵁-، أخرجه البيهقيّ في «الشعب»، وأخرج ابن عديّ بسند لَيِّن عن أبي هريرة -﵁-، رفعه: «إذا تطيرتم فامضوا، وعلى الله فتوكلوا»، وأخرج الطبراني عن أبي الدرداء -﵁-، رفعه: «لن ينال الدرجات العُلا من تكهّن، أو استقسم، أو رجع من سفر تطيّرًا»، قال الحافظ: ورجاله ثقات إلا أنني أظن أن فيه انقطاعًا، وله شاهد عن عِمران بن حُصين -﵄-، وأخرجه البزار في أثناء حديث بسند جيّد، وأخرج أبو داود، والترمذيّ، وصححه هو وابن حبان، عن ابن مسعود -﵁-، رفعه: «الطِّيَرَة شركٌ، وما منا إلا، ولكن الله يذهبه بالتوكل». وقوله: «وما منّا إلا» من كلام ابن مسعود -﵁-، أُدرج في الخبر، وقد بيّنه سليمان بن حرب شيخ البخاريّ، فيما حكاه الترمذيّ، عن البخاريّ عنه، وإنما جُعِل ذلك شركًا؛ لاعتقادهم أن ذلك يجلب نفعًا، أو يدفع ضرًّا، فكأنهم أشركوه مع الله تعالى. وقوله: «ولكن الله يذهبه بالتوكل» إشارة إلى أن من وقع له ذلك، فَسَلَّم لله، ولم يعبأ بالطيرة، أنه لا يؤاخَذ بما عَرَض له من ذلك. وأخرج البيهقيّ في «الشُّعَب» من حديث عبد الله بن عمرو -﵄- موقوفًا: «مَن عَرَض له من هذه الطيرة شيء، فليقل: اللهم لا طَيْرَ إلا طيرُك، ولا خير إلا خيرك، ولا إله غيرك» . (وَخَيْرُهَا)؛ أي: خير الطيرة (الْفَأْلُ») بفاء، ثمّ همزة، وقد تُسهّل، والجمع فُؤولٌ بالهمزة جزمًا. قال الطيبيّ ﵀: الضمير المؤنّث راجع إلى الطِّيَرة، وقد عُلم أن الطِّيَرة كلها لا خير فيها، فهو كقوله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا﴾ [الفرقان: ٢٤]، وهو مبنيّ على زعمهم، أو هو من باب قولهم: الصيف أحرّ من الشتاء؛ أي: الفال في بابه أبلغ من الطيرة في بابها، ومعنى الترخّص في الفأل، والمنع من الطيرة، هو أن الشخص لو رأى شيئًا، فظنه حسنًا، وحَرَّضه على طلب حاجته، فليفعل ذلك، وإن رأى ما يَعُدُّه مشئومًا، ويمنعه من المضيّ إلى حاجته، فلا يجوز قبوله، بل يَمضي لسبيله، فإذا قَبِلَ، وانتهى عن المضيّ في طلب حاجته فيه، فهو الطيَرة؛ لأنها اختصت بأن تُستعمل في الشؤم، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ﴾ [يس: ١٨]: أي تشاءمنا بكم، وقال: ﴿طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ﴾ [يس: ١٩]؛ أي: سبب شؤمكم معكم. انتهى . (قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَا الْفَأْلُ؟ قَالَ: «الْكَلِمَةُ الصَّالِحَةُ يَسْمَعُهَا أَحَدُكُمْ») مثل مَن خرج من داره لطلب حاجة، فسمع شخصًا يقول للآخر: يا نجاح، وقال الأصمعيّ: سألت ابن عون عن الفأل، فقال: هو أن يكون مريضًا، فيسمع: يا سالم. وفي حديث أنس عند البخاريّ: «ويعجبني الفأل الصالح، الكلمة الحسنة»، وفي حديث عروة بن عامر الذي أخرجه أبو داود قال: «ذُكِرت الطيرة عند رسول الله -ﷺ-، فقال: خيرها الفأل، ولا تَرُدّ مسلمًا، فإذا رأى أحدكم ما يكره، فليقل: اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت، ولا يدفع السيئات إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا بالله» . وأخرج أبو داود أيضًا من حديث بُريدة -﵁-: «أن النبيّ -ﷺ- كان لا يتطير من شيء، وكان إذا بَعَث غلامًا سأل عن اسمه، فإذا أعجبه اسمه فرح به، وإن كره اسمه رُئي كراهة ذلك في وجهه، وإذا دخل قرية سأل عن اسمها، فإن أعجبه فرح به، ورُئي بِشْر ذلك في وجهه، وإن كره اسمها رُئي كراهة ذلك في وجهه» . انتهى ، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٩/ ٥٧٨٤ و٥٧٨٥] (٢٢٢٣)، و(البخاريّ) في «الطبّ» (٥٧٥ و٥٧٥٥) وفي «الأدب المفرد» (٩١٠)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٢٦٦ و٣٨٧ و٤٥٣ - ٤٥٤)، و(الطيالسيّ) في «مسنده» (٢٥١٢)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٦١٢٥)، و(الطبريّ) في «تهذيب الآثار» (١٤ و١٥)، و(عبد الرزّاق) في «مصنّفه» (١٩٥٠٣)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٨/ ١٣٩) و«شُعَب الإيمان» (٢/ ٦٢)، و(البغويّ) في «شرح السُّنَّة» (٣٢٥٥)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): كتب في «الفتح» بحثًا نفيسًا يتعلّق بهذا الحديث، فقال عند قوله: «وخيرها الفأل»: قال الكرمانيّ تبعًا لغيره: هذه الإضافة تُشعر بأن الفأل من جملة الطيرة، وليس كذلك، بل هي إضافة توضيح، ثم قال: وأيضًا، فإن من جملة الطيرة كما تقدم تقريره: التيامن، فبيّن بهذا الحديث أنه ليس كل التيامن مردودًا؛ كالتشاؤم، بل بعض التيامن مقبول. قال الحافظ: وفي الجواب الأول دَفْعٌ في صدر السؤال، وفي الثاني تسليم السؤال، ودعوى التخصيص، وهو أقرب. وقد أخرج ابن ماجه، بسند حسن، عن أبي هريرة -﵁-، رفعه: «كان يعجبه الفأل، ويكره الطِّيَرة»، وأخرج الترمذيّ من حديث حابس التميصيّ، أنه سمع النبيّ -ﷺ- يقول: «العين حقّ، وأصدق الطيرة الفأل»، ففي هذا التصريح أن الفأل من جملة الطيرة، لكنه مستثنى. وقال الطيبيّ: الضمير المؤنث في قوله: «وخيرها» راجع إلى الطيرة، وقد عُلِم أن الطيرة كلها لا خير فيها، فهو كقوله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا﴾ [الفرقان: ٢٤] وهو مبنيّ على زعمهم، وهو من إرخاء الْعِنان في المخادعة، بأن يُجرَى الكلامُ على زعم الخصم، حتى لا يشمئزّ عن التفكر فيه، فإذا تفكّر، فأنصف من نفسه قَبِل الحقَّ، فقوله: «خيرها الفأل» إطماع للسامع في الاستماع والقبول، لا أن في الطيرة خيرًا حقيقةً، أو هو من نحو قولهم: الصيف أحرّ من الشتاء؛ أي: الفأل في بابه أبلغ من الطيرة في بابها. والحاصل: أن أفعل التفضيل في ذلك إنما هو بين القدر المشترك بين الشيئين، والقدر المشترك بين الطيرة والفأل تأثير كل منهما فيما هو فيه، والفأل في ذلك أبلغ. قال الخطابيّ : وإنما كان ذلك؛ لأن مصدر الفأل عن نُطق وبيان، فكأنه خبر جاء عن غيب، بخلاف غيره، فإنه مستند إلى حركة الطائر، أو نُطقه، وليس فيه بيان أصلًا، وإنما هو تكلفّ ممن يتعاطاه. وقد أخرج الطبريّ عن عكرمة قال: كنت عند ابن عباس -﵄-، فمرّ طائر، فصاح، فقال رجل: خير خير، فقال ابن عباس: ما عند هذا لا خير، ولا شرّ، وقال أيضًا: الفرق بين الفأل والطيرة، أن الفأل من طريق حسن الظن بالله، والطيرة لا تكون إلا في السوء، فلذلك كُرِهت. وقال النوويّ: الفال يُستعمل فيما يسوء، وفيما يسرّ، وأكثره في السرور، والطيرة لا تكون إلا في الشؤم، وقد تُستعمل مجازًا في السرور. انتهى . قال الحافظ: وكأن ذلك بحسب الواقع، وأما الشرع فخَصّ الطيرة بما يسوء، والفال بما يسرّ، ومن شَرْطه أن لا يُقْصَد إليه، فيصيرَ من الطيرة. وقال ابن بطال : جعل الله في فِطَر الناس محبة الكلمة الطيبة، والأُنس بها، كما جَعل فيهم الارتياح بالمنظر الأنيق، والماء الصافي، وإن كان لا يملكه، ولا يشربه. وأخرج الترمذيّ، وصححه من حديث أنس -﵁-: «أن النبيّ -ﷺ- كان إذا خرج لحاجته يُعجبه أن يسمع: يا نجيح، يا راشد». وأخرج أبو داود بسند حسن، عن بريدة -﵁-: «أن النبيّ -ﷺ- كان لا يتطير من شيء، وكان إذا بعث عاملًا يسأل عن اسمه، فإذا أعجبه فَرِحَ به، وإن كَرِه اسمه رُؤي كراهة ذلك في وجهه». وذكر البيهقيّ في «الشعب» عن الْحَلِيميّ ما مُلَخَّصه: كان التطير في الجاهلية في العرب إزعاج الطير عند إرادة الخروج للحاجة، فذَكَر نحو ما تقدم، ثم قال: وهكذا كانوا يتطيرون بصوت الغراب، وبمرور الظباء، فسَمَّوا الكل تطيرًا؛ لأن أصله الأول، قال: وكان التشاؤم في العجم إذا رأى الصبي ذاهبًا إلى المعلم تشاءم، أو راجعًا تيمّن، وكذا إذا رأى الجمل موقَرًا حَمْلًا تشاءم، فإن رآه واضعًا حَمْله تيمّن، ونحو ذلك، فجاء الشرع برفع ذلك كله، وقال: «من تكهن، أو ردّه عن سفر تطيُّر، فليس منّا»، ونحو ذلك من الأحاديث، وذلك إذا اعتقد أن الذي يشاهده من حال الطير موجبًا ما ظنه، ولم يضف التدبير إلى الله تعالى، فأما إن علم أن الله هو المدبّر، ولكنه أشفق من الشرّ؛ لأن التجارب قضت بأن صوتًا من أصواتها معلومًا، أو حالًا من أحوالها معلومةً يَرْدَفُها مكروه، فإن وطّن نفسه على ذلك أساء، وإن سأل الله الخير، واستعاذ به من الشرّ، ومضى متوكلًا لم يضرّه ما وجد في نفسه من ذلك، وإلا فيؤاخذ به، وربما وقع به ذلك المكروه بعينه الذي اعتقده عقوبةً له، كما كان يقع كثيرًا لأهل الجاهلية، والله أعلم. قال الحليميّ: وإنما كان -ﷺ- يعجبه الفأل؛ لأن التشاؤم سوء ظن بالله تعالى بغير سبب محقَّق، والتفاؤل حسن ظن به، والمؤمن مأمور بحسن الظن بالله تعالى على كل حال. وقال الطيبيّ: معنى الترخص في الفأل، والمنع من الطيرة، هو أن الشخص لو رأى شيئًا فظنه حسنًا مُحَرِّضًا على طلب حاجته، فليفعل ذلك، وإن رآه بضدّ ذلك فلا يقبله، بل يمضي لسبيله، فلو قَبِل، وانتهى عن المضيّ، فهو الطيرة التي اختَصَّت بأن تُستعمل في الشؤم، والله أعلم. انتهى ، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّل الكتاب قال: [٥٧٨٥] (…) - (وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَدِّي، حَدَّثَنِي عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ (ح) وحَدَّثَنِيهِ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، كِلَاهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الِإسْنَادِ، مِثْلَهُ، وَفِي حَدِيثِ عُقَيْلٍ: عَنْ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-، وَلَمْ يَقُلْ: سَمِعْتُ، وَفِي حَدِيثِ شُعَيْبٍ: قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ -ﷺ-، كَمَا قَالَ مَعْمَرٌ). رجال هذين الإسنادين: ثمانية: وكلهم تقدَّموا في الباب الماضي، وقبل ثلاثة أبواب. [تنبيه]: رواية عُقيل بن خالد عن الزهريّ ساقها الإمام أحمد -﵀- في «مسنده»، فقال: (٩٨٤٨) - حدثنا حجاج، قال: ثنا ليث، قال: حدّثني عُقيل، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن أبي هريرة، عن رسول الله -ﷺ- أنه قال: «لا طِيَرَة، وخيرها الفأل»، قيل: يا رسول الله، وما الفأل؟ قال: كلمة صالحة، يسمعها أحدكم«. انتهى . ورواية شعيب عن الزهريّ ساقها البخاريّ -﵀- في«صحيحه»، فقال: (٥٤٢٢) - حدّثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهريّ، قال: أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، أن أبا هريرة قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول:«لا طِيَرَة، وخيرها الفأل»، قالوا: وما الفأل؟ قال:«الكلمة الصالحة، يسمعها أحدكم». انتهى . وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّل الكتاب قال: [٥٧٨٦] (٢٢٢٤) - (حَدَّثَنَا هَدَّابُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ نَبِيَّ اللهِ -ﷺ- قَالَ:«لَا عَدْوَى، وَلَا طِيَرَةَ، وَيُعْجِبُنِي الْفَأْلُ، الْكَلِمَةُ الْحَسَنَةُ، الْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ»). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (هَدَّابُ بْنُ خَالِدٍ) ويقال له: هُدْبة بن خالد بن الأسود القيسيّ، أبو خالد البصريّ، ثقةٌ عابدٌ، تفرّد النسائيّ بتليينه، من صغار [٩] مات سنة بضع و(٢٣٠) (خ م د) تقدم في«الإيمان»١١/ ١٥١. ٢ - (هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى) بن دينار الْعَوْذيّ، أبو عبد الله، أو أبو بكر البصريّ، ثقةٌ [٧] (ت ٤ أو ١٦٥) (ع) تقدم في«المقدمة»٦/ ٧٠. ٣ - (قَتَادَةُ) بن دِعامة تقدّم قبل بابين. ٤ - (أَنَسُ) بن مالك -﵁- تقدّم قريبًا. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من رباعيّات المصنّف -﵀-، وهو (٤٤٦) من رباعيّات الكتاب، وفيه أنس -﵁- من المكثرين السبعة، وآخر من مات من الصحابة -﵁- في البصرة، وقد جاوز عمره مائة. شرح الحديث: (عَنْ أَنَسٍ) -﵁- (أَنَّ نَبِيَّ اللهِ -ﷺ-:«لَا عَدْوَى)؛ أي: لا يُعدي مرض بنفسه، بل بتقدير الله -﷿-، وقد تقدّم تمام شرحه قريبًا. (وَلَا طِيَرَةَ)؛ أي: لا تشاؤم بالكلمة القبيحة، ونحوها، وقد تقدّم أيضًا تمام البحث فيه. (وَيُعْجِبُنِي) بضمّ حرف المضارعة، من الإعجاب، وهو استحسان الشيء، قال الفيّوميّ -﵀-: يُستعمَل التَّعَجُّبُ على وجهين: أحدهما: ما يَحمده الفاعل، ومعناه الاستحسان، والإخبار عن رضاه به، والثاني: ما يكرهه، ومعناه الإنكار، والذمّ له، ففي الاستحسان يقال: أَعْجَبَنِي بالألف، وفي الذمّ والإنكار: عَجِبْتُ وزانُ تَعِبْت، وقال بعض النحاة: التَّعَجُّبُ: انفعال النفس؛ لزيادة وصف في المتعَجَّب منه، نحو: ما أشجعه! قال: وما ورد في القرآن من ذلك، نحو: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ [مريم: ٣٨]، فإنما هو بالنظر إلى السامع، والمعنى: لو شاهدتهم لقلت ذلك متعجبًا منهم. انتهى . (الْفَأْلُ) بالهمزة، والتخفيف: اللفظ الحسن، كيا نجيح، ويا راشد، ويا مفلح، وقوله: (الْكَلِمَةُ الْحَسَنَةُ) بدل من «الفألُ»، أو خبر لمحذوف؛ أي: هي الكلمة الحسنة، وقوله: (الْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ«) بدل مما قبله، أو عَطْف بيان، وفي الرواية التالية:»قَالَ: قِيلَ: وَمَا الْفَأْلُ؟ قَالَ: الْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ«، والله تعالى أعلم. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس -﵁- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٩/ ٥٧٨٦ و٥٧٨٧] (٢٢٢٤)، و(البخاريّ) في«الطبّ»(٥٧٥٦ و٥٧٧٦) وفي«الأدب المفرد»(١/ ٣١٥)، و(أبو داود) في«الطبّ»(٣٩١٦)، و(الترمذيّ) في«السير»(١٦١٥)، و(ابن ماجه) في«الطبّ»(٣٥٣٧)، و(أحمد) في«مسنده»(٣/ ١١٨ و١٣٠ و١٥٤ و١٧٨ و٢٥١ و٢٧٥ و٢٧٧)، و(أبو يعلى) في«مسنده»(٥/ ٢٥١ و٣٧٣ و٤٧٦)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل الى المؤلّف -﵀- أوّل الكتاب قال: [٥٧٨٧] (…) - (وَحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: أخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، سَمِعْتُ قَتَادَةَ، يُحَدِّثُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ:«لَا عَدْوَى، وَلَا طِيَرَةَ، وَيُعْجِبُنِي الْفَأْلُ»، قَالَ: قِيلَ: وَمَا الْفَأْلُ؟ قَالَ:«الْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ»). رجال هذا الإسناد: ستة: وكلهم ذُكروا في الباب، وقبل بابين. والحديث متّفق عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسألتيه قبله، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل الى المؤلّف -﵀- أوّل الكتاب قال: [٥٧٨٨]، (…) - (وَحَدَّثَنِي حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنِي مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُخْتَارٍ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَتِيقٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «لَا عَدْوَى، وَلَا طِيَرَةَ، وَأُحِبُّ الْفَأْلَ الصَّالِحَ»). قال الجامع عفا الله عنه: كان الأَولى للمصنّف -﵀- أن يقدّم حديث أبي هريرة -﵁- هذا، والذي بعده قبل حديثي أنس -﵁-؛ لِمَا لا يخفى، فليُتأمل. رجال هذا الإسناد: ستّة: ١ - (حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ) هو: حجاج بن أبي يعقوب يوسف بن حجاج الثقفيّ البغداديّ، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت ٢٥٩) (م د) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٤٠. ٢ - (مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ) الْعَمّيّ، أبو الهيثم البصريّ، أخو بهز، ثقةٌ ثبتٌ، قال أبو حاتم: لم يُخطئ إلا في حديث واحد، من كبار [١٠] (ت ٢١٨) على الصحيح (خ م قد وت س ق) تقدم في «الطهارة» ٣٤/ ٦٨٤. ٣ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُخْتَارٍ) الدبّاغ البصريّ، مولى حفصة بنت سيرين، ثقةٌ [٧] (ع) تقدم في «صلاة المسافرين وقصرها» ١٤/ ١٦٧٤. ٤ - (يَحْيَى بْنُ عَتِيقٍ) الطُّفاويّ -بضمّ الطاء المهملة، وتخفيف الفاء- البصريّ، ثقةٌ [٦]. رَوَى عن محمد بن سيرين، والحسن، ومجاهد. وروى عنه الحمادان، وعبد العزيز بن المختار، وهمام بن يحيى، وإسماعيل ابن علية، وغيرهم. قال أحمد، وابن معين، وأبو حاتم، ومحمد بن سعد، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال عثمان الدارميّ: قلت لابن معين: يحيى بن عتيق أحبّ إليك في محمد بن سيرين، أو هشام بن حسان؟ فقال: ثقة، وثقة، قال عثمان: يحيى خَيَّر، وقال حماد بن زيد، عن أيوب: لقد هَدَّني موت يحيى بن عتيق، وقال أيضًا: كان أصغر من أيوب بثمان سنين، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال: كان ورِعًا، متقنًا، مات قبل أيوب، وقال البخاريّ في «التاريخ الصغير»: لم يُدرك أنس بن سيرين، وحديثه عن حفصة بنت سيرين خطأٌ، وقال ابن سعد: كان ثقةً، وله أحاديث. أخرج له البخاريّ في التعاليق، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث. ٥ - (مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ) الأنصاريّ، تقدّم قريبًا. و«أبو هريرة -﵁-» ذُكر قبل حديثين. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في أول أحاديث الباب، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّل الكتاب قال: [٥٧٨٩] (…) - (حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ حَسَّانٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «لَا عَدْوَى، وَلَا هَامَةَ، وَلَا طِيَرَةَ، وَأُحِبُّ الْفَأْلَ الصَّالِحَ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) أبو خيثمة، تقدّم قريبًا. ٢ - (يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ) الواسطيّ، تقدّم أيضًا قريبًا. ٣ - (هِشَامُ بْنُ حَسَّانٍ) القردوسيّ، تقدّم أيضًا قريبًا. والباقيان ذُكرا قبله. والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم شرحه، وبيان مسائله قريبًا، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّل الكتاب قال: [٥٧٩٠] (٢٢٢٥) - (وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ (ح) وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ حَمْزَةَ، وَسَالِمٍ ابْنَيْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- قَالَ: «الشُّؤْمُ في الدَّارِ، وَالْمَرْأَةِ، وَالْفَرَسِ»). رجال هذين الإسنادين: سبعة: ١ - (حَمْزَةُ) بن عبد الله بن عمر بن الخطّاب، المدنيّ، شقيق سالم، ثقةٌ [٣] (ع) تقدم في «الصلاة» ٢٢/ ٩٤٥. ٢ - (سَالِمُ) بن عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشيّ العدويّ، أبو عمر، أو أبو عبد الله المدنيّ الفقيه، ثقةٌ ثبتٌ فقيه فاضلٌ، كان يشبّه بأبيه في الهدي والسمت، من كبار [٣] (ت ١٠٦) على الصحيح (ع) تقدم في «الإيمان» ١٤/ ١٦٢. ٣ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ) بن الخطاب -﵄-، تقدّم قريبًا. والباقون ذُكروا في الباب، وقبل باب. [تنبيه]: من لطائف هذين الإسنادين: أنهما من خماسيّات المصنّف -﵀-، وأنه مسلسل بالمدنيين، وشيخه يحيى، وإن كان نيسابوريًّا إلا أنه دخل المدينة للأخذ عن مالك، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيين، عن أبيهما، وفيه سالم أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال، وفيه ابن عمر -﵄- أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة. شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ (عَنْ حَمْزَةَ، وَسَالِمٍ ابْنَيْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) هكذا رواية مالك عن الزهريّ، عن حمزة، وسالم، وتابعه يونس، وابن عيينة، في رواية ابن أبي عمر عنه، وصالح بن كيسان، وخالفه ابن عيينة في رواية، وعُقيل بن خالد، وعبد الرحمن بن إسحاق، وشعيب بن أبي حمزة، كلهم عن الزهريّ، عن سالم فقط، وكلها عند مسلم. وفي رواية البخاريّ من طريق شعيب بن أبي حمزة، عن الزهريّ، قال: أخبرني سالم بن عبد الله … إلخ، فقال في «الفتحِ»: قوله: «أخبرني سالم» كذا صَرّح شعيب عن الزهريّ بإخبار سالم له، وشَذَّ ابن أبي ذئب، فأدخل بين الزهريّ وسالم: محمد بن زُبيد بن قنقذ، واقتصر شعيب على سالم، وتابعه ابن جريج، عن ابن شهاب، عند أبي عوانة، وكذا عثمان بن عمر، عن يونس، عن الزهريّ، عند البخاريّ في «الطبّ»، وكذا قال أكثر أصحاب سفيان عنه: عن الزهريّ، ونقل الترمذيّ عن ابن المدينيّ، والحميديّ أن سفيان كان يقول: لم يرو الزهريّ هذا الحديث إلا عن سالم. انتهى. وكذا قال أحمد عن سفيان: إنما نحفظه عن سالم، قال الحافظ: لكن هذا الحصر مردود، فقد حَدَّث به مالك، عن الزهريّ، عن سالم، وحمزة ابني عبد الله بن عمر، عن أبيهما، ومالك من كبار الحفاظ، ولا سيما في حديث الزهريّ، وكذا رواه ابن أبي عمر، عن سفيان نفسه، أخرجه مسلم، والترمذيّ عنه، وهو يقتضي رجوع سفيان عما سبق من الحصر. وأما الترمذيّ فجعل رواية ابن أبي عمر هذه مرجوحةً، وقد تابع مالكًا أيضًا يونس، من رواية ابن وهب عنه، عند الشيخين، وصالح بن كيسان عند مسلم، وأبو أويس عند أحمد، ويحيى بن سعيد، وابن أبي عتيق، وموسى بن عقبة، ثلاثتهم عند النسائيّ، كلهم عن الزهريّ، عنهما. ورواه إسحاق بن راشد، عن الزهريّ، فاقتصر على حمزة، أخرجه النسائيّ، وكذا أخرجه ابن خزيمة، وأبو عوانة، من طريق عُقيل، وأبو عوانة من طريق شبيب بن سعيد، كلاهما عن الزهريّ، ورواه القاسم بن مبرور، عن يونس، فاقتصر على حمزة، أخرجه النسائيّ أيضًا، وكذا أخرجه أحمد، من طريق رَبَاح بن زيد، عن معمر، مقتصرًا على حمزة، وأخرجه النسائيّ من طريق عبد الواحد، عن معمر، فاقتصر على سالم. فالظاهر أن الزهري يجمعهما تارةً، ويُفرد أحدهما أخرى، وقد رواه إسحاق في «مسنده» عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهريّ فقال: عن سالم، أو حمزة، أو كلاهما، وله أصل عن حمزة من غير رواية الزهريّ، أخرجه مسلم من طريق عتبة بن مسلم، عنه، والله أعلم. انتهى . (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) -﵄- (أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- قَالَ: «الشُّؤْمُ) بضم الشين المعجمة، وسكون الهمزة، وقد تسهّل، فتصير واوًا؛ أي: التطيّر، وهو مبتدأ خبره قوله: (فِي الدَّارِ، وَالْمَرْأَةِ، وَالْفَرَسِ»)، وفي الرواية التالية: «لا عدوى، ولا طِيَرةَ، وإنما الشؤم في ثلاثة: المرأةِ، والفرسِ، والدار». قال الفيّومي -﵀-: الشؤم: الشرّ، ورجلٌ مشؤومٌ: غير مبارك، وتشاءم القوم به مثلُ تطيّروا به. انتهى . وقال في «العمدة»: «الشؤم»: ضدّ الْيُمْن، يقال: تشاءمت بالشيء، وتيمّنت به، والواو في الشؤم همزة، ولكنها خُفِّفت، فصارت واوًا، وغلب عليها التخفيف، حتى لم يُنْطَق بها مهموزةً، وقال الجوهريّ: يقال: رجل مشوم، ومشؤوم، ويقال: ما أشأم فلانًا؟، والعامّة تقول: ما أيشمه؟ وتقول أيضًا: ميشوم، وهو من تصحيفاتهم. انتهى . قال النوويّ -﵀-: اختلف العلماء في هذا الحديث، فقال مالك، وطائفة: هو على ظاهره، وأن الدار قد يجعل الله تعالى سكناها سببًا للضرر، أو الهلاك، وكذا اتخاذ المرأة المعينة، أو الفرس، أو الخادم، قد يحصل الهلاك عنده بقضاء الله تعالى، ومعناه: قد يحصل الشؤم في هذه الثلاثة، كما صرَّح به في رواية: «إن يكن الشؤم في شيء»، وقال الخطابيّ، وكثيرون: هو في معنى الاستثناء من الطيرة؛ أي: الطيرة منهيّ عنها، إلا أن يكون له دار يَكره سكناها، أو امرأة يَكره صُحبتها، أو فرس، أو خادم، فليفارق الجميع بالبيع، ونحوه، وطلاق المرأة. وقال آخرون: شؤم الدار ضِيقها، وسوء جيرانها، وأذاهم، وشؤم المرأة عدم ولادتها، وسلاطة لسانها، وتعرضها للرِّيَبِ، وشؤم الفرس أن لا يُغْزى عليها، وقيل: حِرَانها، وغَلاء ثمنها، وشؤم الخادم سوء خُلُقه، وقلة تعهّده لِمَا فُوِّض إليه، وقيل: المراد بالشؤم هنا: عدم الموافقة. واعتَرَضَ بعض الملاحدة بحديث: «لا طِيَرَةَ» على هذا، فأجاب ابن قتيبة وغيره بأن هذا مخصوص من حديث: «لا طِيَرَة» إلا في هذه الثلاثة. قال القاضي عياض: قال بعض العلماء: إن الجامع لهذه الفصول السابقة في الأحاديث ثلاثة أقسام: أحدها: ما لم يقع الضرر به، ولا اطّردت عادة خاصّة، ولا عامّة، فهذا لا يُلتفت إليه، وأنكر الشرع الالتفات إليه، وهو الطِّيَرة، والثاني: ما يقع عنده الضرر عمومًا لا يخصه، ونادرًا، لا متكررًا؛ كالوباء، فلا يَقْدَم عليه، ولا يخرج منه، والثالث: ما يخصّ، ولا يعمّ؛ كالدار، والفرس، والمرأة، فهذا يباح الفرار منه، والله أعلم. انتهى . وقال القرطبيّ -﵀-: «الشؤم»: نقيض اليُمْن، وهو من باب الطيرة، ولذلك قال -ﷺ-: «لا طيرة، إنما الشؤم في ثلاثة: المرأة، والفرس، والدار»، وقد تخيل بعض أهل العلم: أن التطيُّر بهذه الثلاثة مستثنى من قوله: «لا طيرة»، وأنه مخصوص بها، فكأنه قال: لا طيرة إلا في هذه الثلاثة؛ فمن تشاءم بشيء منها نزل به ما كَره من ذلك، وممن صار إلى هذا القول: ابن قتيبة، وعضد هذا بما يُرْوَى عن النبيّ -ﷺ- من حديث أبي هريرة -﵁-، أنه قال: «الطيرة على من تطيَّر». وقال أبو عبد الله: إن مالكًا أخذ بحديث: «الشؤم في الدار، والمرأة، والفرس»، وحَمَله على ظاهره، ولم يتأوله، فذكر في «كتاب الجامع» من «العتبيّة» أنه قال: ربّ دار سكنها قومٌ، فهلكوا، وآخرون بعدهم، فهلكوا، وأشار إلى حَمْل الحديث على ظاهره، ويعضد هذا حديث يحيى بن سعيد، قال: جاءت امرأةٌ إلى النبيّ -ﷺ-، فقالت: يا رسول الله، دار سكنّاها، والعدد كثير، والمال وافر، فذهب العدد، وقلّ المال، فقال رسول الله -ﷺ-: «دَعُوها، ذَمِيمة» . قال القرطبيّ: ولا يُظنّ بمن قال هذا القول: أن الذي رُخّص فيه من الطيرة بهذه الأشياء الثلاثة هو على نحو ما كانت الجاهليّة تعتقد فيها، وتفعل عندها، فإنها كانت لا تُقدِم على ما تطيّرت به، ولا تفعله بوجهٍ، بناءً على أن الطيرة تضرّ قطعًا، فإن هذا ظنّ خطأ، وإنما يعني بذلك: أن هذه الأشياء أكثر ما يتشاءم الناس بها؛ لملازمتهم إياها، فمن وقع في نفسه شيء من ذلك، فقد أباح الشرع له أن يتركه، ويستبدل به غيره، مما تطيب به نفسه، ويسكن له خاطره، ولم يُلزمه الشرع أن يُقيم في موضع يكرهه، أو مع امرأة يكرهها، بل قد فَسَح له في تَرْك ذلك كلّه، لكن مع اعتقاد أن الله تعالى هو الفعّال لِمَا يُريد، وليس لشيء من هذه الأشياء أثرٌ في الوجود، وهذا على نحو ما ذكرناه في المجذوم. [فإن قيل]: فهذا يجري في كلّ مُتطيَّر به، فما وجه خصوصيّة هذه الثلاثة بالذكر؟. [فالجواب]: ما نبّهنا عليه من أن هذه ضروريّةٌ في الوجود، ولا بدّ للإنسان منها، ومن ملازمتها غالبًا، فأكثر ما يقع التشاؤم بها، فخصّها بالذكر لذلك. [فإن قيل]: فما الفرق بين الدار، وبين موضع الوباء، فإن الدار إذا تُطُيِّر بها، فقد وُسِّعَ له في الارتحال عنها، وموضع الوباء قد مُنع من الخروج منه؟. [فالجواب]: ما قاله بعض أهل العلم: إن الأمور بالنسبة إلى هذا المعنى ثلاثة أقسام: [أحدها]: ما لم يقع التأذّي به، ولا اطّردت عادة به خاصّةٌ، ولا عامّةٌ، لا نادرة، ولا متكرّرةٌ، فهذا لا يُصغَى إليه، وقد أنكر الشرع الالتفات إليه؛ كلُقِيّ غراب في بعض الأسفار، أو صُراخ بُومة في دار، ففي مثل هذا قال -ﷺ-: «لا طِيَرَة»، و«لا تطيَّرُوا»، وهذا القسم هو الذي كانت العرب تعتبره، وتعمل عليه، مع أنه ليس في لقاء الغراب، ولا دخول البومة دارًا ما يُشعر بأذًى، ولا مكروه، لا على جهة الندور، ولا التكرار. [وثانيها]: ما يقع به الضرر، ولكنه يعمّ، ولا يخصّ، ويَنْدُر، ولا يتكرّر؛ كالوباء، فهذا لا يُقْدَمُ عليه؛ عملًا بالحزم والاحتياط، ولا يفرّ منه لإمكان أن يكون قد وصل الضرر إلى الفارّ، فيكون سفره سببًا في محنته، وتعجيلًا لِهَلَكته، كما قدّمناه. [وثالثها]: سببٌ يخصّ، ولا يعمّ، ويلحق منه الضرر بطول الملازمة؛ كالدار، والفرس، والمرأة، فيباح له الاستبدال، والتوكّل على الله تعالى، والإعراض عما يقع في النفوس منها من أفضل الأعمال، وقد وضح الجواب. قال: وقد سلك العلماء في تأويل ذلك الحديث أوجهًا أُخَر: منها: أن بعضهم قال: إنما هذا منه جَمْع خَبَر عن غالب عادة ما يتشاءم به، لا أنه خَبَر عن الشرع، وهذا ليس بشيء؛ لأنَّه تعطيل لكلام الشارع عن الفوائد الشرعية التي لبيانها أرسله الله ﷾، ومنهم من تأوَّل الشؤم المذكور في هذه الثلاثة فقال: الشؤم في المسكن ضيقه، وسوء جيرانه، وفي المرأة سوء خُلُقِها، وأن لا تلد، وفي الفَرَس جماحه، وأن لا يُغزى عليه، وهذا المعنى لا يليق بالحديث، ونِسْبَته إلى أنه هو مراد الشارع من فاسد الحديث، وما ذكرناه أَولى، والله تعالى أعلم. وقوله: «إن يكن من الشؤم شيء حقًّا ففي: الفرس، والمرأة، والدار»، وفي اللفظ الآخر: «إن كان في شيء ففي الرَّبع، والخادم، والفرس» مقتضى هذا المساق أنه -ﷺ- لم يكن محقّقًا لأمر الشؤم بهذه الثلاثة في الوقت الذي نطق بهذا، لكنه تحققه بعد ذلك، لمّا قال: «إنما الشؤم في ثلاثة»، وقد بيّنّا مراده بالشؤم فيما تقدَّم، والحمد لله. والمراد بالربع: الدار، كما قال في الرواية الأخرى، وقد يصح حمله على أعم من ذلك، فيدخل فيه: الدكان، والفندق، وغيرهما مما يصلح الربعِ له، والمرأة تتناول الزوجة، والمملوكة، والخادم يتناول الذكر، والأنثى؛ لأنَّه اسم جنس. انتهى كلام القرطبيّ -﵀- . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي بيَّنه القرطبيّ -﵀-، وفصّله بيان، وتفصيلٌ حسنُ جدًّا، يجمع بين أحاديث الباب المختلفة في الباب، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عمر -﵄- هذا متّفقٌ عليه. [تنبيه]: من الغريب أن الشيخ الألباني ضعّف حديث ابن عمر -﵄- بهذا اللفظ: «الشؤم في ثلاثة»، ولفظ: «إنما الشؤم في ثلاثة»، وادّعى أنه شاذّ، وإنما المحفوظ لفظ: «إن كان الشؤم في شيء ففي …». انظر: كتابه «ضعيف سنن النسائي» ص ١٣٠، و«السلسلة الصحيحة» ٢/ ٧٢٤ - ٧٢٨ رقم ٩٩٣، واستدلّ على ذلك بإنكار عائشة -﵂- الآتي، مع أنه لا يصحّ لانقطاعه، كما سيأتي بيانه. وبالجملة فالحديث أخرجه الشيخان باللفظ المذكور، ولا سبيل إلى تضعيفه، وقد تقدّم تأويله بما لا يتعارض مع حديث: «لا عدوى»، فتبصّر بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، والله الهادي إلى سواء السبيل. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٩/ ٥٧٩٠ و٥٧٩١ و٥٧٩٢ و٥٧٩٣ و٥٧٩٤ و٥٧٩٥] (٢٢٢٥)، و(البخاريّ) في «الجهاد» (٢٩٥٨) و«النكاح» (٥٠٩٣ و٥٠٩٤) و«الطبّ» (٥٧٥٣ و٥٧٧٢) و«الأدب» (١/ ٣١٥)، و(أبو داود) في «الطبّ» (٣٩٢٢)، و(الترمذيّ) في «الأدب» (٢٨٢٤)، و(النسائيّ) في «الخيل» (٦/ ٢٢٠) و«الكبرى» (٣/ ٣٨ و٥/ ٤٠٢ و٤٠٣ و٤٠٤)، و(ابن ماجه) في «النكاح» (١٩٩٥)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ١١٥ و١٢٦ و١٣٦)، و(مالك) في «الموطأ» (١٨١٧)، و(الطيالسيّ) في «مسنده» (١/ ٢٥٠)، و(عبد الرزّاق) في «مصنّفه» (١٠/ ٤١١)، و(الحميديّ) في «مسنده» (٢/ ٢٨٠)، و(الطبرانيّ) في «الكبير» (١٢/ ٣٦٠)، و(الطحاويّ) في «شرح معاني الآثار» (٤/ ٣١٤)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (١/ ١٩٨)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٨/ ١٤٠)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): إثبات الشؤم في هذه الأشياء الثلاثة، وتقدّم تفسير ذلك، وسيجيء تمام البحث فيه في المسألة التالية -إن شاء الله تعالى-. ٢ - (ومنها): عناية الشارع بقطع عروق الشرك التي تسبِّب بإفساد عقيدة المؤمن، فلا يجوز له أن ينسب النفع والضرّ إلى غير الله -﷾-، على ما كان عليه الجاهليّة، من التشاؤم ببعض الأشياء، فينسبون الضرّ إليها، دون خالقها، وهو ظلم عظيم. ٣ - (ومنها): عنايته أيضًا بتخفيف ما عساه يأتي إلى نفس المؤمن أن هذا الشيء يأتيه منه الضرر، بناء على ما جَرَت به سُنَّة الله تعالى في خَلْقه، من التسبب بإيصال الضرّ إلى الناس بتقدير منه -﷾-، فأباح له إذا اتفق له ذلك، كما في هذه الأشياء الثلاثة المذكورة في الحديث أن يبعد عنه، ويتركه؛ سدًّا للذريعة، وقطعًا لطمع الشيطان في إيصال الوسوسة بسببه إليه، فإذا اتفق للشخص ضِيْق من امرأة، أو فرس، أو دار، بسبب عدم الملايمة، فله أن يتخلّص منها بإبعادها عنه، وقطع الصلة بينها وبينه، حتى لا يقع في الحرج، لكن بشرط أن يعلم أن الضرّ والنفع من الله وحده لا شريك له، وإنما هذه الأشياء مما جرت به العادة في التسبب بحصول الضرر. وهذا فضل من الله -﷾- على عباده حيث ييسّر لهم التخلّص ممّا يتضايقون منه، وله الحمد في الأولى والآخرة. والله تعالى أعلم. (المسألة الرابعة): في أقوال أهل العلم في معنى حديث: «إنما الشؤم في ثلاثة …» تكميلًا لِمَا سبق: قال ابن العربيّ -﵀-: الحصر فيها بالنسبة إلى العادة، لا بالنسبة إلى الخِلْقة. انتهى، وقال غيره: إنما خُصَّت بالذِّكر؛ لطول ملازمتها، وقد رواه مالك، وسفيان، وسائر الرواة بحذف «إنما»، لكن في رواية عثمان بن عمر: «لا عدوى، ولا طيرة، وإنما الشؤم في الثلاثة». قال مسلم: لم يذكر أحد في حديث ابن عمر: «لا عدوى»، إلا عثمان بن عمر، قال الحافظ: ومثله في حديث سعد بن أبي وقاص الذي أخرجه أبو داود، لكن قال فيه: «إن تكن الطيرة في شيء …» الحديث. والطيرة والشؤم بمعنى واحد، وظاهر الحديث أن الشؤم والطيرة في هذه الثلاثة، قال ابن قتيبة: ووَجْهه أن أهل الجاهلية كانوا يتطيّرون، فنهاهم النبيّ -ﷺ-، وأعلمهم أن لا طيرة، فلما أَبَوْا أن ينتهوا، بقيت الطيرة في هذه الأشياء الثلاثة، قال الحافظ: فمشى ابن قتيبة على ظاهره، ويلزم على قوله أن من تشاءم بشيء منها نزل به ما يكره. قال القرطبيّ: ولا يُظَنّ به أنه يحمله على ما كانت الجاهلية تعتقده؛ بناءً على أن ذلك يضر، وينفع بذاته، فإن ذلك خطأ، وإنما عَنَى أن هذه الأشياء هي أكثر ما يتطير به الناس، فمن وقع في نفسه شيء أبيح له أن يتركه، ويستبدل به غيره. قال الحافظ: وقد وقع في رواية عمر العسقلانيّ، وهو ابن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، عن ابن عمر، بلفظ: «ذكروا الشؤم، فقال: إن كان في شيء ففي …»، ولمسلم: «إن يك من الشؤم شيء حقٌّ …»، وفي رواية عُتبة بن مسلم: «إن كان الشؤم في شيء …»، وكذا في حديث جابر عند مسلم، وهو موافق لحديث سهل بن سعد، عند الشيخين، وهو يقتضي عدم الجزم بذلك، بخلاف رواية الزهريّ. قال ابن العربيّ: معناه: إن كان خلق الله الشؤم في شيء، مما جرى من بعض العادة، فإنما يخلقه في هذه الأشياء. وقال المازريّ: مُجمل هذه الرواية: إن يكن الشؤم حقًّا فهذه الثلاث أحقّ به؛ بمعنى: أن النفوس يقع فيها التشاؤم بهذه أكثر مما يقع بغيرها. وجاء عن عائشة -﵂- أنها أنكرت هذا الحديث، فروى أبو داود الطيالسيّ في «مسنده» عن محمد بن راشد، عن مكحول، قال: قيل لعائشة: إن أبا هريرة قال: قال رسول الله -ﷺ-: «الشؤم في ثلاثة»، فقالت: لم يحفظ، إنه دخل وهو يقول: قاتل الله اليهود، يقولون: الشؤم في ثلاثة، فسمع آخر الحديث، ولم يسمع أوله. قال الحافظ: ومكحول لم يسمع من عائشة، فهو منقطع، لكن روى أحمد، وابن خزيمة، والحاكم من طريق قتادة، عن أبي حسان: «أن رجلين من بني عامر دخلا على عائشة -﵂-، فقالا: إن أبا هريرة قال: إن رسول الله -ﷺ- قال:»الطيرة في الفرس، والمرأة، والدار«، فغضبت غضبًا شديدًا، وقالت: ما قاله، وإنما قال:»إن أهل الجاهلية كانوا يتطيرون من ذلك«. انتهى. ولا معنى لإنكار ذلك على أبي هريرة، مع موافقة من ذكرنا من الصحابة له في ذلك، وقد تأوله غيرها على أن ذلك سيق لبيان اعتقاد الناس في ذلك، لا أنه إخبار من النبيّ -ﷺ- بثبوت ذلك، وسياق الأحاديث الصحيحة المتقدم ذكرها يُبعد هذا التأويل. قال ابن العربيّ: هذا جوابٌ ساقطٌ؛ لأنه -ﷺ- لم يُبعث ليخبر الناس عن معتقداتهم الماضية، والحاصلة، وإنما بُعث ليعلمهم ما يلزمهم أن يعتقدوه. انتهى. وأما ما أخرجه الترمذيّ من حديث حكيم بن معاوية، قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «لا شؤم، وقد يكون اليُمن في المرأة، والدار، والفرس»، ففي إسناده ضعف، مع مخالفته للأحاديث الصحيحة. وقال عبد الرزاق في «مصنّفه» عن معمر: سمعت من يفسر هذا الحديث يقول: شؤم المرأة إذا كانت غير ولود، وشؤم الفرس إذا لم يُغْزَ عليه، وشؤم الدار جار السوء. وروى أبو داود في «الطبّ» عن ابن القاسم، عن مالك، أنه سئل عنه، فقال: كم من دار سكنها ناسٌ، فهلكوا، قال المازريّ: فيحمله مالك على ظاهره، والمعنى أن قَدَرَ الله ربما اتَّفَقَ ما يكره عند سكنى الدار، فتصير في ذلك كالسبب، فتَسامح في إضافة الشيء إليه، اتِّساعًا. وقال ابن العربيّ: لم يُرِدْ مالك إضافة الشؤم إلى الدار، وإنما هو عبارة عن جَرْيِ العادة فيها، فأشار إلى أنه ينبغي للمرء الخروج عنها صيانة لاعتقاده عن التعلق بالباطل، وقيل: معنى الحديث أن هذه الأشياء يطول تعذيب القلب بها مع كراهة أمرها؛ لملازمتها بالسكنى، والصحبية، ولو لم يعتقد الإنسان الشؤم فيها، فأشار الحديث إلى الأمر بفراقها؛ ليزول التعذيب. قال الحافظ: وما أشار إليه ابن العربيّ في تأويل كلام مالك أَولى، وهو نظير الأمر بالفرار من المجذوم، مع صحة نفي العدوى، والمراد بذلك حسم المادة، وسدّ الذريعة؛ لئلا يوافق شيء من ذلك القَدَر، فيعتقد من وقع له أن ذلك من العدوى، أو من الطيرة، فيقع في اعتقاد ما نُهي عن اعتقاده، فأشير إلى اجتناب مثل ذلك، والطريق فيمن وقع له ذلك في الدار مثلًا أن يبادر إلى التحول منها؛ لأنه متى استمرّ فيها ربما حمله ذلك على اعتقاد صحة الطيرة، والتشاؤم. وأما ما رواه أبو داود، وصححه الحاكم، من طريق إسحاق بن طلحة، عن أنس: «قال رجل: يا رسول الله إنا كنا في دار كثيرٍ فيها عددنا، وأموالنا، فتحوّلنا إلى أخرى، فقَلّ فيها ذلك، فقال: ذروها، ذميمة». وأخرج من حديث فَرْوة بن مُسَيك -بالمهملة، مصغرًا- ما يدلّ على أنه هو السائل، وله شاهد من حديث عبد الله بن شداد بن الهاد، أحد كبار التابعين، وله رؤية، بإسناد صحيح إليه، عند عبد الرزاق، قال ابن العربيّ: ورواه مالك عن يحيى بن سعيد منقطعًا، قال: والدار المذكورة في حديثه كانت دار مُكْمِل -بضم الميم، وسكون الكاف، وكسر الميم، بعدها لام- وهو ابن عوف، أخو عبد الرحمن بن عوف، قال: وإنما أمرهم بالخروج منها؛ لاعتقادهم أن ذلك منها، وليس كما ظنوا، لكن الخالق جلّ وعلا جعل ذلك وفقًا لظهور قضائه، وأمرهم بالخروج منها؛ لئلا يقع لهم بعد ذلك شيء، فيستمرّ اعتقادهم، قال ابن العربيّ: وأفاد وصفها بكونها ذميمة جواز ذلك، وأن ذِكرها بقبيح ما وقع فيها سائغ، من غير أن يعتقد أن ذلك كان منها، ولا يمتنع ذمّ محل المكروه، وإن كان ليس منه شرعًا، كما يُذَمّ العاصي على معصيته، وإن كان ذلك بقضاء الله تعالى. وقال الخطابيّ: هو استثناء من غير الجنس، ومعناه إبطال مذهب الجاهلية في التطير، فكأنه قال: إن كانت لأحدكم دار يكره سكناها، أو امرأة يكره صحبتها، أو فرس يكره سَيْره، فليفارقه، قال: وقيل: إن شؤم الدار ضِيْقها، وسوء جوارها، وشؤم المرأة أن لا تلد، وشؤم الفرس أن لا يُغْزَى عليه، وقيل: المعنى ما جاء بإسناد ضعيف، رواه الدمياطيّ في الخيل: «إذا كان الفرس ضروبًا، فهو مشؤوم، وإذا حَنَّت المرأة إلى بعلها الأول، فهي مشؤومة، وإذا كانت الدار بعيدة من المسجد، لا يُسمع منها الأذان، فهي مشؤومة». وقيل: كان قوله ذلك في أول الأمر، ثم نُسخ ذلك بقوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ الآية [الحديد: ٢٢]، حكاه ابن عبد البرّ، والنَّسخ لا يثبت بالاحتمال، لا سيما مع إمكان الجمع، ولا سيما وقد ورد في نفس هذا الخبر نفي التطير، ثم إثباته في الأشياء المذكورة. وقيل: يُحْمَل الشؤم على قلة الموافقة، وسوء الطباع، وهو كحديث سعد بن أبي وقاص -﵁- رفعه: «من سعادة المرء المرأة الصالحة، والمسكن الصالح، والمركب الهنيء، ومن شقاوة المرء المرأة السوء، والمسكن السوء، والمركب السوء»، أخرجه أحمد، وهذا يختص ببعض أنواع الأجناس المذكورة، دون بعض، وبه صرح ابن عبد البرّ، فقال: يكون لقوم دون قوم، وذلك كله بقدر الله تعالى. وقال المهلّب ما حاصله: إن المخاطب بقوله: «الشؤم في ثلاثة» من التزم التطير، ولم يستطع صرفه عن نفسه، فقال لهم: إنما يقع ذلك في هذه الأشياء التي تلازم في غالب الأحوال، فإذا كان كذلك، فاتركوها عنكم، ولا تعذبوا أنفسكم بها، ويدلّ على ذلك تصديره الحديث بنفي الطيرة، واستَدَلّ لذلك بما أخرجه ابن حبان، عن أنس -﵁-، رفعه: «لا طيرة، والطيرة على من تطيّر، وإن تكن في شيء، ففي المرأة …» الحديث، قال الحافظ: وفي صحته نظرٌ؛ لأنه من رواية عُتبة بن حميد، عن عبيد الله بن أبي بكر، عن أنس، وعتبة مختلف فيه. [تكميل]: اتفقت الطرق كلها على الاقتصار على الثلاثة المذكورة، ووقع عند ابن إسحاق، في رواية عبد الرزاق المذكورة، قال معمر: قالت أم سلمة: «والسيف»، قال أبو عمر: رواه جُويرية عن مالك، عن الزهريّ، عن بعض أهل أم سلمة، عن أم سلمة. قال الحافظ: أخرجه الدارقطنيّ في «غرائب مالك»، وإسناده صحيح إلى الزهريّ، ولم ينفرد به جويرية، بل تابعه سعيد بن داود، عن مالك، أخرجه الدارقطنيّ أيضًا، قال: والمبهم المذكور هو أبو عبيدة بن عبد الله بن زمعة، سمّاه عبد الرحمن بن إسحاق، عن الزهريّ في روايته، أخرجه ابن ماجه، من هذا الوجه موصولًا، فقال: عن الزهريّ، عن أبي عبيدة بن عبد الله بن زمعة، عن زينب بنت أم سلمة، عن أم سلمة، أنها حدثت بهذه الثلاثة، وزادت فيهنّ: «والسيف»، وأبو عبيدة المذكور هو ابن بنت أم سلمة، أمه زينب بنت أم سلمة، وقد روى النسائيّ حديث الباب، من طريق ابن أبي ذئب، عن الزهريّ، فأدرج فيه السيف، وخالف فيه في الإسناد أيضًا. انتهى ما في «الفتح» ، وهو بحث مفيدٌ جدًّا، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّل الكتاب قال: [٥٧٩١] (…) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ حَمْزَةَ، وَسَالِمٍ ابْنَيْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- قَالَ: «لَا عَدْوَى، وَلَا طِيَرَةَ، وَإِنَّمَا الشُّؤْمُ فِي ثَلَاَثَةٍ: الْمَرْأَةِ، وَالْفَرَسِ، وَالدَّارِ»). رجال هذا الإسناد: ثمانية: وكلّهم ذُكروا في الباب وقبله. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٥٧٩٢] (…) - (وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، وَحَمْزَةَ، ابْنَيْ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِيهِمَا، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- (ح) وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- (ح) وَحَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا يَعْقُوب بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ، وَحَمْزَةَ، ابْنَيْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- (ح) وَحَدَّثَّنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَدِّي، حَدَّثَنِي عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ (ح) وَحَدَّثَنَاهُ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَاقَ (ح) وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- فِي الشُّؤْمِ، بِمِثْلِ حَدِيثِ مَالِكٍ، لَا يَذْكُرُ أَحَدٌ مِنْهُمْ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الْعَدْوَى، وَالْطِّيَرَةَ، غَيْرُ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ). رجال هذه الأسانيد: واحد وعشرون: ١ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر العدنيّ، ثم المكيّ، تقدّم قريبًا. ٢ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير البغداديّ، تقدّم أيضًا قريبًا. ٣ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم أيضًا قريبًا. ٤ - (بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ) بن لاحق الرقاشيّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ عابدٌ [٨] (ت ٦ أو ١٨٧) (ع) تقدم في «الإيمان» ١٠/ ١٤٥. ٥ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ) بن عبد الله بن الحارث بن كنانة العامريّ القرشيّ مولاهم، ويقال: الثقفي، المدنيّ، ويقال له: عَبّاد بن إسحاق، نزل البصرة، صدوقٌ رُمي بالقدر [٦]. روى عن أبيه، وسعيد المقبريّ، وأبي الزناد، وعبد الله بن يزيد مولى المنبعث، وعبد الله بن دينار، وسهيل بن أبي صالح، وصالح بن كيسان، والزهريّ، وغيرهم. وروى عنه يزيد بن زريع، وبشر بن المفضل، وحماد بن سلمة، وخالد الواسطيّ، وإبراهيم بن طهمان، وغيرهم. قال القطان: سألت عنه بالمدينة، فلم أرهم يحمدونه، وكذا قال عليّ ابن المدينيّ، قال عليّ: وسمعت سفيان سئل عنه، فقال: كان قدريًّا، فنفاه أهل المدينة، وقال يزيد بن زريع: ما جاءنا أحفظ منه، وقال أبو بكر بن زنجويه: سمعت أحمد يقول: هو رجل صالح، أو مقبول، وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: صالح الحديث، وقال مرّةً: ليس به بأس، وقال أبو طالب عن أحمد: روى عن أبي الزناد أحاديث منكرة، وكان يحيى لا يعجبه، وهو صالح الحديث، وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: كان إسماعيل يرضاه، وقال ابن الجنيد عن ابن معين: ثقةٌ، هو أحبّ إليّ من صالح بن أبي الأخضر، وقال عثمان الدارميّ عن ابن معين: صويلح، وقال مرةً: ثقةٌ، وكذا قال الدُّوريّ عنه، وقال مرةً: صالح الحديث، وقال ابن المدينيّ: كان يرى القدر، ولم يَحمل عنه أهل المدينة، وقال يعقوب بن شيبة: صالحٌ، وقال يعقوب بن سفيان: ليس به بأس، وقال العجليّ: يُكتب حديثه، وليس بالقويّ، وقال أبو حاتم: يُكتب حديثه، ولا يُحتجّ به، وهو قريب من ابن إسحاق، صاحب «المغازي»، وهو حسن الحديث، وليس بثبت، وهو أصلح من الواسطيّ، وقال البخاريّ: ليس ممن يُعتمد على حفظه إذا خالف من ليس بدونه، وإن كان ممن يُحتمل في بعضٍ، قال: وقال إسماعيل بن إبراهيم: سألت أهل المدينة عنه، فلم يحمدوه، مع أنه لا يُعرف له بالمدينة تلميذ إلا موسى الزمعيّ، رَوَى عنه أشياء فيها اضطراب، وقال الآجريّ عن أبي داود: قدريّ، إلا أنه ثقةٌ، قال: هَرَبَ إلى البصرة لمّا طُلِب القدريّة أيام مروان، وقال النسائيّ: ليس به بأس، ولم يكن ليحيى القطان فيه رأي، وقال ابن خزيمة: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال ابن عديّ: في حديثه بعض ما ينكر، ولا يتابع عليه، والأكثر منه صحاح، وهو صالح الحديث، كما قال أحمد، وقال الدارقطنيّ: ضعيفٌ يُرْمَى بالقدر، وقال الساجيّ: صدوق يُرْمَى بالقدر، وقال ابن سعد: هو أثبت من الواسطيّ، وقال الحاكم: لا يحتجان به، ولا واحد منهما، وإنما أخرجا له في الشواهد، وقال المروزيّ عن أحمد: أما ما كتبنا من حديثه فصحيحٌ، وقال السعديّ: كان غير محمود في الحديث، وحَكَى الترمذيّ في «العلل» عن البخاري أنه وثقه. أخرج له البخاريّ في التعاليق، وفي «الأدب المفرد»، والمصنّف، والأربعة، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث. والباقون كلّهم تقدّموا في البابين الماضيين. وقوله: (كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ … إلخ)؛ يعني: أن الثلاثة، وهم: عُقيل بن خالد، وعبد الرحمن بن إسحاق، وشعيب بن أبي حمزة رووا هذا الحديث عن الزهريّ، عن سالم، عن أبي … إلخ. [تنبيه]: رواية سفيان بن عيينة عن الزهريّ، عن سالم، وحمزة ابني عبد الله بن عمر، عن أبيهما ساقها الترمذيّ ﵀ في «جامعه» بسند المصنّف، فقال: (٢٨٢٤) - حدّثنا ابن أبي عمر، حدّثنا سفيان، عن الزهريّ، عن سالم، وحمزة ابني عبد الله بن عمر، عن أبيهما، أن رسول الله -ﷺ- قال: «الشؤم في ثلاثة: في المرأة، والمسكن، والدابة». قال أبو عيسى: هذا حديث صحيح، وبعض أصحاب الزهريّ لا يذكرون فيه عن حمزة، إنما يقولون: عن سالم، عن أبيه، عن النبيّ -ﷺ-، وروى مالك بن أنس هذا الحديثُ عن الزهريّ، فقال: عن سالم، وحمزة ابني عبد الله بن عمر، عن أبيهما، وهكذا رَوَى لنا ابن أبي عمر هذا الحديث، عن سفيان بن عيينة، عن الزهريّ، عن سالم، وحمزة ابني عبد الله بن عمر، عن أبيهما، عن النبيّ -ﷺ-. انتهى . ورواية سفيان بن عيينة عن الزهريّ، عن سالم عن أبيه، ساقها النسائيّ ﵀ في «الكبرى»، فقال: (٤٤٠٩) - أنبأ قتيبة بن سعيد، ومحمد بن منصور، واللفظ له، قال: حدّثنا سفيان، عن الزهريّ، عن سالم، عن أبيه، عن النبيّ -ﷺ- قال: «الشؤم في ثلاث: المرأةِ، والفرسِ، والدارِ». انتهى . ورواية عبد الرحمن بن إسحاق، عن الزهريّ ساقها ابن ماجه ﵀ في «سننه»، فقال: (١٩٩٥) - حدّثنا يحيى بن خلف أبو سلمة، ثنا بشر بن المفضل، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن الزهريّ، عن سالم، عن أبيه: أن رسول الله -ﷺ- قال: «الشؤم في ثلاث: في الفرس، والمرأة، والدار». قال الزهريّ: فحدثني أبو عبيدة بن عبد الله بن زَمْعة، أن جدته زينب، حدثته عن أم سلمة، أنها كانت تَعُدّ هؤلاء الثلاثة، وتزيد معهنّ السيف. انتهى . ورواية شعيب بن أبي حمزة، عن الزهريّ ساقها البخاريّ ﵀ في «صحيحه» بسند المصنّف، فقال: (٢٧٠٣) - حدّثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهريّ، قال: أخبرني سالم بن عبد الله، أن عبد الله بن عمر﵄- قال: سمعت النبيّ -ﷺ- يقول: «إنما الشؤم في ثلاثة: في الفرس، والمرأة، والدارِ». انتهى . وأما روايتا صالح بن كيسان، وعُقيل بن خالد، عن الزهريّ فلم أجد من ساقهما، فليُنظر، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٥٧٩٣] (…) - (وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَكَمِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ، يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- أَنَّهُ قَالَ: «إِنْ يَكُنْ مِنَ الشُّؤْمِ شَيْءٌ حَقٌّ، فَفِي الْفَرَسِ، وَالْمَرْأَةِ، وَالدَّارِ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَكَمِ) بن أبي فَرْوَة الهاشميّ المعروف بابن الكرديّ، تقدّم قريبًا. ٢ - (عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدِ) بن عبد الله بن عمر المدنيّ، نزيل عسقلان، تقدّم أيضًا قريبًا. ٣ - (أَبُوهُ) محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطّاب المدنيّ، تقدّم أيضًا قريبًا. والباقون ذُكروا في الباب. وقوله: (إِنْ يَكُنْ) وفي نسخة: «إن يك» بحذف النون تخفيفًا، كما قال في «الخلاصة»: وَمِنْ مُضَارعٍ لِكَانَ مُنْجَزِمْ … تُحْذَفُ نُونٌ وَهْوَ حَذْفٌ مَا الْتُزِمْ وقوله: (إِنْ يَكُنْ مِنَ الشُّؤْمِ شَيْءٌ حَقٌّ … إلخ) صفة لـ «شيء»، وهو اسم «يكن» مؤخّرًا، وخبرها الجارّ والمجرور قبله. ومعنى الحديث: إن فُرِضَ وجود الشؤم يكون في هذه الثلاثة، والمقصود منه نفي صحة الشؤم، ووجوده على وجه المبالغة، فهو من قبيل قوله -ﷺ-: «لو كان شيء سابقٌ القدرَ لسبقته العين»، فلا ينافيه حينئذ عموم نفي الطيرة في قوله -ﷺ-: «لا عدوى، ولا طيرة». [فإن قلت]: فما وجه التوفيق بين هذا وبين قوله -ﷺ-: «الشؤم في ثلاثة … إلخ»؟. [قلت]: قد جمعوا بينهما بوجوه: منها: أن قوله -ﷺ-: «الشؤم في ثلاثة … إلخ» كان في أول الأمر، ثم نُسِخ ذلك بقوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ الآية [الحديد: ٢٢]، حكاه ابن عبد البرّ، والنسخ لا يثبت بالاحتمال، لا سيما مع إمكان الجمع، ولا سيما، وقد ورد في حديث ابن عمر عند البخاريّ نفي التطير، ثم إثباته في الأشياء الثلاثة، ولفظه: «لا عدوى، ولا طيرة، والشؤم في ثلاث: في المرأة، والدار، والدابة». ومنها: ما قال الخطابيّ: هو استثناء من غير الجنس، معناه: إبطال مذهب الجاهلية في التطير، فكأنه قال: إن كانت لأحدكم دار يَكره سكناها، أو امرأة يَكره صحبتها، أو فرس يكره سَيْره، فليفارقه. ومنها: أنه ليس المراد بالشؤم في قوله: «الشؤم في ثلاثة» معناه الحقيقيّ، بل المراد من شؤم الدار ضِيْقها، وسوء جوارها، ومن شؤم المرأة أن لا تَلِدَ، وأن تَحْمِل لسانها عليك، ومن شؤم الفرس أن لا يُغْزَى عليها، وقيل: حِرَانها، وغَلاء ثمنها. ويؤيد هذا الجمع ما أخرجه أحمد، وصححّه ابن حبّان، والحاكم، من حديث سعد -﵁- مرفوعًا: «مِن سعادة ابن آدم ثلاثة: المرأة الصالحة، والمسكن الصالح، والمركب الصالح، ومن شقاوة ابن آدم ثلاثة: المرأة السوء، والمسكن السوء، والمركب السوء». وفي رواية ابن حبان: «المركب الهنيء، والمسكن الواسع». انتهى . وأخرج الحاكم: عن محمد بن سعد، عن أبيه، أن رسول الله -ﷺ- قال: «ثلاث من السعادة، وثلاث من الشقاوة، فمن السعادة: المرأة تراها تُعجبك، وتَغِيب، فتأمنها على نفسها، ومالك، والدابة تكون وَطِية، فتُلحقك بأصحابك، والدار تكون واسعة، كثيرة المرافق، ومن الشقاوة: المرأة تراها فتسوءك، وتحمل لسانها عليك، وإن غِبت عنها، لم تأمنها على نفسها، ومالك، والدابة تكون قَطُوفًا، فإن ضربتها أتعبتك، وإن تركتها لم تُلحقك بأصحابك، والدار تكون ضيّقةً قليلةَ المرافق». انتهى . والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٥٧٩٤] (…) - (وَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ، وَلَمْ يَقُلْ: «حَقٌّ»). رجال هذا الإسناد: ثلاثةٌ: ١ - (هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) الحمّال البغداديّ، تقدّم قريبًا. والباقيان ذُكرا في الباب وقبله. وقوله: (وَلَمْ يَقُلْ: «حقّ») فاعل «يقل» ضمير روح بن عبادة. [تنبيه]: رواية روح بن عُبادة عن شعبة هذه لم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٥٧٩٥] (…) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، حَدَّثَنِي عُتْبَةُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- قَالَ: «إِنْ كَانَ الشُّؤْمُ فِي شَيْءٍ فَفِي الْفَرَسِ، وَالْمَسْكَنِ، وَالْمَرْأَةِ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ) هو: محمد بن إسحاق بن جعفر الصاغانيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١١] (ت ٢٧٠) (م ٤) تقدم في «الإيمان» ٤/ ١١٦. ٢ - (ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ) سعيد بن الحكم بن محمد بن سالم الْجُمَحيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ، من كبار [١٠] (ع) (٢٢٤) وله (٨٠) سنةً، تقدم في «الإيمان» ٢٢/ ١٨٨. ٣ - (سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ) التيميّ مولاهم، أبو محمد، أو أيوب المدنيّ، ثقةٌ [٨] (ت ١٧٧) (ع) تقدم في «الإيمان» ١٤/ ١٦٠. ٤ - (عُتْبَةُ بْنُ مُسْلِمٍ) التيميّ مولاهم المدنيّ، ثقةٌ [٦] (خ م د س ق) تقدم في «الحج» ٨٢/ ٣٣١٧. والباقيان ذُكرا في الباب. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٥٧٩٦] (٢٢٢٦) - (وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «إِنْ كَانَ فَفِي الْمَرْأَةِ، وَالْفَرَسِ، وَالْمَسْكَنِ»؛ يَعْنِي: الشُّؤْمَ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (أَبُو حَازِمٍ) سلمة بن دينار التمّار الأعرج المدنيّ القاصّ، ثقةٌ عابدٌ [٥] (ت ١٤٠) أو قبلها، أو بعدها (ع) تقدم في «الإيمان» ٥٠/ ٣١٣. ٢ - (سَهْلُ بْنُ سَعْدِ) بن مالك بن خالد الأنصاريّ الْخَزْرجيّ الساعديّ، أبو العبّاس الصحابيّ ابن الصحابيّ -﵄-، مات سنة (٨٨)، أو بعدها، وقد جاوز المائة (ع) تقدم في «الإيمان» ٥٠/ ٣١٣. والباقيان ذُكرا في الباب. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من رباعيّات المصنّف ﵀، وهو (٤٤٧) من رباعيّات المصنّف ﵀، وهو مسلسل بالمدنيين، وفيه سهل بن سعد، صحابيّ ابن صحابيّ -﵄-، وهو آخر من مات بالمدينة من الصحابة -﵃- على بعض الأقوال. شرح الحديث: (عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ) الساعديّ -﵄-، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «إِنْ كَانَ) هكذا هو في جميع النُّسخ عند الشيخين، وكذا في»الموطأ«، واسم»كان«مقدرٌ، كما بيّنه في آخره بـ»يعني«، تقديره: إن كان الشؤم في شيء حاصلًا (فـ) يكون (فِي الْمَرْأَةِ، وَالْفَرَسِ، وَالْمَسْكَنِ»)، وقوله: (يَعْنِي: الشُّؤْمَ) تفسير لاسم «كان» المقدّم، ولم يتبيّن المفسّر، فقوله: «إن كان ففي المرأة» إلى آخره إخبار أنه ليس فيهنّ، فإذا لم يكن في هذه الثلاثة، فلا يكون في شيء، والشؤم، والطيرة واحد، والطيرة شركٌ؛ لِمَا روى أبو داود من حديث زِرّ بن حُبيش، عن عبد الله بن مسعود -﵁-، عن رسول الله -ﷺ- قال: «الطيرة شرك، الطيرة شركٌ ثلاثًا، وما منّا إلّا، ولكن الله يذهبه بالتوكل»، وأخرجه الترمذيّ، وقال: حديث حسنٌ صحيحٌ . وقال في «الفتح»: وقد جاء في بعض الأحاديث ما لعله يفسر ذلك -يعني: حديث: «إن كان الشؤم في شيء … إلخ»- وهو ما أخرجه أحمد، وصححه ابن حبان، والحاكم، من حديث سعد -﵁- مرفوعًا: «من سعادة ابن آدم ثلاثة: المرأة الصالحة، والمسكن الصالح، والمركب الصالح، ومن شقاوة ابن آدم ثلاثة: المرأة السوء، والمسكن السوء، والمركب السوء»، وفي رواية لابن حبان: «المركب الهنيّ، والمسكن الواسع»، وفي رواية للحاكم: «وثلاثة من الشقاء: المرأة تراها، فتسوؤك، وتَحْمِل لسانها عليك، والدابة تكون قَطُوفًا، فإن ضربتها أتعبتك، وإن تركتها لم تلحق أصحابك، والدار تكون ضيّقة قليلة المرافق»، وللطبراني من حديث أسماء: «إن من شقاء المرء في الدنيا سوء الدار، والمرأة، والدابة» -وفيه-: «سوء الدار ضيق مساحتها، وخُبث جيرانها، وسوء الدابة مَنْعها ظهرها، وسوء طبعها، وسوء المرأة عُقْم رحمها، وسوء خُلُقها». انتهى . والله تعالى أعلم. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث سهل بن سعد -﵄- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٩/ ٥٧٩٦ و٥٧٩٧] (٢٢٢٦)، و(البخاريّ) في «الجهاد والسير» (٢٨٥٩) و«النكاح» (٥٠٩٥) وفي «الأدب المفرد» (١/ ٣١٦)، و(ابن ماجه) في «النكاح» (٣٠٠٣)، و(أحمد) في «مسنده» (٥/ ٣٣٥)، و(الطبريّ) في «تهذيب الآثار» (٣/ ٢٥)، و(الطبرانيّ) في «الكبير» (٦/ ١٢٢)، و(أبو نعيم) في «الحلية» (٣/ ٢٥٢)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٥٧٩٧] (…) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- بِمِثْلِهِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ) بضمّ الدال لقبٌ، واسمه عمرو بن حمّاد بن زُهير التيميّ مولاهم الأحول، أبو نُعيم الْمُلائيّ الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] (ت ٨ أو ٢١٩) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٩١. ٢ - (هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ) أبو عبّاد، أو أبو سعد المدنيّ، صدوقٌ له أوهام، ورُمي بالتشيّع، من كبار [٧] (ت ١٦٠) أو قبلها (خت م ٤) تقدم في «الإيمان» ٨٧/ ٤٦٣. والباقون ذُكروا في الباب، وقبل باب. [تنبيه]: رواية هشام بن سعد عن أبي حازم هذه لم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٥٧٩٨] (٢٢٢٧) - (وَحَدَّثَنَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللْهِ بْنُ الْحَارِثِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، أنَّهُ سَمِعَ جَابِرًا، يُخْبِرُ عَنْ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- قَالَ: «إِنْ كَانَ فِي شَيْءٍ، فَفِي الرَّبْعِ، وَالْخَادِمِ، وَالْفَرَسِ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ) تقدَّم قبل باب. ٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ الحَارِثِ) بن عبد الملك المخزوميّ، أبو محمد المكيّ، ثقةٌ [٨] (م ٤) تقدم في «الإيمان» ٢٣/ ٢٠١. والباقون تقدّموا في الباب الماضي. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وهو مسلسل بالتحديث، والإخبار، والسماع، إلا في موضع، وقد صرّح كلّ من ابن جريج، وأبي الزبير بالإخبار، فزالت تهمة التدليس عنهما، وفيه جابر﵁- من المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثًا. شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج الأمويّ مولاهم المكيّ، أنه قال: (أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تَدْرُس المكيّ (أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرًا)؛ أي: ابن عبد الله -﵄-، (يُخْبِرُ عَنْ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-) أنه (قَالَ: «إِنْ كَانَ) تقدّم أن اسم كان محذوفٌ؛ أي: الشؤم، وقد جاء مصرّحًا به عند النسائيّ في»الكبرى«، ولفظه:»إن يكُ الشؤمُ في شيء«. (فِي شَيْءٍ، فَفِي الرَّبْعِ) بفتح الراء، وسكون الموحّدة، قال المجد ﵀: الربع: الدار بعينها حيث كانت، جمعه رِباعٌ، ورُبوعٌ، وأربُعٌ، وأرباعٌ، والْمَحَلّة، والْمَنْزل. انتهى . وقال الفيّوميّ ﵀: الربع: مَحَلّةُ القوم، ومنزلهم، وقد أُطلق على القوم مجازًا، والجمع رِباع، مثلُ سهم وسِهام، وأَرباع، وأربُعٌ، ورُبوع، مثلُ فُلوس. انتهى . (وَالْخَادِمِ) يُطلق على الذكر والأنثى، يقال: خَدَمه يَخدُمُهُ، من بابي نصر، وضرب، خِدْمةً بكسر الخاء، وتُفتح، فهو خادمٌ، غُلامًا كان أو جاريةً، والخادمة بالهاء في المؤنّث قليل، والجمع خَدَمٌ، وخُدّامٌ، قاله الفيّوميّ . (وَالْفَرَسِ») قال الفيّوميّ ﵀: الفَرَسُ يقع على الذكر والأنثى، فيقال: هو الفَرَسُ، وهي الفَرَسُ، وتصغير الذكر فُرَيْسٌ، والأنثى فُرَيْسَةٌ، على القياس، وجُمِعت الفَرَسُ على غير لفظها، فقيل: خيلٌ، وعلى لفظها، فقيل: ثَلَاثَةُ أْفَراس، بالهاء للذكور، وثَلَاثُ أفْرَاسٍ بحذفها للإناث، ويقع على التُّرْكيّ، والعربيّ، قال ابن الأنباريّ: وربما بَنَوا الأنثى على الذكر، فقالوا فيها: فَرَسَةٌ، وحكاه يونس سماعًا عن العرب، والفَارِسُ: الراكب على الحافر، فرسًا كان، أو بغلًا، أو حمارًا، قاله ابن السِّكِّيت، يقال: مرّ بنا فَارِسٌ على بغل، وفَارِسٌ على حمار، وفي «التهذيب»: فَارِسٌ على الدابة بَيِّنُ الفروسية، قال الشاعر [من الطويل]: وإني امْرُؤٌ لِلْخَيْلِ عِنْدِي مَزِيَّةٌ … عَلىَ فَارِسِ البِرْذَوْنِ أَو فَارِس البَغْل وقال أبو زيد: لا أقول لصاحب البغل، والحمار: فَارِسٌ، ولكن أقول: بغّال، وحمّار، وجَمْع الفَارِسِ فُرْسَانٌ، وفَوَارِسُ، وهو شاذّ؛ لأن فواعل إنما هو جمع فاعلة، مثل ضَارِبَةٍ وضَوَارِبَ، وصَاحِبَة وصَوَاحِبَ، أو جمع فاعل صفةً لمؤنث، مثل حائِض وحَوَائِضَ، أو كان جمع ما لا يعقل، نحو جَمَل بَازِلٍ وبَوَازِلَ، وحائط وحَوَائِطَ، وأما مذكَّر من يعقل، فقالوا: لم يأتِ فيه فَوَاِعلُ، إلّا فَوَارِسُ، وَنَواكِسُ جمع ناكس الرأس، وهوالك، ونواكص، وسوابق، وخوالف، جمع خالف، وخالفة، وهو القاعد المتخلف، وقومٌ ناجعةٌ، ونواجع، وعن ابن القطان: ويُجمع الصاحب على صواحب. انتهى ، والله تعالى أعلم. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جابر﵁- هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٩/ ٥٧٩٨] (٢٢٢٧)، و(النسائيّ) في «المجتبى» (٣٥٩٧) و«الكبرى» (٤٤١٢)، و(أحمد) في «مسنده» (٣/ ٣٣٣)، و(ابن حبّان) في«صحيحه» (٩/ ٣٤١)، و(ابن جرير) في «تهذيب الآثار» (٣/ ٢٤)، والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٢٠) - (بَابُ تَحْرِيمِ الْكِهَانَةِ، وَإِتْيَانِ الْكُهَّانِ) مسألتان تتعلّقان بهذه الترجمة: (المسألة الأولى): قال في «الفتح»: إيراد «باب الكهانة» في «كتاب الطب»؛ لمناسبته لباب السحر؛ لِمَا يجمع بينهما من رجوع كل منهما للشياطين، وإيراد «باب السحر» في «كتاب الطب»؛ لمناسبته ذكر الرُّقَى وغيرها من الأدوية المعنوية، فناسب ذِكر الأدواء التي تحتاج إلى ذلك، واشتمل كتاب الطبّ على الإشارة للأدوية الحسيّة؛ كالحبة السوداء، والعسل، ثم على الأدوية المعنوية؛ كالرُّقَى بالدعاء، والقرآن، ثم ذُكِرت الأدواء التي تنفع الأدوية المعنوية في دفعها؛ كالسحر، كما ذُكرت الأدواء التي تنفع الأدوية الحسية في دفعها؛ كالجذام، والله أعلم. انتهى . (المسألة الثانية): «الكِهانة» -بفتح الكاف، ويجوز كسرها-: ادِّعاءُ علم الغيب، كالإخبار بما سيقع في الأرض، مع الاستناد إلى سبب، والأصل فيه استراق الجنيّ السمع من كلام الملائكة، فيلقيه في أذن الكاهن. والكاهن: لفظ يُطلق على العرّاف، والذي يضرب بالحصى، والمنجِّم، ويطلق على من يقوم بأمر بآخر، ويسعى في قضاء حوائجه، وقال في «المحكم»: الكاهن القاضي بالغيب، وقال في «الجامع»: العرب تسمي كل من آذن بشيء قبل وقوعه كاهنًا. وقال الخطابيّ: الكَهَنة قوم لهم أذهان حادّة، ونفوس شِرِّيرة، وطباع ناريّة، فأَلِفتهم الشياطين لِمَا بينهم من التناسب في هذه الأمور، وساعدتهم بكل ما تَصِل قدرتهم إليه، وكانت الكهانة في الجاهلية فاشيةً خصوصًا في العرب؛ لانقطاع النبوة فيهم، وهي على أصناف: منها: ما يتلقونه من الجنّ، فإن الجنّ كانوا يصعدون إلى جهة السماء، فيركب بعضهم بعضًا إلى أن يدنو الأعلى بحيث يسمع الكلام، فيلقيه إلى الذي يليه، إلى أن يتلقاه من يلقيه في أذن الكاهن، فيزيد فيه، فلما جاء الإسلام، ونزل القرآن، حُرِست السماء من الشياطين، وأُرسلت عليهم الشهب، فبقي من استراقهم ما يتخطفه الأعلى، فيلقيه إلى الأسفل قبل أن يصيبه الشهاب، وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ (١٠)﴾ [الصافات: ١٠]، وكانت إصابة الكهان قبل الإسلام كثيرةً جدًّا، كما جاء في أخبار شِقٍّ، وسَطِيح، ونحوهما، وأما في الإسلام فقد ندر ذلك جدًّا، حتى كاد يضمحلّ، ولله الحمد. ثانيها: ما يُخبر الجنيّ به من يواليه بما غاب عن غيره، مما لا يَطّلع عليه الإنسان غالبًا، أو يَطَّلع عليه مَن قَرُب منه، لا مَن بَعُد. ثالثها: ما يستند إلى ظنّ، وتخمين، وحَدْس، وهذا قد يجعل الله فيه لبعض الناس قُوَّةً، مع كثرة الكذب فيه. رابعها: ما يستند إلى التجربة، والعادة، فيستدلّ على الحادث بما وقع قبل ذلك، ومن هذا القسم الأخير ما يضاهي السحر، وقد يعتضد بعضهم في ذلك بالزجر، والطَّرْق، والنجوم، وكل ذلك مذموم شرعًا، وورد في ذمّ الكهانة ما أخرجه أصحاب «السنن»، وصححه الحاكم، من حديث أبي هريرة -﵁-، رفعه: «من أتى كاهنًا، أو عَرّافًا، فصَدَّقه بما يقول، فقد كفر بما أُنزل على محمد»، وله شاهد من حديث جابر، وعمران بن حصين -﵃-، أخرجهما البزار بسندين جيِّدين، ولفظهما: «من أتى كاهنًا …»، وأخرجه مسلم من حديث امرأة من أزواج النبيّ -ﷺ-، ومن الرواة من سمّاها حفصة، بلفظ: «من أتى عَرّافًا …»، وأخرجه أبو يعلى من حديث ابن مسعود، بسند جيِّد، لكن لم يصرح برفعه، ومثله لا يقال بالرأي، ولفظه: «من أتى عرّافًا، أو ساحرًا، أو كاهنًا …»، واتفقت ألفاظهم على الوعيد بلفظ حديث أبي هريرة، إلا حديث مسلم، فقال فيه: «لم يُقبل لهما صلاة أربعين يومًا»، ووقع عند الطبرانيّ من حديث أنس، بسند لَيِّن، مرفوعًا، بلفظ: «من أتى كاهنًا، فصدّقه بما يقول، فقد برئ مما أنزل على محمد -ﷺ-، ومن أتاه غير مصدِّق له، لم تُقبل صلاته أربعين يومًا». والأحاديث الأُوَل مع صحتها وكثرتها أَولى من هذا، والوعيد جاء تارةً بعدم قبول الصلاة، وتارة بالتكفير، فَيُحْمَل على حالين من الآتي، أشار إلى ذلك القرطبيّ. و«العَرّاف» -بفتح العين المهملة، وتشديد الراء-: من يستخرج الوقوف على المغيَّبات، بضرب من فعل، أو قول، ذَكَر هذا كلّه في «الفتح» . وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٥٧٩٩] (٥٣٧) - (حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْن الْحَكَمِ السُّلَمِيِّ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أُمُورًا كُنَّا نَصْنَعُهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، كُنَّا نَأْتِي الْكُهَّانَ، قَالَ: «فَلَا تَأَتُوا الْكُهَّانَ»، قَالَ: قُلْتُ: كُنَّا نَتَطَيَّرُ، قَالَ: «ذَاكَ شَيْءٌ يَجِدُهُ أَحَدُكُمْ فِي نَفْسِهِ، فَلَا يَصُدَّنَّكُمْ»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (مُعَاوِيَةُ بْنُ الْحَكَم السُّلَمِيُّ) الصحابيّ المدنيّ (ز م د س) تقدم في «المساجد ومواضع الصلاة» ٧/ ١٢٠٤. والباقون تقدّموا في البابين الماضيين. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀، وأن نصفه الأول مسلسلٌ بالمصريين، والثاني بالمدنيين، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه أبو سلمة أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال، وأن صحابيّه من المقلّين من الرواية، فليس له في الكتب الستّة إلا هذا الحديث عند المصنّف، وأبي داود، والنسائيّ، وحديث آخر في العُطاس في الصلاة عند أبي داود، راجع «تحفة الأشراف» . شرح الحديث: (عَنْ مُعَاوِيةَ بْنِ الْحَكَمِ) بفتحتين، (السُّلَمِيِّ) بضمّ السين المهملة، وفتح اللامِ: نسبة إلى سُليم بن منصور أحد أجداده، (قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أُمُورًا) بالنصب على الاشتغال؛ أي: نصنع أمورًا، (كُنَّا نَصْنَعُهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ) هي ما قبل ورود الشرع، سُمُّوا جاهليّةً؛ لكثرة جهالاتهم، وفُحشهم ، وقوله: (كُنَّا نَأْتِي الْكُهَّانَ) بيان لِمَا كانوا يصنعونه في الجاهليّة. و«الْكُهّان»: بضم الكاف، وتشديد الهاء: جمع كاهن، يقال: كَهَنَ له، كمنع، ونصر، وكَرُم كَهَانةً بالفتح، وتكهّن تكهّنًا: قَضَى له بالغيب، فهو كاهن، وجَمْعه كَهَنَةٌ، وكُهّانٌ، ككافر وكَفَرَة، وكُفّار، وحِرْفته الكِهانة بالكسر، أفاده في «القاموس» . وقال القرطبيّ ﵀: الكهان: جمع كاهن، ككُتّاب: جمع كاتب، والكِهانة: ادِّعاء علم الغيب، وقد تكلَّمنا على حديث معاوية بن الحكم في باب: «نسخ الكلام في الصلاة». قال القاضي أبو الفضل: الكهانة كانت في العرب على أربعة أضرب: أحدهما: أن يكون للإنسان رَئِيٌّ من الجن يخبره بما يسترق من السمع، وهذا القسم قد بَطَل منذ بعث الله محمدًا -ﷺ- كما نصَّ الله تعالى عليه في الكتاب. والثاني: أن يخبره بما يطرأ، ويكون في أقطار الأرض، وما يخفى مما قرب، أو بعد، وهذا لا يَبْعُد وجوده، ونفت هذا كله المعتزلة، وبعض المتكلمين، وأحالوه، ولا استحالة، ولا بُعد في وجود مثله، لكنهم بعدُ يكذبون، والنهي عامّ في تصديقهم، والسماع منهم. الثالث: التخمين والحزر، وهذا يخلق الله فيه لبعض الناس شدّة قوّة، لكن الكذب في هذا الباب أغلب، قال: ومن هذا الباب: العِرَافة، وصاحبها عَرَّاف، وهو الذي يستدلُّ على الأمور بأسباب، ومقدمات يدِّعي معرفتها، وقد يعتضد بعض أهل هذا الفنّ في ذلك بالزَّجْر، والطَّرْق، والنجوم، وأسباب معتادة في ذلك، وهذا الفن من العيافة -بالياء- وكلها ينطلق عليها اسم: الكهانة. قال القرطبيّ: وإذا كان كذلك فسؤالهم عن غيب لِيُخبروا عنه حرام، وما يأخذون على ذلك حرام، ولا خلاف فيه؛ لأنَّه حُلوان الكاهن المنهيّ عنه. قال أبو عمر: ويجب على من وَليَ الحسبة أن يقيمهم من الأسواق، وينكر عليهم أشدَّ النكير، ولا يَدَعُ أحدًا يأتيهم لذلك، وإن ظهر صدق بعضهم في بعض الأمور، فليس ذلك بالذي يخرجهم عن الكهانة، فإنَّ تلك الكلمة إما خَطْفة جني، أو موافقة قَدَر؛ ليغترَّ به بعض الجهال، ولقد انخدع كثير من المنتسبين للفقه والدِّين، فجاؤوا إلى هؤلاء الكهنة والعرافين، فبهرجوا عليهم بالمحال، واستخرجوا منهم الأموال، فحصلوا من أقوالهم على السَّراب، والآل ، ومن أديانهم على الفساد، والضلال. انتهى . (قَالَ) -ﷺ- مجيبًا عن سؤاله («فَلَا تَأْتُوا الْكُهَّانَ») هذا النهي للتحريم، قال النوويّ ﵀: قال العلماء: إنما نُهِيَ عن إتيان الكُهّان لأنهم قد يتكلمون في مُغَيَّبات قد يُصادف بعضها الإصابة، فيُخاف الفتنة على الإنسان بسبب ذلك، ولأنهم يُلَبِّسُون على الناس كثيرًا من أمر الشرائع. وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة بالنهي عن إتيان الكُهّان، وتصديقهم فيما يقولون، وتحريم ما يُعْطَون من الْحُلْوان، وهو حرام بإجماع المسلمين، وقد نقل الإجماع في تحريمه جماعة، منهم أبو محمد البغويّ -رحمهم الله تعالى-. قال البغويّ: اتَّفَقَ أهل العلم على تحريم حُلْوان الكاهن، وهو ما أَخذه المتكهِّن على كِهانته؛ لأن فعل الكِهانة باطل، لا يجوز أخذ الأجرة عليه، وقد تقدّم تمام البحث في هذا في «كتاب الصلاة». (قَالَ) معاوية بن الحكم -﵁- (قُلْتُ: كُنَّا نَتَطَيَّرُ)؛ أي: نتشاءم بالطيور، يقال: تطيّر من المشيء، واطّيّر منه، والاسم: الطِّيَرة، وزانُ عِنَبَة، وهي التشاؤم، وتقدّم البحث في هذا قريبًا. (قَالَ) -ﷺ- («ذَاكَ) إشارة إلى التطيّر المفهوم من»نتطيّر«، (شَيْءٌ يَجِدُهُ أَحَدُكُمْ فِي نَفْسِهِ)؛ أي: ليس له أصلٌ يُستنَد إليه، ولا له بُرهان يُعتمَد عليه، ولا هو في كتاب منزل من عند الله تعالى، وقيل: معناه: أنه معفُوّ عنه؛ لأنه يوجد في النفس بلا اختيار، نَعَم المشي على وفقه منهيّ عنه، فلذا قال: (فَلَا يَصُدَّنَّكُمْ»)؛ أي: لا يمنعنّكم عما أنتم فيه. وقال النوويّ ﵀: معناه: أن كراهة ذلك تقع في نفوسكم في العادة، ولكن لا تلتفتوا إليه، ولا ترجعوا عما كنتم عزمتم عليه قبل هذا، وقد صحّ عن عروة بن عامر الصحابيّ -﵁- قال: ذُكِرت الطِّيَرَة عند رسول الله -ﷺ-، فقال: «أحْسَنُها الفأل، ولا تَرُدُّ مسلمًا، فإذا رأى أحدكم ما يَكره، فليقل: اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت، ولا يدفع السيئات إلا أنت، ولا حول، ولا قوة إلا بك»، رواه أبو داود بإسناد صحيح. انتهى . والحديث من أفراد المصنّف ﵀، وقد تقدّم تمام شرحه، وبيان مسائله في «كتاب المساجد ومواضع الصلاة» [٧/ ١٢٠٤] (٥٣٧) فراجعه تستفد علمًا جمّا، وبالله تعالى التوفيق. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٥٨٠٠] (…) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنِي حُجَيْنٌ -يَعْنِي: ابْنَ الْمُثَنَّى- حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ (ح) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ بْنُ سَوَّارٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ (ح) وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عِيسَى، أًخْبَرَنَا مَالِكٌ، كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَ مَعْنَى حَدِيثِ يُونُسَ، غَيْرَ أَنَّ مَالِكًا فِي حَدِيثِهِ ذَكَرَ الطِّيَرَةَ، وَلَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ الْكُهَّانِ). رجال هذه الأسانيد: أربعة عشر: ١ - (حُجَيْنُ بْنُ الْمُثَنَّى) اليماميّ، أبو عُمير، سكن بغداد، وولي قضاء خراسان، ثقةٌ [٩] (ت ٢٠٥) (خ م د ت س) تقدم في «الإيمان» ٨١/ ٤٣٧. ٢ - (شَبَابَةُ بْنُ سَوَّارٍ) الفزاريّ مولاهم، المدائنيّ، خراسانيّ الأصل، يقال: اسمه مروان، ثقةٌ حافظٌ، رُمي بالإرجاء [٩] (ت ٤ أو ٥ أو ٢٠٦) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٤٠. ٣ - (ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ) هو: محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب القرشيّ العامريّ، أبو الحارث المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ فاضلٌ [٧] (ت ٨ أو ١٥٩) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٩٣. ٤ - (إسْحَاقُ بْنُ عِيسَى) بن نَجِيح، أبو يعقوب ابن الطبّاع البغداديّ، سكن أَذَنة، صدوق [٩] (ت ٢١٤) أو بعدها بسنة (م ت س ق) تقدم في «الكسوف» ٣/ ٢١١٠. والباقون تقدّموا في الأبواب الثلاثة الماضية. وقوله: (كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ … إلخ)؛ يعني: أن هؤلاء الأربعة: عقيلٌ، ومعمر، وابن أبي ذئب، ومالك رووا هذا الحديث عن الزهريّ بسنده السابق؛ أي: عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن معاوية بن الحكَم السُّلميّ ﵀. [تنبيه]: رواية عُقيل عن الزهريّ هذه ساقها أحمد ﵀ في «مسنده»، فقال: (١٥٧٠١) - حدّثنا حجّاج، ثنا ليثٌ، عن عُقيل، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، عن معاوية بن الحكَم السُّلَميّ، أنه قال لرسول الله -ﷺ-: أرأيت أشياء كنا نفعلها في الجاهلية؟، كنا نتطير، قال رسول الله -ﷺ-: «ذلك شيء تجده في نفسك، فلا يصدنك»، قال: يا رسول الله كنا نأتي الكهان، قال: «فلا تأت الكهان». انتهى . ورواية معمر، عن الزهريّ ساقها عبد الرزّاق في «مصنّفه»، فقال: (١٩٥٠٠) - أخبرنا عبد الرزاق ، عن معمر، عن الزهريّ، عن أبي سلمة، عن معاوية بن الحكم، أن أصحاب النبيّ -ﷺ- قالوا: يا رسول الله منّا رجال يتطيرون، قال: «ذاك شيء تجدونه في أنفسكم، فلا يصدنكم»، قال: ومنا رجال يأتون الكهان، قال: «فلا تأتوا كاهنًا». انتهى . ورواية ابن أبي ذئب عن الزهريّ، ساقها أحمد ﵀ في «مسنده»، فقال: (٢٣٨١٤) - حدّثنا هاشم، عن ابن أبي ذئب، عن الزهريّ، عن أبي سلمة، عن معاوية بن الْحَكَم السُّلَميّ، قال: قلت: يا رسول الله أشياءُ كنا نصنعها في الجاهلية، كنا نأتي الكهان، فقال النبيّ -ﷺ-: «لا تأتوا الكهان»، قال: وكنا نتطيّر، قال: «ذاك شيء يجده أحدكم في نفسه، فلا يصدنّكم». انتهى . ورواية مالك عن الزهريّ ساقها أبو بكر الإسماعيليّ ﵀ في «معجم شيوخه»، فقال: (٨٤) - أبو عبد الله محمد بن الحسن بن محمد بن الحارث الأنباريّ بها يُعرف بالقرنجليّ، حدّثنا محمد بن الحسن الأنباريّ، حدّثنا إسحاق بن بهلول، حدّثنا إسحاق بن الطبّاع، عن مالك بن أنس، عن الزهريّ، عن أبي سلمة، عن معاوية بن الْحَكَم، أنه سأل النبيّ -ﷺ- عن الطيرة، قال: «ذلك شيء يجده أحدكم في نفسه، فلا يصدنكم». انتهى . وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٥٨٠١] (…) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، قَالَا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ -وَهُوَ ابْنُ عُلَيَّةَ- عَنْ حَجَّاجٍ الصَّوَّافِ (ح) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ، كِلَاهُمَا عَنْ يَحْيَىَ بْنِ أَبِيِ كَثِيرٍ، عَنْ هِلَالِ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ مُعَاوَيَةَ بْنِ الْحَكَمِ السُّلَمِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- بِمَعْنَى حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ مُعَاوَيةَ، وَزَادَ فِي حَدِيثِ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، قَالَ: قُلْتُ: وَمِنَّا رِجَالٌ يَخُطُّونَ، قَالَ: «كَانَ نَبِيٌّ مِنَ الأنْبِيَاءِ يَخُطُّ، فَمَنْ وَافَقَ خَطُّهُ فَذَاكَ»). قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدّم هذان الإسنادان في «كتاب المساجد ومواضح الصلاة» برقم [٧/ ١٢٠٤] (٥٣٧) وأورد الحديث هناك مطوّلًا، وقد استوفيت شرحه، ومسائله هناك، ولله الحمد والمنّة. وقوله: (كِلَاهُمَا عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ) الضمير يرجع إلى حجّاج الصوّاف، والأوزاعيّ؛ يعني: أنهما رويا هذا الحديث عن يحيى بن أبي كثير، عَنْ هِلَالِ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ السُّلَمِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- بِمَعْنَى حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ مُعَاوِيةَ، المذكور قبله. وقوله: (وَزَادَ فِي حَدِيثِ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ) فاعل «زاد» ضمير يعود إلى الراوي المفهوم من المقام، وهو حجّاج، والأوزاعيّ، فتنبّه. وقوله: (وَمِنَّا رِجَالٌ يَخُطُّونَ)؛ أي: يستعملون خطًّا معروفًا عندهم يدّعون به التوصّل إلى معرفة النجاح والخيبة في قضاء الحاجة. وقال في «النهاية»: قال ابن عباس -﵄-: «الخط»: هو الذي يَخُطُّه الحازي، وهو عِلْم قد تركه الناس، يأتي صاحب الحاجة إلى الحازي، فيُعطيه حُلْوانًا، فيقول له: اقعُد حتى أَخُطّ لك، وبين يدي الحازي غلام له، معه مِيلٌ له، ثم يأتي إلى أرض رِخْوَة، فيخط الأستاذ خطوطًا كثيرة بالعجلة؛ لئلا يلحقها العدد، ثم يرجع فيمحو منها على مَهَلٍ خطين خطين، فإن بقي من الخطوط خطان، فهما علامة قضاء الحاجة والنُّجْح، قال: والحازي يمحو، وغلامه يقول للتفاؤل: ابْنَيِ عِيَان أَسْرِعَا البيان، قال ابن عباس: فإذا محا الحازي الخطوط، فبقي منها خط واحد، فهي علامة الخيبة في قضاء الحاجة. قال: وكانت العرب تُسَمِّي ذلك الخط الذي يبقى من خطوط الحازي الأَسْحَم، وكان هذا الخط عندهم مشؤومًا ، وتقدّم تمام البحث في هذا في «كتاب المساجد ومواضع الصلاة»، فراجعه تستفد. وقوله: (كَانَ نَبِيٌّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ) قيل: المراد به إدريس، وقيل: دانيال. (يَخُطُّ) بالبناء للفاعل، من باب نصر؛ أي: يستعمل الخطّ معجزةً له. وقوله: (فَمَنْ وَافَقَ خَطَّهُ) يَحْتمل الرفع على الفاعليّة، والمفعول محذوفٌ، والنصب على المفعوليّة، والفاعل الضمير المستتر في «وافق» يعود إلى النبيّ على حذف مضاف؛ أي: خطّ ذلك النبيّ؛ يعني: أن من وافق من الناس خطُّهُ خطّ ذلك النبيّ (فَذَاكَ) خبر مبتدأ محذوف، واختُلف في تقديره، فقيل: فذاك مباحٌ، وقيل: فذاك الذي تجدون إصابته فيما يقول، والجملة جواب الشرط. وقال في «المنهل»: قوله: «فذاك»؛ أي: فهو مُصيبٌ، وعالمٌ مثل ذلك النبيّ، ولكن لا طريق لنا إلى العلم اليقينيّ بالموافقة، وامتَنَعت الموافقة؛ لأن خطّه كان معجزةً، ولأنه كان يَعرِف بالفراسة بواسطة تلك الخطوط، فلا يُلْحَق به أحدٌ من غير الأنبياء في صفة ذلك الخطّ؛ لقوّة فراسته، وكمال علمه
مصادر المؤلف (١٠٦)

١. «الفتح» ١٣/ ١٤٠ - ١٤١، كتاب «الطبّ» رقم (٥٧٢٩).

٢. «النهاية في غريب الأثر» ٣/ ١٩٢.

٣. راجع: «الكاشف» ٩/ ٢٩٧٨ - ٢٩٧٩.

٤. «النهاية في غريب الأثر» ٣/ ٣٥.

٥. «الفتح» ١٣/ ١١٦ - ١١٧، كتاب «الطبّ» رقم (٥٧١٧).

٦. «شرح مسلم» ١٤/ ٢١٦.

٧. «النهاية في غريب الأثر» ٥/ ٢٨٢.

٨. «الفتح، ١٣/ ٢٣٠ - ٢٣١، كتاب»الطبّ«رقم (٥٧٧٠).

٩. «تنبيه المعلم»ص ٣٧٩.

١٠. راجع:«المصباح المنير»٢/ ٤٠٠.

١١. راجع:«المصباح المنير»١/ ٩٥.

١٢. «عمدة القاري» ٢١/ ٢٨٨.

١٣. «شرح مسلم» ١٤/ ٢١٧.

١٤. «الكاشف عن حقائق السُّنن» ٩/ ٢٩٨٠.

١٥. «المفهم» ٥/ ٦٢٠ - ٦٢١.

١٦. «المفهم» ٥/ ٦٢٢.

١٧. «شرح مسلم»١٤/ ٢١٣ - ٢١٤.

١٨. «الفتح» ١٣/ ٩٧ - ١٠٢، كتاب «الطبّ» رقم (٥٧٠٧).

١٩. «صحيح البخاريّ» ٥/ ٢١٦١.

٢٠. وقال في «الفتح» ١٠/ ٢٤٤: سنان بن أبي سنان مدنيّ ثقة، واسم أبيه يزيد بن أبي أمية، وليس له في البخاريّ عن أبي هريرة سوى هذا الحديث الواحد، وله آخر عن جابر، قَرَنه في كل منهما بأبي سلمة بن عبد الرحمن. انتهى.

٢١. الرقم مكرّر.

٢٢. «مسند الإمام أحمد بن حنبل» ٣/ ٤٤٩.

٢٣. وفي نسخة: «كلتيهما».

٢٤. «لسان العرب» ١٥/ ٣٩.

٢٥. «النهاية في غريب الأثر» ٤/ ٣١٩.

٢٦. «المفهم» ٥/ ٦٢٤.

٢٧. «شرح النوويّ» ١٤/ ٢١٧.

٢٨. «نيل الأوطار» ٧/ ٣٧٧.

٢٩. «الفتح» ١٣/ ٢٣٢ - ٢٣٤، كتاب «الطبّ» رقم (٥٧٧٠).

٣٠. «شرح النوويّ»١٤/ ٢١٧.

٣١. «القاموس المحيط» ص ٥١٤.

٣٢. «تاج العروس» ١/ ٣٢٣٥.

٣٣. «المفهم» ٥/ ٦٢٤ - ٦٢٦.

٣٤. «الفتح» ١٣/ ٢٣٢ - ٢٣٤، كتاب «الطبّ» رقم (٥٧٧٠).

٣٥. «الفتح» ١٣/ ٢٣٢ - ٢٣٤، كتاب «الطبّ» رقم (٥٧٧٠).

٣٦. «صحيح البخاريّ» ٥/ ٢١٧٧.

٣٧. «عون المعبود» ١٠/ ٢٩٢.

٣٨. «شرح النوويّ» ١٤/ ٢١٦.

٣٩. أي: الذهاب.

٤٠. «تاج العروس» ١/ ٢٤٥.

٤١. «لسان العرب»١/ ١٧٤.

٤٢. رواه البخاريّ.

٤٣. متّفقٌ عليه.

٤٤. «الكاشف عن حقائق السُّنن» ٩/ ٢٩٧٨ - ٢٩٧٩.

٤٥. «عمدة القاري» ٢١/ ٢٧٣.

٤٦. «فيض القدير» ٦/ ٤٣٤.

٤٧. حديث ضعيف، راجع: «الضعيفة» للشيخ الألبانيّ ﵀ ٣/ ٢٧٧.

٤٨. رواه أحمد، وابن أبي شيبة، والطبراني، وفي سنده محمد عبد الرحمن بن أبي ليلى، متكلّم فيه.

٤٩. «الكاشف عن حقائق السُّنن» ٩/ ٢٩٨١.

٥٠. «فيض القدير» ٦/ ٤٣٤.

٥١. «اللباب في تهذيب الأنساب» ١/ ٢١٦.

٥٢. وفي نسخة: «يذكر».

٥٣. «لسان العرب» ٤/ ٤٦٣.

٥٤. «شرح النوويّ» ١٤/ ٢١٨.

٥٥. «شرح النوويّ» ١٤/ ٢١٨.

٥٦. «الفتح» ١٣/ ١٨٣ - ١٨٥، كتاب «الطبّ» رقم (٥٧٥٤).

٥٧. «الكاشف عن حقائق السُّنن»٩/ ٢٩٧٨.

٥٨. ضعيف أخرجه أبو داود (٣٩١٩) وفي سنده حبيب بن أبي ثابت مدلّس، وقد عنعنه، فتنبّه.

٥٩. حديث صحيح، أخرجه أبو داود (٣٩٢٠).

٦٠. «عمدة القاري» ٢١/ ٢٧٤.

٦١. «شرح صحيح البخاريّ» للكرمانيّ ٢١/ ٣٢.

٦٢. «الأعلام» ٣/ ٢١٣٦.

٦٣. «شرح النوويّ» ١٤/ ٢١٨.

٦٤. «شرح صحيح البخاريّ» لابن بطّال ٩/ ٤٣٧.

٦٥. «الفتح» ١٣/ ١٨٦ - ١٨٨، كتاب «الطبّ» رقم (٥٧٥٥).

٦٦. «مسند الإمام أحمد بن حنبل»٢/ ٤٥٣.

٦٧. «صحيح البخاريّ»٥/ ٢١٧١.

٦٨. «المصباح المنير» ٢/ ٣٩٣.

٦٩. وفي نسخة: «ابن المختار».

٧٠. «الفتح» ٧/ ١٢٩ - ١٣٠، كتاب، «الجهاد» رقم (٢٨٥٨).

٧١. «المصباح المنير» ١/ ٣٢٨.

٧٢. «عمدة القاري» ١٤/ ١٤٩.

٧٣. «إكمال المعلم» ٧/ ١٤٨ - ١٤٩.

٧٤. رواه البيهقيّ ٨/ ١٤٠ وحسّنه الشيخ الألبانيّ -﵀- بلفظ: «ذروها ذميمة».

٧٥. «المفهم» ٥/ ٦٢٩ - ٦٣١.

٧٦. «الفتح» ٧/ ١٣٠ - ١٣٣، كتاب «الجهاد» رقم (٢٨٥٨).

٧٧. «جامع الترمذيّ» ٥/ ١٢٦.

٧٨. «السُّنن الكبرى» للنسائيّ ﵀ ٣/ ٣٨.

٧٩. «سنن ابن ماجه» ١/ ٦٤٢.

٨٠. «صحيح البخاريّ» ٣/ ١٠٤٩.

٨١. وفي نسخة: «إن يك».

٨٢. «تحفة الأحوذيّ» ٨/ ٩١ - ٩٢.

٨٣. «المستدرك على الصحيحين» ٢/ ١٧٥، وهو حديث حسنٌ.

٨٤. «عمدة القاري» ١٤/ ١٥١.

٨٥. «الفتح» ١١/ ٣٦٩، كتاب «النكاح» رقم (٥٠٩٥).

٨٦. «القاموس المحيط» ص ٤٨٥.

٨٧. «المصباح المنير» ١/ ٢١٦.

٨٨. «المصباح المنير» ١/ ١٦٥.

٨٩. «المصباح المنير» ٢/ ٤٦٧.

٩٠. «الفتح» ١٣/ ١٩٧، كتاب «الطبّ» رقم (٥٧٦٢).

٩١. «الفتح» ١٣/ ١٩٠ - ١٩١، كتاب «الطبّ» رقم (٥٧٦٢).

٩٢. هذا مضى، وهو مكرّر.

٩٣. «تحفة الأشراف» ٨/ ٤٢٦ - ٤٢٧.

٩٤. «شرح النوويّ» ٥/ ٢٢.

٩٥. «القاموس المحيط» ٤/ ٢٦٤.

٩٦. الآل: السّرَابُ.

٩٧. «المفهم»٥/ ٦٣٢ - ٦٣٣.

٩٨. «شرح النوويّ» ١٤/ ٢٢٣.

٩٩. «مسند الإمام أحمد بن حنبل» ٣/ ٤٤٣.

١٠٠. قائل أخبرنا: تلميذ عبد الرزّاق، فتنبّه.

١٠١. «مصنف عبد الرزاق» ١٠/ ٤٠٢.

١٠٢. «مسند الإمام أحمد بن حنبل» ٥/ ٤٤٧.

١٠٣. هكذا نُسخة الكتاب، ويقدّر قبله لفظ: حدّثنا، فتنبّه.

١٠٤. «معجم شيوخ أبي بكر الإسماعيليّ» ١/ ٤٢٣.

١٠٥. وفي نسخة: «عن الحجّاج».

١٠٦. «النهاية» ٢/ ٤٧.