HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٢٢٨

وحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ يَحْيَي بْنِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ. قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ الْكُهَّانَ كَانُوا يُحَدِّثُونَنَا بِالشَّيْءِ فَنَجِدُهُ حَقًّا. قَالَ «تِلْكَ الْكَلِمَةُ الْحَقُّ. يَخْطَفُهَا الْجِنِّيُّ فَيَقْذِفُهَا فِي أُذُنِ وليه. ويزيد فيها مائة كذبة».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج7 ص36
ج ٤ ص ١٧٥٠

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في مصدرين صحيح البخاري, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣٦ ص٤٢٩
وورعه. انتهى ، وقد تقدّم تمام البحث في هذا بالرقم المتقدّم، ولله الحمد والمنّة. [٥٨٠٢] (٢٢٢٨) - (وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ يَحْيَىَ بْنِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ الْكُهَّانَ كَانُوا يُحَدِّثُونَنَا بِالشَّيْءِ، فَنَجِدُهُ حَقًّا، قَالَ: «تِلْكَ الْكَلِمَةُ الْحَقُّ يَخْطَفُهَا الْجِنِّيُّ، فَيَقْذِفُهَا فِي أُذُنِ وَلِيِّهِ، وَيَزِيدُ فِيهَا مِائَةَ كَذْبَةٍ»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (يَحْيَى بْنُ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ) بن العوّام الأسديّ، أبو عروة المدنيّ، ثقةٌ [٦]. رَوَى عن أبيه، وعنه ابنه محمد، وأخوه هشام، والزهريّ، ومحمد بن عقبة، ومحمد بن عمرو بن علقمة، وابن عجلان، وأيوب السختيانيّ، وغيرهم. قال ابن سعد في الطبقة الرابعة: أمه أم يحيى بنت الحكم بن أبي العاص، وكان قليل الحديث، قال مصعب الزبيريّ: كان يقول: أنا أكرم العرب، اختَلَفت العرب في عمي وخالي؛ يعني: مروان بن الحكم، وابن الزبير، وقال أبو حاتم: يقال: كان أعلم من أخيه هشام بن عروة، وقال النسائيّ: ثقةٌ، وقال الزبير: كان من أشراف بني عروة، وذكره ابن حبان في «الثقات». أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث، وأعاده بعده. ٢ - (أَبُوهُ) عروة بن الزبير، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٣ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين -﵂-، تقدّمت أيضًا قبل ثلاثة أبواب. والباقون ذُكروا في الباب. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سباعيّات المصنّف - ﵀ -، وأنه مسلسل بالمدنيين من الزهريّ، وروايته عن يحيى من رواية الأكابر عن الأصاغر، وفيه عروة أحد الفقهاء السبعة، وفيه رواية الراوي عن أبيه عن خالته، وفيه عائشة - ﵂ - من المكثرين السبعة. شرح الحديث: (عَنْ يَحْيَى بْنِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ) قال في «الفتح»: كأنّ هذا مما فات الزهريّ سماعه من عروة، فحَمَله عن ولده عنه، مع كثرة ما عند الزهريّ عن عروة، وقد وصفه الزهريّ بسعة العلم، ووقع في رواية مَعْقِل بن عبيد الله التالية عن الزهريّ، أخبرني يحيى بن عروة، أنه سمع عروة، وكذا هو عند البخاريّ في «التوحيد» من طريق يونس، وفي «الأدب» من طريق ابن جريج، كلاهما عن ابن شهاب، قال الحافظ: ولم أقف ليحيى بن عروة في البخاريّ إلا على هذا الحديث. قال الجامع: قد أسلفت آنفًا أنه ليس له عند مسلم إلا هذا الحديث، وأعاده بعده، فتنبّه. قال: وقد رَوَى بعضَ هذا الحديث محمدُ بنُ عبد الرحمن أبو الأسود، عن عروة، وهو عند البخاريّ موصولًا في «بدء الخلق»، وكذا هشام بن عروة، عن أبيه، به. انتهى . (عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزبير (عَنْ عَائِشَةَ) أم المؤمنين - ﵂ - أنها (قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ) هكذا في هذه الرواية أن السائلة هي عائشة - ﵂ -، وفي الرواية التالية: «سأل أناسٌ رسول الله - ﷺ -. . .»، وفي رواية للبخاريّ: «سأل ناس رسول الله - ﷺ -»، قال في «الفتح»: وقد سُمِّي ممن سأل عن ذلك معاويةُ بن الحكم السُّلَميّ، كما في الحديث الماضي، وقال الخطابيّ: هؤلاء الكهان فيما عُلِم بشهادة الامتحان قوم لهم أذهان حادّةٌ، ونفوس شِرِّيرةٌ، وطبائع ناريّة، فهم يفزعون إلى الجنّ في أمورهم، ويستفتونهم في الحوادث، فيُلقون إليهم الكلمات، ثم تَعَرَّض إلى مناسبة ذِكر الشعراء بعد ذِكرهم في قوله تعالى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (٢٢١)﴾ [الشعراء: ٢٢١]. (إِنَّ الْكهَّانَ كَانُوا يُحَدِّثُونَنَا) وفي بعض النسخ: «يُحدّثونا» بنون واحدة، (بِالشَّيْءِ) من المغيّبات، (فَنَجِدُهُ حَقًّا)؛ أي: ثابتًا واقعًا كما أخبروا، وليس المراد أنه ضدّ الباطل، قاله في «العمدة» . (قَالَ) - ﷺ - («تِلْكَ الْكَلِمَةُ الْحَقُّ) التي وقعت كما أخبروا، (يَخْطِفُهَا) بفتح الطاء، وكسرها، قال الفيّوميّ - ﵀ -: خَطِفَه يَخطَفه، من باب تَعِبَ: استلبه بسُرْعة، وخَطَفه خَطْفًا، من باب ضَرَب لغةٌ، واختَطَفَ، وتخطّف مثله، والْخَطْفة مثلُ تَمْرة: الْمَرّة. انتهى . وقال في«القاموس»، و«شرحه»: خَطِفَ الشَّيْءَ، كَسَمِعَ يَخْطَفُه خَطْفًا، وهي اللُّغَةُ الجَيِّدَةُ، كما في«الصِّحاحِ»، وفي«التَّهْذِيب»: وهي القِرَاءَةُ الجَيِّدَةُ، وفيه لُغَةٌ أُخْرَى، حَكاهَا الأَخْفَشُ، وهي: خَطَفَ يَخْطَفُ، مِنْ باب ضَرَبَ، أَو هذِه قَلِيلَةٌ، أَو رَدِيئَةٌ، لا تَكادُ تُعْرَفُ، كما في«الصِّحاحِ»، قال: وقد قَرَأَ بها يُونُسُ، ويَحْيَى بنِ وَثَّابٍ، ومُجَاهِد، وأَبو رَجاء، في قَوْلِهِ تَعَالَى: (يَخْطِفُ أَبْصَارَهُمْ) ومعناه: اسْتَلَبَهُ، وقيل: أَخَذَهُ في سُرْعَةٍ واسْتِلابٍ. انتهى . (الْجِنِّيُّ) مفرد الجنّ؛ أي: يختلسها الجنيّ من أخبار السماء، وقال في«الفتح»: وفي رواية السرخسيّ:«يخطفها من الجنيّ؛ أي: الكاهن يخطفها من الجنيّ، أو الجنيّ الذي يلقي إلى الكاهن يخطفها من جني آخر فوقه، و»يخطفها« بخاء معجمة، وطاء مفتوحة، وقد تُكسر، بعدها فاء، ومعناه: الأخذ بسرعة، وفي رواية الكشميهنيّ: »يحفظها« بتقديم الفاء، بعدها ظاء معجمة، والأول هو المعروف. انتهى . (فَيَقْذِفُهَا) بكسر الذال المعجمة، من باب ضرب؛ أي: يرميها (فِي أُذُنِ وَلِيِّهِ)؛ أي: صاحِبه الكاهن من الإنس، وأطلق على الكاهن وليّ الجنيّ؛ لكونه يواليه، أو عَدَل عن قوله: «الكاهن» إلى قوله: «وليّه»؛ للتعميم في الكاهن وغيره، ممن يوالي الجنّ. قال الخطابيّ - ﵀ -: بَيَّنَ أن إصابة الكاهن أحيانًا إنما هي؛ لأن الجنيّ يُلقي إليه الكلمة التي يسمعها استراقًا من الملائكة، فيزيد عليها أكاذيب يقيسها على ما سَمِع، فربما أصاب نادرًا، وخطؤه الغالب. انتهى . (وَيَزِيدُ فِيهَا مِائَةَ كَذْبَةٍ») وفي الرواية التالية:«فيخلطون فيها أكثر من مائة كذبة»في رواية البخاريّ:«فيخلطون معها مائة كذبة»، وفي رواية:«أكثر من مائة كذبة»، قال في«الفتح»: وهو دالّ على أن ذِكْر المائة للمبالغة، لا لتعيين العدد. وقوله:«كَذبة»هنا بالفتح، وحُكِي الكسر، وأنكره بعضهم؛ لأنه بمعنى الهيئة والحالة، وليس هذا موضعه. انتهى ، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة - ﵂ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٠/ ٥٨٠٢ و٥٨٠٣ و٥٨٠٤] (٢٢٢٨)، و(البخاريّ) في«بدء الخلق»(٣٢١٠) وعلّقه في (٣٢٨٨) و«الطبّ»(٥٧٦٢) و«الأدب»(٦٢١٣) و«التوحيد»(٧٥٦١) وفي«الأدب المفرد»(١/ ٣٠٤)، و(أحمد) في«مسنده»(٦/ ٨٧)، و(عبد الرزّاق) في«مصنّفه»(٢٠٣٤٧)، و(ابن حبّان) في«صحيحه»(٦١٣٦)، و(الطبرانيّ) في«الأوسط»(١/ ٢٠٧)، و(ابن منده) في«الإيمان»(٢/ ٧٠٢)، و(البيهقيّ) في«الكبرى»(٨/ ١٣٨)، و(البغويّ) في«شرح السنّة»(٣٢٥٨)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان ما كان عليه الصحابة - ﵃ - من السؤال عن أمر دينهم حتى لا يتمسّكوا بالأمور الجاهليّة. ٢ - (ومنها): بيان بقاء استراق الشياطين السمع، لكنه قلّ وندر، حتى كاد يضمحلّ بالنسبة لِمَا كانوا فيه من الجاهلية. ٣ - (ومنها): بيان النهي عن إتيان الكهان، قال القرطبيّ - ﵀ -: يجب على من قَدَر على ذلك من محتسِب وغيره أن يقيم من يتعاطى شيئًا من ذلك من الأسواق، ويُنْكِر عليهم أشدّ النكير، وعلى من يجيء إليهم، ولا يغترّ بصدقهم في بعض الأمور، ولا بكثرة من يجيء إليهم، ممن يُنسب إلى العلم، فإنهم غير راسخين في العلم، بل من الجهال بما في إتيانهم من المحذور. انتهى، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٥٨٠٣] (. . .) - (حَدَّثَنِي سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ، حَدَّثَنَا مَعْقِلٌ - وَهْوَ ابْنُ عُبَيْدِ اللهِ - عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ عُرْوَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ عُرْوَةَ يَقُولُ: قَالَتْ عَائِشَةُ: سَأَلَ أُناسٌ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - عَنِ الْكُهَّانِ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لَيْسُوا بِشَيْءٍ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، فَإنَّهُمْ يُحَدِّثُونَ أَحْيَانًا الشَّيْءَ يَكُونُ حَقًّا، قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «تِلْكَ الْكَلِمَةُ مِنَ الْجِنِّ يَخْطَفُهَا الْجِنِّيُّ، فَيَقُرُّهَا فِي أُذُنِ وَلِيِّهِ، قَرَّ الدَّجَاجَةِ، فَيَخْلِطُونَ فِيهَا أَكْثَرَ مِنْ مِائَةِ كَذْبَةٍ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ) الْمِسْمَعيّ النيسابوريّ، نزيل مكة، ثقةٌ، من كبار [١١] مات سنة بضع و(٢٤٠) (م ٤) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٦٠. ٢ - (الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ) هو: الحسن بن محمد بن أعين الْحَرّانيّ، أبو عليّ، نُسب لجدّه، صدوقٌ [٩] (ت ٢١٠) (خ م س) تقدم في «الإيمان» ٤/ ١١٩. ٣ - (مَعْقِلُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ) الْعَبْسيّ مولاهم، أبو عبد الله الْجَزَريّ، صدوقٌ يُخطئ [٨] (ت ١٦٦) (م د س) تقدم في «الإيمان» ٤/ ١١٩. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (سَأَلَ أُنَاسٌ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -) هم معاوية بن الحكم السَّلَميّ، ومن معه، كما تقدّم في الحديث الماضي. (عَنِ الْكُهَّانِ)؛ أي: عن إتيانهم، وسؤالهم عن أشياء. وقوله: («لَيْسُوا بِشَيْءٍ») قال النوويّ - ﵀ -: معناه بطلان قولهم، وأنه لا حقيقة له، وفيه إطلاق هذا اللفظ على ما كان باطلًا. انتهى . وقال في «الفتح»؛ أي: ليس قولهم بشيء يُعتمد عليه، والعرب تقول لمن عَمِل شيئًا، ولم يُحْكِمْه: ما عَمِل شيئًا، قال القرطبيّ: كانوا في الجاهلية يترافعون إلى الكهان في الوقائع، والأحكام، ويرجعون إلى أقوالهم، وقد انقطعت الكهانة بالبعثة المحمدية، لكن بقي في الوجود من يتشبه بهم، وثبت النهي عن إتيانهم، فلا يحل إتيانهم، ولا تصديقهم. انتهى . وقال الخطابيّ: معنى قوله: «ليسوا بشيء» فيما يتعاطونه من علم الغيب؛ أي: ليس قولهم بشيء صحيح يُعتمد كما يُعتمد قول النبيّ - ﷺ - الذي يخبر عن الوحي، وهو كما يقال لمن عَمِل عملًا غير مُتْقَنٍ، أو قال قولًا غير سديد: ما عَمِلت، أو ما قلت شيئًا، وقال ابن بطال نحوه، وزاد: إنهم يريدون بذلك المبالغة في النفي، وليس ذلك كذبًا، وقال كثير من المفسرين في قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا (١)﴾ [الإنسان: ١]، والمراد بالذكر هنا: القَدْر والشرف؛ أي: كان موجودًا ولكن لم يكن له قَدْر يُذكر به، إما وهو مصوَّر من طين على قول من قال: إن المراد به آدم، أو في بطن أمه على قول من قال: إن المراد به الجنس. انتهى . وقوله: (قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، فَإِنَّهُمْ يُحَدِّثُونَ أَحْيَانًا الشَّيْءَ يَكُونُ حَقًّا) هذا أورده السائل إشكالًا على عموم قوله: «ليسوا بشيء»؛ لأنه فَهِم منه أنهم لا يَصْدُقون أصلًا، فأجابه - ﷺ - عن سبب ذلك الصدق، وأنه إذا اتفق أن يصدُق لم يتركه خالصًا، بل يشوبه بالكذب . وقوله: («تِلْكَ الْكَلِمَةُ مِنَ الْجِنِّ) وفي رواية البخاريّ:»تلك الكلمة من الحقّ«بمهملة، وقاف؛ أي: الكلمة المسموعة التي تقع حقًّا. وقال النوويّ: قوله: (تِلْكَ الْكَلِمَةُ مِنَ الْجِنِّ) كذا في نُسخ بلادنا بالجيم، والنون؛ أي: الكلمة المسموعة من الجنّ، أو التي تصح مما نقلته الجنّ، قال: وذكر عياض في«المشارق»أنه رُوي هكذا، وروي أيضًا:«من الحقّ»بالحاء والقاف. انتهى . وقوله: (فَيَقُرُّهَا فِي أُذُنِ وَلِيِّهِ، قَرَّ الدَّجَاجَةِ) قال النوويّ - ﵀ -: قوله:«فيقرّها»هو بفتح الياء، وضم القاف، وتشديد الراء، و«قَرّ الدجاجة» بفتح القاف، والدجاجة - بالدال - الدجاجة المعروفة، قال أهل اللغة، والغريب: القَرّ: ترديد الكلام في أذن المخاطب حتى يفهمه، يقول: قَرَرْته فيه أَقُرّه قَرًّا، وقَرُّ الدجاجة صوتها إذا قطعته، يقال: قَرَّت تَقُرّ قَرًّا، وقَرِيرًا، فإن ردّدته قلت: قَرْقَرَت قَرْقَرَةً. قال الخطابيّ وغيره: معناه: أن الجنيّ يَقذِف الكلمة إلى وليّه الكاهن، فتسمعها الشياطين، كما تُؤْذِن الدجاجة بصوتها صواحبها، فتتجاوب، قال: وفيه وجه آخر، وهي أن تكون الرواية كَقَرّ الزجاجة، تدلّ عليه رواية البخاريّ: «فيقُرّها في أذنه كما تقرّ القارورة»، قال: فذِكْر القارورة في هذه الرواية يدلّ على ثبوت الرواية بالزجاجة. قال القاضي: أما مسلم فلم تختلف الرواية فيه أنه الدجاجة بالدال، لكن رواية القارورة تصحح الزجاجة، قال القاضي: معناه: يكون لِمَا يُلقيه إلى وليّه حِسّ كحسّ القارورة عند تحريكها، مع اليد، أو على صَفَا. انتهى . وقال في «الفتح»: قوله: «فيقرها» بفتح أوله وثانيه ، وتشديد الراء؛ أي: يصبّها، تقول: قررت على رأسه دلوًا: إذا صببته، فكأنه صُبّ في أذنه ذلك الكلام، وقال القرطبيّ: ويصحّ أن يقال المعنى: ألقاها في أذنه بصوت، يقال: قَرّ الطائر: إذا صَوّت. انتهى. ووقع في رواية يونس: «فيقرقرها»؛ أي: يردّدها، يقال: قرقرت الدجاجة تُقَرْقِر قَرْقَرَةً: إذا رددت صوتها، قال الخطابيّ: ويقال أيضًا: قَرَّت الدجاجة تَقُرّ قَرًّا، وقريرًا: إذا رجعت في صوتها، قيل: قرقرت قرقرةً، وقرقريرةً، قال: والمعنى أن الجني إذا ألقى الكلمة لوليّه تسامع بها الشياطين، فتناقلوها، كما إذا صوّتت الدجاجة، فسمعها الدجاج فجاوبتها. وتعقبه القرطبيّ بأن الأشبه بمساق الحديث أن الجني يُلقي الكلمة إلى وليّه بصوت خفيّ، متراجع، له زمزمة، ويرجّعه له، فلذلك يقع كلام الكهان غالبًا على هذا النمط. وقوله: «كقرقرة الدجاجة»؛ يعني: الطائر المعروف، ودالها مثلّثة، والأشهر فيها الفتح، ووقع في رواية المستملي: «الزجاجة» بالزاي المضمومة، وأنكرها الدارقطنيّ، وعدّها في التصحيف، لكن وقع في حديث الباب بلفظ: «فيقرّها في أذنه كما تقر القارورة»، وشرحوه على أن معناه كما يسمع صوت الزجاجة، إذا حُلّت على شيء، أو أُلقي فيها شيء، وقال القابسيّ: المعنى أنه يكون لِمَا يُلقيه الجني إلى الكاهن حسّ كحسّ القارورة إذا حُرِّكت باليد، أو على الصفا. وقال الخطابيّ: المعنى: أنه يُطبِّق به كما يُطَبَّق رأس القارورة برأس الوعاء الذي يُفرَغ فيه منها ما فيها. وأغرب شارح «المصابيح» النوربشتيّ، فقال: الرواية بالزاي أحوط؛ لِمَا ثبت في الرواية الأخرى: «كما تُقَرُّ القارورة، واستعمال قَرّ في ذلك شائع، بخلاف ما فَسَّروا عليه الحديث، فإنه غير مشهور، ولم نجد له شاهدًا في كلامهم، فدلّ على أن الرواية بالدال تصحيف، أو غلط من السامع. وتعقبه الطيبيّ، فقال: لا ريب أن قوله:«قَرَّ الدجاجة» مفعول مطلق، وفيه معنى التشبيه، فكما يصحّ أن يُشبَّه إيراد ما اختطفه من الكلام في أُذُن الكاهن بصب الماء في القارورة، يصحّ أن يُشبّه ترديد الكلام في أذنه بترديد الدجاجة صوتها في أذن صواحباتها، وهذا مشاهَدٌ، ترى الديك إذا رأى شيئًا ينكره يُقَرْقِرُ، فتسمعه الدجاج، فتجتمع، وتقرقر معه، وباب التشبيه واسع، لا يفتقر إلى العلاقة، غير أن الاختطاف مستعار للكلام من فعل الطير، كما قال الله تعالى: ﴿فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ﴾ [الحج: ٣١]، فيكون ذِكر الدجاجة هنا أنسب من ذِكر الزجاجة؛ لحصول الترشيح في الاستعارة. قال الحافظ: ويؤيده دعوى الدارقطنيّ، وهو إمام الفنّ أن الذي بالزاي تصحيف، وإن كنا ما قبلنا ذلك، فلا أقلّ أن يكون أرجح. وقوله: (فَيَخْلِطُونَ فِيهَا أَكْثَرَ مِنْ مِائَةِ كَذْبَةٍ») هذا يدلّ على أن ذكر المائة للمبالغة، لا لتعيين العدد، وفي الرواية الماضية:«ويزيدون فيها مائة كذبة»، والكذبة هنا بفتح الكاف، وحُكي كسرها، وأنكره بعضهم؛ لأنه بمعنى الهيئة والحالة، وليس هذا موضعها. وقال القرطبيّ - ﵀ -: قوله:«تلك الكلمة يخطفها الجنيّ، فيقذفها في أذن وليّه»؛ أي: يرميها في أذنه، ويُسمعه إياها. وفي الرواية الأخرى:«فيقرها في أذن وليه قرّ الدجاجة»؛ أي: يضعها في أذنه. يقال: قررت الخبر في أذنه أقره قرًّا. ويصحُّ أن يقال: ألقاها في أذنه بصوت. يقال: قرَّ الطائر: صوَّت. و«قرُّ الدجاجة» - بكسر القاف - حكاية صوتها. قال الخطابيّ: قرَّت الدجاجة، تقرُّ قرًّا، وقريرًا: إذا رجَّعت فيه؛ قيل: قرقرت قرقرةً، وقَرقريرًا، قال الشاعر [من الطويل]: وَمَا ذَاتُ طَوْقٍ فَوْقَ عُودِ أَرَاكَةٍ … وَإِنْ قَرْقَرَتْ هَاجَ الْهَوَى قَرْقَرِيرُهَا قال: والمعنى أن الجنيّ يقذف الكلمة إلى وليّه الكاهن، فيتسامع بها الشياطين، كما تُؤْذِن الدجاج بصوت صواحباتها، فتتجاوب. قال القرطبيّ: والأشبه بمساق الحديث أن يكون معناه أن الجنِّي يُلقي إلى وليّه تلك الكلمات بصوت خفي، متراجع يُزَمْزِمُهُ، ويُرَجِّعه له، كما يلقيه الكفان للناس، فإنَّهم تسمع لهم زمزمة، وإسجاع، وترجيع، على ما عُلم من حالهم بالمشاهدة والنقل. ولم يختلف أحدٌ من رواة مسلم أن الرواية في هذا اللفظ: «قرَّ الدجاجة»؛ يعني به: الطائر المعروف. واختلف فيه عن البخاري. فقال بعض رواته: «كقرِّ الزجاجة» بالزاي. قال الدارقطنيّ: هو مما صحَّفوا فيه. والصواب: الدجاجة - بالدال -. وقيل: الصواب الزجاجة؛ بدليل ما قد رواه البخاريّ: فيقرها في أذنه، كما تُقَرّ القارورة، وهي بمعنى الزجاجة؛ أي: كما يسمع صوت الزجاجة إذا حكَّت على شيء، أو إذا أُلقي فيها ماء، أو شيء. انتهى . والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه في الحديث الماضي، ولله الحمد والمنّة، وله الفضل والنعمة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٥٨٠٤] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَ رِوَايَةِ مَعْقِلٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو) اليافعيّ المصريّ الرُّعينيّ، صدوقٌ له أوهامٌ [٩]. رَوَى عن ابن جريج، والثوريّ، وعنه ابن وهب، قال ابن أبي حاتم: سألت أبي وأبا زرعة عنه، فقالا: شيخ لابن وهب، وقال ابن يونس: روى عنه ابن وهب وحده، وهو قريب السنّ من ابن وهب، حدَّث بغرائب، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال ابن عديّ: له مناكير، وأورد له حديثًا، واستنكره، وذكره الساجيّ في «الضعفاء»، ونقل عن يحيى بن معين أنه قال: غيره أقوى منه، وقال ابن القطان: لم تثبت عدالته. أخرج له المصنّف، والنسائيّ، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث متابعةً، وله عند النسائيّ حديث واحد فقط. والباقون ذُكروا في الباب والباب الماضي. [تنبيه]: رواية ابن جريج عن الزهريّ هذه ساقها البخاريّ - ﵀ - في «صحيحه»، فقال: (٥٨٥٩) - حدّثنا محمد بن سلام، أخبرنا مخلد بن يزيد، أخبرنا ابن
مصادر المؤلف (١٩)

١. «المنهل العذب المورود» ٦/ ٣٢.

٢. وفي نسخة: «يحدّثونا».

٣. «الفتح» ١٣/ ١٩٣، كتاب «الطبّ» رقم (٥٧٦٢).

٤. «عمدة القاري» ٢١/ ٢٧٧.

٥. «المصباح المنير» ١/ ١٧٤.

٦. «تاج العروس» ١/ ٥٨٠٩.

٧. «الفتح» ١٣/ ١٩٣، كتاب «الطبّ» رقم (٥٧٦٢).

٨. «الأعلام»للخطّابيّ ٣/ ٢٢١٩.

٩. «الفتح»١٣/ ١٩٦، كتاب«الطبّ» رقم (٥٧٦٢).

١٠. وفي نسخة: «تلك الكلمة من الجنّ يخطفها، فيقرّها».

١١. «شرح النوويّ» ١٤/ ٢٢٣.

١٢. «الفتح» ١٣/ ١٩٤.

١٣. «الفتح» ١٠/ ٥٩٥.

١٤. «الفتح» ١٣/ ١٩٤.

١٥. «شرح النوويّ» ١٤/ ٢٢٥.

١٦. وفي نسخة: «تلك الكلمة من الجنّ يخطفها، فيقرّها».

١٧. «شرح النوويّ» ١٤/ ٢٢٥ - ٢٢٦.

١٨. الظاهر أنه بضمّ ثانيه، كما تقدّم عن النوويّ، فتأمل.

١٩. «المفهم» ٥/ ٦٣٤ - ٦٣٥.