HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٢٣١

حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ. ح وحدثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَهُشَيْمُ بْنُ بَشِيرٍ عَنْ يَعْلَى بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ، عَنْ أَبِيهِ. قال: كَانَ فِي وَفْدِ ثَقِيفٍ رَجُلٌ مَجْذُومٌ. فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ «إِنَّا قَدْ بَايَعْنَاكَ فَارْجِعْ».
ج ٤ ص ١٧٥٢
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣٦ ص٤٥٦
الحاكم من حديث أبي هريرة - ﵁ - رفعه: «من أتى كاهنًا، أو عَرّافًا، فصدّقه بما يقول، فقد كفر بما أُنزل على محمد - ﷺ -»، وله شاهد من حديث جابر، وعمران بن حصين - ﵃ -، أخرجهما البزار بسندين جيدين، ولفظهما: «من أتى كاهنًا. . .»، وأخرج أبو يعلى من حديث ابن مسعود - ﵁ - بسند جيد، لكن لم يصرح برفعه، ومثله لا يقال بالرأي، ولفظه: «من أتى عَرّافًا، أو ساحرًا، أو كاهنًا. . .»، واتفقت ألفاظهم على الوعيد بلفظ حديث أبي هريرة - ﵁ -، إلا حديث مسلم، فقال فيه: «لم يُقبل له صلاة أربعين يومًا»، ووقع عند الطبرانيّ من حديث أنس بسند ليّن، مرفوعًا بلفظ: «من أتى كاهنًا، فصدّقه بما يقول، فقد برئ مما أُنزل على محمد - ﷺ -، ومن أتاه غير مصدِّق له، لم تُقبل صلاته أربعين يومًا». قال الحافظ - ﵀ -: والأحاديث الأُوَلُ مع صحتها، وكَثْرتها أَولى من هذا، والوعيد جاء تارةً بعدم قبول الصلاة، وتارةً بالتكفير، فَيُحْمَل على حالين من الآتي، أشار إلى ذلك القرطبيّ. انتهى ، والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٢١) - (بَابُ اجْتِنَابِ الْمَجْذُومِ) «الْجُذَام» - بضم الجيم، وتخفيف المعجمة -: هو عِلَّة رَدِيئةٌ، تحدُث من انتشار الْمِرّة السوداء في البدن كله، فتُفسِد مزاج الأعضاء، وربما أفسد في آخره إيصالها حتى يتأكل، قال ابن سيده: سُمِّي بذلك؛ لتجذّم الأصابع، وتقطعها. انتهى . وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٥٨٠٨] (٢٢٣١) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، وَهُشَيْمُ بْنُ بَشِيرٍ، عَنْ يَعْلَى بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كَانَ فِي وَفْدِ ثَقِيفٍ رَجُلٌ مَجْذُومٌ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ - ﷺ -: «إِنَّا قَدْ بَايَعْنَاكَ، فَارْجِعْ»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن أبي شريك النخعيّ الكوفيّ القاضي بواسط، ثم الكوفة، أبو عبد الله، صدوقٌ يُخطئ كثيرًا، تغيّر حفظه منذ ولي القضاء بالكوفة، وكان عادلًا فاضلًا عابدًا شديدًا على أهل البدع [٨] (ت ٧ أو ١٧٨) (خت م ٤) تقدم في «الصلاة» ٣٦/ ١٠٣٠. ٢ - (هُشَيْمُ بْنُ بَشِيرٍ) السلميّ، أبو معاوية بن أبي خازم الواسطيّ، ثقة ثبت كثير التدليس والإرسال الخفيّ [٧] (ت ١٨٣) (ع) تقدم في «المقدمة» ٣/ ٩. ٣ - (يَعْلَى بْنُ عَطَاءٍ) العامريّ، أو الليثيّ الطائفيّ، ثقة [٤] (ت ١٢٠) أو بعدها (ز م ٤) تقدم في «الصلاة» ٢١/ ٩٣٩. ٤ - (عَمْرُو بْنُ الشَّرِيد) - بفتح الشين المعجمة - ابن سُويد الثقفيّ، أبو الوليد الطائفيّ، ثقة [٣]. قال العجليّ: حجازيّ تابعيّ ثقة. وذكره ابن حبّان في «الثقات». روى له الجماعة، سوى الترمذيّ، فروى له في «الشمائل»، وله في هذا الكتاب حديثان فقط هذا برقم (٢٢٣١)، وحديث (٢٢٥٥): «هل معك من شعر أميّة. . .». ٥ - (أَبُوهُ) الشريد - بوزن الطَّويل - ابن سُويد، مصغّرًا الثقفيّ، صحابيّ، شهِد بيعة الرضوان، وقيل: إنه من حضرموت، وعِدَاده في ثقيف. رَوَى عن النبيّ - ﷺ -، وعنه ابنه عمرو، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وعمرو بن نافع الثقفيّ، ويعقوب بن عاصم الثقفيّ بالشك في بعض الروايات، وقال أبو نعيم: أردفه النبيّ - ﷺ - وراءه، وقيل: اسمه مالك، ووَفَد على النبيّ - ﷺ -، فسمّاه الشَّرِيد، وشَهِد بيعة الرضوان. علَّق البخاريّ له حديثًا في «كتاب القرض»، وأخرج له في «الأدب المفرد»، والمصنّف، وأبو داود، والترمذيّ في «الشمائل»، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب الحديثان المذكوران في ترجمة ابنه قبله. والباقيان تقدّما في البابين الماضيين. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيات المصنّف - ﵀ -، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، والابن، عن أبيه. شرح الحديث: (عَنْ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ) الثقفيّ الطائفيّ (عَنْ أَبِيهِ) الشّريد بن سُويد - ﵁ - أنه (قَالَ: كَانَ فِي وَفْدِ ثَقِيفٍ رَجُلٌ مَجْذُومٌ)؛ أي: أَصابه مرض الجُذام، قال المجد: و«الْجُذَام» كغُرَاب: عِلّةٌ تَحدُث من انتشار السوداء في البدن كلّه، فيَفسُد مِزاجُ الأعضاء، وهيآتُها، وربّما انتهى إلى تآكل الأعضاء، وسقوطها عن تقرّح، جُذِمَ كعُنِيَ، فهو مَجذومٌ، ومُجَذَّمٌ، وأجذم، ووهِمَ الجوهريّ في منعه. انتهى. وقال الفيّوميّ: الجَذْمُ القطع، وهو مصدرٌ، من باب ضَرَبَ، ومنه يقال: جُذِمَ الإنسان بالبناء للمفعول: إذا أصابه الْجُذَام؛ لأنه يقطَعُ اللحم، ويُسقطه، وهو مجذوم، قالوا: ولا يقال فيه من هذا المعنى: أجذم وِزانُ أحمر. انتهى. قال الجامع: قد عرفت أن المجد خطّأ الجوهريّ في هذا، وأثبت جواز أجذم. فتنبّه. والله تعالى أعلم. (فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ - ﷺ -: «إِنَّا قَدْ بَايَعْنَاكَ، فَارْجِعْ») ولفظ النسائيّ: «ارْجِعْ، فَقَدْ بَايَعْتُكَ»؛ أي: ولم يأخذ - ﷺ - بيده عند المبايعة، تخفيفًا عن المجذوم والناس؛ لئلا يشقّ عليه الاقتحام معهم، فيتأذّى هو في نفسه، ويتأذّى به الناس. وقد روى الترمذيّ عن النبيّ - ﷺ - أنه أكل مع مجذوم، فقال: «باسم الله، توكّلًا على الله»، وقد جاء عنه - ﷺ - أنه قال: «فِرّ من المجذوم كما تفرّ من الأسد»، رواه البخاريّ. وهذا الخطاب إنما هو لمن يجد في نفسه نَفْرة طبيعيّة، لا يقدر على الانتزاع منها، فأمَره بالفرار؛ لئلّا يتشوّش عليه، ويغلبه وَهْمه، وليس ذلك خوفًا لعدوى، فقد قال - ﷺ -: «لا يُعدي شيءٌ شيئًا»، وقال: «لا عدوى»، وقال للأعرابيّ: «فمن أعدى الأول؟». قاله القرطبيّ، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث الشَّرِيد بن سُوَيد - ﵁ - هذا من أفراد المصنّف - ﵀ -. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢١/ ٥٨٠٨] (٢٢٣١)، و(النسائيّ) في «المجتبى» (٧/ ١٥٠) و«الكبرى» (٧٨٠٥)، و(ابن ماجه) في «الطبّ» (٣٥٤٤)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (٥/ ١٤٢ و٣١١)، و(أحمد) في «مسنده» (٤/ ٣٨٩ و٣٩٠)، و(الطبريّ) في «تهذيب الآثار» (٣/ ١٨)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٧/ ٢١٨) و«شُعَب الإيمان» (٢/ ١٢٢)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان مشروعيّة اجتناب المجذوم، وعدم مباشرته، وكذا مباعدة أهل الأسقام الفادحة، المستكرهة، إذا لم يؤدّ ذلك إلى إضاعتهم، وإهمالهم. قال النوويّ - ﵀ -: هذا الحديث موافق للحديث الآخر في «صحيح البخاريّ»: «فِرَّ من المجذوم فرارك من الأسد»، وقد سبق شرح هذا الحديث في «باب لا عدوى»، وأنه غير مخالف لحديث: «لا يُورِد مُمْرِض على مُصِحّ»، قال القاضي عياض: قد اختَلَفت الآثار عن النبيّ - ﷺ - في قصة المجذوم، فثبت عنه الحديثان المذكوران، وعن جابر - ﵁ - أن النبيّ - ﷺ - أكل مع المجذوم، وقال له: «كُلْ ثقةً بالله، وتوكلًا عليه»، وعن عائشة - ﵂ - قالت: «كان عندي مولى مجذوم، فكان يأكل في صحافي، ويشرب في أقداحي، وينام على فراشي»، قال: وقد ذهب عمر - ﵁ - وغيره من السلف إلى الأكل معه، ورأوا أن الأمر باجتنابه منسوخًا، والصحيح الذي قاله الأكثرون، ويتعيَّن المصير إليه أنه لا نَسْخ، بل يجب الجمع بين الحديثين، وحَمْل الأمر باجتنابه، والفرار منه على الاستحباب، والاحتياط، لا للوجوب، وأما الأكل معه فَفَعله لبيان الجواز، والله أعلم. انتهى . ٢ - (ومنها): بيان مشروعيّة بيعة المجذوم، وأنها تكون بالقول، دون المصافحة باليد. ٣ - (ومنها): ما قاله بعض أهل العلم: في هذا الحديث، وما في معناه دليلٌ على أنه يثبت للمرأة الخيار في فسخ النكاح إذا وجدت زوجها مجذومًا، أو حدث به جُذامٌ. قال النووي: واختلف أصحابنا، وأصحاب مالك في أن أَمَته هل لها مَنْع نفسها من استمتاعه إذا أرادها؟. قال القاضي: قالوا: ويُمنع من المسجد، والاختلاط بالناس. قال: وكذلك اختلفوا في أنهم إذا كثُرُوا، هل يؤمرون أن يتّخذوا لأنفسهم موضعًا منفردًا، خارجًا عن الناس، ولا يُمنعون من التصرّف في منافعهم، وعليه أكثر الناس، أم لا يلزمهم التنحّي؟ قال: ولم يختلفوا في القليل منهم في أنهم لا يُمنعون. قال: ولا يُمنعون من صلاة الجمعة مع الناس، ويُمنعون من غيرها. قال: ولو استضرّ أهل قرية فيهم جَذْمَى بمخالطتهم في الماء، فإن قَدَروا على استنباط ماء بلا ضرر أُمرُوا به، وإلا استنبطه لهم الآخرون، أو أقاموا من يستقي لهم، وإلا فيُمنعون. انتهى ، والله تعالى أعلم. * * *
مصادر المؤلف (٤)

١. «الفتح» ١٠/ ٢١٧.

٢. «الفتح» ١٣/ ٩٥، كتاب «الطبّ» رقم (٥٧٠٧).

٣. «شرح النوويّ» ١٤/ ٢٢٨.

٤. «شرح النوويّ» ١٤/ ٢٢٨.