HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٢٣٦

وحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي مَالِكٌ بْنُ أَنَسٍ عَنْ صَيْفِيٍّ (وَهُوَ عِنْدَنَا مَوْلَى ابْنِ أَفْلَح). أَخْبَرَنِي أَبُو السَّائِبِ. مَوْلَى هِشَامِ بْنِ زُهْرَةَ؛ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ فِي بَيْتِهِ. قَالَ فَوَجَدْتُهُ يُصَلِّي. فَجَلَسْتُ أَنْتَظِرُهُ حَتَّى يَقْضِيَ صَلَاتَهُ. فَسَمِعْتُ تَحْرِيكًا فِي عَرَاجِينَ فِي نَاحِيَةِ الْبَيْتِ. فَالْتَفَتُّ فَإِذَا حَيَّةٌ. فَوَثَبْتُ لِأَقْتُلَهَا. فَأَشَارَ إِلَيَّ: أَنِ اجْلِسْ. فَجَلَسْتُ. فَلَمَّا انْصَرَفَ أَشَارَ إِلَى بَيْتٍ فِي الدَّارِ. فَقَالَ أَتَرَى هَذَا الْبَيْتَ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ. فقال: كَانَ فِيهِ فَتًى مِنَّا حَدِيثُ عَهْدٍ بِعُرْسٍ. قَالَ فَخَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْخَنْدَقِ. فَكَانَ ذَلِكَ الْفَتَى يَسْتَأْذِنُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِأَنْصَافِ النَّهَارِ فَيَرْجِعُ إِلَى أَهْلِهِ. فَاسْتَأْذَنَهُ يَوْمًا. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «خُذْ عَلَيْكَ سِلَاحَكَ. فَإِنِّي أَخْشَى عَلَيْكَ قُرَيْظَةَ» فَأَخَذَ الرَّجُلُ سِلَاحَهُ. ثُمَّ رَجَعَ فَإِذَا امْرَأَتُهُ بَيْنَ الْبَابَيْنِ قَائِمَةً. فَأَهْوَى إِلَيْهَا الرُّمْحَ لِيَطْعُنَهَا بِهِ. وَأَصَابَتْهُ غَيْرَةٌ. فَقَالَتْ لَهُ: اكْفُفْ عَلَيْكَ رُمْحَكَ، وَادْخُلِ الْبَيْتَ حَتَّى تَنْظُرَ مَا الَّذِي أَخْرَجَنِي. فَدَخَلَ فَإِذَا بِحَيَّةٍ عَظِيمَةٍ مُنْطَوِيَةٍ عَلَى الْفِرَاشِ. فَأَهْوَى إِلَيْهَا بِالرُّمْحِ فَانْتَظَمَهَا بِهِ. ثُمَّ خَرَجَ فَرَكَزَهُ فِي الدَّارِ. فَاضْطَرَبَتْ عَلَيْهِ. فَمَا يُدْرَى أَيُّهُمَا كَانَ أَسْرَعَ مَوْتًا. الْحَيَّةُ أَمْ الْفَتَى؟ قَالَ فَجِئْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فذكرنا لَهُ. وَقُلْنَا: ادْعُ اللَّهَ يُحْيِيهِ لَنَا. فَقَالَ «اسْتَغْفِرُوا لِصَاحِبِكُمْ» ثُمَّ قَالَ «إِنَّ بِالْمَدِينَةِ جِنًّا قَدْ أَسْلَمُوا. فَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْهُمْ شَيْئًا فَآذِنُوهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ. فَإِنْ بَدَا لَكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فاقتلوه. فإنما هو شيطان».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج7 ص40
ج ٤ ص ١٧٥٦

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٤ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, مسند أحمد, موطأ مالك
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣٦ ص٤٩٦
رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ) أبو حفص الكوفيّ، ثقةٌ ربّما وَهِمَ [١٠] (ت ٢٢٢) (خ م د ت س) تقدم في «الطهارة» ٣٢/ ٦٧٥. والباقون ذُكروا قبله. [تنبيه]: رواية حفص بن غياث عن الأعمش هذه ساقها البخاريّ - ﵀ - في «صحيحه»، بسند مسلم، فقال: (١٧٣٣) - حدّثنا عمر بن حفص بن غياث، حدّثنا أبي، حدّثنا الأعمش، قال: حدّثني إبراهيم، عن الأسود، عن عبد الله - ﵁ - قال: بينما نحن مع النبيّ - ﷺ - في غار بمنى، إذ نزل عليه: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ﴾، وإنه ليتلوها، وإني لأتلقاها من فيه، وإن فاه لرطب بها، إذ وثبت علينا حية، فقال النبيّ - ﷺ -: «اقتلوها»، فابتدرناها، فذهبت، فقال النبيّ - ﷺ -: «وُقيت شرّكم، كما وُقيتم شرَّها». انتهى . وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٥٨٢٥] (٢٢٣٦) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ صَيْفِيٍّ - وَهُوَ عِنْدَنَا مَوْلَى ابْنِ أَفْلَحَ - أَخْبَرَنِي أَبُو السَّائِبِ مَوْلَى هِشَامِ بْنِ زُهْرَةَ، أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ فِي بَيْتِهِ، قَالَ: فَوَجَدْتُهُ يُصَلِّي، فَجَلَسْتُ أَنْتَظِرُهُ، حَتَّى يَقْضِيَ صَلَاتَهُ، فَسَمِعْتُ تَحْرِيكًا فِي عَرَاجِينَ، فِي نَاحِيَةِ الْبَيْتِ، فَالْتَفَتُّ، فَإِذَا حَيَّةٌ، فَوَثَبْتُ لأَقْتُلَهَا، فَأَشَارَ إِلَيَّ أَنِ اجْلِسْ، فَجَلَسْتُ، فَلَمَّا انْصَرَفَ أَشَارَ إِلَى بَيْتٍ فِي الدَّارِ، فَقَالَ: أَتَرَى هَذَا الْبَيْتَ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: كَانَ فِيهِ فَتًى مِنَّا حَدِيثُ عَهْدٍ بعُرْسٍ، قَالَ: فَخَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - إِلَى الْخَنْدَقِ، فَكَانَ ذَلِكَ الْفَتَى يَستَأَذِنُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - بِأَنْصَافِ النَّهَارِ، فَيَرْجِعُ إِلَى أَهْلِهِ، فَاسْتَأْذَنَهُ يَوْمًا، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «خُذْ عَلَيْكَ سِلَاحَكَ، فَإِنِّي أَخْشَى عَلَيْكَ قُرَيْظَةَ»، فَأَخَذَ الرَّجُلُ سِلَاحَهُ، ثُمَّ رَجَعَ، فَإِذَا امْرَأَتُهُ بَيْنَ الْبَابَيْنِ قَائِمَةً، فَأَهْوَى إِلَيْهَا الرُّمْحَ لِيَطْعُنَهَا بِهِ، وَأَصَابَتْهُ غَيْرَةٌ، فَقَالَتْ لَهُ: اكْفُفْ عَلَيْكَ رُمْحَكَ، وَادْخُلِ الْبَيْتَ، حَتَّى تَنْظُرَ مَا الَّذِي أَخْرَجَنِي؟، فَدَخَلَ، فَإِذَا بِحَيَّةٍ عَظِيمَةٍ مُنْطَوِيَةٍ عَلَى الْفِرَاشِ، فَأَهْوَى إِلَيْهَا بالرُّمْحِ، فَانْتَظَمَهَا بِهِ، ثُمَّ خَرَجَ، فَرَكَزَهُ فِي الدَّارِ، فَاضْطَرَبَتْ عَلَيْهِ، فَمَا يُدْرَى أَيُّهُمَا كَانَ أَسْرَعَ مَوْتًا، الْحَيَّةُ، أَمِ الْفَتَى؟ قَالَ: فَجِئْنَا إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَذَكَرْنَا ذَلِكَ لَهُ، وَقُلْنَا: ادْعُ اللهَ يُحْيِيهِ لَنَا، فَقَالَ: «اسْتَغْفِرُوا لِصَاحِبِكُمْ»، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ بِالْمَدِينَةِ جِنًّا، قَدْ أَسْلَمُوا، فَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْهُمْ شَيْئًا، فَآذِنُوهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَإِنْ بَدَا لَكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فَاقْتُلُوهُ، فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (صَيْفِيٌّ مَوْلَى ابْنِ أَفْلَحَ) هو: صيفيّ بن زياد الأنصاريّ مولاهم، أبو زياد، أو أبو سعيد مولى أفلح مولى أبي أيوب، ويقال: مولى أبي السائب الأنصاريّ المدنيّ، ثقةٌ [٤]. رَوَى عن أبي السائب مولى هشام بن زهرة، وأبي سعيد الخدريّ، وأبي الْيَسَر كعب بن عمرو. وروى عنه عبد الله بن عمر، وابن عجلان، وسعيد المقبريّ، وسعيد بن أبي هلال، ومالك، وعبد الله بن سعيد بن أبي هند، وابن أبي ذئب. قال النسائيّ: صيفيّ روى عنه ابن عجلان ثقةٌ، وقال: صيفيّ مولى أفلح ليس به بأس، روى عنه ابن أبي ذئب، كذا فرّق بينهما، وهما واحد، وذكره ابن حبان في «الثقات». قال الحافظ: صوّب أبو عبد الله الذهبيّ فيما قرأت بخطه تفرقة النسائي بينهما، وأنهما كبير وصغير، فالكبير رَوَى عن أبي اليسر كعب بن عمرو، وروى عنه محمد بن عجلان، والصغير رَوَى عن أبي السائب، وروى عنه مالك، والله أعلم. أخرج له المصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وله عندهم هذا الحديث، وعند أبي داود، والترمذيّ حديث في الاستعاذة من الهَرَم، وغير ذلك. ٢ - (أَبُو السَّائِبِ مَوْلَى هِشَامِ بْنِ زُهْرَةَ) الأنصاريّ المدنيّ، اسمه عبد الله بن السائب، ثقةٌ [٣] (م ٤) تقدم في «الصلاة» ٢٩/ ٦٦٤. ٣ - (أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ) سعد بن مالك بن سنان الصحابيّ ابن الصحابيّ - ﵄ -، تقدّم قريبًا. والباقون ذُكروا في الباب، وقبل باب. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُداسيّات المصنّف - ﵀ -، وأنه مسلسل بالمدنيين من مالك، وشيخه، وابن وهب مصريّان، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وأن صحابيّه ابن صحابيّ، وهو أحد المكثرين السبعة. شرح الحديث: (عَنْ صَيْفِيٍّ - وَهُوَ عِنْدَنَا مَوْلَى ابْنِ أفلَحَ -) هكذا عند مسلم، وكذا هو في «تهذيب الكمال»، والذي في «التهذيب»: مولى أفلح بإسقاط لفظة «ابن»، وكلاهما صحيح، كما يأتي في كلام ابن عبد البرّ - ﵀ -، فقد قال في «التمهيد»: هو صيفي بن زياد، يُكْنَى أبا زياد، مولى ابن أفلح، مولى أبي أيوب الأنصاريّ - ﵁ -، وقيل: صيفيّ هذا يكنى أبا سعيد، يقال فيه: مولى ابن أفلح، ويقال: مولى أفلح، مولى أبي أيوب الأنصاريّ، ويقال: مولى الأنصار، ويقال: مولى أبي السائب، ومولى ابن السائب، والصواب قول من قال: مولى ابن أفلح، كنيته أبو زياد، وهو رجل من أهل المدينة، رَوَى عنه مالك، وابن عجلان، وسعيد المقبريّ، وسعيد بن أبي هلال، وابن أبي ذئب، وسعيد بن أبي هند، ولا أعلم له روايةً إلا عن أبي السائب، مولى هشام بن زهرة. انتهى. (أَخْبَرَنِي أَبُو السَّائِبِ مَوْلَى هِشَامِ بْنِ زُهْرَةَ، أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) - ﵁ - (فِي بَيْتِهِ)؛ أي: بيت أبي سعيد. (قَالَ) أبو السائب (فوَجَدْتُهُ يُصَلِّي، فَجَلَسْتُ أَنْتَظِرُهُ، حَتَّى يَقْضِيَ صَلَاتَهُ)؛ أي: يفرغ منها، ويسلّم (فَسَمِعْتُ تَحْرِيكًا فِي عَرَاجِينَ) بالفتح: جمع عُرْجون، قال ابن الأثير - ﵀ -: أراد بها الأعواد التي في سقف البيت، شَبَّهها بالعراجين. انتهى . قال الفيّوميّ: الْعُرْجون: أصل الْكِبَاسة، سُمّي بذلك؛ لانعراجه، وانعطافه، ونونه زائدة. انتهى . وقال محمد مرتضى الزَّبيديّ - ﵀ -: العُرْجون، كزُنْبُور: الْعِذَقُ عامّةً، أو هو العذق إذا يبس، واعْوَجَّ، أو أصله الذي يَعْوَجّ، وتُقْطَع منه الشماريخ، فيبقى على النخل يابسًا، أو عُود الْكِبَاسة، وقال الأزهريّ: الْعُرْجون أصفر، عريضٌ، شَبَّهَ الله تعالى به الهلال لَمَّا عاد دقيقًا، قال الله تعالى: ﴿حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ [يس: ٣٩]، قال ابن سِيدَهْ: في دقّته، واعوجاجه. انتهى . (فِي نَاحِيَةِ الْبَيْتِ)؛ أي: في جانب من جوانبه، (فَالْتَفَتُّ، فَإِذَا حَيَّةٌ) «إذا» هي الفجائيّة؛ أي: ففاجأني وجود حيّة، (فَوَثَبْثُ)؛ أي: قَفَزت (لأَقْتُلَهَا، فَأَشَارَ)؛ أي: أبو سعيد، وهو في الصلاة (إِلَيَّ أَنِ) تفسيريّة؛ أي: (اجْلِسْ) أو «أن» مصدريّة؛ أي: بأن اجلس؛ أي: بالجلوس، (فَجَلَسْتُ، فَلَمَّا انْصَرَفَ) أبو سعيد من صلاته (أَشَارَ إِلَى بَيْتٍ فِي الدَّارِ)؛ أي: في داخل الدار التي هو فيها، (فَقَالَ: أَتَرَى)؛ أي: تنظر (هَذَا الْبَيْتَ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: كَانَ فِيهِ فَتًى مِنَّا) قال صاحب «التنبيه»: لا أعرفه، ولا زوجته . وفي رواية ذكرها ابن عبد البرّ في «التمهيد»: «فإذا حيّة، فقمت، فقال أبو سعيد: ما لك؟ فقلت: حية ههنا، قال: فتريد ماذا؟ قال: أريد قتلها، قال: فأشار إلى بيت في داره، تلقاء بيته، وقال: ابن عم له كان في هذا البيت، فلما كان يوم الأحزاب استأذن رسول الله - ﷺ - في أهله، وكان حديث عهد بعرس. . .» الحديث . (حَدِيثُ عَهْدٍ)؛ أي: قريب وقت، ويجوز رفع «حديثُ» صفة بعد صفة لـ «فتى»، ونَصْبه على أنه حال من الضمير في «منّا»، قاله الطيبيّ - ﵀ - ، (بِعُرْسٍ) بضم، فسكون؛ أي: زواج، قال الفيّوميّ - ﵀ -: العُرْسُ بالضم: الزِّفَافُ، ويُذَكَّر، ويؤنَّث، فيقال: هو العُرْسُ، والجمع أَعْرَاسٌ، مثل قُفْل وأَقْفَال، وهي العُرْسُ، والجمع عُرْسَاتٌ، ومنهم من يقتصر على إيراد التأنيث، والعُرْسُ أيضًا طعام الزِّفَاف، وهو مذكَّرٌ؛ لأنه اسم للطعام. انتهى . (قَالَ) أبو سعيد (فَخَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - إِلَى الْخَنْدَقِ) قال في «التاج»: الخنْدَقُ كجَعْفَر: حَفِيرٌ حوْل أسْوار المُدُنِ، قالَ ابنُ دُرَيد: فارسيّ مُعَرَّبُ كَنْدَه، وقد تَكلَّمَتْ به العَرَبُ، قالَ الرّاجِزُ: لا تَحْسَبَنَّ الخنْدَقَ المَحْفُورَا … يَدْفَعُ عنكَ القَدَرَ المقْدُوَرَا والجمْعُ الخَنادِقُ، قالَ عُمارَةُ بن طارِق: يَحُطُّ بالعَبْدِ الشَّدِيدِ العاتِقِ … مِثْلُ حِطاطِ البَغْلِ في الخَنادِقِ (فَكَانَ ذَلِكَ الْفَتَى يَسْتَأْذِنُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -)؛ أي: امتثالًا لقوله - ﷿ -: ﴿وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ الآية [النور: ٦٢]، وقوله: (بِأَنْصَافِ النَّهَارِ) بفتح الهمزة؛ أي: منتصفه، وكأنه وقت لآخر النصف الأول، وأول النصف الثاني، فجَمَعه كما قالوا: ظهور الترسين، قاله النوويّ - ﵀ - . وقال القرطبيّ - ﵀ -: والأنصاف: جمع نِصْف، كحِمْل وأحمال، وعِدل وأعدال، وكأن هذا الفتى كانت عادته أن يستأذن النبيّ - ﷺ - كل يوم من تلك الأيام في نصف النهار، فيأذن له في الانصراف إلى أهله، والباء في: بأنصاف بمعنى: «في»، كما تقول: جاء زيد بثيابه؛ أي: فيها. انتهى . (فَيَرْجِعُ إِلَى أَهْلِهِ)؛ أي: ليطالع حالهم، ويقضي حاجتهم، ويؤنس امرأته، فإنها كانت عَرُوسًا، كما ذُكر في الحديث. (فَاسْتَأْذَنَهُ) - ﷺ - (يَوْمًا، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «خُذْ عَلَيْكَ سِلَاحَكَ)؛ أي: احمل عليك السلاح آخذًا حذرك، و»السلاح«بالكسر: ما يقاتَل به في الحرب، ويدافَعُ، والتذكير أغلب من التأنيث، فيُجمع على التذكير أَسْلحةً، وعلى التأنيث سِلاحات، والسِّلْح، وزانُ حِمْل: لغة في السلاح، قاله الفيّوميّ . ثم علّل أمره بأخذ سلاحه بما قرنه بالفاء التعليليّة، فقال: (فَإِنِّي أَخْشَى عَلَيْكَ قُرَيْظَةَ») بلفظ تصغير قَرَظة، هم إخوة بني النضير، وهما حيّان من اليهود، كانوا بالمدينة، فأما قُريظة، فقُتلت مقاتِلتهم، وسُبيت ذراريّهم؛ لنقضهم العهد، وأما بنو النضير، فأُجْلُوا إلى الشام. (فَأَخَذَ الرَّجُلُ سِلَاحَهُ، ثُمَّ رَجَعَ)؛ أي: إلى أهله، (فَإِذَا امْرَأَتُهُ) تقدّم أنه لا يُعرف اسمها، (بَيْنَ الْبَابَيْنِ قَائِمَةً)؛ أي: بين المصراعين ، (فَأَهْوَى إِلَيْهَا الرُّمْحَ)؛ أي: أمال إلى امرأته رمحه (لِيَطْعُنَهَا بِهِ) بفتح العين، وضمّها، يقال: طعنه بالرمح، كمنعه، ونصره طَعْنًا: ضربه، ووخزه، فهو مطعونٌ، وطَعِينٌ، جَمْعه طُعْنٌ بالضمّ . وقال القرطبيّ - ﵀ -: قوله: «فأهوى إليها. . . إلخ» أي: أماله إليها إرهابًا، ومبالغة في الزَّجر، وحَمَله على ذلك فرط الغيرة، وما كان بالذي يطعنها. انتهى . وقوله: (وَأَصَابَتْهُ غَيْرَةٌ) جملة حاليّة من الضمير المستتر في «أهوى»، و«الغَيْرة» بفتح، فسكون: هي الْحَمِيّة، والأَنَفَةُ، قاله ابن الأثير . وقال القاضي عياض - ﵀ - في «المشارق»: هو تغيّر القلب، وهَيَجَان الحفيظة، بسبب المشاركة في الاختصاص من أحد الزوجين بالآخر، أو بحريمه، وذَبّه عنهم، ومَنْعه منهم. انتهى . (فَقَالَتْ لَهُ: اكْفُفْ) بضمّ الفاء أمر من كفّ، يقال: كفّ عن الشيء كفًّا من باب قتل: تركه، وكففته كفًّا: منعته، فكفَّ، يتعدّى، ويلزم ، وما هنا متعدّ؛ لأنه نَصَب «رُمحك». (عَلَيْكَ رُمْحَكَ) بضمّ، فسكون: قَنَاةٌ في رأسها سنانٌ يُطعن به، جمعها رِماحٌ، وأرماحٌ ، (وَادْخُلِ الْبَيْتَ، حَتَّى تَنْظُرَ مَا الَّذِي أَخْرَجَنِي؟) «ما» استفهاميّة مبتدأ خبرها الموصول؛ أي: أيّ شيء الذي أخرجني من البيت؟ (فَدَخَلَ) الرجل البيت ليرى ما أخرجها منه، (فَإِذَا بِحَيَّةٍ عَظِيمَةٍ) «إذا» هي الفجائيّة؛ أي: ففاجأه وجودها، وقوله: (مُنْطَوِيَةٍ عَلَى الْفِرَاشِ) صفة لـ «حيّةٌ» بعد صفة، (فَأَهْوَى إِلَيْهَا بِالرُّمْحِ)؛ أي: مدّ إلى تلك الحيّة برمحه (فَانْتَظَمَهَا بِهِ)؛ أي: فطعنها، ثمّ انتظمها به، قال الطيبيّ: قوله: «فانتظمها»؛ أي: غرز الرمح في الحيّة حتى طواها فيه، فشبّهه بالسِّلْك الذي يُدخل في الخرز . (ثُمَّ خَرَجَ) الرجل برمحه الذي انتظم به الحيّة (فَرَكَزَهُ) من بابي نصر، وضرب؛ أي: غرزه (فِي الدَّارِ، فَاضْطَرَبَتْ عَلَيْهِ)؛ أي: اضطربت الحيّة صائلة على الرجل، (فَمَا يُدْرَى) بالبناء للمفعول؛ أي: ما يُعلم، وفي بعض النُّسخ: «فما ندري» بالنون، مبنيًّا للفاعل، (أَيُّهُمَا كَانَ أَسْرَعَ مَوْتًا، الْحَيَّةُ، أَمِ الْفَتَى؟)؛ يعني: أنهما ماتا في وقت واحد بحيث إنه لا يُعلم تقدّم موت أحدهما على الآخر؛ لكونه في وقت واحد. (قَالَ) أبو سعيد - ﵁ - (فَجِئْنَا إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَذَكَرْنَا ذَلِكَ لَهُ، وَقُلْنَا: ادْعُ اللهَ يُحْيِيهِ لَنَا) لكونه حديث عهد بعُرس، فتستوحش المرأة الحديثة العُرْس، ويشتدّ حزنها عليه، رجوا بأن يستجيب الله تعالى دعاء نبيّه - ﷺ - في ذلك الفتى؛ لأنه - ﷺ - أكرم على الله تعالى من أن يردّ دعاءه، وهذا ليس الأمر من الأمور المستحيلة، فقد جرى له - ﷺ - آيات كثير من المعجزات، ولكنه - ﷺ - لم ير ذلك مصلحةً. وقال القرطبيّ: وقولهم: «ادع الله أن يحييه لنا» قولٌ أخرجه منهم كثرةُ ما كانوا يشاهدون من إجابة دعواته - ﷺ -، وعموم بركاته، ولمَا روى أئمتنا في كتبهم: أن رجلًا وأد ابنته، ثم أسلم، فجاء النبيّ - ﷺ -، فسأله أن يدعو الله في أن يحييها له، فانطلق معه إلى قبرها، فدعا، فناداها، فأحياها الله، فتكلمت معهما، فقال لها رسول الله - ﷺ -: «أتريدين أن تنطلقي مع أبيك؟ أو ترجعي إلى ما كنت فيه؟» فاختارت الرُّجوع إلى قبرها. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: هكذا ساق القرطبيّ هذه القصّة بلا زمام، فليُنظر من أخرجها، وحال إسنادها، والله تعالى أعلم. (فَقَالَ) - ﷺ -: («اسْتَغْفِرُوا لِصَاحِبِكُمْ»)؛ أي: لأنه لا يرجع إلى الدنيا، فينبغي لكم أن تستغفروا له حتى يستفيد في الآخرة باستغفاركم له، (ثُمَّ قَالَ) - ﷺ - محذّرًا أصحابه كي لا يقعوا في مثل ما وقع فيه الفتى: («إِنَّ بِالْمَدِينَةِ جِنًّا، قَدْ أَسْلَمُوا، فَإذَا رَأَيْتُمْ مِنْهُمْ شَيْئًا)؛ أي: ظهر لكم بصورة حيّة، (فَآذِنُوهُ) بالمدّ؛ أي: أعلموه بأنه لا يجوز له التعرّض للمسلمين في بيوتهم، وفي رواية:»فحرّجوا عليها«؛ أي: قولوا لها: أنت في حرج؛ أي: ضِيْق إن عُدت إلينا، فلا تلومينا أن نضيّق عليك بالتتبّع، والطرد، والقتل . (ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ) هذا صريح في أن الإنذار ثلاثة أيام، لا ثلاث مرّات، كما زعم بعضهم. (فَإِنْ بَدَا)؛ أي: ظهر ذلك الجنّيّ (لَكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ)؛ أي: بعد الإنذار ثلاثة أيام، (فَاقْتُلُوهُ) ثم علّل الأمر بقتله بما قرنه بالفاء التعليليّة، فقال: (فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ»)؛ أي: لمخالفته أمر الله تعالى بعدم الاستجابة للإنذار. وقال النوويّ - ﵀ -: معناه: وإذا لم يذهب بالإنذار علمتم أنه ليس من عوامر البيوت، ولا ممن أسلم من الجنّ، بل هو شيطان، فلا حرمة عليكم فاقتلوه، ولن يجعل الله له سبيلًا للانتصار عليكم بثأره، بخلاف العوامر، ومن أسلم، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي سعيد الخدريّ - ﵁ - هذا من أفراد المصنّف - ﵀ -. [تنبيه]: قد تكلّم الإمام ابن عبد البرّ - ﵀ - في إسناد هذا الحديث، فقال بعد أن ساقه من رواية مالك بسند مسلم ما ملخّصه: هكذا قال مالك في هذا الحديث: عن صيفيّ مولى ابن أفلح، وذكره الحميديّ عن ابن عيينة، عن ابن عجلان، عن صيفيّ مولى أبي السائب، عن رجل، قال: «أتيت أبا سعيد الخدريّ أعوده، فسمعت تحريكًا تحت سريره، فنظرت، فإذا حية، فأردت أن أقتلها. . .»، وذكر الحديث نحو حديث مالك، إلا أنه قد غَلِطَ في قوله فيه: «مولى أبي السائب»، ولم يُقِم إسناده، وقال فيه: عن رجل، وإنما هو صيفيّ، عن أبي السائب، ورواه يحيى القطان، عن ابن عجلان، عن صيفيّ، عن ابن السائب، عن أبي سعيد الخدريّ مختصرًا. ثم أخرجه من رواية الليث عن محمد بن عجلان. قال أبو عمر: رواية الليث لهذا الحديث عن ابن عجلان، كرواية مالك في إسناده ومعناه، ولا يضر اختلافهما في ولاء أبي سعيد صيفيّ؛ إذ قال مالك: مولى ابن أفلح، وقال فيه الليث: عن ابن عجلان، عن صيفيّ مولى الأنصار، وكذلك هو مولى الأنصار، إلا أنه لم يُحفظ لمن ولاؤه من الأنصار، وقد جوّده مالك في قوله: مولى ابن أفلح، وكذلك من قال فيه: مولى أفلح؛ لأن أفلح مولى أبي أيوب الأنصاريّ. وأما قول ابن عيينة: عن ابن عجلان، عن صيفيّ مولى أبي السائب، فلم يصنع شيئًا، ولم يُقِم الإسناد؛ إذ جعله مولى أبي السائب عن رجل، وإنما هو مولى ابن أفلح، عن أبي السائب، كذلك قال مالك: عن صيفيّ، عن أبي السائب، وكذلك قال الليث، ويحيى القطان، عن ابن عجلان، عن صيفيّ، عن أبي السائب. ومن قال في هذا الحديث: عن ابن عجلان، عن سعيد بن أبي سعيد، عن صيفيّ، فقد أفرط في التصحيف والخطأ، كذلك رواه عليّ بن حرب، عن ابن عيينة، عن ابن عجلان، وهذا لا خفاء به عند أهل العلم بالحديث، وإنما هو عن أبي سعيد صيفيّ، ولا معنى لِذِكر سعيد بن أبي سعيد هنا. ومن رواه أيضًا عن صيفيّ، عن أبي سعيد الخدريّ، فليس بشيء، وقد قَطَعه؛ لأن صيفيًّا لم يسمعه من أبي سعيد، وإنما يرويه عن أبي السائب. انتهى كلام ابن عبد البرّ - ﵀ - ، وهو بحثٌ نفيس ممتعٌ جدًّا، والله تعالى أعلم. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١/ ٥٨٢٥ و٥٨٢٦ و٥٨٢٧] (٢٢٣٦)، و(أبو داود) في «الأدب» (٥٢٥٧ و٥٢٥٨ و٥٢٥٩)، و(الترمذيّ) في «»الأحكام« (١٤٨٤)، و(النسائيّ) في »الكبرى« (٥/ ٢٧٤ و٦/ ٢٤١) وفي »عمل اليوم والليلة« (١/ ٥٣٩)، و(مالك) في »الموطّأ« (٢/ ٩٧٦ - ٩٧٧)، و(أحمد) في »مسنده« (٣/ ٤١ و٤٢٧)، و(ابن حبّان) في »صحيحه« (٥٦٣٧)، و(الطحاويّ) في »مشكل الآثار« (٤/ ٩٤ - ٩٥)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان الأمر بالإيذان للحيّات التي تسكن البيوت بالمدينة، ومثله في غيرها، قال القرطبيّ - ﵀ -: قد بيَّنَّا أن بغير المدينة أيضًا جنًّا قد أسلموا، فيلزم التسوية بينها وبين غيرها في المنع من قتل الحيَّات إلا بعد الإذن . ٢ - (ومنها): بيان ما كان عليه الصحابة - ﵃ - من امتثال أمر الله تعالى لهم بقوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ الآية [النور: ٦٢]. ٣ - (ومنها): ما كان عليه النبيّ - ﷺ - امتثال أمر الله تعالى له بالإذن لمن استأذنه بقوله: ﴿فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٦٢]. ٤ - (ومنها): بيان شدّة رأفته - ﷺ - بأصحابه، حيث أمر الفتى أن يَحْمل سلاحه حَذَرًا من غَدْر اليهود به، فكان مصداقًا لقوله: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨]. ٥ - (ومنها): ما قال القرطبيّ - ﵀ -: لا يُفهم من هذا الحديث أن هذا الجن الذي قتله الفتى كان مسلمًا، وأن الجنَّ قتلته به قصاصًا؛ لأنَّه لو سُلِّم أن القصاص مشروع بيننا وبين الجن، لكن إنما يكون في العمد المحض، وهذا الفتى لم يقصد، ولم يتعمد قَتْل نفس مسلمة؛ إذ لم يكن عنده علم من ذلك، وإنما قصد إلى قتل ما سوَّغ له قتل نوعه شرعًا، فهذا قتل خطأ، ولا قصاص فيه، فالأَولى أن يقال: إن كفار الجن، أو فَسَقَتهم قتلوا الفتى بصاحبهم عدوانًا وانتقامًا، وإنما قال النبيّ - ﷺ -: «إن بالمدينة جنًّا قد أسلموا. . .» إلى آخر الحديث؛ ليبيِّن طريقًا يحصل به التحرُّز من قَتْل المسلم منهم، ويتسلط به على قتل الكافر منهم، ولذلك قال: «فإذا رأيتم منها شيئًا فآذنوه ثلاثة أيام، فان بدا لكم بعد ذلك فاقتلوه، فإنما هو شيطان»، ولذلك قال مالك: أحبُّ إلي أن يُنذروا ثلاثة أيام، قال عيسى بن دينار: يُنذر ثلاثة أيام، وإن ظهر في اليوم مرارا، ولا يقتصر على إنذاره ثلاث مرار في يوم واحد، حتى يكون في ثلاثة أيام. قال القرطبيّ: وهذا تنبيه: على أن من الناس من يقول: إن الإذن ثلاث مرَّات، وهو الذي يُفهم من قوله: «فليُؤْذِنْه ثلاثًا»، ومن قوله: «وحَرِّجوا عليه ثلاثًا»؛ لأنَّ ثلاثًا للعدد المؤنث، فيظهر: أن المراد ثلاث مرَّات، والأَولى ما صار إليه مالك؛ لأنَّ قوله: «ثلاثة أيام» نصٌّ صحيح، مقيِّد لتلك المطلقات، فلا يُعدل عنه، ويمكن أن يُحمل تأنيث العدد على إرادة ليالي الأيام الثلاث، فغلّب الليلة على عادة العرب في باب التاريخ، فإنَّها تغلّب فيها التأنيث. انتهى ، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٥٨٢٦] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: سَمِعْتُ أَسْمَاءَ بْنَ عُبَيْدٍ، يُحَدِّثُ عَنْ رَجُلٍ، يُقَالُ لَهُ: السَّائِبُ - وَهُوَ عِنْدَنَا أَبُو السَّائِبِ - قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، فَبَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ، إِذْ سَمِعْنَا تَحْتَ سَرِيرِهِ حَرَكَةً، فَنَظَرْنَا، فَإِذَا حَيَّةٌ ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِقِصَّتِهِ، نَحْوَ حَدِيثِ مَالِكٍ، عَنْ صَيْفِيٍّ، وَقَالَ فِيهِ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إِنَّ لِهَذِهِ الْبُيُوتِ عَوَامِرَ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ شَيْئًا مِنْهَا، فَحَرِّجُوا عَلَيْهَا ثَلَاثًا، فَإِنْ ذَهَبَ، وَإِلَّا فَاقْتُلُوهُ، فَإِنَّهُ كَافِرٌ»، وَقَالَ لَهُمُ: «اذْهَبُوا، فَادْفِنُوا صَاحِبَكُمْ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (وَهْبُ بْنُ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ) الأزديّ البصريّ، ثقةٌ [٩] (ت ٢٠٦) (ع) تقدم في «الإيمان» ٥٠/ ٣١٥. ٢ - (أَسْمَاءُ بْنُ عُبَيْدِ) بن مُخارق، ويقال: مخراق الضُّبعيّ، أبو المفضّل البصريّ، والدُ جُوَيْرِيَةَ، ثقةٌ [٦]. رَوَى عن ابن سيرين، والشعبيّ، ونافع مولى ابن عمر، وأبي السائب مولى هشام بن زُهْرة، وغيرهم. وروى عنه شعيب بن الحبحاب، وهو أكبر منه، وابنه جُويرية، وجرير بن حازم، وحماد بن سلمة، وعدّةٌ. قال أحمد: هو من الرُّفَعاء، وقال ابن معين: ثقةٌ، وقال البخاريّ: مات سنة (١٤١)، وقال ابن حبان في «الثقات»: كان مكفوفًا. أخرج له البخاريّ في «الأدب المفرد»، والمصنّف، والنسائيّ في «اليوم والليلة»، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث. والباقون ذُكروا في الباب، وقبل باب. وقوله: (وَهُوَ عِنْدَنَا أَبُو السَّائِبِ) الظاهر أن هذا الكلام من مسلم، كما مرّ في السند الماضي، ويَحْتَمِل أن يكون ممن فوقه، والمعنى أن السائب الذي ذكره أسماء بن عُبيد هو أبو السائب، أخطأ فيه أسماء، ويَحْتَمِل أن يكون السائب اسم أبي السائب، وتقدّم أنه قيل في اسمه: عبد الله بن السائب، والله تعالى أعلم. وقوله: (فَحَرِّجُوا عَلَيْهَا ثَلَاثًا)؛ أي: ثلاث ليال، بدليل الرواية السابقة بلفظ «ثلاثة أيام»، أو يكون التقدير: «ثلاث مرّات»، والصواب الأول؛ جمعًا بين الروايتين. والتحريج: التضييق، ومنه الحديث: «اللهُمّ إِنّي أُحَرِّجُ حَقَّ الضَّعِيفَيْنِ: اليَتِيمِ والمَرْأَةِ»؛ أَي: أُضَيِّقُه، وأُحرِّمُه على من ظَلَمَهُمَا، وكذلك التَّحَرُّجُ، ومنه حديث اليَتَامَى: «تَحَرَّجُوا أَنْ يَأْكُلُوا مَعَهُم»؛ أَي: ضَيَّقوا على أَنفُسِهم . قال القرطبيّ: قال مالك - ﵀ -: يكفي في الإنذار أن يقول: أحرِّج عليك بالله، واليوم الآخر، أن لا تبدو لنا، ولا تؤذوننا، وحَكَى ابن حبيب عن النبيّ - ﷺ - أنَّه يقول: «أنشدكن بالعهد الذي أخذ عليكنّ سليمان، أن لا تؤذوننا، وأن لا تظهرن علينا». انتهى. وقال الزرقانيّ: صفة الإنذار ما رَوَى الترمذيّ، وحسّنه ، عن أبي ليلى قال: قال - ﷺ -: «إذا ظهرت الحية في المسكن، فقولوا لها: نسألك بعهد نوح، وبعهد سليمان بن داود، لا تؤذينا، فإن عادت فاقتلوها». ولأبي داود من حديثه أنه - ﷺ - سئل عن جِنّان البيوت، فقال: «إذا رأيتم منهنّ شيئًا في مساكنكم، فقولوا: أنشدكم العهد الذي أخذ عليكم نوح، أنشدكم العهد الذي أخذ عليكم سليمان، أن لا تؤذونا، فإن عُدن فاقتلوهنّ» . وقال مالك: يكفي أن يقال: أُحَرِّج عليكم بالله، واليوم الآخر، أن لا تَبدوا لنا، ولا تؤذونا. وقال في «الفتح»: معنى التحريج أن يقال لهنّ: أنتِ في ضِيق وحرج إن لبثت عندنا، أو ظهرتِ لنا، أو عُدت إلينا. وقوله: (وَإِلَّا فَاقْتُلُوهُ، فَإِنَّهُ كَافِرٌ) وفي الرواية الماضية: «فإن بدا لكم بعد ذلك فاقتلوه، فإنما هو شيطان» قال القاضي عياض: لأنه إذا لم يذهب بالإنذار بان أنه ليس من عُمّار البيوت، ولا ممن أسلم، وأنه شيطان، فقَتْله مباح، وأن الله - ﷿ - لم يجعل له سبيلًا إلى الاقتصاص ممن قتله، كما فعل لجنّان البيت، ومن أسلم، لم يُنْذَر. انتهى . وقال القرطبيّ: والأمر في ذلك للإرشاد، إلا إن تحقق الضرر، فيجب رفعه. قال الأبيّ: هل الموجب للاستئذان الإسلام، أو خوف مثل ما وقع للفتى؟ فإن كان الثاني فخوف وقوعه ممن لا يُسْلم أقوى، إلا أن يقال: يَحْتَمِل أن الله لم يُقدّر ذلك إلا على من يسلم دون الكافر، ويدل عليه قوله: «فإنه كافر»، «فإنه شيطان». انتهى. وبه جزم عياض كما رأيت، وهو مدلول الحديث، فالموجب للاستئذان الإسلام، فلا معنى للتوقف، والعجب أنه بعد أسطر نقل كلام عياض، قاله الزرقانيّ . [تنبيه]: رواية أسماء بن عبيد، عن رجل هذه لم أجد من ساقها تمامًا، إلا أن النسائيّ - ﵀ - ساقها في «الكبرى» بنوع من الاختصار، فقال: (١٠٨٠٩) - أخبرنا عبد الرحمن بن محمد بن سلّام، قال: حدّثنا يزيد، قال: أخبرنا جرير بن حازم، عن أسماء بن عبيد، عن رجل من أهل المدينة، يقال له: السائب، قال: كنا عند أبي سعيد الخدريّ، وهو جالس على سريره، فأبصرنا تحت سريره حيّةً، فقلنا: يا أبا سعيد هذه حية تحت السرير، فقال: لا تُهيجوها، قال رسول الله - ﷺ -: «إن لهذه البيوت عوامر، فإذا رأيتم شيئًا منها فحَرِّجوا عليه ثلاثًا، فإن ذهب، وإلا فاقتلوه، فإنه كافر»، مختصرٌ. انتهى ، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٥٨٢٧] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، حَدَّثَنِي صَيْفِيٌّ، عَنْ أَبِي السَّائِبِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إِنَّ بِالْمَدِينَةِ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ، قَدْ أَسْلَمُوا، فَمَنْ رَأَى شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الْعَوَامِرِ، فَلْيُؤْذِنْهُ ثَلَاثًا، فَإِنْ بَدَا لَهُ بَعْدُ فَلْيَقْتُلْهُ، فَإِنَّهُ شَيْطَانٌ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (ابْنُ عَجْلَانَ) هو: محمد بن عجلان القرشيّ، مولى فاطمة بنت الوليد، أبو عبد الله المدنيّ، صدوقٌ، إلا أنه اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة [٥] (ت ١٤٨) (خت م ٤) تقدم في «الإيمان» ١٠/ ١٥٠. والباقون ذُكروا في الباب، وقبل باب، و«يحيى بن سعيد» هو: القطّان. وقوله: (إِنَّ بِالْمَدِينَةِ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ، قَدْ أَسْلَمُوا. . . إلخ) قال القاضي عياض - ﵀ -: هذا إعلام أن من الجنّ من قد أسلم بالمدينة، وأنه قد يَتصوّر في صور الحيّات، ولهذا يذهب من ذهب إلى أن ذلك مخصوصٌ بالمدينة؛ لتخصيصه بالذِّكر، وحجة الآخَر أن تخصيصه بالمدينة حينئذ، إما لأنه كلّم مسلمي المدينة من بني آدم، وأعْلَمَهم بحكمهم مع من أسلم منهم من جنّها، وأنه إذا أسلم سائر بني آدم في بلادهم، فحُكْمهم ذلك الحكم مع جنّهم، أو لعله لم يكن أسلم حينئذ من الجنّ سوى مَن بالمدينة . قال: ويقتضي أن حُكم بيوت المدينة وغير بيوتها سواء، وأن المراد بالحديث الآخر بالبيوت: موضع العمارة، والسكنى، لا الصحاري. قال: ورتّب بعض العلماء هذه الأحاديث، بأن الأمر بقتل الحيّات مطلقًا مخصوص بنهيه - ﷺ - عن حيّات البيوت، إلا الأبتر، وذا الطفيتين، فإنهما يُقتلان على كلّ حال، كان في البيوت، أو غيرها، أو ما ظهر منها بعد الإنذار، ويخصّ الإطلاق بالنهي عن قتل الجنّان على ذوات البيوت أيضًا إلا ما خُصّ منه من الأبتر، وذي الطفيتين. انتهى . وقوله: (مِنْ هَذِهِ الْعَوَامِرِ) قال ابن الأثير - ﵀ -: العوامر: الحيّات التي تكون في البيوت، واحدها عامرٌ، وعامرةٌ، وقيل: سُمّيت عوامر؛ لطول عمرها. انتهى . وقوله: (فَلْيُؤْذِنْهُ) بضمّ حرف المضارعة، من الإيذان، وهو الإعلام، والمراد به إنذاره بما سبق. وقوله: (ثَلَاثًا) تقدّم أن الأَولى أن يقال: ثلاث ليال؛ ليتوافق مع رواية: «ثلاثة أيام»، وقيل: المعنى: ثلاث مرّات، وفيه نظر. وقوله: (فَإِنْ بَدَا لَهُ بَعْدُ)؛ أي: ظهر ذلك العامر بعد الإنذار ثلاث ليال،
مصادر المؤلف (٣٧)

١. «صحيح البخاريّ» ٢/ ٦٥٠.

٢. وفي نسخة: «فما نَدري».

٣. «النهاية في غريب الأثر» ٣/ ٢٠٤.

٤. «المصباح المنير» ٢/ ٤٠١.

٥. «تاج العروس» ١/ ٨١٠٩.

٦. «تنبيه المعلم» ص ٣٨١.

٧. «التمهيد» لابن عبد البرّ ١٦/ ٢٦٠.

٨. «الكاشف عن حقائق السُّنن» ٩/ ٢٨٢٣.

٩. «المصباح المنير»٢/ ٤٠٢.

١٠. «تاج العروس»١/ ٦٢٩٥.

١١. «شرح النوويّ»١٤/ ٢٣٤.

١٢. «المفهم»٥/ ٥٣٦.

١٣. «المصباح المنير» ١/ ٢٨٤.

١٤. المصراعان من الأبواب: بابان منصوبان ينضمّان جميعًا، مدخلهما في الوسط منهما، قاله في «القاموس».

١٥. «القاموس المحيط» ص ٨٠٣.

١٦. «المفهم» ٥/ ٥٣٧.

١٧. «النهاية» ص ٦٨٥.

١٨. «مشارق الأنوار» ٢/ ١٤١.

١٩. راجع: «المصباح المنير» ٢/ ٥٣٦.

٢٠. «المعجم الوسيط» ١/ ٣٧١.

٢١. «الكاشف عن حقائق السُّنن» ٩/ ٢٨٢٣.

٢٢. «المفهم» ٥/ ٥٣٧.

٢٣. «الكاشف عن حقائق السُّنن»٩/ ٢٨٢٤.

٢٤. «التمهيد» لابن عبد البرّ ١٦/ ٢٥٧ - ٢٦٢.

٢٥. «المفهم» ٥/ ٥٣٧ - ٥٣٨.

٢٦. «المفهم» ٥/ ٥٣٨.

٢٧. وفي نسخة: «فدخلنا».

٢٨. وفي نسخة: «فإذا هي حيّةٌ».

٢٩. «تاج العروس» ١/ ١٣٥٩.

٣٠. في سنده محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وهو متكلَّم فيه، ولذا ضعَّف الحديث بعضهم.

٣١. فيه الكلام الذي قبله.

٣٢. «شرح الزرقاني» ٤/ ٤٩٧.

٣٣. «شرح الزرقانيّ» ٤/ ٤٩٧.

٣٤. «السُّنن الكبرى» للنسائيّ ٦/ ٢٤٢.

٣٥. هذا فيه نظر، لأن آية ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ﴾ الآية [الأحقاف: ٢٩]، نصّ في إسلام جنّ غير المدينة، فتنبّه.

٣٦. «إكمال المعلم» ٧/ ١٧١ - ١٧٢.

٣٧. «النهاية في غريب الأثر» ص ٦٤١.