HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٢٦٠

حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «مَنْ لَعِبَ بِالنَّرْدَشِيرِ، فَكَأَنَّمَا صَبَغَ يَدَهُ فِي لَحْمِ خِنْزِيرٍ وَدَمِهِ».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج7 ص50
ج ٤ ص ١٧٧٠

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٣ مصادر سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣٦ ص٦٤٧
إليه، بل يجب الإنكار عليه، فإنْ لم يُمكن ذلك؛ فمن خاف من لسانه تعيَّن عليه أن يداريه ما استطاع، ويدافعه بما أمكن، ولا يحلّ أن يعطي شيئًا ابتداء؛ لأنَّ ذلك عون على المعصية، فإن لم يجد من ذلك بدًّا أعطاه بنيّة وقاية العِرض، فما وَقَى به المرءُ عِرضه كُتب له به صدقة. انتهى . (لأَنْ يَمْتَلِئَ جَوْفُ رَجُلٍ قَيْحًا، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا») تقدّم شرح هذه الجملة في الحديث الماضي، ولله الحمد والمنّة. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي سعيد الخدريّ -﵁- هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١/ ٥٨٨١] (٢٢٥٩)، و(أحمد) في«مسنده»(٣/ ٨ و٤١)، و(الطبريّ) في«تهذيب الآثار»(٢/ ٦٢١)، و(البيهقيّ) في«الكبرى» (١٠/ ٢٤٤)، والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ (٢) - (بَابُ تَحْرِيمِ اللَّعِبِ بِالنَّرْدَشِيرِ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٥٨٨٢] (٢٢٦٠) - (حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ، عَنْ سُلَيمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَن النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: «مَنْ لَعِبَ بِالنَّرْدَشِيرِ، فَكَأَنَّمَا صَبَغَ يَدَهُ فِي لَحْمِ خِنْزِيرٍ، وَدَمِهِ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عَلْقَمَةُ بْنُ مَرْثَدٍ) الْحَضْرميّ، أبو الحارث الكوفيّ، ثقةٌ [٦] (ع) تقدم في «الطهارة» ٢٥/ ٦٤٨. ٢ - (سُلَيْمَانُ بْنُ بُرَيْدَةَ) بن الْحُصيب الأسلميّ المروزيّ، قاضيها، ثقةٌ [٣] (ت ١٠٥) وله تسعون سنةً (م ٤) تقدم في «الطهارة» ٢٥/ ٦٤٨. ٣ - (أَبُوهُ) بُريدة بن الْحُصيب، أبو عبد الله الأسلميّ الصحابيّ، أسلم قبل بدر، ومات سنة (٦٣) (ع) تقدم في «الإيمان» ١٠٠/ ٥٣٣. والباقون ذُكروا في الباب. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀، وفيه رواية الراوي عن أبيه. شرح الحديث: (عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ النَّبِىَّ -ﷺ- قَالَ: «مَنْ لَعِبَ) -بفتح اللام، وكسر العين المهملة-، قال الفيّوميّ ﵀: لَعَب يَلعَبُ لَعِبًا، بفتح اللام، وكسر العين، ويجوز تخفيفه بكسر اللام، وسكون الَعين، قال ابن قتيبة: ولم يُسمع في التخفيف فتح اللام، مع السكون، واللُّعْبَةُ وزانُ غرفة اسم منه، يقال: لِمَن اللُّعبَةُ؟، وفَرَغ من لُعْبَتِهِ، وكل ما يُلْعَب به فهو لُعْبَةٌ، مثل الشطرنج، والنَّرْد، وهو حَسَنُ اللِّعبَةِ بالكسر للحال، والهيئة التي يكون الإنسان عليها، واللَّعبَةُ -بالفتح- المرة. انتهى) . (بِالنَّرْدَشِيرِ) قال المناويّ ﵀: هو بفتح النون، وسكون الراء، ودال مهملتين: قِطَعٌ مُلَوَّنة من خشب البَقْس ، وعَظْم الفيل، وغير ذلك. انتهى . وقال في «التاج»: قال الصاغانيُّ: النَّرْدُ: معروفٌ، شيءٌ يُلْعَب به، قال ابنُ دُريد: فارسيّ مُعَرَّبٌ، واخْتُلِف في واضِعه كما اخْتُلِف في واضِع الشِّطْرَنْج، فقيلٍ: وضَعَه أَرْدَشِيرُ ابنُ بَابَك، من مُلوكِ الفُرْسِ، ولهذا يُقَالُ له: النَّرْدَشير إِضافَة له إِلى واضِعِه، وقد ورد هكذا في الحَديث -يعني: حديث الباب- وقال ابنُ الأَثير: النَّرْدُ اسمٌ أَعجميٌّ، مُعَرَّب، وشِير بمعنى حُلْوٍ. وتعقّب صاحب «التاج» ابن الأثير، فقال: وقوله: شير بمعنى حُلْو، وَهُمٌ، بل شِير هو الأَسد، إِذا كَانَت الكَسْرَةُ مُمَالَةً، دماِذا كانت خالِصَةً فمعناه اللَّبَن، وأَما الذي مَعناه الحُلْوُ، فإِنما هو شِيرين، كما هو مَعْرُوفٌ عِنْدَهم، وقد ذَكَر المُؤرِّخون في سَبب تَسْميَتهِ أَرْدَ شيرَ وُجُوهًا، منها أَن الأَسدَ شَمَّه، وهو صَغِيرٌ، وتَرَكه، ولم يَأْكُلْه، وقيل: لِشجاعتِه فَرَاجِع المُطَوّلات. انتهى . (فَكَأِنَّمَا صَبَغَ يَدَهُ)؛ أي: غمسها، قال المجد ﵀: صَبَغَه، كمنعه، وضربه، ونصره صَبْغًا، وصِبَغًا، كعِنَبٍ: إذا لَوّنه، ويده بالماء: غمسها فيه. انتهى ، والمعنى الثاني هو المناسب هنا، والله تعالى أعلم. (فِي لَحْمِ خِنْزِيرٍ، وَدَمِهِ») قال النوويّ: معناه: في حال أَكْله منه، فشبَّه اللعب في تحريمه بتحريم آكله، وقال غيره: هو كناية عن تذكيته، وهي حرام، فدلّ على تحريم اللعب به. وفي«الموطّأ»: من حديث أبي موسى الأشعريّ -﵁-، مرفوعًا:«من لَعِب بالنرد، فقد عصى الله، ورسوله -ﷺ-»، قال الزرقانيّ ﵀: لأنه يوقع العداوة، والبغضاء، ويصدّ عن ذِكر الله تعالى، وعن الصلاة، ويَشْغل القلب، فيَحْرُم اللعب به باتفاق السلف، بل حَكَى بعضهم عليه الإجماع، ونوزع. وقيل: سبب حرمته أن واضعه سابور بن أردشير أول ملوك ساسان شَبّه رقعته بوجه الأرض، والتقسيم الرباعي بالفصول الأربعة، والشخوص الثلاثين بثلاثين يومًا، والسواد والبياض بالليل والنهار، والبيوت الاثني عشر بشهور السنة، والكعاب الثلاثة بالأقضية السماوية في ما للإنسان وعليه، وما ليس له ولا عليه، والخصال بالأغراض التي يسعى الإنسان لأجلها، واللعب بها بالكسب، فصار من يلعب به حقيقًا بالوعيد؛ لاجتهاده في إحياء سنّة المجوس المستكبِرة على الله. انتهى . وقال القرطبيّ ﵀: قيَّدنا النردشير بفتح الدال، وكسر الراء، وكأنهما كلمة واحدة، مبنيَّة الوسط، قال الخليل: النرد: فارسيّ. قال القرطبيّ: وكان النردشير نوع من النَّرد. وهو لعبة مقصودها القمار، وأكل المال بالباطل، مع ما فيها من الصدّ عن ذكر الله، وعن الصلاة، وعمَّا يفيد الإنسان في دينه ودنياه، ومع ما يطرأ فيها من الشحناء، والبغضاء، ولذلك شدَّد النبيّ -ﷺفي لَعْبها فقال -فيما رواه مالك عن أبي موسى ﵁-: «مَنْ لَعِب بالنرد، فقد عصى الله ورسوله»، وهذا نصٌّ في تحريم النَّرد، وهو المراد بقوله: «فكأنما صبغ يده في لحم خنزير، ودمه»، فإنَّ هذا الفعل في الخنزير حرام؛ لأنَّه إنما عَنَى بذلك تذكية الخنزير، وهي حرام بالاتفاق، ولذلك لم يُختلَف فيه، ويُلحق به كل ما يقامَر به، كالشطرنج، والأربعة عشر، وغير ذلك مما في معناه. واختُلف في الشطرنج إذا لم يقامر به، فقيل: إنه على التحريم، وهو ظاهر قول مالك، والليث؛ حيث قالا: إنَّها شرّ من النَّرد، وألهى، ويؤيد هذا أحاديث رواها عبد الملك بن حبيب تقتضي ذمَّ لاعب الشطرنج، ولَعْنه، ولا شك في أن من ظن التحريم فيها إنَّه يردُّ شهادة اللاعب بها. وذهبت طائفة إلى أن ذلك مكروه، وهو نصُّ المذهب -يعني: المالكيّة- غير أن من أصحابنا من تأوَّله على التحريم، والكراهة مذهب الشافعيّ، وأبي حنيفة، ولا يردّان شهادة من لعب بها من غير قمار، وقال مالك: تسقط شهادة المدمن عليها. وقال بعض أصحابنا: إن المحرَّم إنَّما هو الإدمان عليها، فأما لو لم يُدمن عليها، وتستَّر باللعب بها مع الأَكْفاء والنُّظراء، وسَلِمَ من المفاسد التي ذكرناها فهي مباحة، وقد فسَّر بعض أصحابنا هذا: بأن يلعبها مرَّة في السَّنة، وهذا شذوذ. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ . قال الجامع عفا الله عنه: الذي يرجح عندي تحريم اللعب بالنرد، والشطرنج؛ لظهور أدلّتها كما سيأتي تحقيقه في المسألة الثالثة -إن شاء الله تعالى-. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث بُريدة بن الحصيب -﵁- هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢/ ٥٨٨٢] (٢٢٦٠)، و(أبو داود) في «الأدب» (٤٩٣٩)، و(ابن ماجه) في «الآداب» (٣٧٦٣)، و(البخاريّ) في «الأدب المفرد» (١٢٧١)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (٨/ ٧٣٥)، و(أحمد) في «مسنده» (٥/ ٣٥٢ و٣٥٧ و٣٦١)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٥٨٧٣)، و(البغويّ) في «شرح السنّة» (٣٤١٥)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في اللعب بالنرد، والشطرنج، ونحوهما: قال النوويّ ﵀: وهذا الحديث حجة للشافعيّ، والجمهور في تحريم اللعب بالنرد، وقال أبو إسحاق المروزيّ من أصحابنا: يُكره، ولا يحرم، وأما الشطرنج فمذهبنا أنه مكروه، ليس بحرام، وهو مرويّ عن جماعة من التابعين، وقال مالك، وأحمد: حرام، قال مالك: هو شرّ من النرد، وألهى عن الخير، وقاسُوه على النرد، وأصحابنا يمنعون القياس، ويقولون: هو دونه. انتهى . وقال الإمام أبو عمر بن عبد البرّ ﵀ عند شرح حديث أبي موسى -﵁- مرفوعًا، بلفظ: «من لَعِب بالنرد، فقد عصى الله ورسوله» ما حاصله: وهذا الحديث يُحَرِّم اللعب بالنرد جملةً واحدةً، لم يستثن وقتًا من الأوقات، ولا حالًا من حال، فسواء شَغَل النرد عن الصلاة، أو لم يَشْغَل، أو ألهى عن ذلك، ومثلِهِ، أو لم يفعل شيئًا من ذلك، على ظاهر هذا الحديث، قال: والنَّرد قِطَعٌ مُلَوَّنةٌ، تكون من خشب البَقْس ، ومن عَظْم الفيل، ومن غير ذلك، وهو الذي يُعرف بالطبل، وُيعرف بالكعاب، ويُعرف أيضًا بالأرن، وُيعرف أيضًا بالنردشير. واختَلَف العلماء في اللعب بالنرد، فكره ذلك مالك، على ما ذكرنا عنه، ولم يَختلف أصحابه في كراهة اللعب بها، وذكر ابن وهب كراهية اللعب بالنرد، والشطرنج عن ابن عمر، وعائشة، وأبي موسى الأشعريّ، والقاسم بن محمد، وسعيد بن المسيِّب، قال: وأكثرُهم فيما تدل ألفاظ الآثار عنهم إنما كرهوا المقامرة بها، وقال الشافعيّ: أكره اللعب بالنرد؛ للخبر، واللاعبُ بالشطرنج، والحَمَام بغير قمار، هان كرهناه أيضًا أخفُّ حالًا، وقال أبو حنيفة، وأصحابه: يكره اللعب بالشطرنج، والنرد، والأربعة عشر، وكل اللهو، فإن لم يظهر من اللاعب بها كبيرة، وكانت محاسنه أكثر من مساويه قُبلت شهادته عندهم، وقول مالك، وأصحابه مثل ذلك، إلا أن مذهبهم في شهادته أنه لا تجوز شهادة اللاعب بالنرد، ولا شهادة الْمُدمِن على لعب الشطرنج، وقال بعضهم: النرد، والشطرنج سواء، لا يكره إلا الإدمان عليهما، وقال بعضهم: الشطرنج شرّ من النرد، فلا تجوز شهادة اللاعب بها، هان لم يكن مُدْمِنًا، وممن قال ذلك: الليثُ بن سعد، ذكره ابن وهب عنه، قال: اللعب بالشطرنج لا خير فيه، وهي شرّ من النرد، وقال ابن شهاب: هي من الباطل، ولا أحبها، ذكره ابن وهب عن يحيى بن أيوب، عن عُقيل، عنه، وأما الشافعيّ فلا تَسقُط عند أصحابه في مذهبه شهادة اللاعب بالنرد، ولا بالشطرنج، إذا كان عَدْلًا في جميع أحواله، ولم يظهر منه سَفَهٌ، ولا رِيبة، ولا كبيرة، إلا أن يلعب بها قمارًا، فإن لَعِب بها قمارًا، أو كان بذلك معروفًا سقطت عدالته، وسَفِهَ نَفْسَهُ لأكله المالَ بالباطل، ولم يَختلف العلماء أن القمار من الميسر المحرَّم، وأكثرهم على كراهة اللعب بالنرد، على كل حال، قمارًا، أو غير قمار؛ للخبر الوارد فيها، قال: وما أعلم أحدًا أرخص في اللعب بها إلا ما جاء عن عبد الله بن مغفل، وعكرمة، والشعبيّ، وسعيد بن المسيِّب، فإن شعبة رَوَى عن يزيد بن أبي خالد، قال: دخلت على عبد الله بن المغفَّل، وهو يلاعب امرأته الخضيراء بالقصاب -يعني: النردشير- ورُوي عن عكرمة، والشعبيّ أنهما كانا يلعبان بالنرد، وذكر ابن قتيبة عن إسحاق بن راهويه، عن النضر بن شُميل، عن شعبة، عن عبد ربه، قال: سمعت سعيد بن المسيِّب، وسئل عن اللعب بالنرد، فقال: إذا لم يكن قمارًا، فلا بأس به، قال إسحاق: إذا لعبه على غير معنى القمار، يريد به التعليم، والمكايدة، فهو مكروه، ولا يبلغ ذلك إسقاط شهادته. قال ابن عبد البرّ: ثبت عن النبيّ -ﷺ- أنه نَهَى عن اللعب بالنرد، فأخبر أن فاعل ذلك عاصٍ لله، ورسوله -ﷺ-، فلا معنى لِمَا خالف ذلك، وكلُّ من خالف السُّنَّة فمحجوج بها، والحقّ في اتباعها، والضلالُ فيما خالفها، إلا أنه يَحْمِل اللعب بالنرد المنهيّ عنه على وجه القمار، وحَمْل ذلك على العموم قمارًا، أو غير قمار أَوْلى، وأحوط -إن شاء الله-. قال: وأما الشطرنج فاختلاف أهل العلم في اللعب بها على غير اختلافهم في اللعب بالنرد؛ لأن كثيرًا منهم أجاز اللعب بالشطرنج ما لم يكن قمارًا، منهم: سعيد بن المسيِّب، وسعيد بن جبير، ومحمد بن سيرين، ومحمد بن المنكدر، وعروة بن الزبير، وابنه هشمام، وسليمان بن يسار، وأبو وائل، والشعبيّ، والحسن البصريّ، وعليّ بن الحسين بن عليّ، وجعفر بن محمد، وابن شهاب، وربيعة، وعطاء، كلُّ هؤلاء يجيز اللعب بها على غير قمار، وقد رُوي عن سعيد بن المسيب في الشطرنج أنها مَيْسِر، وهذا محمول عندنا على القمار؛ لئلا تتعارض الروايات عنه، ولا يختلف العلماء في أن المقامرة عليها، وأكل الخطر بها لا يحلّ، وأنه من المَيْسِر المحرَّم، وفاعل ذلك المشهور به سفيه، لا تجوز شهادته. قال: وتحصيل مذهب مالك، وجمهور الفقهاء في الشطرنج، إن من لم يقامر بها، ولَعِب مع أهله في بيته، مستترًا به مرّة في الشهر، أو العام لا يُطَّلَع عليه، ولا يُعْلَم به أنه معفوّ عنه، غير محرّم عليه، ولا مكروه له، وأنه إن تخلّع به، واستهتر فيه، سقطت مروءته، وعدالته، ورُدّت شهادته، وهو يدلك على أنه ليس بمحرم لنفسه وعينه؛ لأنه لو كان كذلك لاستوى قليله وكثيره في تحريمه، وليس بمضطرّ إليه، ولا مما لا يُنْفَكّ عنه، فيعفى عن اليسير منه. انتهى كلام ابن عبد البرّ ﵀ . قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي ذكره الأمام ابن عبد البرّ ﵀ في هذه المسألة تحقيقٌ نفيسٌ جدًّا. وخلاصته أن القول بتحريم اللعب بالنرد هو الصحيح؛ لظهور أدلّته، ولا سيّما لفظ: «فقد عصى الله، ورسوله»، فانه صريح في كونه حرامًا، وهذا يشمل ما كان قمارًا، أو غيره؛ لعموم اللفظ، وأما اللعب بالشطرنج، فالحقّ تحريمه إن كان قمارًا، أو ألهى عن الصلاة، أو عن ذكر الله تعالى، أو نحو ذلك، وإلا فأمره أخفّ؛ لأنه لم يرد نصّ بتحريمه، فتبصّر بالإمعان، والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ قال الجامع الفقير إلى مولاه الغنيّ القدير محمد ابن الشيخ العلامة عليّ بن آدم بن موسى خُويدم العلم بمكة المكرّمة -عفا الله عنه وعن والديه-: قد انتهيتُ من كتابة الجزء السادس والثلاثين من «شرح صحيح الإمام مسلم» المسمَّى «البحرَ المحيطَ الثّجّاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجّاج» بعد صلاة المغرب ليلة الخميس المباركة، وهي الليلة الثالثة والعشرون من جمادى الثانية (٦/ ٢٣/ ١٤٣٢ هـ الموافق ٢٦ مايو ٢٠١١ م). أسأل الله العليّ العظيم ربّ العرش العظيم أن يجعله خالصًا لوجهه الكريم، وسببًا للفوز بجنات النعيم لي ولكلّ من تلقّاه بقلب سليم، إنه بعباده رؤوف رحيم. وآخر دعوانا: ﴿أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠]. ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ الآية [الأعراف: ٤٣]. ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٢)﴾ [الصافات: ١٨٠ - ١٨٢]. «اللهم صلّ على محمد، وعلى آل محمد، كما صلّيت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد». «السلام عليك أيها النبيّ ورحمة الله وبركاته». ويليه -إن شاء الله تعالى- الجزء السابع والثلاثون مفتتحًا بـ (٤٤) - (كِتَابُ الرُّؤَيا) رقم الحديث [٥٨٨٣] (٢٢٦١). «سبحانك اللهمّ وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك».
مصادر المؤلف (١٢)

١. «المفهم» ٥/ ٥٢٨ - ٥٢٩.

٢. «المصباح المنير» ٢/ ٥٥٤.

٣. الْبَقْس بفتح، فسكون: نوع من الأشجار.

٤. «شرح الزرقاني على الموطّا» ٤/ ٤٥٥.

٥. «تاج العروس» ١/ ٢٢٩٦.

٦. «القاموس المحيط» ص ٧٢٧.

٧. «شرح الزرقاني» ٤/ ٤٥٥.

٨. «المفهم» ٥/ ٥٦٠ - ٥٦١.

٩. «شرح النوويّ» ١٥/ ١٥.

١٠. الْبَقْس بفتح، فسكون: تقدّم أنه نوع من الأشجار.

١١. التمهيد لابن عبد البر ١٣/ ١٧٨ - ١٨٣.

١٢. قال الجامع عفا الله عنه: مدّة ما بينه وبين الجزء الذي قبله في الكتابة شهران، وعشرة أيام، وهذا من فضل ربي، وله الحمد، والفضل، والمنّة.