HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٢٧٤

فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَسَأَلْتُ عَنْ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ «إِنَّكَ أَرَى الَّذِي أريت فيك ما رأيت» فَأَخْبَرَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُ فِي يَدَيَّ سِوَارَيْنِ مِنْ ذَهَبٍ. فَأَهَمَّنِي شَأْنُهُمَا. فَأُوحِيَ إِلَيَّ فِي الْمَنَامِ أَنِ انْفُخْهُمَا. فَنَفَخْتُهُمَا فَطَارَا. فَأَوَّلْتُهُمَا كَذَّابَيْنِ يَخْرُجَانِ مِنْ بَعْدِي. فَكَانَ أَحَدُهُمَا الْعَنْسِيَّ، صَاحِبَ صَنْعَاءَ. وَالْآخَرُ مُسَيْلِمَةَ صَاحِبَ اليمامة».
ج ٤ ص ١٧٨١

سلسلة الرواة

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣٧ ص١٤٢
إذ رؤيا الأنبياء وحي، وبالنسبة لغيره بشرى؛ إذ هي جزء من ستّة وأربعين جزءًا من النبوّة. ٢ - (ومنها): بيان فضيلة السواك، وقد تقدّم ما يتعلّق بذلك في «كتاب الطهارة»، فراجعه تستفد. ٣ - (ومنها): أن فيه تقديمَ ذي السنّ في السواك، ويلتحق به الطعام، والشراب، والمشيُ، والكلام، قاله ابن بطال، وقال المهلَّب: هذا ما لم يترتب القوم في الجلوس، فإذا ترتبوا فالسُّنَّة حينئذ تقديم الأيمن؛ لحديث: «الأيمنون، الأيمنون»، متّفقٌ عليه. ٤ - (ومنها): أن استعمال سواك الغير ليس بمكروه، إلا أن المستحب أن يغسله، ثم يستعمله، لحديث عن عائشة -﵂- في «سنن أبي داود»، قالت: «كان رسول الله -ﷺ- يعطيني السواك لأغسله، فأبدأ به، فأستاك، ثم أغسله، ثم أدفعه إليه»، وهذا دالّ على عظيم أدبها، وكبير فطنتها؛ لأنها لم تغسله ابتداءً حتى لا يفوتها الاستشفاء بريقه -ﷺ-، ثم غسلته تأدبًا، وامتثالًا. ويَحْتَمِل أن يكون المراد بأمرها بغسله: تطييبه، وتليينه بالماء قبل أن يستعمله، والله تعالى أعلم . وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّل الكتاب قال: [٥٩١٩] (٢٢٧٢) - (حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ عَبْدُ اللهِ بْنُ بَرَّادٍ الأَشْعَرِيُّ، وَأَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ -وَتَقَارَبَا فِي اللَّفْظِ- قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ جَدِّهِ، عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: «رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أُهَاجِرُ مِنْ مَكَّةَ إِلَى أَرْضٍ بِهَا نَخْلٌ، فَذَهَبَ وَهَلِي إِلَى أَنَّهَا الْيَمَامَةُ، أَوْ هَجَرُ، فَإِذَا هِيَ الْمَدِينَةُ يَثْرِبُ، وَرَأَيْتُ فِي رُؤْيَايَ هَذِهِ أَنِّي هَزَزْتُ سَيْفًا، فَانْقَطَعَ صَدْرُهُ، فَإِذَا هُوَ مَا أُصِيبَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ أُحُدٍ، ثُمَّ هَزَزْتُهُ أُخْرَى، فَعَادَ أَحْسَنَ مَا كَانَ، فَإِذَا هُوَ مَا جَاءَ اللهُ بِهِ مِنَ الْفَتْحِ، وَاجْتِمَاعِ الْمُؤْمِنِينَ، وَرَأَيْتُ فِيهَا أَيْضًا بَقَرًا، وَاللهُ خَيْرٌ، فَإِذَا هُمُ النَّفَرُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ أُحُدٍ، وَإِذَا الْخَيْرُ مَا جَاءَ اللهُ بِهِ مِنَ الْخَيْرِ بَعْدُ، وَثَوَابُ الصِّدْقِ الَّذِي آتَانَا اللهُ بَعْدُ يَوْمَ بَدْرٍ»). رجال هذا الإسناد: ستّة: ١ - (أَبُو عَامِرٍ عَبْدُ اللهِ بْنُ بَرَّادٍ الأَشْعَرِيُّ) هو: عبد الله بن بَرّاد بن يوسف بن أبي بُردة بن أبي موسى الأشعريّ، أبو عامر الكوفيّ، صدوق [١٠] (خت م) تقدم في«المقدمة»٦/ ٥١. ٢ - (أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ) بن كُريب الْهَمْدانيّ الكوفيّ، مشهور بكنيته، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٤٧) وهو ابن سبع وثمانين سنةً (ع) تقدم في«الإيمان»٤/ ١١٧. ٣ - (أَبُو أُسَامَةَ) حمّاد بن أسامة الكوفيّ، تقدّم قريبًا. ٤ - (بُرَيْدُ) بن عبد الله بن أبي بُرْدة بن أبي موسى الأشعريّ الكوفيّ، ثقةٌ يخطئ قليلًا [٦] (ع) تقدم في«الإيمان»١٦/ ١٧١. ٥ - (أَبُو بُرْدَةَ) بن أبي موسى الأشعريّ، قيل: اسمه عامر، وقيل: الحارث الكوفيّ، وُلد بالبصرة، ثقةٌ [٣] (ت ١٠٤) وقيل غير ذلك، وقد جاز الثمانين (ع) تقدم في«الإيمان»١٦/ ١٧١. ٦ - (أَبُو مُوسَى) عبد الله بن قيس بن سُليم بن حَضّار -بفتح المهملة، وتشديد الضاد المعجمة- الأشعريّ الصحابيّ المشهور، أَمَّره عمر، ثم عثمان، وهو أحد الْحَكَمين بِصِفِّين، مات سنة خمسين، وقيل: بعدها (ع) تقدم في«الإيمان»١٦/ ١٧١. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-، وأنه مسلسل بالكوفيين من أوله إلى آخره، وأن شيخه الأول من أفراده، والثاني من التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا واسطة، وفيه رواية الراوي عن جدّه، عن أبيه، وفيه الصحابيّ الجليل أبو موسى الأشعريّ الحسن الصوت بالقرآن الذي قال له النبيّ -ﷺ-:«يا أبا موسى، لقد أُوتيت مزمارًا من مزامير آل داود»، متّفقٌ عليه، وفي لفظ لمسلم:«إن عبد الله بن قيس، أو: الأشعريَّ أُعطي مزمارًا من مزامير آل داود»، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي بُرْدَةَ جَدِّهِ) بالجرّ بدلًا أو عطفَ بيان لأبي بردة؛ أي: إن أبا بردة جدّ لبُريد، والد أبيه عبد الله، فهو بُريد بن عبد الله بن أبي بُردة، وكنيته أيضًا أبو بردة كجدّه. (عَنْ) أبيه (أَبِي مُوسَى) الأشعريّ -﵁- (عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ-) أنه (قَالَ:«رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أُهَاجِرُ) بضمّ أوله، وكسر ثالثه، مبنيًّا للفاعل، وفي بعض النسخ: »أني هاجرتُ« (مِنْ مَكَّةَ إِلَى أَرْضٍ بِهَا)؛ أي: فيها (نَخْلٌ) قال الفيّوميّ -﵀-: النَّخْلُ: اسم جمع، الواحدة نَخْلَةٌ، وكلُّ جَمْع بينه وبين واحده الهاء، قال ابن السِّكِّيت: فأهل الحجاز يؤنثون أكثره، فيقولون: هي التمر، وهي البرّ، وهي النخل، وهي البقر، وأهل نجد، وتميم يُذَكِّرون، فيقولون: نَخْلٌ كريمٌ، وكريمة، وكرائم، وفي التنزيل: ﴿نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾، و﴿نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾، وأما النَّخِيلُ بالياء فمؤنّثة، قال أبو حاتم: لا اختلاف في ذلك. انتهى . وقال القرطبيّ -﵀-: «رأيت في المنام أني أهاجر … إلخ» هذا يدلُّ على أن هذه الرؤيا وقعت له، وهو بمكة قبل الهجرة، وأن الله تعالى أطلعه بها على ما يكون من حاله، وحال أصحابه يوم أُحد، وبأنهم يصاب من صدورهم معه، وأن الله تعالى يثبّتهم بعد ذلك، ويجمع كلمتهم، ويقيم أمرهم، ويعزُّ دينهم، وقد كمَّل الله تعالى له ذلك بعد بدر الثانية، وهي المرادة في هذا الحديث على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى. انتهى . (فَذَهَبَ وَهَلِي) بفتحتين؛ أي: وَهْمي، واعتقادي، قال في «الفتح»: قال ابن التين: رَوَيناه «وَهَلِي» بفتح الهاء، والذي ذكره أهل اللغة بسكونها، تقول: وَهَلْتُ بالفتح أَهِلُ وَهْلًا: إذا ذهب وَهْمُك إليه، وأنت تريد غيره، مثلُ وَهِمْتُ، ووَهِلَ يَوْهَلُ وَهَلًا بالتحريك: إذا فَزِعَ، قال: ولعله وقع في الرواية على مثل ما قالوه في الْبَحْر: بَحَرٌ بالتحريك، وكذا النَّهْر والنَّهَر، والشَّعْر والشَّعَر. انتهى، وبهذا جزم أهل اللغة: ابنُ فارس، والفارابيّ، والجوهريّ، والقاليّ، وابنُ القِطّاع، إلا أنهم لم يقولوا: وأنت تريد غيره. وقد وقع في حديث المائة سنة: «فَوَهَلَ الناسُ في مقالة رسول الله -ﷺ- وَهَلًا بالتحريك، وقال النوويّ: معناه غَلِطُوا، يقال: وَهَلَ بفتح الهاء يَهِل بكسرها، وَهْلًا بسكونها، مثلُ ضَرَب يَضْرِب ضَرْبًا؛ أي: غَلِط، وذهب وَهْمه إلى خلاف الصواب. وأما وَهِلتُ بكسرها أَوْهَل بالفتح وَهْلًا بالتحريك أيضًا؛ كَحِذرتُ أَحْذَر حَذَرًا، فمعناه: فَزِعتُ، والوَهْل بالفتح: الفزع، وضَبَطه النووي بالتحريك، وقال: الوَهَل بالتحريك، معناه: الوهم والاعتقاد، وأما صاحب«النهاية»، فجزم أنه بالسكون. انتهى. وقال الفيّوميّ -﵀-: وَهِلَ وَهَلًا، فهو وَهِلٌ، من باب تَعِبَ: فَزِعَ، ويتعدى بالتضعيف، فيقال: وَهَّلْتُهُ، والوَهْلَةُ: الفَزْعة، ووَهِلَ عن الشيء، وفيه وَهَلًا، من باب تَعِبَ أيضًا: غَلِط فيه، ووَهَلْتَ إليه وَهْلًا، من باب وَعَدَ: ذهب وَهْمُك إليه، وأنت تريد غيره، مثلُ وَهَمْتُ، ولقيته أوّلَ وَهْلَةٍ؛ أي: أوّلَ كل شيء. انتهى . وقال القرطبيّ -﵀-: قوله:«فذهب وَهَلي إلى أنها اليمامة … إلخ»؛ أي: ذهب وهمي، وظني. والوَهَل -بفتح الهاء-: ما يقع في خاطر الإنسان، ويهتم به. وقد يكون في موضع آخر: الغلط، وليس مرادًا هنا بوجه؛ لأنَّه لم يجزم بأنها واحدة منهما، وإنما جوَّز ذلك؛ إذ ليس في المنام ما يدلّ على التعيين، وإنما أُري أرضًا ذات نخل، فخطر له ذانك الموضعان، لكونهما من أكثر البلاد نخلًا، ثم إنه لمّا هاجر إلى المدينة تعيَّنت له تلك الأرض، فأخبر عنها بعد هجرته إليها بقوله:«فإذا هي المدينة». انتهى . (إِلَى أَنَّهَا الْيَمَامَةُ) بالفتح: بلدة من بلاد العوالي، وهي بلاد بني حنيفة، قيل: من عُروض اليمن، وقيل: من بادية الحجاز، قاله الفيّوميّ . (أَوْ هَجَرُ) قال النوويّ -﵀-: مدينةٌ معروفةٌ، وهي قاعدة البحرين، وهي معروفةٌ، سبق بيانها في«كتاب الإيمان». وقال في«الفتح»: قوله:«أو هجر»بفتح الهاء، والجيم: بلد معروف من البحرين، وهي من مساكن عبد القيس، وقد سبقوا غيرهم من القرى إلى الإسلام، كما سبق بيانه في«كتاب الإيمان»، ووقع في بعض نُسخ أبي ذرّ:«أو الهجر»بزيادة ألف ولام، والأول أشهر، وزعم بعض الشراح أن المراد بهجر هنا قرية قريبة من المدينة، وهو خطأ، فإن الذي يناسب أن يُهاجَر إليه لا بدّ، وأن يكون بلدًا كبيرًا كثير الأهل، وهذه القرية التي قيل: إنها كانت قرب المدينة، يقال لها: هجر، لا يعرفها أحدٌ، وإنما زعم ذلك بعض الناس في قوله:«قِلال هجر»أن المراد بها قرية كانت قرب المدينة، كان يُصنع بها القلال. قال الجامع عفا الله عنه: قد تعقّب العينيّ قول الحافظ:«لا بد وأن يكون بلدًا كبيرًا … إلخ»، فراجع كلامه في«عمدته». قال: وزعم آخرون بأن المراد بها: هَجَر التي بالبحرين؛ كأن القلال كانت تُعمل بها، وتُجلب إلى المدينة، وعُملت بالمدينة على مثالها، وأفاد ياقوت أن هَجَر أيضًا بلد باليمن، فهذا أَولى بالتردد بينها وبين اليمامة؛ لأن اليمامة بين مكة واليمن. انتهى. (فَإِذَا هِيَ الْمَدِينَةُ يَثْرِبُ) كلمة«إذا»للمفاجأة، وكلمة«هي»ترجع إلى أرض بها نخل، وهو مبتدأ، و«المدينة»بالرفع خبره، وقوله:«يثرب»بالرفع أيضًا عطف بيان، أو بدل وهو بفتح الياء آخر الحروف، وسكون الثاء المثلثة، وكسر الراء، ثم باء موحّدة؛ اسم مدينة النبيّ -ﷺ-، وهو غير منصرف. والنهي الذي ورد عن تسمية المدينة بيثرب، إنما كان للتنزيه، وإنما جَمَع بين الاسمين هنا لأجل خطاب من لا يعرفها. وفي«التوضيح»: وقد نُهِي عن التسمية بيثرب، حتى قيل: من قالها، وهو عالم كُتبت عليه خطيئة، وسببه ما فيه من معنى التثريب، والشارع من شأنه تغيير الأسماء القبيحة إلى الحسنة، ويجوز أن يكون هذا قبل النهي، كما أنه سمّاها في القرآن إخبارًا به عن تسمية الكفار لها قبل أن ينزل تسميتها، قاله في«العمدة». وقال في«الفتح»: قوله:«فإذا هي المدينة، يثرب»كان ذلك قبل أن يسمِّيها -ﷺ- طيبة، ووقع عند البيهقيّ من حديث صهيب، رفعه:«أُريت دار هجرتكم سَبْخة بين ظهراني حَرَّتين، فإما أن تكون هَجَر، أو يثرب»، ولم يذكر اليمامة، وللترمذيّ من حديث جرير قال: قال رسول الله -ﷺ-:«إن الله تعالى أوحى إليّ: أيّ هؤلاء الثلاثة نزلتَ، فهي دار هجرتك: المدينة، أو البحرين، أو قِنَّسرين»، استغربه الترمذيّ، وفي ثبوته نظرٌ؛ لأنه مخالف لِمَا في«الصحيح» من ذِكر اليمامة؛ لأن قِنَّسرين من أرض الشام، من جهة حَلَب، وهي بكسر القاف، وفتح النون الثقيلة، بعدها مهملة ساكنة، بخلاف اليمامة، فإنها إلى جهة اليمن، إلا إن حُمِل على اختلاف المأخذ، فإن الأول جرى على مقتضى الرؤيا التي أريها، والثاني يخيّر بالوحي، فيَحْتَمِل أن يكون أُري أوّلًا، ثم خُيّر ثانيًا، فاختار المدينة. انتهى. وقال النوويّ -﵀-: وأما يثرب فهو اسمها في الجاهلية، فسمّاها الله تعالى المدينة، وسمّاها رسول الله -ﷺ- طيبة، وطابة، وقد سبق شرحه مبسوطًا في آخر «كتاب الحجّ»، وقد جاء في حديث النهي عن تسميتها يثرب؛ لكراهة لفظ التثريب، ولأنه من تسمية الجاهلية، وسمّاها في هذا الحديث «يثرب»، فقيل: يَحْتَمِل أن هذا كان قبل النهي، وقيل: لبيان الجواز، وأن النهي للتنزيه، لا للتحريم، وقيل: خوطب به من يعرفها به، ولهذا جمع بينه وبين اسمه الشرعيّ، فقال: «المدينة، يثرب». انتهى . (وَرَأَيْتُ) وفي رواية: «أُريت»، (فِي رُؤْيَايَ هَذِهِ أَنِّي هَزَزْتُ سَيْفًا) وفي رواية: «سيفي»، وهو ذو الْفَقَار، (فَانْقَطَعَ صَدْرُهُ) وعند ابن إسحاق: «ورأيت في ذباب سيفي ثُلْمًا»، وعند أبي الأسود في «المغازي»: عن عروة: «رأيت سيفي ذا الفقار، قد انقصم من عند ظُبَته»، وكذا عند ابن سعد، وأخرجه البيهقيّ في «الدلائل» من حديث أنس، وفي رواية عروة: «كأن الذي رأى بسيفه ما أصاب وجهه المكرم»، وعند ابن هشام: «حَدَّثني بعض أهل العلم أنه -ﷺ- قال: وأما الثُّلَمُ في السيف فهو رجل من أهل بيتي يُقْتَل» . (فَإِذَا هُوَ) قال الطيبيّ: أصله: فإذا تأويله، فحُذف المضاف الذي هو تأويل، وأقيم المضاف إليه مقامه، فانقلب الضمير المجرور مرفوعًا. انتهى . (مَا أُصِيبَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ أُحُدٍ، ثُمَّ هَزَزْتُهُ أُخْرَى) قال القرطبيّ -﵀-: الرواية الصحيحة الفصيحة هي «هززته» بزايين، وتاء مثنّاة من فوقُ، وقد قاله بعض الرواة بزاي واحدة مشدّدة، وياء مخفّفة، فيقول: هَزَّيْتُهُ، وقيل: هي لغة بكر بن وائل. انتهى . قال العلماء: وتفسيره -ﷺ- هذه الرؤيا بما ذَكَره، لأن سيف الرجل أنصاره الذين يصول بهم، كما يصول بسيفه، وقد يُفَسَّر السيف في غير هذا بالولد، والوالد، والعمّ، أو الأخ، أو الزوجة، وقد يدلّ على الولاية، أو الوديعة، وعلى لسان الرجل، وحجته، وقد يدلّ على سلطان جائر، وكلّ ذلك بحسب قرائن تنضم، تشهد لأحد هذه المعاني في الرائي، أو في الرؤية، قاله النوويّ . (فَعَادَ أَحْسَنَ مَا كَانَ، فَإِذَا هُوَ مَا جَاءَ اللهُ بِهِ مِنَ الْفَتْحِ، وَاجْتِمَاعِ الْمُؤْمِنِينَ) قال القرطبيّ -﵀-: يعني به -والله أعلم-: ما صنع الله لهم بعدَ أُحُد، وذلك: أنهم لم ينكُلوا عن الجهاد، ولا ضعفوا، ولا استكانوا لِمَا أصابهم يوم أُحد، لكن جدَّدوا نياتهم، وقوَّوْا إيمانهم وعزماتهم، واجتمعت على ذلك جماعاتهم، وصحَّت في ذلك رغباتهم، فخرجوا على ما بهم من الضعف والجراح، فغزوا غزوة حمراء الأسد، مستظهرين على عدوهم بالقوة والجلد، ثم فتح الله تعالى عليهم، ونصرهم في غزوة بني النضير، ثم في غزوة ذات الرِّقاع، ثم لم يزل الله تعالى يجمع المؤمنين، ويكثّرهم، ويفتح عليهم إلى بدر الثانية، وكانت في شعبان في السنة الرابعة من الهجرة، وبعد تسعة أشهر ونصف شهر من أُحد، فما فتح الله عليه به في هذه المدة هو المراد هنا كما يأتي. انتهى . (وَرَأَيْتُ فِيهَا أَيْضًا بَقَرًا) بالموحدة، والقاف، وفي رواية أبي الأسود عن عروة: «بَقَرًا تُذبح»، وكذا في حديث ابن عباس عند أبي يعلى، قاله في «الفتح». وقال النوويّ: قد جاء في غير مسلم زيادة في هذا الحديث: «ورأيت بقرًا تُنحر»، وبهذه الزيادة يتم تأويل الرؤيا بما ذُكر، فنَحْر البقر هو قَتْل الصحابة -﵃- الذين قُتلوا بأُحُد. انتهى . (وَاللهُ خَيْرٌ) قال القاضي عياض -﵀-: ضبطنا هذا الحرف عن جميع الرواة: «واللهُ خيرٌ» برفع الهاء والراء، على المبتدأ والخبر، و«بَعْدُ يوم بدر» بضم دال بَعْدُ، ونصب «يومَ»، قال: ورُوي بنصب الدال، قالوا: ومعناه: ما جاء الله به بعد بدر الثانية، من تثبيت قلوب المؤمنين؛ لأن الناس جمعوا لهم، وخوّفوهم، فزادهم ذلك إيمانًا، وقالوا: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوء﴾ [آل عمران: ١٧٣ - ١٧٤]، وتفرّق العدوّ عنهم؛ هيبةً لهم، قال القاضي: قال أكثر شراح الحديث معناه: ثواب الله خير؛ أي: صنع الله بالمقتولين خير لهم من بقائهم في الدنيا، قال القاضي: والأَولى قول من قال: «والله خير» من جملة الرؤيا، وكلمةٌ أُلقيت إليه، وسَمِعها في الرؤيا عند رؤياه البقر، بدليل تأويله لها بقوله -ﷺ-: «وإذا الخير ما جاء الله به»، والله أعلم. انتهى. وقال القرطبيّ -﵀-: قوله: «ورأيت أيضًا فيها بقرًا، والله خيرٌ» الضمير في «فيها» عائد على الرؤيا المذكورة، والرواية المشهورة برفع «اللهُ»، و«خيرٌ» على الابتداء والخبر؛ أي: وثواب الله خيرٌ للنفر المقتولين بالشهادة، ولمن أصيب بهم بأجر المصيبة، وقيل: في الكلام تقديم وتأخير، تقديره: ورأيت واللهِ بقرًا تُنحر، على إعمال «رأيت» في «بقرًا»، وعلى خفض اسم الله تعالى على القَسَم، وهكذا روى الخبر ابن هشام، وسمِّي ذلك خيرًا على جهة التفاؤل. قال القرطبيّ: والأول أوضح، وأبعد من الاعتراض. انتهى . وقال في «الفتح»: قوله: «والله خير» هذا من جملة الرؤيا، كما جزم به عياض وغيره، كذا بالرفع فيهما، على أنه مبتدأ وخبر، وفيه حَذْف تقديره: وصُنع الله خير، قال السهيليّ: معناه: رأيت بقرًا تُنحر، والله عنده خير، وفي رواية ابن إسحاق: «وإني رأيت والله خيرًا، رأيت بقرًا»، وهي أوضح، والواو للقَسَم، و«اللهِ» بالجرّ، و«خيرًا» مفعول «رأيت»، وقال السهيليّ: البقر في التعبير بمعنى رجال متسلحين، يتناطحون، وتعقّبه الحافظ، فقال: وفيه نظرٌ، فقد رأى المَلِك بمصر البقر، وأوَّلَها يوسف -﵇- بالسنين. وقد وقع في حديث ابن عباس، ومرسل عروة: «تأولتُ البَقَر التي رأيت بَقْرًا يكون فينا، قال: فكان ذلك من أصيب من المسلمين». انتهى. وقوله: «بَقْرًا» هو بسكون القاف، وهو شقّ البطن، وهذا أحد وجوه التعبير أن يُشتقّ من الاسم معنى مناسب، ويمكن أن يكون ذلك لوجه آخر من وجوه التأويل، وهو التصحيف، فإن لفظ «بقَر» مثل لفظ «نفر»، بالنون والفاء، خَطًّا. وعند أحمد، والنسائيّ، وابن سعد من حديث جابر، بسند صحيح، في هذا الحديث: «ورأيت بَقَرًا مُنحرةً » -وقال فيه-: «فأوَّلت أن الدرع المدينة، والبقر نفر»، هكذا فيه بنون وفاء، وهو يؤيد الاحتمال المذكور، فالله أعلم. انتهى . وقال في «كتاب التعبير»: قوله: «ورأيت فيها بقرًا، والله خيرٌ»، ووقع في حديث جابر عند أحمد، والنسائيّ، والدارميّ، من رواية حماد بن سلمة، عن أبي الزبير، عن جابر، وفي رواية لأحمد: «حدّثنا جابر: أن النبيّ -ﷺ- قال: رأيت كأني في درع حصينة، ورأيت بقرًا تُنْحَر، فأوَّلتُ الدرع الحصينة المدينة، وأن البقَر بَقْرٌ، والله خير»، وهذه اللفظة الأخيرة، وهي: بَقْر بفتح الموحدة، وسكون القاف، مصدر بَقَرَه يَبْقُره بَقْرًا، ومنهم من ضبطها بفتح النون، والفاء. ولهذا الحديث سبب جاء بيانه في حديث ابن عباس عند أحمد أيضًا، والنسائيّ، والطبرانيّ، وصححه الحاكم، من طريق أبي الزناد، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس -﵄- في قصة أُحد، وإشارة النبيّ -ﷺ- عليهم أن لا يَبرحوا من المدينة، وإيثارهم الخروج لطلب الشهادة، ولُبْسه اللأْمَة، وندامتهم على ذلك، وقوله -ﷺ-: «لا ينبغي لنبيّ إذا لبس لَأمته أن يضعها، حتى يقاتل -وفيه- إني رأيت أني في درع حصينة …» الحديث بنحو حديث جابر، وأتم منه. قال: وقد ذَكر أهل التعبير للبقر في النوم وجوهًا أخرى، منها: أن البقرة الواحدة تفسَّر بالزوجة، والمرأة، والخادم، والأرض، والثورُ يفسر بالثائر؛ لكونه يُثير الأرض، فيتحرك عاليها وسافلها، فكذلك من يثور في ناحية لطلب ملك، أو غيره، ومنها: أن البقر إذا وَصَلت إلى بلد، فإن كانت بَحْرية فُسِّرت بالسفن، وإلا فبعسكر، أو بأهل بادية، أو يُبْس يقع في تلك البلد. انتهى . (فَإِذَا هُمُ النَّفَرُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) الذين قُتلوا (يَوْمَ أُحُدٍ) قال القرطبيّ -﵀-: يَحْتَمِل أن يكون أخذ النفر من لفظ: بقر -مصحّفًا-؛ إذ لفظهما واحد، وليس بينهما إلا اختلاف النقط، فيكون هذا تنبيهًا على طريق خامس في طرق العبارة المتقدِّمة، ويَحْتَمِل أن يكون أخذ ذلك من أن الرجال المقاتِلة في الحرب يُشبَّهون بالبقر؛ لِمَا معها من أسلحتها التي هي قرونها، ولمدافعتها بها، ومناطحتها بعضها لبعضٍ بها، وقد كانت العرب تستعمل القرون في الرماح عند عدم الأسنّة، والله تعالى أعلم، وكأنّ هؤلاء المؤمنين الذين عَبّر عنهم بالبقر غير المؤمنين الذين عبَّر عنهم بصدر السيف، فكأن أولئك صدر الكتيبة، وهؤلاء مقاتلتها، والكل من خير الشهداء، وأفضل الفضلاء. انتهى . (وَإِذَا الْخَيْرُ مَا جَاءَ اللهُ بِهِ مِنَ الْخَيْرِ بَعْدُ) بالبناء على الضمّ؛ لقطعه عن الإضافة، ونيّة معناها؛ أي: بعدَ أُحُد. وقال القرطبيّ -﵀-: هكذا صحَّت الرواية بضم «بعدُ» على قَطْعه عن الإضافة، ويعني به: ما أصيبوا به يوم أُحد، والعامل فيه «جاء»، و«الخير» هو الذي ذكرناه آنفًا. انتهى . (وَثَوَابُ الصِّدْقِ الَّذِي آتَانَا اللهُ بَعْدُ) بالضمّ؛ لِمَا ذُكر. (يَوْمَ بَدْرٍ) بنصب «يوم» على الظرفيّة، ويَحتمل أن يكون «بعدَ» مضافًا إلى «يوم بدر». وقال القرطبيّ -﵀-: كذا صحت الرواية: «بعدَ» منصوبًا على الظرف المعرب المضاف إلى «يوم بدر»، أو العامل فيه: «آتانا»، فهذان أمران مختلفان، أوتيهما في وقتين مختلفين، أحدهما: بعد أُحد، والثاني: بعد بدر؛ مع أنهما مُرَتَّبان على ما جرى في أُحُد، فيستحيل أن يكون يوم بدر هنا هو يوم غزوة بدر الكبرى؛ لتقدُّم بدر الكبرى على أُحد بزمان طويل؛ لأنَّه -ﷺ- خرج إلى بدر الأُولى في شهر رمضان في السَّنة الثانية من الهجرة، وكانت أُحُد في السنة الثالثة في النصف من شوَّالها، ولذلك قال علماؤنا: إن يوم بدر في هذا الحديث هو يوم بدر الثاني، وكان من أمرها: أن قريشًا لمّا أصابت في أُحد من أصحاب النبيّ -ﷺ- ما أصابت، وأخذوا في الرُّجوع نادى أبو سفيان يُسمِعُ النبيّ -ﷺ-، فقال: موعدكم يوم بدر في العام المقبل، فأمر النبيّ -ﷺ- بعض أصحابه أن يجيبه بنعم، فلمَّا كان العام المقبل -وهي السنة الرابعة من الهجرة-؛ خرج في شَعبانها إلى بدر الثانية، فوصل إلى بدر، وأقام هناك ينتظر أبا سفيان، وخرج أبو سفيان في أهل مكة حتى بلغ عسفان، ثمَّ إنهم غلبهم الخوف، فرجعوا، واعتذروا بأن العام عام جدب، وكان عذرًا محتاجًا إلى عذر، فأخزى الله المشركين، ونصر المؤمنين، ثمَّ: إن النبيّ -ﷺ- لم يزل منصورًا، وبما يفتح الله عليه مسرورًا، إلى أن أظهر الله تعالى دينه على الأديان، وأخمد كلمة الكفر والطغيان. انتهى . وقال في «الفتح»: المراد بما بعد يوم بدر: فتحُ خيبر، ثم مكة؛ أي: ما جاء الله به بعد بدر الثانية، من تثبيت قلوب المؤمنين، قال الكرمانيّ: ويَحْتَمِل أن يراد بالخير: الغنيمة، وبعدُ؛ أي: بعد الخير، والثوابُ والخيرُ حصلا في يوم بدر. قال الحافظ: وفي هذا السياق إشعار بأن قوله في الخبر: «والله خير» من جملة الرؤيا، والذي يظهر لي أن لفظه لم يتحرر إيراده، وأن رواية ابن إسحاق هي المحررة، وأنه رأى بقرًا، ورأى خيرًا، فأَوَّلَ البقر على من قُتل من الصحابة يوم أُحد، وأَوَّلَ الخير على ما حَصَل لهم من ثواب الصدق في القتال، والصبر على الجهاد يوم بدر، وما بعده إلى فتح مكة، والمراد بالبعدية على هذا لا يختص بما بين بدر وأُحد، نبَّه عليه ابن بطال. ويَحْتَمِل أن يريد ببدر بدر الموعد، لا الوقعة المشهورة السابقة على أحد، فإن بدر الموعد كانت بعد أُحُد، ولم يقع فيها قتال، وكان المشركون لمّا رجعوا من أُحد قالوا: موعدكم العام المقبل بدر، فخرج النبيّ -ﷺ-، ومن انتدب معه إلى بدر، فلم يحضر المشركون، فسُمّيت بدر الموعد، فأشار بالصدق إلى أنهم صدقوا الوعد، ولم يُخْلِفوه، فأثابهم الله تعالى على ذلك بما فَتح عليهم بعد ذلك، من قريظة، وخيبر، وما بعدها. انتهى ، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي موسى الأشعريّ -﵁- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥/ ٥٩١٩] (٢٢٧٢)، و(البخاريّ) في «مناقب الأنصار» (٣٦٢٢ و٣٩٨٧) و«المغازي» (٤٠٨١) و«التعبير» (٧٠٣٥ و٧٠٤١)، و(النسائيّ) في «الكبرى» (٤/ ٣٨٩)، و(ابن ماجه) في «تعبير الرؤيا» (٣٩٢١)، و(الدارميّ) في «سننه» (٢/ ١٢٩)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٦٢٧٥ و٦٢٧٦)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (١٣/ ٢٨٣)، و(البغويّ) في «شرح السُّنَّة» (٣٢٩٦)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان فضل الرؤيا، وشدّة اهتمام النبيّ -ﷺ- في شأنها. ٢ - (ومنها): ما قال القرطبيّ -﵀-: هذا يدلّ على أن هذه الرؤيا وقعت له -ﷺ-، وهو بمكة قبل الهجرة، وأن الله تعالى أطلعه بها على ما يكون من حاله، وحال أصحابه يوم أُحد، وبأنهم يصاب من صدورهم معه، وأن الله تعالى يُثَبِّتهم بعد ذلك، ويَجمع كلمتهم، ويقيم أمرهم، ويعزُّ دينهم، وقد كمَّل الله تعالى له ذلك بعد بدر الثانية، وهي المرادة في هذا الحديث. انتهى . ٣ - (ومنها): ما قال القرطبيّ -﵀- أيضًا: ففيه ما يدلّ على أن الرؤيا قد تقع موافقة لظاهرها من غير تأويل، وأن الرؤيا قبل وقوعها لا يقطع الإنسان بتأويلها، وإنما هو ظنّ، وحدس؛ إلا فيما كان منها وحيًا للأنبياء، كما وقع لإبراهيم -﵊- في قوله لابنه: ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ الآية [الصافات: ١٠٢]، فإنَّ ذلك لا يكون إلا عن يقين يحصل لهم قطعًا، خلافًا لمن قال من أهل البدع إن ذلك منه كان ظنًّا وحسبانًا، وهو قول باطل؛ لأنَّه لم يكن ليُقْدِم على معصوم الدم -قطعًا- محبوبٍ شرعًا وطبعًا بمنام لا أصل له ولا تحقيق فيه. انتهى . ٤ - (ومنها): بيان ما ابتلى الله -﷿- النبيّ -ﷺ- وأصحابه -﵃- في أول الأمر بالمشركين، ثم كانت لهم العاقبة المحمودة، ولله -﷾- الحمد والمنّة. ٥ - (ومنها): ما قال المهلَّب -﵀-: هذه الرؤيا من ضرب المَثَل، ولما كان النبيّ -ﷺ- يصول بالصحابة عَبَّر عن السيف بهم، وبهزّه عن أمره لهم بالحرب، وعن القطع فيه بالقتل فيهم، وفي الهزة الأخرى لمّا عاد إلى حالته من الاستواء عَبّر به عن اجتماعهم، والفتح عليهم، ولأهل التعبير في السيف تصرف على أوجه، منها: أن من نال سيفًا، فإنه ينال سلطانًا، إما ولايةً، وإما وديعةً، وإما زوجةً، وإما ولدًا، فإن سلّه من غمده، فانثلم سَلِمت زوجته، وأصيب ولده، فإن انكسر الغمد، وسَلِم السيف فبالعكس، وإن سَلِما، أو عَطِبا فكذلك، وقائم السيف يتعلق بالأب، والعصبات، ونَصْله بالأمّ، وذوي الرحم، وإن جَرّد السيف، وأراد قتل شخص فهو لسانه يجرده في خصومه، وربما عُبِّر السيف بسلطان جائر. انتهى، ملخصًا. وقال بعضهم: من رأى أنه أغمد السيف، فإنه يتزوج، أو ضرب شخصًا بسيف، فإنه يبسط لسانه فيه، ومن رأى أنه يقاتل آخر، وسيفه أطول من سيفه، فإنه يغلبه، ومن رأى سيفًا عظيمًا فهي فتنة، ومن قُلِّد سيفًا قُلّد أمرًا، فإن كان قصيرًا لم يَدُم أمره، وإن رأى أنه يجرّ حمائله، فإنه يعجز عنه، قاله في «الفتح» ، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّل الكتاب قال: [٥٩٢٠] (٢٢٧٣ و٢٢٧٤) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَهْلٍ التَّمِيمِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ، حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَدِمَ مُسَيْلِمَةُ الْكَذَّابُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ -ﷺ- الْمَدِينَةَ، فَجَعَلَ يَقُولُ: إِنْ جَعَلَ لِي مُحَمَّدٌ الأَمْرَ مِنْ بَعْدِهِ تَبِعْتُهُ، فَقَدِمَهَا فِي بَشَرٍ كثِيرٍ مِنْ قَوْمِهِ، فَأَقْبَلَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ -ﷺ-، وَمَعَهُ ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ، وَفِي يَدِ النَّبِيِّ -ﷺ- قِطْعَةُ جَرِيدَةٍ، حَتَّى وَقَفَ عَلَى مُسَيْلِمَةَ فِي أَصْحَابِهِ، قَالَ: «لَوْ سَأَلْتَنِي هَذِهِ الْقِطْعَةَ مَا أَعْطَيْتُكَهَا، وَلَنْ أَتَعَدَّى أَمْرَ اللهِ فِيكَ، وَلَئِنْ أَدْبَرْتَ لَيَعْقِرَنَّكَ اللهُ، وَإِنِّي لأُرَاكَ الَّذِي أُرِيتُ فِيكَ مَا أُرِيتُ، وَهَذَا ثَابِتٌ يُجِيبُكَ عَنِّي»، ثُمَّ انْصَرَفَ عَنْهُ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَسَأَلْتُ عَنْ قَوْلِ النَّبِيِّ -ﷺ-: «إِنَّكَ أَرَى الَّذِي أُرِيتُ فِيكَ مَا أُرِيتُ»، فَأَخْبَرَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: «بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُ فِي يَدَيَّ سِوَارَيْنِ مِنْ ذَهَبٍ، فَأَهَمَّنِي شَأْنُهُمَا، فَأُوحِي إِلَيَّ فِي الْمَنَامِ أَنِ انْفُخْهُمَا، فَنَفَخْتُهُمَا، فَطَارَا، فَأَوَّلْتُهُمَا كَذَّابَيْنِ يَخْرُجَانِ مِنْ بَعْدِي ، فَكَانَ أَحَدُهُمَا الْعَنْسِيَّ، صَاحِبَ صَنْعَاءَ، وَالآخَرُ مُسَيْلِمَةَ، صَاحِبَ الْيَمَامَةِ»). رجال هذا الإسناد: ستّة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ سَهْلٍ التَّمِيمِيُّ) بن عسكر التميميّ مولاهم، أبو بكر البخاريّ، نزيل بغداد، ثقةٌ [١١] (ت ٢٥١) (م ت س) تقدم في «الصيام» ٨/ ٢٥٣٥. ٢ - (أَبُو الْيَمَانِ) الحكم بن نافع الْبَهْرانيّ -بفتح الموحدة، وسكون الهاء- الحمصيّ، مشهور بكنيته، ثقةٌ ثبتٌ، يقال: إن أكثر حديثه عن شعيب مناولة [١٠] (ت ٢٢٢) (ع) تقدم في «الإيمان» ٢٣/ ١٩٦. ٣ - (شُعَيْبُ) بن أبي حمزة الأمويّ مولاهم، واسم أبيه دينار، أبو بِشْر الحمصيّ، ثقةٌ عابدٌ، قال ابن معين: من أثبت الناس في الزهريّ [٧] (ت ١٦٢) أو بعدها (ع) تقدم في «الإيمان» ٢٣/ ١٩٦. ٤ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي حُسَيْنٍ) هو: عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين بن الحارث بن عامر بن نوفَل المكيّ النوفليّ، ثقةٌ عالم بالمناسك [٥] (ع) تقدم في «الحج» ٣٦/ ٣٠٥٨. ٥ - (نَافِعُ بْنُ جُبَيْرِ) بن مُطْعِم النوفليّ، أبو محمد، وأبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ فاضلٌ [٣] (ت ٩٩) (ع) تقدم في «شرح المقدمة» جـ ٢ ص ٤٨٢. ٦ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) -﵄- تقدّم في الباب الماضي. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه ابن عبّاس -﵄- حبر الأمة، وبحرها، وترجمان القرآن، وأحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة. شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ) هو عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين بن الحارث النوفليّ، تابعيّ صغيرٌ، مشهورٌ، نُسِب هنا لجدّه. (حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) -﵄- أنه (قَالَ: قَدِمَ) بكسر الدال، (مُسَيْلِمَةُ) بضمّ الميم، وكسر اللام، تصغير مَسْلَمَةَ، وقال في «الفتح»: ومُسيلِمة -مصغرٌ، بكسر اللام- ابن ثُمامة بن كبير -بموحدة- ابن حبيب بن الحارث، من بني حَنِيفة، قال ابن إسحاق: ادَّعَى النبوة سنة عشر، وزعم وَثِيمة في «كتاب الرِّدّة» أن مسيلمة لقب، واسمه ثُمامة، وفيه نظر؛ لأن كنيته أبو ثمامة، فإن كان محفوظًا، فيكون ممن توافقت كنيته واسمه. وسياق هذه القصة يخالف ما ذكره ابن إسحاق أنه قَدِم مع وفد قومه، وأنهم تركوه في رحالهم يحفظها لهم، وذكروه لرسول الله -ﷺ-، وأخذوا منه جائزته، وأنه قال لهم: إنه ليس بشرّكم، وأن مسيلمة لمّا ادَّعَى أنه أُشرك في النبوة مع رسول الله -ﷺ- احتج بهذه المقالة، وهذا مع شذوذه ضعيف السند؛ لانقطاعه، وأمْر مسيلمة كان عند قومه أكثر من ذلك، فقد كان يقال له: رحمان اليمامة؛ لِعِظَم قَدْره فيهم، وكيف يلتئم هذا الخبر الضعيف، مع قوله في هذا الحديث الصحيح: إن النبيّ -ﷺ- اجتَمَع به، وخاطبه، وصرح له بحضرة قومه أنه لو سأله القطعة الجريدة ما أعطاه؟ ويَحْتَمِل أن يكون مسيلمة قَدِم مرتين : الأولى كان تابعًا، وكان رئيس بني حنيفة غيره، ولهذا أقام في حفظ رحالهم، ومرةً متبوعًا، وفيها خاطبه النبيّ -ﷺ-، أو القصة واحدة، وكانت إقامته في رحالهم باختياره؛ أَنَفَةً منه، واستكبارًا أن يحضر مجلس النبيّ -ﷺ-، وعامله النبيّ -ﷺ- معاملة الكَرَم على عادته في الاستئلاف، فقال لقومه: «إنه ليس بشرّكم»؛ أي: بمكان؛ لكونه كان يحفظ رحالهم، وأراد استئلافه بالإحسان بالقول والفعل، فلما لم يُفِد في مسيلمة توجَّه بنفسه إليهم؛ ليقيم عليهم الحجة، ويَعْذِر إليه بالإنذار، والعلم عند الله تعالى . وقال القرطبيّ -﵀-: مسيلمة هذا هو: ابن ثُمامة بن كثير بن حبيب بن الحارث بن عبد الحارث بن عثمان بن الحارث بن ذُهل بن الذُّؤل بن حنيفة. قال ابن إسحاق: وكان من شأنه: أنه تنبأ على عهد رسول الله -ﷺ- سنة عشر، وكان يشهد: أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، ويزعم: أنَّه شريك معه في نبوَّته. وقال سعيد بن المسيِّب: إنه كان قد تسمَّى بالرحمن قبل أن يولد عبد الله بن عبد المطلب -أبو النبيّﷺ- وأنَّه قُتل وهو ابن خمسين ومائة سنة. قال سعيد بن جبير: كان رسول الله -ﷺ- إذا قال: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، قالت قريش: إنما يعني: مسيلمة. قال ابن إسحاق: وإنَّه تسارع إليه بنو حنيفة، وإنَّه بعث برجلين من قومه بكتاب إلى رسول الله -ﷺ-: من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله، سلام عليك، أما بعد: فإني أُشركت معك في الأمر، فلي نصف الأرض، ولك نصفها، ولكن قريش قومٌ لا يعدلون. فلمَّا قرأ رسول الله -ﷺ- الكتاب؛ قال للرَّسولين: «ما تقولان أنتما؟» قالا: نقول ما قال صاحبنا، فقال رسول الله -ﷺ-: «لولا أن الرُّسل لا تُقتل، لقتلتكما»، ثم كتب رسول الله -ﷺ-: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب، سلام على من اتَّبع الهدى، أما بعد: فـ ﴿إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٨]»، فلما انتهى الكتاب إليه انكسر بعض الانكسار، وقالت بنو حنيفة: لا نرى محمدًا أقرَّ بشركة صاحبنا في الأمر. قال ابن إسحاق: تنبأ على عهد رسول الله -ﷺ- مسيلمة، وصاحب صنعاء: الأسود بن عزة العنسيّ، وطُليحة، وسَجَاح التميمية جاءت إلى مسيلمة، فقالت له: ما أُوحي إليك؟ قال: أوحي إلي: ألم تر إلى ربِّك كيف خلق الْحُبلى، أخرج منها نسمةً تسعى بين صفاقٍ وحشًا، قالت: وماذا؟ فقال: ألم تر أن الله خلق للنساء أفراجًا، وخلق الرجال لهن أزواجًا، فيولج فيهنَّ قَعْسًا إيلاجًا، ثمَّ يخرجه إذا استمنى إخراجًا، فقالت: أشهد أنَّك نبي! قال: هل لك أن أتزوَّجك، فآكل بقومي وقومك العرب؟ فتزوَّجته، فنادى مناديها: ألا إنَّا أصبنا الدِّين في بني حنيفة. ونادى منادي بني حنيفة: ألا إن نبيَّنا تزوج نبيتكم، وقالت له: يا أبا ثمامة! ضع عن قومي هاتين الطويلتين؛ صلاة الفجر، وصلاة العشاء الآخرة، فخرج مناديه فنادى بذلك، فقال شيخ من بني تميم: جزى الله أبا ثمامة عنا خيرًا، فوالله: لقد كاد ثقلهما علينا يوتغنا عن ديننا. قال غير ابن إسحاق: ولمّا استفحل أمر مسيلمة قَدِم المدينة في بَشَر كثير، ونزل على عبد الله بن أُبيّ، فجاءه النبيّ -ﷺ- كما ذكر ابن عباس، وفي غير حديث ابن عباس: أن مسيلمة جاء إلى النبيّ -ﷺ-، وفي حديث آخر: مسيلمة كان في ظَهْر القوم، وأن النبيّ -ﷺ- سأل عنه. قال القرطبيّ: فَيَحْتَمِل أن يكون هذا اختلاف أحوال في قَدْمةٍ واحدة قَدِمها مسيلمة المدينة، وعند بلوغ قدومه النبيّ -ﷺ- سأل عنه، ثمَّ بعد ذلك جاء كل واحد منهما إلى الآخر، فاجتمعا في موضع غير موضعيهما، وهذا الاحتمال أقرب من احتمال أن يكون مسيلمة قدم على النبيّ -ﷺ- ثلاث مرات. ثم إن مسيلمة رجع إلى اليمامة على حالته تلك، إلى أن توفي النبيّ -ﷺ-، فعَظُم أمر مسيلمة، وأطبق أهل اليمامة عليه، وارتدُّوا عن الإسلام، وانضاف إليهم بشرٌ كثير من أهل الردَّة، وقويت شوكتهم، فكاتبهم أبو بكر الصديق كُتبًا كثيرة يَعِظهم، ويُذَكِّرهم، ويحذّرهم، ويُنذرهم إلى أن بعث لهم كتابًا مع حبيب بن عبد الله الأنصاريّ، فقتله مسيلمة، فعند ذلك عزم أبو بكر -﵁- على قتالهم والمسلمون، فأَمَّر أبو بكر خالد بن الوليد -﵄-، وتجهز الناس، وعقد الراية لخالد، وصاروا إلى اليمامة، فاجتمع لمسيلمة جيش عظيم، وخرج إلى المسلمين، فالتقوا، وكانت بينهم حروب عظيمة لم يُسمع بمثلها، واستُشهِد فيها من قرَّاء القرآن خَلْق كثير، حتى خاف أبو بكر، وعمر -﵄- أن يذهب من القرآن شيء لكثرة من قُتل هناك من القراء، ثم إن الله تعالى ثبَّت المسلمين، وقتل الله تعالى مسيلمة اللعين على يدي وحشيّ قاتل حمزة، ورماه بالحربة التي قتل بها حمزة، ثم دفَّف عليه رجل من الأنصار، فاحتزَّ رأسه، وهزم اللهُ جيشَه، وأهلكهم، وفتح اللهُ اليمامة، فدخلها خالد، واستولى على جميع ما حوته من النساء، والولدان، والأموال، وأظهر الله الدين، وجعل العاقبة للمتقين، فالحمد لله الذي صَدَقنا وعده، وأعزَّ جنده، وهزم الأحزاب وحده، فلا شيءَ بعده، وإنما جاء النبيّ -ﷺ- إلى مسيلمة؛ ليبلّغه الدعوة، وليسمع قولَه بالمشافهة. انتهى . وقوله: (الْكَذَّابُ) صيغة مبالغة صفة لِمُسيلمة، وُصف به لمبالغته في الكذب حيث ادّعى النبوّة (عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ -ﷺ-)؛ أي: في زمنه، (الْمَدِينَةَ) النبويّة، (فَجَعَلَ)؛ أي: شرع، وأخذ (يَقُولُ: إِنْ جَعَلَ لِي مُحَمَّدٌ) يريد النبيّ -ﷺ-، (الأَمْرَ)؛ أي: الخلافة (مِنْ بَعْدِهِ)؛ أي: بعد موته -ﷺ-، (تَبِعْتُهُ) بفتح أوله، وكسر ثالثه، من باب تَعِب، (فَقَدِمَهَا)؛ أي: المدينة، (فِي بَشَرٍ كَثِيرٍ) «في» بمعنى «مع»، كما في قوله تعالى: ﴿ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ﴾ [الأعراف: ٣٨]. قال في «الفتح»: قوله: «وقَدِمها في بَشَر كثير» ذكر الواقديّ كما تقدم أن عدد من كان مع مسيلمة من قومه سبعة عشر نفسًا، فيَحْتَمِل تعدد القدوم، كما تقدم. انتهى . (مِنْ قَوْمِهِ) هم بنو حنيفة، (فَأَقْبَلَ)؛ أي: توجّه (إِلَيْهِ النَّبِيُّ -ﷺ-) قال العلماء: إنما أتاه النبيّ -ﷺ- تأليفًا له، ولقومه؛ رجاء إسلامهم، وليبلغ ما أنزل إليه، قال القاضي عياض: ويَحْتَمِل أن سبب مجيئه إليه أن مسيلمة قصده من بلده للقائه، فجاءه مكافأة له، قال: وكان مسيلمة إذ ذاك يُظهر الإسلام، وإنما ظهر كفره، وارتداده بعد ذلك، قال: وقد جاء في حديث آخر أنه هو أتى النبيّ -ﷺ-، فَيَحْتَمِل أنهما مرتان. انتهى . وقوله: (وَمَعَهُ ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ) جملة حاليّة؛ أي: والحال أن مع النبيّ -ﷺ- ثابت بن قيس بن شَمّاس بن زهير بن مالك بن امرئ القيس بن مالك بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج الأنصاريّ الخزرجيّ، خطيب الأنصار. رَوَى ابن السَّكَن من طريق ابن أبي عديّ، عن حميد، عن أنس، قال: خطب ثابت بن قيس مَقْدَم رسول الله -ﷺ- المدينة، فقال: نمنعك مما نمنع منه أنفسنا، وأولادنا، فما لنا؟ قال: «الجنة»، قالوا: رَضِينا. وقال جعفر بن سليمان، عن ثابت، عن أنس: كان ثابت بن قيس خطيب الأنصار، يكنى أبا أحمد، وقيل: أبا عبد الرحمن، لم يذكره أصحاب المغازي في البدريين، وقالوا: أول مشاهده أُحُدٌ، وشَهِد ما بعدها، وبشّره النبيّ -ﷺ- بالجنة في قصة شهيرة، رواها موسى بن أنس، عن أبيه، أخرج أصل الحديث مسلم، وفي الترمذيّ بإسناد حسن، عن أبي هريرة -﵁- رفعه: «نِعْم الرجل ثابت بن قيس»، وفي البخاريّ مختصرًا، والطبرانيّ مطوّلًا، عن أنس، قال: لمّا انكشف الناس يوم اليمامة، قلت لثابت بن قيس: ألا ترى يا عمّ، ووجدته يتحنط، فقال: ما هكذا كنا نقاتل مع رسول الله -ﷺ-، بئسما عوّدتم أقرانكم، اللهم إني أبرأ إليك مما جاء به هؤلاء، ومما صنع هؤلاء، ثم قاتل حتى قُتل، وكان عليه دِرْعٌ نفيسةٌ، فمرّ به رجل مسلم، فأخذها، فبينما رجل من المسلمين نائم، أتاه ثابت في منامه، فقال: إني أوصيك بوصية، فإياك أن تقول: هذا حُلُم، فتضيّعه، إني لما قُتلت أخذ درعي فلان، ومنزله في أقصى الناس، وعند خبائه فرس تستنّ، وقد كفأ على الدرع بُرْمَةً، وفوقها رَجْل، فائت خالدًا، فمُرْه، فليأخذها، وليقل لأبي بكر: إن عليّ من الدَّين كذا وكذا، وفلان عتيق، فاستيقظ الرجل، فأتى خالدًا، فأخبره، فبعث إلى الدرع، فأُتي بها، وحَدَّث أبا بكر برؤياه، فأجاز وصيته. ورواه البغويّ من وجه آخر، عن عطاء الخراسانيّ، عن بنت ثابت بن قيس، مطوّلًا، ذَكَره في «الإصابة» ، له في البخاريّ حديث واحد، وهو القصّة المذكورة، وليس له عند مسلم إلا ذِكر فقط. وقوله: (وَفِي يَدِ النَّبِيِّ -ﷺ- قِطْعَةُ جَرِيدَةٍ) جملة حاليّة أيضًا، و«الجريدة» بفتح الجيم، وكسر الراء: فعلية بمعنى مفعولة، قال الفيّوميّ -﵀-: الجريد: سَعَفُ النخل، الواحدة جريدة، فعِيلة بمعنى مفعولة، وإنما تُسمَّى جَرِيدةً: إذا جُرّد عنها خُوصها. انتهى . (حَتَّى وَقَفَ) -ﷺ- (عَلَى مُسَيْلِمَةَ فِي أَصحَابِهِ)؛ أي: في جملتهم، أو معهم. (قَالَ) -ﷺ- لَمّا سأله أن يجعل له الأمر من بعده («لَوْ سَأَلْتَنِي هَذِهِ الْقِطْعَةَ مَا أَعْطَيْتُكَهَا، وَلَنْ أَتَعَدَّى أَمْرَ اللهِ فِيكَ) قال النوويّ -﵀-: هكذا وقع في جميع نُسخ مسلم، ووقع في البخاريّ:»ولن تَعْدُو أمر الله فيك«، قال القاضي عياض: هما صحيحان، فمعنى الأول لن أَعْدُوَ أنا أمر الله فيك، من أني لا أجيبك إلى ما طلبته، مما لا ينبغي لك، من الاستخلاف، أو المشاركة، ومِن أني أُبَلِّغ ما أُنزل إليّ، وأدفع أمرك بالتي هي أحسن، ومعنى الثاني: ولن تعدو أنت أمر الله في خيبتك فيما أَمَلْته، من النبوة، وهلاكك دون ذلك، أو فيما سبق من قضاء الله تعالى وقَدَره في شقاوتك، والله أعلم. انتهى . وقال القرطبيّ -﵀-: قوله -ﷺ-«ولن أتعدَّى أمر الله فيك»كذا في جميع نُسخ كتاب مسلم، وفي البخاري:«ولن تعدوَ أمر الله فيك»، وكلاهما صحيح، ومعنى الأول: أن الله تعالى أمر نبيَّه -ﷺ- أن يغلِّظ القولَ لمسيلمة، وأن يُصرِّح بتكذيبه، وأن يخبره بأنه لا يَبْلغ أَمَله مما يريده من التشريك في الرسالة، ولا في الأرض، فلم يتعدَّ النبيُّ -ﷺ- ذلك؛ إذ قد فعل كل ذلك. ويَحْتَمِل أن يريد بالأمر: ما كتب الله تعالى عليه من الشِّقوة، وما وَسَمه به من الكذب والتكذيب، والأفعال القبيحة؛ أي: لا أقدر أن أردَّ ما كتب الله عليك من ذلك؛ غير أن هذا المعنى أظهر من لفظ البخاريّ منه من لفظ كتاب مسلم. انتهى . (وَلَئِنْ أَدْبَرْتَ)؛ أي: خالفت الحقّ، (لَيَعْقِرَنَّكَ اللهُ) بالقاف؛ أي: ليُهلكنّك الله؛ أي: إن أدبرت عن طاعتي ليقتلنّك الله، والعَقْر: القتل، ﴿فَعَقَرُوا النَّاقَةَ﴾ [الأعراف: ٧٧]: قتلوها، وقتله الله تعالى يوم اليمامة، وهذا من معجزات نبوة نبيّنا -ﷺ-، وصحّة رسالته. (وَإِنِّي لأُرَاكَ الَّذِي أُرِيتُ فِيكَ مَا أُرِيتُ) قال القرطبيّ -﵀-: الرواية «لأراك» بضم الهمزة، بمعنى أظنك، على ما قد حصل لهذه الصيغة من غلبة عُرف الاستعمال، وقد قررنا: أن أصل «أُرَى» من «رَأَى»؛ بمعنى: عَلِم، أو أبصر، أُدخلت عليه همزة التعدية، وبُنِيَت لِمَا لم يُسَمَّ فاعله، وعلى هذا فيصح أن تكون هنا بمعنى العلم، فيكون معناه: إني لأعلم أنك الذي أريت فيه ما أريت، وهذا أَولى بحال النبيّ -ﷺ-، فإنَّ رؤياه حقّ، وتأويله لا يجوز عليه الغلط، بخلاف غيره، والله تعالى أعلم. انتهى . وقوله: (أُرِيتُ فِيكَ مَا أُرِيتُ) بضمّ أوله، وكسر الراء، يأتي شرحه في كلام ابن عبّاس -﵄-. (وَهَذَا ثَابِتٌ يُجِيبُكَ عَنِّي»)؛ أي: لأنه كان خطيب الأنصار، وكان النبيّ -ﷺ- قد أعطي جوامع الكلم، فاكتفى بما قاله لمسيلمة، وأعلمه أنه إن كان يريد الإسهاب في الخطاب، فهذا الخطيب يقوم عني في ذلك، ويؤخذ منه استعانة الإمام بأهل البلاغة في جواب أهل العناد، ونحو ذلك. قال النوويّ: قال العلماء: كان ثابت بن قيس خطيب رسول الله -ﷺ-، يجاوب الوفود عن خطبهم، وتشدّقهم. وقال القرطبيّ -﵀-: قوله -ﷺ-:«وهذا ثابت يجيبك عني» يعني: ثابت بن قيس بن شماس، خطيب رسول الله -ﷺ-، فكأن النبيّ -ﷺ- وجد على مسيلمة في نفسه، فأعرض عنه إعراض المحتقر له، المصغِّر لشأنه، وأحال على ثابت؛ لعلمه بأنه يقوم عنه بجواب كل ما يسألونه عنه؛ إذ كان من أفضل الناس، وأكملهم عقلًا، وأفصحهم لسانًا، وكان مع ذلك جَهْوَريّ الصوت، حسن النغمة، فكان يقوم بالحجة، ويبالغ في إيراد الخطبة. انتهى . (ثُمَّ انْصَرَفَ)؛ أي: رجع النبيّ -ﷺ- (عَنْهُ)؛ أي: عن مسيلمة، (فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) -﵄- (فَسَأَلْتُ عَنْ قَوْلِ النَّبِيِّ -ﷺ-)؛ أي: عن تفسيره، («إِنَّكَ أُرَى الَّذِي أُرِيتُ فِيكَ مَا أُرِيتُ»، فَأَخْبَرَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ) -﵁- (أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: «بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُ فِي يَدَيَّ سِوَارَيْنِ)، وفي بعض النسخ:»إسوارين«، قال في»الفتح«: قوله:»إسواران«بكسر الهمزة، وسكون المهملة: تثنية إسوار، وهي لغة في السِّوَار، والسوار بالكسر، ويجوز الضم، والأُسوار أيضًا صفة للكبير من الفُرْس، وهو بالضم، والكسر معًا، بخلاف الإسوار من الحلي، فإنه بالكسر فقط. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: قوله:«بالكسر فقط»فيه نظر؛ لأنه سيأتي في عبارة«التاج»أن فيه الكسر، والضمّ، فتنبّه. وقال القرطبيّ: السوار: ما تجعله المرأة في ذراعيها، مما تتحلَّى به من الذهب والفضة، وفيه ثلاث لغات: كسر السين، وضمّها، وبهمزة مضمومة، فيقال: أُسوار، ويجمع أساورة، فأمَّا أساورة الفُرْسِ فقُوَّادهم. انتهى. وقال في«التاج»: السّوَارُ ككِتَابٍ، وغُرَابٍ: القُلْبُ -بضمّ، فسكون- كالأُسْوارِ بالضَّمِّ، ونُقل عن بعضهم الكسر أيضًا، والكلُّ مُعَرَّب دستوار بالفَارسِية، وقد استعمَلَتْه العربُ، وهو ما تَسْتعمله المرأَةُ في يَدَيْهَا، جَمْعه أَسْوِرَةٌ، وجَمْعُ الجَمْعِ أَساوِرُ، وأَسَاوِرَةٌ جمع أُسْوار. انتهى . (مِنْ ذَهَبٍ)«من»لبيان الجنس؛ لقوله تعالى: ﴿وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾ [الإنسان: ٢١]، ووَهِم من قال: الأساور لا تكون إلا من ذهب، فإن كانت من فضة فهي القُلْب، قاله في«الفتح». (فَأَهَمَّنِي شَأْنُهُمَا)؛ لأنهما من حلية النساء، ومما يحرم على الرجال، وفي رواية:«فكَبُرا عليّ»، وفي رواية للبخاريّ:«ففظعتهما، وكرهتهما»، وهو بفاء، وظاء مشالة، مكسورة، بعدها عين مهملة، يقال: فَظُع الأمرُ، فهو فَظِيع: إذا جاوز المقدار، قال ابن الأثير: الفظيع الأمر الشديد، وجاء هنا متعديًا، والمعروف: فَظِعت به، وفَظِعت منه، فيَحْتَمِل التعدية على المعنى؛ أي: خِفتهما، أو معنى فظعتهما: اشتدّ عليّ أمرهما. (فَأُوحِي) بالبناء للمفعول، (إِلَيَّ فِي الْمَنَامِ) قال القرطبيّ: ظاهره: أن هذا وحي من جهة المَلَك على غالب عادته، ويَحْتَمِل أن يكون ذلك إلهامًا. انتهى . وقوله: (أَنِ) هي المفسّرة، (انْفُخْهُمَا) بالخاء المعجمة، (فَنَفَخْتُهُمَا، فَطَارَا) نَفْخه -ﷺ- إياهما، فطارا دليل لانمحاقهما، واضمحلال أمرهما، وكان كذلك، وهو من المعجزات. (فَأَوَّلْتُهُمَا كَذَّابَيْنِ يَخْرُجَانِ مِنْ بَعْدِي) وفي بعض النسخ: «بعدي»؛ أي: بعد موتي، قال النوويّ: المراد بقوله -ﷺ-: «يخرجان بعدي»؛ أي: يُظهران شوكتهما، أو محاربتهما، ودعواهما النبوة، وإلا فقد كانا في زمنه -ﷺ-. انتهى. وقال القرطبيّ -﵀-: قوله: «يخرجان بعدي»؛ أي: يظهران، ويغلبان بعد موتي، وإلا فقد كانا موجودين في حياة النبيّ -ﷺ-، وقد دلَّ على هذا قوله في الرواية الأخرى: «فأوَّلتهما الكذَّابَيْن اللذين أنا بينهما»، ووجه مناسبة هذا التأويل لهذه الرؤيا أن أهل صنعاء، وأهل اليمامة كانا قد أسلما، وكانا كالسَّاعدين للإسلام، فلما ظهر فيهما هذان الكذَّابان، وتبهرجا لهما بترَّهاتهما، وزَخرفا أقوالهما، فانخدع الفريقان بتلك البهرجة، فكان البلدان للنبيّ -ﷺ- بمنزلة يديه؛ لأنَّه كان يعتضد بهما، والسِّواران فيهما هما: مسيلمة، وصاحب صنعاء بما زَخْرفا من أقوالهما، ونَفْخُ النبيّ -ﷺ- هو أن الله أهلكهما على أيدي أهل دينه، كما ذكرناه. انتهى . (فَكَانَ أَحَدُهُمَا)؛ أي: الكذّابين، (الْعَنْسِيِّ) بسكون النون، وحَكَى ابن التين جواز فتحها، قال الحافظ: ولم أر له في ذلك سلفًا، وقوله: (صَاحِبَ صَنْعَاءَ) صفة لـ «العنسيّ»؛ أي: الذي غلب على صنعاء البلد المعرف باليمن. والعنسي هذا هو الأسود، واسمه عَبْهلة بن كعب، وكان يقال له أيضًا: ذو الخمار، بالخاء المعجمة؛ لأنه كان يُخَمِّر وجهه، وقيل: هو اسم شيطانه، وكان الأسود قد خرج بصنعاء، وادَّعَى النبوة، وغَلَب على عامل صنعاء المهاجر بن أبي أمية، ويقال: إنه مَرّ به، فلما حاذاه عثر الحمار، فادَّعَى أنه سجد له، ولم يقم الحمار حتى قال له شيئًا، فقام. وروى يعقوب بن سفيان، والبيهقيّ في «الدلائل» من طريقه، من حديث النعمان بن بُزْرُج -بضم الموحدة، وسكون الزاي، ثم راء مضمومة، ثم جيم- قال: خرج الأسود الكذاب، وهو من بني عَنْس -يعني: بسكون النون- وكان معه شيطانان، يقال لأحدهما: سُحَيق -بمهملتين، وقاف، مصغرًا- والآخر شُقَيق -بمعجمة، وقافين، مصغرًا- وكانا يخبرانه بكل شيء يحدث من أمور الناس، وكان باذان عامل النبيّ -ﷺ- بصنعاء، فمات، فجاء شيطان الأسود، فأخبره، فخرج في قومه حتى ملك صنعاء، وتزوج المرزبانة زوجة باذان، فذكر القصة في مواعدتها دادويه، وفيروز، وغيرهما، حتى دخلوا على الأسود ليلًا، وقد سقته المرزبانة الخمر صِرْفًا، حتى سَكِر، وكان على بابه ألف حارس، فنقب فيروز ومن معه الجدار، حتى دخلوا، فقتله فيروز، واحتَزّ رأسه، وأخرجوا المرأة، وما أحبوا من متاع البيت، وأرسلوا الخبر إلى المدينة، فوافى بذلك عند وفاة النبيّ -ﷺ-. قال أبو الأسود، عن عروة: أصيب الأسود قبل وفاة النبيّ -ﷺ- بيوم وليلة، فأتاه الوحي، فأخبر به أصحابه، ثم جاء الخبر إلى أبي بكر -﵁-، وقيل: وصل الخبر بذلك صبيحة دفن النبيّ -ﷺ- . (وَالآخَرُ مُسَيْلِمَةَ) الكذّاب الذي تقدّمت ترجمته، (صَاحِبَ الْيَمَامَةِ») البلدة المعروفة، وقد تقدّم بيانها قريبًا، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس -﵄- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥/ ٥٩٢٠] (٢٢٧٣)، و(البخاريّ) في«المناقب»(٣٦٢٠ و٣٦٢١) و«المغازي»(٤٣٧٣ و٤٣٧٤ و٤٣٧٨ و٤٣٧٩) و«التوحيد»(٧٤٦١)، و(الترمذيّ) في«الرؤيا»(٢٢٩٢)، و(النسائيّ) في«الكبرى»(٤/ ٣٨٩)، و(ابن حبّان) في«صحيحه»(٦٦٥٤)، و(الحاكم) في«المستدرك»(٤/ ٤٤٠)، و(البيهقيّ) في«الكبرى»(٨/ ١٧٥)، و«دلائل النبوّة»(٥/ ٣٣٤ و٣٣٥)، و(البغويّ) في«شرح السُّنَّة» (٣٢٩٧)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان أن الإمام يأتي بنفسه إلى من قَدِم يريد لقاءه من الكفار، إذا تعيَّن ذلك طريقًا لمصلحة المسلمين. ٢ - (ومنها): أن فيه منقبةً للصدِّيق -﵁-؛ لأن النبيّ -ﷺ- تولى نفخ السّوارين بنفسه، حتى طارا، فأما الأسود فقُتل في زمنه، وأما مسيلمة فكان القائم عليه حتى قتله أبو بكر الصديق -﵁-، فقام مقام النبيّ -ﷺ- في ذلك. ٣ - (ومنها): بيان فضيلة ثابت بن قيس -﵁-، حيث أقامه النبيّ -ﷺ- مقامه في محاورة مسيلمة الكذّاب، وكان خطيب الأنصار قبل الإسلام، ثم كان خطيبه -ﷺ- إذا قدِم الوفود، وهو الذي بشّره النبي -ﷺ- بالجنّة. ٤ - (ومنها): أن السوار، وسائر آلات أنواع الحلي اللائقة بالنساء تُعَبّر للرجال بما يسوؤهم، ولا يسرّهم. ٥ - (ومنها): بيان معجزة النبيّ -ﷺ- حيث أخبر أنه نفخهما، فطارا، فلم يلبث حتى قُتل كلّ منهما، كما أشار إليه -ﷺ-، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّل الكتاب قال: [٥٩٢١] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أبُو هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-، فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ أُتِيتُ خَزَائِنَ الأَرْضِ، فَوَضَعَ فِي يَدَيَّ أُسْوَارَيْنِ مِنْ ذَهَبٍ، فَكَبُرَا عَلَيَّ، وَأَهَمَّانِي، فَأُوحِيَ إِلَيَّ أَنِ انْفُخْهُمَا، فَنَفَخْتُهُمَا، فَذَهَبَا، فَأَوَّلْتُهُمَا الْكَذَّابَيْنِ اللَّذَيْنِ أَنَا بَيْنَهُمَا، صَاحِبَ صَنْعَاءَ، وَصَاحِبَ الْيَمَامَةِ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: وكلّهم ذكروا في الباب، إلا همامًا، فتقدّم قبل أربعة أبواب. وقوله: (بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ … إلخ) قد مرّ غير مرّة أن أصله «بين»، فأشبعت الفتحة، فصارت ألفًا، وأنه ظرف مضاف إلى جملة «أنا نائم»، وقد تدخل عليها «ما»، فيقال: «بينما»، وقوله: «أنا» مبتدأ، و«نائم» خبره، وقوله: «أُتِيتُ خَزَائِنَ الأَرْضِ» ببناء الفعل للمفعول، وهو جواب «بينا»، وعامل فيه . وقال النوويّ -﵀-: وفي الرواية الأخرى: «فوضع في يديّ أسوارين» قال أهل اللغة: يقال: سُوار بكسر السين، وضمها، وأُسوار بضم الهمز، ثلاث لغات ، ووقع في جميع النسخ في الرواية الثانية: «أسوارين»، فيكون «وَضَعَ» بفتح الواو، والضاد، وفيه ضمير الفاعل؛ أي: وضع الآتي بخزائن الأرض في يديّ أسوارين، فهذا هو الصواب، وضَبَطه بعضهم: «فَوُضِعَ» بضم الواو، وهو ضعيف، لنصب «أسوارين»، وإن كان يتخرج على وجه ضعيف. وقوله: (يَدَيَّ) هو بتشديد الياء، على التثنية . وقوله: (صَاحِبَ صَنْعَاءَ) هو الأسود الْعَنْسيّ، (وَصَاحِبَ الْيَمَامَةِ») هو مسيلمة الكذّاب، وتمام شرح الحديث تقدّم في الحديث الماضي، ولله الحمد والمنّة.
مصادر المؤلف (٥٢)

١. راجع: «الفتح» ١/ ٦٠٧ - ٦٠٨، كتاب «الوضوء» رقم (٢٤٦).

٢. وفي نسخة: «أني هاجرت».

٣. «المصباح المنير»٢/ ٥٩٦ - ٥٩٧.

٤. «المفهم»٦/ ٣٥.

٥. «المصباح المنير»٢/ ٦٧٤.

٦. «المفهم»٦/ ٣٥.

٧. «المصباح المنير»٢/ ٦٨١.

٨. «شرح النوويّ»١٥/ ٣١.

٩. بفتح السين، وكسر الباء، وسكونها تخفيفًا.

١٠. «شرح النوويّ» ١٥/ ٣١ - ٣٢.

١١. «الفتح» ٩/ ١٥٨، كتاب «المغازي» رقم (٤٠٨١).

١٢. «الكاشف عن حقائق السُّنن» ٩/ ٣٠٠٦.

١٣. «المفهم» ٦/ ٣٦.

١٤. «شرح النوويّ» ١٥/ ٣١ - ٣٢.

١٥. «المفهم» ٦/ ٣٦.

١٦. «شرح النوويّ» ١٥/ ٣١ - ٣٢.

١٧. «المفهم» ٦/ ٣٦.

١٨. هكذا «منحرة»، وليُنظر هل ثبت أنحر رباعيًّا؟ فإني لم أره في «القاموس»، ولا في «المصباح»، والله تعالى أعلم.

١٩. «الفتح» ٩/ ١٥٨، كتاب «المغازي» رقم (٤٠٨١).

٢٠. «الفتح» ١٦/ ٣٩١ - ٣٩٢، كتاب «التعبير» رقم (٧٠٣٥).

٢١. «المفهم» ٦/ ٣٧ - ٣٨.

٢٢. «المفهم» ٦/ ٣٨.

٢٣. «المفهم» ٦/ ٣٨ - ٣٩.

٢٤. «الفتح» ١٦/ ٣٩١ - ٣٩٢، كتاب «التعبير» رقم (٧٠٣٥).

٢٥. «المفهم» ٦/ ٣٥.

٢٦. «المفهم» ٦/ ٣٥ - ٣٦.

٢٧. «الفتح» ١٦/ ٣٩٩ - ٤٠٠، كتاب «التعبير» رقم (٧٠٤١).

٢٨. وفي نسخة: «إني لأراك الذي».

٢٩. وفي نسخة: «أسوارين».

٣٠. وفي نسخة: «يخرجان بعدي».

٣١. سيأتي في كلام القرطبيّ ترجيح قدومه مرّة واحدة. فتنبّه.

٣٢. «الفتح» ٩/ ٥٢٢، كتاب «المغازي» رقم (٤٣٧٣).

٣٣. الْوَتَغُ: الإثم، وفساد الدين.

٣٤. أي: جرحه جرحًا مميتًا، وأجهز عليه.

٣٥. «المفهم» ٦/ ٣٩ - ٤٢.

٣٦. «الفتح» ٩/ ٥٢٢، كتاب «المغازي» رقم (٤٣٧٣).

٣٧. «شرح النوويّ» ١٥/ ٣٣.

٣٨. «الإصابة في تمييز الصحابة»١/ ٣٩٥.

٣٩. «المصباح المنير»١/ ٩٦.

٤٠. «شرح النوويّ»١٥/ ٣٣، و«إكمال المعلم»٧/ ٢٣٣.

٤١. «المفهم»٦/ ٤٢.

٤٢. «المفهم»٦/ ٤٣.

٤٣. الْجَهْوريّ: هو الصوت العالي. اهـ.«تاج العروس».

٤٤. «المفهم»٦/ ٤٣.

٤٥. وفي نسخة:«إني لأراك الذي».

٤٦. «تاج العروس» ١/ ٢٩٧٥.

٤٧. «المفهم» ٦/ ٤٣ - ٤٤.

٤٨. «المفهم» ٦/ ٤٣ - ٤٤.

٤٩. «الفتح» ٩/ ٥٢٧ - ٥٢٨، كتاب «المغازي» رقم (٤٣٧٨).

٥٠. راجع:«عمدة القاري»٢/ ٨٦.

٥١. تقدّم أن فيه أربع لغات، يزاد على الثلاث كسر الهمزة، فتنبّه.

٥٢. «شرح النوويّ» ١٥/ ٣٤.