HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٢٧٥

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ. حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ. حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ أَبِي رَجَاءٍ الْعُطَارِدِيِّ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ. قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا صَلَّى الصُّبْحَ أَقْبَلَ عَلَيْهِمْ بِوَجْهِهِ فَقَالَ «هَلْ رَأَى أَحَدٌ منكم البارحة رؤيا؟».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج7 ص58
ج ٤ ص ١٧٨١

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٣ مصادر جامع الترمذي, صحيح البخاري, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣٧ ص١٦٨
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥١/ ٥٩٢١] (٢٢٧٤)، و(البخاريّ) في «المغازي» (٤٣٧٥) و«التعبير» (٧٠٣٣ و٧٠٣٤ و٧٠٣٧)، و(النسائيّ) في «الكبرى» (٤/ ١٥٩١)، و(ابن ماجه) في «تعبير الرؤيا» (٣٩٢٢)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (٥٨١١)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٣١٩، ٣٣٨ و٣٤٤)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٦٦٥٣)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (١٠/ ٣٠٠)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٨/ ١٧٥)، و(البغويّ) في «شرح السُّنَّة» (٣٢٩٧)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّل الكتاب قال: [٥٩٢٢] (٢٢٧٥) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، حَدَّثنَا أَبِي، عَنْ أَبِي رَجَاءٍ الْعُطَارِدِيِّ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- إِذَا صَلَّى الصُّبْحَ أَقْبَلَ عَلَيْهِمْ بِوَجْهِهِ، فَقَالَ: «هَلْ رَأَى أَحَدٌ مِنْكُمُ الْبَارِحَةَ رُؤْيَا؟»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) المعروف ببندار، تقدّم قريبًا. ٢ - (وَهْبُ بْنُ جَرِيرِ) بن حازم بن زيد، أبو عبد الله الأزديّ البصريّ، ثقةٌ [٩] (ت ٢٠٦) (ع) تقدم في «الإيمان» ٥٠/ ٣١٥. ٣ - (أَبُوهُ) جرير بن حازم بن زيد بن عبد الله الأزديّ، أبو النضر البصريّ، ثقةٌ، لكن في حديثه عن قتادة ضعف، وله أوهام إذا حدّث من حفظه [٦] (ت ١٧٠) بعدما اختَلَط، لكن لم يحدِّث في حال اختلاطه (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٨١. ٤ - (أَبُو رَجَاءٍ الْعُطَارِدِيُّ) عمران بن مِلْحان -بكسر الميم، وسكون اللام، بعدها مهملة- ويقال: ابن تيم، مشهور بكنيته، وقيل غير ذلك في اسم أبيه، مخضرمٌ، ثقةٌ مُعَمَّر [٢] مات سنة خمس ومائة، وله مائة وعشرون سنةً (ع) تقدم في «الإيمان» ٦٢/ ٣٤٥. ٥ - (سَمُرَةُ بْنُ جُنْدَبٍ) بن هلال الفَزَاريّ، حليف الأنصار، صحابيّ، مشهورٌ، له أحاديث، مات بالبصرة سنة ثمان وخمسين (ع) تقدم في «المقدمة» ١/ ١. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-، وأنه مسلسلٌ بالبصريين من أوله إلى آخره، وفيه محمد بن بشّار أحد التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا واسطة، وقد نظمتهم بقولي: اشْتَرَكَ الأَئِمَّةُ الْهُدَاةُ … ذَوُو الأَصُولِ السِّتَّةِ الْوُعَاةُ فِي تِسْعَةٍ مِنَ الشُّيُوخِ الْمَهَرَهْ … الْحَافِظِينَ البَارِعِينَ الْبَرَرَهْ أُولَئِكَ الأَشَجُّ وَابْنُ مَعْمَرِ … نَصْرٌ ويَعْقُوبُ وَعَمْرٌو السَّرِي وَابْنُ الْعَلَاءِ وَابْنُ بَشَّارٍ كَذَا … ابْنُ الْمُثَنَّى وَزَيادٌ يُحْتَذَى شرح الحديث: (عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ) -﵁-، وفي رواية البخاريّ من طريق عوف الأعرابيّ، قال: «حدّثنا أبو رجاء، حدّثنا سَمُرة بن جُندُب». (قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- إِذَا صَلَّى الصُّبْحَ) وفي رواية يزيد بن هارون عن أبي رجاء: «إذا صلى صلاة الغداة»، وذكر ابن أبي حاتم من طريق زيد بن علي بن الحسين بن عليّ، عن أبيه، عن جدّه، عن عليّ قال: «صلى بنا رسول الله -ﷺ- يومًا صلاة الفجر، فجلس …» الحديث بطوله نحو حديث سمرة، والراوي له عن زيد ضعيف، وأخرج أبو داود، والنسائيّ من حديث الأعرج، عن أبي هريرة: «أن النبيّ -ﷺ- كان إذا انصرف من صلاة الغداة يقول: هل رأى أحد الليلة رؤيا؟»، وأخرج الطبرانيّ بسند جيد، عن أبي أمامة، قال: «خرج علينا رسول الله -ﷺ- بعد صلاة الصبح، فقال: إني رأيت الليلة رؤيا، هي حقّ، فاعقلوها»، فذكر حديثًا فيه أشياء، يُشْبِه بعضها ما في حديث سمرة، لكن يظهر من سياقه أنه حديث آخر، فإن في أوله: «أتاني رجل، فأخذ بيدي، فاستتبعني، حتى أتى جبلًا طويلًا وَعْرًا، فقال لي: ارْقَهْ، فقلت: لا أستطيع، فقال: إني سأسهله لك، فجعلتُ كلما وضعت قدمي وضعتها على درجة، حتى استويت على سواء الجبل، ثم انطلقنا، فإذا نحن برجال ونساء مُشَقَّقة أشداقهم، فقلت: من هؤلاء؟ قال: الذين يقولون ما لا يعلمون …» الحديث، ذكره في «الفتح» . (أَقْبَلَ عَلَيْهِمْ)، أي: على الصحابة -﵃- (بِوَجْهِهِ) الشريف، (فَقَالَ: «هَلْ رَأَى أَحَدٌ مِنْكُمُ الْبَارِحَةَ رُؤْيَا؟») قال النوويّ -﵀-: هكذا هو في جميع نُسخ مسلم«البارحة»، وفيه دليل لجواز إطلاق البارحة على الليلة الماضية، وإن كان قبل الزوال، وقول ثعلب وغيره: إنه لا يقال: البارحة إلا بعد الزوال يَحْتَمِل أنهم أرادوا أن هذا حقيقته، ولا يمتنع إطلاقه قبل الزوال مجازًا، ويَحْمِلون الحديث على المجاز، وإلا فمذهبهم باطل بهذا الحديث. انتهى . وقال الفيّوميّ -﵀-: بَرِحَ الشيءُ يَبْرَح، من باب تَعِبَ بَرَاحًا: زال من مكانه، ومنه قيل لليلة الماضية: البَارِحَةَ، والعرب تقول قبل الزوال: فعلنا الليلةَ كذا؛ لِقُربها من وقت الكلام، وتقول بعد الزوال: فعلنا البَارِحَةَ. انتهى . وقال القرطبيّ -﵀-: قوله: «البارحة»؛ يعني به: الليلة البارحة؛ أي: الذاهبة، اسم فاعل من بَرَحَ الشيءُ: إذا ذهب. ومنه قولهم: برح الخفاء؛ أي: ذهب، وإذا دخل حرف النفي على برح صار من أخوات «كان» التي ترفع الاسم، وتنصب الخبر، ووقع هذا اللفظ في غير كتاب مسلم: «هل رأى أحد منكم الليلة رؤيا» بدل «البارحة»، واستَدَلَّ به بعض الناس على أن ما بعد طلوع الفجر إلى طلوع الشمس هو من الليل، وليس بصحيح؛ لأنَّه: إنما أشار للَّيلة البارحة، لا للساعة الحاضرة، بدليل هذه الرواية الصحيحة التي قال فيها: «البارحة»، ومعناها: الماضية بالاتفاق، فكأنه قال: الليلة الماضية، أو المنصرمة، ولمّا كانت قريبة الانصرام أشار إليها، ولمّا كان هذا معلومًا اكتفي بذكر الليلة عن صفتها، ولمّا كانت «البارحة» صفة معلومة لليلة استعملها غير تابعة استعمالَ الأسماء، وكان الأصل الجمع بين التابع والمتبوع، فيقال: الليلة البارحة، لكن جاز ذلك، لِمَا ذكرناه. انتهى ، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: هذا الحديث اختصره مسلم، فإنه حديث طويل، وقد ساقه البخاريّ -﵀- في «كتاب التعبير» من «صحيحه»، فقال: (٧٠٤٧) - حدّثنا مؤمَّل بن هشام أبو هشام، حدّثنا إسماعيل بن إبراهيم، حدّثنا عوف، حدّثنا أبو رجاء، حدّثنا سمرة بن جندب -﵁- قال: كان رسول الله -ﷺيعني- مما يُكثر أن يقول لأصحابه: «هل رأى أحد منكم من رؤيا؟»، قال: فيَقُصّ عليه من شاء الله أن يقصّ، وإنه قال ذات غداة: «إنه أتاني الليلة آتيان، وإنهما ابتعثاني، وإنهما قالا لي: انطلق، وإني انطلقت معهما، وإنا أتينا على رجل مضطجع، وإذا آخر قائم عليه بصخرة، وإذا هو يهوي بالصخرة لرأسه، فيَثْلَغ رأسه، فيتدهده الحجر، ها هنا، فيتبع الحجر، فيأخذه، فلا يرجع إليه حتى يصح رأسه كما كان، ثم يعود عليه، فيفعل به مثل ما فعل به مرة الأولى، قال: قلت لهما: سبحان الله ما هذان؟ قال: قالا لي: انطلق، انطلق، قال: فانطلقنا، فأتينا على رجل مُستلقٍ لقفاه، وإذا آخر قائم عليه بِكَلُّوب من حديد، وإذا هو يأتي أحد شقّي وجهه، فيشرشر شدقه إلى قفاه، ومنخره إلى قفاه، وعينه إلى قفاه، قال: وربما قال أبو رجاء: فيشق، قال: ثم يتحول إلى الجانب الآخر، فيفعل به مثل ما فعل بالجانب الأول، فما يفرغ من ذلك الجانب حتى يصح ذلك الجانب، كما كان، ثم يعود عليه، فيفعل مثل ما فعل المرة الأولى، قال: قلت: سبحان الله ما هذان؟ قال: قالا لي: انطلق، انطلق، فانطلقنا، فأتينا على مثل التنُّور، قال: وأحسب أنه كان يقول: فإذا فيه لَغَطٌ وأصوات، قال: فاطلعنا فيه، فإذا فيه رجال ونساء عُراة، وإذا هم يأتيهم لهب من أسفل منهم، فإذا أتاهم ذلك اللهب ضَوْضَوْا ، قال: قلت لهما: ما هؤلاء؟ قال: قالا لي: انطلق، انطلق، قال: فانطلقنا، فأتينا على نهر، حسبت أنه كان يقول: أحمر مثل الدم، وإذا في النهر رجل سابح يسبح، وإذا على شط النهر رجل قد جمع عنده حجارة كثيرة، وإذا ذلك السابح يسبح ما يسبح، ثم يأتي ذلك الذي قد جمع عنده الحجارة، فيفغر له فاه، فيلقمه حجرًا، فينطلق يسبح، ثم يرجع إليه، كلما رجع إليه، فغر له فاه، فألقمه حجرًا، قال: قلت لهما: ما هذان؟ قال: قالا لي: انطلق، انطلق، قال: فانطلقنا، فأتينا على رجل كريه الْمَرآة ؛ كأكره ما أنت راء رجلًا مَرآةً، فإذا عنده نار يَحُشّها ، ويسعى حولها، قال: قلت لهما: ما هذا؟ قال: قالا لي: انطلق، انطلق، فانطلقنا، فأتينا على روضة مُعْتِمَة ، فيها من كل لون الربيع، وإذا بين ظَهْري الروضة رجل طويل، لا أكاد أرى رأسه طولًا في السماء، وإذا حول الرجل من أكثر ولدان رأيتهم قطّ، قال: قلت لهما: ما هذا؟ ما هؤلاء؟ قال: قالا لي: انطلق، انطلق، قال: فانطلقنا، فانتهينا إلى روضة عظيمة لم أر روضة قطّ أعظم منها، ولا أحسن، قال: قالا لي: ارْقَ فيها، قال: فارتقينا فيها، فانتهينا إلى مدينة مبنية بلَبِن ذهب، ولَبِن فضة، فأتينا باب المدينة، فاستفتحنا، ففُتح لنا، فدخلناها، فتلقّانا فيها رجال شَطْر من خلقهم كأحسن ما أنت راء، وشطر كأقبح ما أنت راء، قال: قالا لهم: اذهبوا، فقَعُوا في ذلك النهر، قال: وإذا نهر معترض يجري كأن ماءه المحض في البياض، فذهبوا، فوقعوا فيه، ثم رجعوا إلينا قد ذهب ذلك السوء عنهم، فصاروا في أحسن صورة، قال: قالا لي: هذه جنة عدن، وهذاك منزلك، قال: فسما بصري صُعُدًا، فإذا قصر مثل الربابة البيضاء، قال: قالا لي: هذاك منزلك، قال: قلت لهما: بارك الله فيكما، ذراني، فأدخله، قالا: أمّا الآن فلا، وأنت داخله، قال: قلت لهما: فإني قد رأيت منذ الليلة عجبًا، فما هذا الذي رأيت؟ قال: قالا لي: أَمّا إنا سنخبرك، أما الرجل الأول الذي أَتيت عليه يُثْلغ رأسه بالحجر، فإنه الرجل يأخذ القرآن، فيرفضه، وينام عن الصلاة المكتوبة، وأما الرجل الذي أتيت عليه يُشَرْشر شدقه إلى قفاه، ومنخره إلى قفاه، وعينه إلى قفاه، فإنه الرجل يغدو من بيته، فيكذب الكذبة تبلغ الآفاق، وأما الرجال والنساء العراة الذين في مثل بناء التنور، فإنهم الزناة، والزواني، وأما الرجل الذي أتيت عليه يَسبح في النهر، ويُلقَم الحجارة، فإنه آكل الربا، وأما الرجل الكريه الْمَرْآة الذي عند النار يَحُشّها، ويسعى حولها، فإنه مالك خازن جهنم، وأما الرجل الطويل الذي في الروضة، فإنه إبراهيم -ﷺ-، وأما الوِلدان الذين حوله، فكل مولود مات على الفطرة»، قال: فقال بعض المسلمين: يا رسول الله، وأولاد المشركين؟ فقال رسول الله -ﷺ-:«وأولاد المشركين، وأما القوم الذين كانوا شطرًا منهم حسنٌ، وشطرًا منهم قبيحٌ، فإنهم قوم خلطوا عملًا صالِحًا، وآخر سيئًا تجاوز الله عنهم». انتهى . مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث سمرة بن جُندب -﵁- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥/ ٥٩٢٢] (٢٢٧٥)، و(البخاريّ) في«الصلاة»(٨٤٥) و«الجنائز»(١٣٨٦) و«التهجّد»(١١٤٣) و«البيوع»(٢٠٨٥) و«الجهاد»(٢٧٩١) و«بدء الخلق»(٣٢٣٦) و«أحاديث الأنبياء»(٣٣٥٤) و«التفسير»(٤٦٧٤) و«الأدب»(٦٠٩٦) و«التعبير»(٧٠٤٧)، و(الترمذيّ) في«الرؤيا»(٢٢٩٥)، و(النسائيّ) في«الكبرى»(٤/ ٣٩١ و٦/ ٣٥٨)، و(أحمد) في«مسنده»(٨/ ٥ و٩ و١٠ و١٤)، و(ابن خزيمة) في«صحيحه»(٩٤٢)، و(ابن حبّان) في«صحيحه»(٦٥٥)، و(الطبرانيّ) في«الكبير»(٦٩٨٤ و٦٩٨٦ و٦٩٩٠)، و(البيهقيّ) في«الكبرى»(٢/ ١٨٧ و١٨٨ و٥/ ٢٧٥)، و«شُعَب الإيمان»(٢/ ٣٣٥)، و(البغويّ) في«شرح السُّنَّة»(٢٠٥٣)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان استحباب إقبال الإمام بعد سلامه على أصحابه. ٢ - (ومنها): أن فيه دليلًا على أن الإمام لا يمكث في موضع صلاته إذا فرغ منها، وقد تقدَّم ذلك . ٣ - (ومنها): ما قال القرطبيّ -﵀-: إنما كان -ﷺ- يسألهم عن الرؤيا؛ لِمَا كانوا عليه من الصلاح، والصدق، فكان قد علم أن رؤياهم صحيحة، وأنها يستفاد منها الاطلاع على كثير من علم الغيب، وليبيّن لهم بالفعل الاعتناء بالرؤيا، والتشوُّف لفوائدها، وليعلّمهم كيفية التعبير، وليستكثر من الاطلاع على علم الغيب. انتهى . ٤ - (ومنها): بيان الاهتمام بأمر الرؤيا بالسؤال عنها، وفضل تعبيرها، واستحباب ذلك بعد صلاة الصبح؛ لأنه الوقت الذي يكون فيه البال مجتمعًا، قاله في «الفتح» . وقال النوويّ -﵀-: فيه استحباب السؤال عن الرؤيا، والمبادرة إلى تأويلها، وتعجيلها أولَ النهار؛ لهذا الحديث، ولأن الذهن جَمْعٌ قبل أن يتشعب بأشغاله في معايش الدنيا، ولأن عهد الرائي قريب لم يطرأ عليه ما يهوش الرؤيا عليه، ولأنه قد يكون فيها ما يستحب تعجيله؛ كالحثّ على خير، أو التحذير من معصية، ونحو ذلك. ٥ - (ومنها): إباحة الكلام في العلم، وتفسير الرؤيا، ونحوهما بعد صلاة الصبح. ٦ - (ومنها): أن استدبار القبلة في جلوسه للعلم، أو غيره مباح، قاله النوويّ، وقال في «الفتح»: وفيه أن ترك استقبال القبلة للإقبال عليهم لا يُكره، بل يُشرع؛ كالخطيب. انتهى . ٧ - (ومنها): أن فيه استقبالَ الإمام أصحابه بعد الصلاة، إذا لم يكن بعدها راتبةٌ، وأراد أن يعظهم، أو يفتيهم، أو يحكم بينهم. انتهى. [خاتمة]: قال الإمام البخاريّ -﵀- في «صحيحه»: «باب تعبير الرؤيا بعد صلاة الصبح»، قال في «الفتح»: فيه إشارة إلى ضعف ما أخرجه عبد الرزاق، عن معمر، عن سعيد بن عبد الرحمن، عن بعض علمائهم، قال: لا تقصص رؤياك على امرأة، ولا تخبر بها حتى تطلع الشمس، وفيه إشارة إلى الردّ على من قال من أهل التعبير: إن المستحبّ أن يكون تعبير الرؤيا من بعد طلوع الشمس إلى الرابعة، ومن العصر إلى قبل المغرب، فإن الحديث دالّ على استحباب تعبيرها قبل طلوع الشمس، ولا يخالف قولهم بكراهة تعبيرها في أوقات كراهة الصلاة. قال المهلّب -﵀-: تعبير الرؤيا عند صلاة الصبح أَولى من غيره من الأوقات؛ لِحِفْظ صاحبها لها؛ لِقُرب عهده بها، وقبل ما يَعْرِض له نسيانها، ولحضور ذهن العابر، وقلة شغله بالفكرة فيما يتعلق بمعاشه، وليعرف الرائي ما يَعْرِض له بسبب رؤياه، فيستبشر بالخير، ويَحْذَر من الشرّ، ويتأهب لذلك، فربما كان في الرؤيا تحذير عن معصية، فيكفّ عنها، وربما كانت إنذارًا لأمر، فيكون له مترقبًا، قال: فهذه عدّة فوائد لتعبير الرؤيا أول النهار. انتهى ملخصًا ، والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. * * * ٤٥ - (كِتَابُ الْفَضَائِلِ) قال الجامع عفا الله عنه: المراد فضائل الأنبياء -صلوات الله وسلامه عليهم- خاصّةً، لا ما يشمل فضائل الصحابة -﵃-؛ لأنه سيأتي بعد هذا «كتاب فضائل الصحابة -﵃-»، فتنبّه. و«الفضائل»: جمع فضيلة، وهي: خلاف النقيصة، وهي الدرجة الرفيعة في الفضل، والاسمُ من ذلك الفاضلة، والجمع الفواضل، وفَضّله على غيره تفضيلًا: مَزّاه؛ أي: أثبت له مَزِيّة؛ أي: خصلة تميزه عن غيره، أو فَضّله: حكم له بالتفضيل، أو صيّره كذلك، وقوله تعالى: ﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٠] قيل في التفسير: إن فضيلة ابن آدم أنه يمشي قائمًا، وأن الدواب، والإبل، والحمير، وما أشبهها تمشي مُنْكَبّة، وابن آدم يتناول الطعام بيديه، وسائر الحيوان يتناوله بفيه، قاله في «التاج» . وقال أيضًا: الفضل معروف، وهو ضد النقص، جَمْعه: فضول، وفي «التوقيف» للمناويّ: الفضل: ابتداء إحسان بلا علّة، وفي «المفردات» للراغب: الفضل: الزيادة على الاقتصاد، وذلك ضربان: محمود؛ كفضل العلم، والحلم، ومذموم؛ كفضل الغضب على ما يجب أن يكون عليه، والفضل في المحمود أكثر استعمالًا، والفضول في المذموم، والفضل إذا استُعْمِل بزيادة أحد الشيئين على الآخر، فعلى ثلاثة أضراب: فضلٌ من حيث الجنسُ، وفضلٌ من حيث النوعُ؛ كفضل الإنسان على غيره من الحيوان، وفضلٌ من حيث الذات؛ كفضل رجل على آخر، فالأولان جوهريان، لا سبيل للناقص منهما أن يزيل نقصه، وأن يستفيد الفضل؛ كالفرس، والحمار، لا يمكنهما اكتساب فضيلة الإنسان، والثالث قد يكون عَرَضيًّا فيوجد السبيل إلى اكتسابه، ومن هذا النحو التفضيل المذكور في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [النحل: ٧١]؛ أي: في الْمُكْنة، والمال، والجاه، والقوّة، وكلّ عطية لا يلزم إعطاؤها لمن تُعطى له، يقال لها: فضل، نحو: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٣٢]، وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [المائدة: ٥٤] متناول للأنواع الثلاثة من الفضائل. انتهى. وقد فَضَلَ؛ كنَصَر، وعَلِمَ، الأخيرة حكاها ابن السِّكِّيت، وأما فَضِلَ؛ كعَلِم يَفْضُلُ؛ كيَنْصُرُ، فمركبة منهما؛ أي: من البابين شاذّة، لا نظير لها، قال سيبويه: هذا عند أصحابنا إنما يجيء على لغتين، قال: وكذلك نَعِمَ يَنْعُمُ، ومِتَّ تَمُوت، ودِمْتَ تَدُوم، وكِدتَ تَكُود، كما في «الصحاح»، وعن ابن السِّيد: أن هذه اللغات الثلاث إنما هي في الفضل الذي يراد به الزيادة، فأما الفضل الذي هو بمعنى الشرف، فليس فيه إلا لغة واحدة، وهي فَضَلَ يَفْضُلُ؛ كقَعَد يَقْعُدُ. انتهى. وقال الصيمريّ في «كتاب التبصرة» له: فَضَل يَفْضُل؛ كنصر ينصر، من الفضل الذي هو السؤدد، وفَضِل يَفْضَل بكسرها في الماضي، وضمّها في المضارع، من الفضلة، وهي بقية الشيء. انتهى . وقال الخضريّ في «حاشية السمرقنديّة» في الاستعارة: «الفواضل: جمع فاضلة، وهي الصفة التي لا تتحقّق إلا بتعدّي أثرها للغير؛ كالكرم». و«الفضائل»: جمع فضيلة، وهي التي تتحقّق، وإن لم يتعدّ أثرها للغير؛ كالعلم، والعبادة، قال: وهذا مجرّد اصطلاح، وإلا ففضيلة فَعِيلة، بمعنى فاضلة، وكلّ من الاسمين من الفضل، وهو الزيادة، فكلّ صفة تستحقّ لغةً أن تسمّى فضيلة، وفاضلة؛ لأنها زائدة على محلّها الذي قامت به. انتهى .
مصادر المؤلف (٢٢)

١. «الفتح» ١٦/ ٤٢١، كتاب «التعبير» رقم (٧٠٤٧).

٢. «شرح النوويّ» ١٥/ ٣٥.

٣. «المصباح المنير» ١/ ٤٢.

٤. «المفهم» ٦/ ٢٩ - ٣٠.

٥. أي: يشدخ رأسه، والشدخ الكسر.

٦. أي: يُشقّ.

٧. أي: رفعوا أصواتهم مختلطةً.

٨. أي: يفتح.

٩. أي: كريه المنظر.

١٠. أي: يوقدها.

١١. أي: مخضرّة.

١٢. بالحاء المهملة: اللَّبَن الخالص من الماء.

١٣. السحابة.

١٤. «صحيح البخاريّ» ٦/ ٢٥٨٣ - ٢٥٨٥.

١٥. «المفهم» ٦/ ٢٩.

١٦. «المفهم» ٦/ ٢٩.

١٧. «الفتح» ١٦/ ٤٣٠، كتاب «التعبير» رقم (٧٠٤٧).

١٨. «الفتح» ١٦/ ٤٣٠، كتاب «التعبير» رقم (٧٠٤٧).

١٩. «الفتح» ١٦/ ٤٣٠ - ٤٣١، كتاب «التعبير» رقم (٧٠٤٧).

٢٠. «تاج العروس» ١/ ٧٤٠٨.

٢١. «تاج العروس» ١/ ٧٤٠٧ - ٧٤٠٨.

٢٢. «حاشية الخضريّ على السمرقنديّة» ص ١٣.