HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٢٧٦

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ الرَّازِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَهْمٍ. جَمِيعًا عَنْ الْوَلِيدِ. قَالَ ابْنُ مِهْرَانَ: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ. حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ عَنْ أَبِي عَمَّارٍ، شَدَّادٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ وَاثِلَةَ بْنَ الْأَسْقَعِ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يقول «إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى كِنَانَةَ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ. وَاصْطَفَى قُرَيْشًا مِنْ كِنَانَةَ. وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ. وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج7 ص58
ج ٤ ص ١٧٨٢

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في مصدرين جامع الترمذي, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣٧ ص١٧٨
(١) - (بَابُ فَضْلِ نَسَبِ النَّبِيِّ -ﷺ-، وَتَسْلِيمِ الْحَجَرِ عَلَيْهِ قَبْلَ النُّبُوَّةِ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّل الكتاب قال: [٥٩٢٣] (٢٢٧٦) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ الرَّازِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَهْمِ، جَمِيعًا عَنِ الْوَلِيدِ، قَالَ ابْنُ مِهْرَانَ: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ، عَنْ أَبِي عَمَّارٍ شَدَّادٍ، أَنَّهُ سَمِعَ وَاثِلَةَ بْنَ الأَسْقَعِ، يَقُولُ: سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- يَقُولُ: «إِنَّ اللهَ اصْطَفَى كِنَانَةَ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، وَاصْطَفَى قُرَيْشًا مِنْ كِنَانَةَ، وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَني هَاشِمٍ، وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ الرَّازِيُّ) -بكسر الميم، وسكون الهاء- الْجَمّال -بالجيم- أبو جعفر، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٩) أو في التي قبلها (خ م د) تقدم في «الإيمان» ٢٦/ ٢١٢. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَهْمٍ) هو: محمد بن عبد الرحمن بن حَكِيم بن سَهْم الأنطاكيّ، ثقةٌ يُغْرِب [١٠] (ت ٢٤٣) (م) من أفراد المصنّف تقدم في «الصلاة» ٤٠/ ١٠٦٩. ٣ - (الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ) القرشيّ مولاهم، أبو العباس الدمشقيّ، ثقةٌ، لكنه كثير التدليس، والتسوية [٨] مات آخر سنة أربع، أو أول سنة خمس وتسعين ومائة (ع) تقدم في «الإيمان» ١٠/ ١٤٨. ٤ - (الأَوْزَاعِيُّ) عبد الرحمن بن عمرو بن أبي عمرو، أبو عمرو، ثقةٌ فقيهٌ، جليلٌ [٧] (ت ١٥٧) (ع) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٢٨. ٥ - (أَبُو عَمَّارٍ شَدَّادُ) بن عبد الله القرشيّ الدمشقيّ، ثقةٌ يرسل [٤] (بخ م ٤) تقدم في «المساجد ومواضع الصلاة» ٢٦/ ١٣٣٧. ٦ - (وَاثِلَةُ بْنُ الأَسْقَعِ) -بالقاف- ابن كعب الليثيّ الصحابي المشهور -﵁-، نزل الشام، وعاش إلى سنة خمس وثمانين، وله مائة وخمس سنين (ع) تقدم في «صلاة المسافرين وقصرها» ٥٢/ ١٩٣٠. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خُماسيّات المصنّف -﵀-، وله فيه شيخان قرن بينهما؛ لاتّحاد كيفيّة الأخذ والأداء منهما، ثم فصل بينهما؛ للاختلاف في ذلك، كما شرحناه غير مرّة، وأنه مسلسل بالشاميين، غير شيخيه، كما مرّ آنفًا، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي عَمَّارٍ شَدَّادٍ) بالجرّ بدل، أو عَطْف بيان لِمَا قبله، (أَنَّهُ سَمِعَ وَاثِلَةَ بْنَ الأَسْقَعِ) -﵁- (يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- يَقُولُ: «إِنَّ اللهَ اصْطَفَى) قال ابن العربيّ: الاصطفاء: أخذ الصافي من جملة معها غيره، وليس مثله، وقال القرطبيّ -﵀-: اصطفى: اختار. وصفوة الشيء: خياره، ووزنه: افتعل، والطاء فيه بدل من التاء؛ لِقُرب مخرجيهما. انتهى . (كِنَانَةَ) بكسر الكاف، وتخفيف النون؛ أي: بني كنانة، وهو كنانة بن خزيمة بن مُدركة بن إلياس بن مضر بن نِزار بن معدّ بن عدنان، (مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ) بفتح الواو واللام على أنه اسم جَمْع، أو بضمّ الواو، وسكون اللام، على أنه جَمْع وَلَد. وقال الفيّوميّ -﵀-: الوَلَدُ -بفتحتين-: كلُّ ما وَلَده شيء، ويُطلق على الذكر، والأنثى، والمثنى، والمجموع، فَعَلٌ بمعنى مفعولٍ، وهو مذكَّرٌ، وجَمْعه: أوْلَادٌ، والوُلْدُ وِزانُ قُفْل لغة فيه، وقيس تجعل المضموم جمع المفتوح، مثل أُسْدٍ جمع أَسَدٍ. انتهى . وفي رواية الترمذيّ: عن واثلة بن الأسقع -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل، واصطفى من ولد إسماعيل بني كنانة، واصطفى من بني كنانة قريشًا، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم»، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح . وقال البغويّ -﵀- في «شرح السُّنَّة»: هو: -ﷺ- أبو القاسم محمد بن عبد الله بن عبد المطّلب بن هاشم بن عبد مناف بن قُصيّ بن كلاب بن مُرّة بن كعب بن لؤيّ بن غالب بن فِهْر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خُزيمة بن مُدرِكة بن إلياس بن مُضَر بن نِزار بن مَعَدّ بن عدنان، ولا يصحّ حفظ النسب فوق عدنان، وقُريش هم أولاد النضر بن كنانة، كانوا تفرّقوا في البلاد، فجمعهم قُصيّ بن كلاب في مكة، فسُمّوا قريشًا؛ لأنه قَرَشهم؛ أي: جمعهم، ولكنانة ولد سوى النضر، وهم لا يُسمّون قريشًا؛ لأنهم لم يقرشوا. انتهى . (وَاصْطَفَى قُرَيْشًا) بصيغة التصغير مشتق من القَرْش، وهو الجمع، قال في «التاج»: قَرَشَه يَقْرِشُه قَرْشًا، من باب ضَرَب، ويَقْرُشُهُ أيَضًا من باب نَصَر: قَطَعَه، وقَرَشَهُ: جَمَعَه من ها هنا وها هنا، وضَمَّ بَعْضُهُ إِلى بَعْضٍ، قال الفَرّاءُ: ومنه قُرَيْشٌ القَبِيلَةُ، وأَبُوهُمُ النَّضْرُ بنُ كِنَانَةَ بنِ خُزَيْمَةَ بنِ مُدْرِكَةَ بنِ الْيَاسِ بنِ مُضَرَ، فكُلُّ مَنْ كانَ مِنْ وَلَدِ النَّضْرِ فهُوَ قُرَشِيٌّ، دُونَ وَلَدِ كِنَانَةَ، وَمَنْ فَوْقَه، كَذا في «الصحاح»، قَال المرتضى: وعِنْدَ أَئِمَّةِ النَّسَبِ كُلُّ مَنْ لَمْ يَلِدْهُ فِهْرٌ فَلَيْسَ بقُرَشِيٍّ، قالهُ ابنُ الكَلْبِيِّ، وهو المَرْجُوعُ إِلَيْه في هذَا الشّأْنِ؛ لتَجَمُّعِهِمْ في الحَرَمِ مِنْ حَوَالَيْ مَكَّةَ بَعْدَ تَفَرُّقِهِم في البِلَادِ، حينَ غَلَبَ عليها قُصَيُّ بنُ كِلَابٍ، ويُقَال: تَقَرَّشَ القَوْمُ: إِذا اجْتَمَعُوا، قالُوا: وبِه سُمِّيَ قُصَيٌّ مُجَمِّعًا، وقِيلَ: إِنَّمَا لُقّبَ قُصَيٌّ مُجَمِّعًا؛ لِجَمْعِه قبائل قُرَيْشٍ بالرِّحْلَتَيْنِ، ولكَوْنِه أَوّلَ مَنْ جَمّعَ يومَ الجُمُعَةِ، فخَطَب، وفِيه يَقُولُ مَطْرُود بنُ كَعْبٍ الخُزاعِيُّ [من الطويل]: أَبُوكُمْ قُصَيٌّ كَانَ يُدْعَى مُجَمِّعًا … بِهِ جَمَّعَ اللهُ القَبَائِلِ مِنْ فِهْرِ أَو لأَنَّهُمْ كَانُوا يَتَقَرَّشُونَ البِيَاعَاتِ، فيَشْتَرُونَهَا، أَوْ لأَنَّ النَّضْرَ بنَ كِنَانَةَ اجْتَمَعَ في ثَوْبِه يَوْمًا، فقالوا: تَقَرَّشَ، فغَلَبَ عليه اللَّقَبُ، أَوْ لأَنّه جاءَ إِلى قَوْمِه يَوْمًا، فقالُوا: كأَنَّهُ جَمَلٌ قَرِيشٌ؛ أَيْ: شَدِيدٌ، فلُقِّبَ به، أَوْ لأَنَّ قُصَيًّا كان يُقَالُ له: القُرَشِيُّ، وهُوَ الَّذِي سَمّاهم بِهذا الاسْمِ، قالَهُ المُبَرِّدُ، ونَقَلَهُ السُّهَيْلِيُّ في «مُبْهمِ القُرْآنِ»، أَوْ لأَنَّهُمْ كَانُوا يُفَتِّشُونَ الحاجَ -بالتَّخْفِيفِ- جَمْعُ: حاجَةٍ فيَسُدُّونَ خَلَّتَها، فمَنْ كان مُحْتَاجًا أَغْنَوْهُ، ومَنْ كان عارِيًا كَسَوْه، ومَنْ كان مُعْدِمًا وَاسَوْهُ، ومَنْ كانَ طَرِيدًا آوَوْه، ومَنْ كان خائِفًا حَمَوْه، ومَنْ كان ضالًّا هَدَوْهُ، وهذا قَوْلُ مَعْرُوفِ بنِ خَرَّبُوذَ، أَوْ سُمِّيَتْ بمُصَغَّرِ القِرْشِ، وهِيَ دَابَّةٌ بَحْرِيَّةٌ تَخَافُهَا دَوَابُّ البَحْرِ كُلُّها، وقِيلَ: إِنّهَا سَيِّدةُ الدّوابِّ، إِذا دَنَتْ وَقَفَت الدَّوابُّ، وإِذا مَشَتْ مَشَتْ، وكَذلِكَ قُرَيْشٌ ساداتُ النّاسِ جاهِلِيَّةً وإِسْلَامًا، وهذا القَوْلُ نَقَلَه الزُّبَيْرُ بنُ بَكّارٍ بسَنَدِه عن ابنِ عَبّاسٍ، وأَنْشَدَ قَوْلَ المُشَمْرِجِ الحِمْيَرِيّ [من الخفيف]: وقُرَيْشٌ هِيَ الَّتِي تَسْكُنُ البَحْـ … رَ بِهَا سُمِّيَتْ قُرَيْشٌ قُرَيْشَا أَو سُمِّيَتْ بقُرَيْشِ بنِ مَخْلَدِ بنِ غالِبِ بنِ فِهْرٍ، وكانَ صاحِبَ عِيرِهم، فكانُوا يَقُولُون: قَدِمَتْ عِيرُ قُرَيْشٍ، وخَرَجَتْ عِيْرُ قُرَيْشٍ، فَلُقِّبُوا بِذلِكَ. وقال السُّهَيْلِيُّ -في «مُبهَمِ القُرْآنِ» في آلِ عِمْران عِنْدَ ذِكْرِ بَدْرٍ-: هُوَ أَبُو بَدْرٍ، وهُوَ ابنُ قُرَيْشِ بنِ الحَارِثِ بن يَخْلُدَ بنِ النَّضْرِ، وكَانَ قُرَيْشٌ أَبُوهُ دَلِيلًا بَينَ فِهْرِ بنِ مالكٍ في الجاهلية، فكانت عِيرُهم إِذا وَرَدَتْ بَدْرًا يقال: قد جاءَت عِيرُ قُرَيْشٍ، يُضيفُونَهَا إِلى الرّجُلِ، حَتَّى ماتَ، وبَقِيَ الاسْمُ، فهذِهِ ثَمانِيَةُ أَوْجُهٍ، ذَكَرها في سَبَبِ تَلْقِيبِ النّضْرِ قُرَيْشًا، سَبْعَةٌ مِنْهَا نَقَلَها إِبراهِيمُ الحَرْبِيُّ في «غَرِيبِ الحَدِيثِ» مِنْ تَأْلِيفِه، وفاتَهُ ما نَقَلَه الأَزْهَرِيُّ وغيرُه: سُمِّيَتْ بِذلِكَ لِتَبَحُّرِهَا، وتَكَسُّبِهَا، وضَرْبِهَا في البِلادِ تَبْتَغِي الرِّزْقَ، وقِيلَ: لأَنّهُم كانُوا أَهْلَ تِجَارَةٍ، ولَمْ يَكُونوا أَصْحَابَ ضَرْعٍ، وزَرْعٍ، من قَوْلهم: فلانٌ يَتَقَرَّشُ المالَ؛ أَيْ: يَجْمَعُه، فَهذِه عَشَرَةُ أَوْجُه، والمَشْهُورُ من ذلِكَ الوَجْهُ الأَوّلُ الَّذِي نَقَلَه الجَوْهَرِيُّ عنِ الفرّاء، ثُمَّ مَا ذَكَرَه الزُّبَيْرُ بنُ بَكّارٍ، نَسّابَةُ العَرَب، وحُكِيَ لِبَعْضِهِم في تَسْمِيَتِهم بقُرَيْشٍ عِشْرُونَ قَوْلًا. قال الجَوْهَرِيُّ: فإِنْ أَرَدْتَ بقُرَيْشٍ الحَيَّ صَرَفْتَه، وإِنْ أَرَدْتَ بِهِ القَبيلَةَ لَمْ تَصْرِفْه، قالَ الشاعرُ في تَرْكِ الصَّرْفِ [من الطويل]: غَلَبَ المَسامِيحَ الوَلِيدُ سَمَاحَةً … وكَفَى قُرَيْشَ المُعْضِلاتِ وِسَادَهَا وهُوَ لِعَدِيِّ بنِ الرِّقاعِ يَمْدَحُ الوَلِيدَ بنَ عَبْدِ المَلِكِ وبعدَهُ: وإِذا نَشَرْتَ لَهُ الثَّنَاءَ وَجَدْتَه … وَرِثَ المَكَارِمَ طُرْفَهَا وتلَادَهَا والنِّسْبَةُ إِلى قُرَيْش: قُرَشِيٌّ، وقُرَيْشِيٌّ نادِرٌ عن الخَلِيلِ، قَالَ الشّاعر [من الطويل]: بِكُل قُرَيْشِيٍّ عَلَيْه مَهَابَةٌ … سَرِيعٍ إِلى دَاعِي النَّدَى والتَّكَرُّمِ وقالَ قَوْمٌ: القِيَاسُ هُوَ الأَوَّلُ، يَعْنِي: حَذْفَ الياءِ في النَّسَبِ، قال المرتضى: وهُوَ المَشْهُورُ المُسْتَعْمَلُ. وفي «التَّهْذِيبِ»: إِذا نَسَبُوا إِلى قُرَيْشٍ قالُوا: قُرَشِىٌّ بحَذْفِ الزّيادَةِ، قالَ: وللشّاعِرِ أَنْ يَقُولَ: قُرَيْشِيٌّ إِذا اضْطَرَّ. انتهى . [تنبيه]: قال النوويّ في «تهذيب الأسماء»: قال أهل الأنساب: قريش نوعان: قريش البِطَاح، وهم بنو كعب بن لؤيّ، وقريش الظواهر، وهم بنو عامر بن لؤيّ. انتهى . وقال في «التاج»: قال ابنُ الأعرابيّ: قُرَيْشُ الظَّواهِرِ: هم النّازِلُونَ بظَهْرِ جِبَالِ مَكَّةَ -شَرَّفها اللهُ تعالى- وقُرَيْشُ البِطَاحِ: هم النّازِلُون بِبِطَاحِ مَكَّةَ، قال: وهم أشْرَفُ، وأكرمُ مِن قُرَيْشِ الظّواهِرِ، وقال الكُمَيْتُ [من مجزؤ الكامل]: فَحَلَلْتَ مُعْتَلِجَ البِطَا … حِ وَحَلَّ غَيرُكَ بالظَّوَاهِرْ قال خالِدُ بن كُلْثُوم: مُعْتَلِجُ البِطَاحِ: بَطْنُ مَكَّةَ، وذلك أنَّ بنِي هاشِم، وبَنِي أمَيَّة، وسَادَةَ قُريْش نُزُولٌ ببَطْنِ مَكَّةَ، ومَنْ كانَ دونَهمُ، فهم نُزُولٌ بظَوَاهرِ جِبَالِها، ويقال: أرادَ بالظَّوَاهِرِ: أعلىَ مكّةَ. انتهى . [تنبيه آخر]: قال في «العمدة»: كانت لقريش في الجاهلية مكارمُ منها السقاية، والعمارة، والرِّفادة، والعقاب، والحجابة، والندوة، واللواء، والمشورة، والأشناق، والقبة، والأعنة، والسِّفارة، والأيسار، والحكومة، والأموال المحجرة، وكانوا يُسَمَّون آل الله، وجيران الله، والنسبة إلى قريش قريشيّ، وعن الخليل: قرشيّ أيضًا، فإن أردت بقريش الحيّ صرفته، وإن أردت به القبيلة لم تصرفه. انتهى . (مِنْ كِنَانَةَ)؛ أي: من بني كنانة، (وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ) ابن عبد مناف، (وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ») وقال الحافظ -﵀- في«الأمالي المطلقة»بعد إخراجه هذا الحديث ما نصّه: وله شاهد من حديث ابن عمر أتمّ سياقًا منه، ثم قال: وبه إلى ابن منده قال: أخبرنا محمد بن يعقوب، قال: حدّثنا الحسن بن مكرم، قال: حدّثنا عبد الله بن بكر، قال: حدّثنا محمد بن ذكوان، عن عمرو بن دينار، عن ابن عمر -﵄- قال: بينما نحن على باب النبيّ -ﷺ-، فذكر حديثًا، قال فيه: فخرج النبيّ -ﷺ-، فقال:«إن الله خلق السماوات سبعًا، ثم خلق الخلق، فاختار من الخلق بني آدم، ثم اختار من بني آدم العرب، ثم اختار من العرب مضر، ثم اختار من مضر قريشًا، ثم اختار من قريش بني هاشم، ثم اختارني من بني هاشم، فأنا خِيَارٌ من خيار». انتهى. قال: هذا حديث حسن، أخرجه الطبرانيّ في«الكبير»، و«الأوسط»من رواية حماد بن واقد، عن محمد بن ذكوان. انتهى ، والله تعالى أعلم. وأخرج البيهقيّ -﵀- في«شعب الإيمان»عن ابن عمر قال: إنا لقعود بفناء النبيّ -ﷺ-، فذكر الحديث إلى أن قال: عن النبيّ -ﷺ-:«إن الله تعالى خلق السماوات سبعًا، فاختار العليا منها، فأسكنها من شاء من خلقه، ثم خلق الخلق، فاختار مِن خَلْقه بني آدم، واختار من بني آدم العرب، واختار من العرب مضر، واختار من مضر قريشًا، واختار من قريش بني هاشم، واختارني من بني هاشم، فأنا من خيار إلى خيار، فمن أحب العرب فبحبي أحبهم، ومن أبغض العرب فببغضي أبغضهم». انتهى . مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث واثلة بن الأسقع -﵁- هذا من أفراد المصنّف -﵀-. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١/ ٥٩٢٣] (٢٢٧٦)، و(الترمذيّ) في«المناقب»(٣٦٠٥ و٣٦٠٦)، و(أحمد) في«مسنده»(٤/ ١٠٧)، و(ابن حبّان) في«صحيحه»(٦٢٤٢ و٦٣٣٣ و٦٤٧٥)، و(الطبرانيّ) في«الكبير»(٢٢/ ١٦١)، و(أبو يعلى) في«مسنده» (١٣/ ٤٦٩)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان فضل النبيّ -ﷺ-، وعلوّ قدره، وأنه مختار الله تعالى من خلفه. ٢ - (ومنها): بيان شرف نسب النبيّ -ﷺ-، فهم أشرف أنساب الناس جميعًا. ٣ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ -﵀-: معنى اختيار الله تعالى لمن شاء من خلقه: تخصيصه إياه بصفات كمال نوعه، وجَعْله إياه أصلًا لذلك النوع، وإكرامه له على ما سبق في علمه، ونافذ حكمه من غير وجوب عليه، ولا إجبار، بل على ما قال: ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ [القصص: ٦٨]، وقد اصطفى الله تعالى من هذا الجنس الحيواني نوع بني آدم، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (٧٠)﴾ [الإسراء: ٧٠]، ويكفيك من ذلك كله: أن الله تعالى خلق العالم كلَّه لأجله، كما قد صرح بذلك عنه لمّا قال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ الآية [الجاثية: ١٣]، ثم إن الله تعالى اختار من هذا النوع الإنساني مَن جعله معدن نبوته، ومحل رسالته، فأولهم: آدم -﵊- ثم إن الله تعالى اختار من نطفته نطفة كريمة، فلم يزل ينقلها من الأصلاب الكريمة إلى الأرحام الطاهرة، فكان منها الأنبياء والرسل، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (٣٣) ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٣٤)﴾ [آل عمران: ٣٣، ٣٤]، ثم إن الله تعالى اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل وإسحاق كما قال: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ الآية [النساء: ١٦٣]، ثم إن الله تعالى اصطفى من ولد إسماعيل كنانة كما ذكرهم النبيّ -ﷺ- في هذا الحديث، ثم إن الله تعالى ختمهم بختامهم، وأمَّهم بإمامهم، وشرَّفهم بصدر كتيبتهم، وبيت قصيدتهم، شمس ضحاها، هلال ليلتها، درِّ تقاصِيرها، زبرجدها، وهو محمد -ﷺ-، أخَّره عن الأنبياء زمانًا، وقدّمه عليهم رتبة ومكانًا، جعله الله واسطة النظام، وكمَّل بكماله أولئك الملأ الكرام، وخصَّه من بينهم بالمقام المحمود، في اليوم المشهود، فهو شفيعهم إذا استَشْفَعُوا، وقائدهم إذا وَفَدوا، وخطيبهم إذا جُمِعُوا، وسيِّدهم إذا ذُكِروا، فاقتبس من الخير عيونه، فبيده لواء الحمد، تحته آدمُ، فمن دونه، ويكفيك أُثْرَةً وكرامة: «أنا سيد ولد آدم يوم القيامة»، وقد تبيّن للعقل والعيان ما به كان محمد -ﷺ- سيد نوع الإنسان. وقد ثبت بصحيح الأخبار ما له من السؤدد في تلك الدار، فمنها أنه قال: «أنا سيد ولد آدم»، قال: «وتدرون بم ذاك؟»، قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «إذا كان يوم القيامة جمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد»، وذكر حديث الشفاعة المتقدم. ومضمونُهُ: أن الناس كلهم إذا جمعهم موقف القيامة، وطال عليهم، وعظم كربهم طلبوا من يشفع لهم إلى الله تعالى في إراحتهم من موقفهم، فيبدؤون بآدم -﵇-، فيسألونه الشفاعة، فيقول: نفسي، نفسي، لست لها، وهكذا يقول من سُئِلها من الأنبياء، حتى ينتهي الأمر إلى نبينا محمد -ﷺ-، فيقول: «أنا لها»، فيقوم في أرفع مقام، ويُخصُّ بما لا يُحصى من المعارف والإلهام، ويُنادَى بألطف خطاب، وأعظم إكرام: يا محمد! قل تسمع، وسل تعطه، واشفع تشفع، وهذا مقام لم ينله أحدٌ من الأنام، ولا سُمع بمثله لأحد من الملائكة الكرام، فنسال الله تعالى باسمه العظيم، وبوجهه الكريم أن يحيينا على شريعته، ويميتنا على ملته، ويحشرنا في زمرته، ولا يجعلنا ممن ذِيد عنه، وبُعِّدَ منه. انتهى كلام القرطبيّ -﵀- ، وهو بحث نفيسٌ وتحقيقٌ أنيس؛ والله تعالى أعلم.
مصادر المؤلف (١١)

١. «المفهم» ٦/ ٤٦.

٢. «المصباح المنير» ٢/ ٦٧١.

٣. «سُنن الترمذيّ» ٥/ ٥٨٣.

٤. راجع: «الكاشف عن حقائق السُّنن» ١١/ ٣٦٣٢.

٥. «تاج العروس من جواهر القاموس» ١/ ٤٣٢٥.

٦. «تهذيب الاسماء» ٢/ ٥٦٤.

٧. «تاج العروس» ١/ ٣١٣٦.

٨. «عمدة القاري» ١٦/ ٧٣.

٩. «الأمالي المطلقة»١/ ٦٨.

١٠. «شعب الإيمان»٢/ ١٣٩ - ١٤٠. والحديث ضعّفه بعضهم؛ لأجل حماد بن واقد، ومحمد بن ذكوان، لكن الذي يظهر لي أنه حسن، كما قال الحافظ؛ لأن حماد بن واقد لم ينفرد به، بل تابعه عبد الله بن بكر السهميّ، وهو ثقةٌ، ومحمد بن ذكوان روى عنه جماعة، وثّقه ابن معين، وابن حبّان، وقال أبو داود الطيالسيّ عن شعبة: حدّثني محمد بن ذكوان، وكان كخير الرجال، وتكلّم فيه غيرهم، راجع:«تهذيب التهذيب»(٣/ ٥٥٨)، فأقلّ أحواله أن يكون حسن الحديث، والله تعالى أعلم.

١١. «المفهم» ٦/ ٤٦ - ٤٨.