HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٢٧٧

وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة. حدثنا يَحْيَي بْنُ أَبِي بُكَيْرٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ طَهْمَانَ. حَدَّثَنِي سِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إِنِّي لَأَعْرِفُ حَجَرًا بِمَكَّةَ كَانَ يُسَلِّمُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ أُبْعَثَ. إِنِّي لأعرفه الآن».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج7 ص58
ج ٤ ص ١٧٨٢

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٣ مصادر جامع الترمذي, سنن الدارمي, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣٧ ص١٨٦
٤ - (ومنها): ما قاله النوويّ -﵀-: استَدَلّ به أصحابنا على أن غير قريش من العرب ليس بكفء لهم، ولا غير بني هاشم كفؤ لهم، إلا بني المطلب، فإنهم هم وبنو هاشم شيء واحد، كما صرح به في الحديث الصحيح، والله أعلم. انتهى. قال الجامح عفا الله عنه: الاستدلال المذكور غير صحيح، فقد زوّج النبيّ -ﷺ- زينب بنت جحش، وهي قرشيّة، زيد بن حارثة، وهو مولى، وزوّج أبو حذيفة أخته سالمًا مولاه، وغير ذلك كثير، فالمعتبر في كفاءة النكاح هو الدين والخلق، فقد أخرج الترمذيّ عن أبي حاتم المزنيّ -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «إذا جاءكم من ترضون دِينه وخُلُقه، فأنكحوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد»، قالوا: يا رسول الله، وإن كان فيه؟ قال: «إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه، فأنكحوه» ثلاث مرات، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب، وأبو حاتم المزني له صحبة، ولا نعرف له عن النبيّ -ﷺ- غير هذا الحديث. انتهى . وأخرج أيضًا عن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «إذا خَطَب إليكم من ترضون دينه وخلقه، فزوجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض، وفساد عريضٌ». انتهى . والحديث مختلف في وَصْله، وإرساله، لكن يشهد له ما قبله. والحاصل أن الصحيح هو ما ذهب إليه مالك: من أن المعتبَر الدِّين، لا النسب، ولا غيره، وقد تقدّم تحقيق ذلك مفصّلًا في «كتاب النكاح»، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّل الكتاب قال: [٥٩٢٤] (٢٢٧٧) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي بُكَيْرٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ طَهْمَانَ، حَدَّثَنِي سِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «إِنِّي لأَعْرِفُ حَجَرًا بِمَكَّةَ، كَانَ يُسَلِّمُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ أُبْعَثَ، إِنِّي لأَعْرِفُهُ الآنَ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم قبل باب. ٢ - (يَحْيَى بْنُ أَبِي بُكَيْرٍ) واسمه نَسْر -بفتح النون، وسكون المهملة- الكرمانيّ، كوفيّ الأصل، نزل بغداد، ثقةٌ [٩] (ت ٨ أو ٢٠٩) (ع) تقدم في «الإيمان» ٩٠/ ٤٧١. ٣ - (إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ) الْخُراسانيّ، أبو سعيد، سكن نيسابور، ثم مكة، ثقةٌ يُغْرب، وتُكُلّم فيه للإرجاء، ويقال: رجع عنه [٧] (ت ١٦٨) (ع) تقدم في «المساجد ومواضع الصلاة» ٣١/ ١٣٩١. ٤ - (سِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ) بن أوس بن خالد الذُّهْلىّ البكريّ الكوفيّ أبو المغيرة، صدوقٌ، وروايته عن عكرمة خاصّةً مضطربة، وقد تغير بأخرة، فكان ربما تَلَقَّن [٤] (ت ١٢٣) (خت م ٤) تقدم في «الإيمان» ٦٤/ ٣٦٥. ٥ - (جَابِرُ بْنُ سَمُرَةَ) بن جُنادة -بضم الجيم، بعدها نون- السُّوَائيّ -بضم المهملة، والمدّ- صحابي ابن صحابيّ، نزل الكوفة، ومات بها بعد سنة سبعين (ع) تقدم في «الحيض» ٢٤/ ٨٠٨. شرح الحديث: (عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ) -﵄- أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «إِنِّي لأَعْرِفُ حَجَرًا بِمَكَّةَ) قيل: هو الحجر الأسود، وقيل غيره، (كَانَ يُسَلِّمُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ أُبْعَثَ)؛ يعني: أنه يسلّم عليه بالنبوة والرسالة قبل أن يشافهه الملك بذلك، (إِنِّي لأَعْرِفُهُ الآنَ») قال القرطبيّ -﵀-: يعني: أنه -ﷺ- كان وقت حدَّثهم بهذا الحديث يعرف الحجر معرفة من كان يشاهده، وقيل: إن ذلك الحجر: هو الحجر الأسود، والله أعلم. انتهى . وقال المناويّ -﵀-: قوله: «إني لأعرف حجرًا بمكة، كان يسلم عليّ»؛ أي: بالنبوة، وقوله: «قبل أن أُبعث»؛ أي: أُرسَل، وقيّد به؛ لأن الحجارة كلها كانت تسلم عليه بعد البعث، كما رُوي عن عليّ -﵁- . [فإن قيل]: ما حكمة إلقاء هذا الحديث بصورة التأكيد بـ«إنّ»، والجملة الاسمية، وليس المقام مقام إنكار؟. [قلنا]: قد يكون عَلِم منهم الغفلة عن مثل هذا في ذلك الوقت، فأراد التنبيه عليه بتنزيلهم منزلة الغافلين عنه، كما في قوله -﷾-: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥)﴾ [المؤمنون: ١٥]، ولم يُنكر أحد الموت، لكن لما غلبت الغفلة عنه حَسُن، أو بالنظر إلى غيرهم؛ لأنه أمر مستغرب فهو في مظنة الإنكار. [فإن قيل]: محصول الخبر إفادة العلم بعرفانه حجرًا كان يسلِّم، وهو وهم كانوا يعلمون سلام الحجر وغيره عليه، فلم خصّه؟. [قلنا]: يَحْتَمِل أنه حجر ذو شأن عظيم، ولهذا نَكَّره تنكير تعظيم، ومن ثَمّ قيل: هو الحجر الأسود، كما تقدّم، وبهذا المعنى يلسِّم مع خبر عائشة -﵂-: «لَمّا استقبلني جبريل بالرسالة جعلت لا أمرّ بحجر، ولا مَدَر، ولا شجر إلا سَلَّم عليّ» . قال ابن سيد الناس -﵀-: وهذا التسليم يَحْتَمِل كونه حقيقةً بأن أنطقه الله كما أنطق الْجِذع، وكَوْنَه مضافًا إلى ملائكة عنده من قبيل: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]، قال غيره: والصحيح الأول، معجزةً له كإحياء الموتى معجزة لعيسى -﵊- انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: الاحتمال الذي ذكره ابن سيّد الناس ضعيف، بل باطل، يُبطله سياق الحديث، فإنه -ﷺ- ساقه لبيان ما أكرمه الله تعالى بهذا الخارق للعادات، فلو كان ذلك سلام الملائكة لَمَا كان مستغرَبًا. = فجعل لا يمرّ على حجر، ولا شجر، إلا سَلَّم عليه»، رواه الطبراني في«الأوسط». قال الهيثميّ في«مجمع الزوائد»٨/ ٢٦٠: والتابعي أبو عُمارة الحواني لم أعرفه، وبقية رجاله ثقات. انتهى. فالحق أن تسليم الحجر على ظاهره، فتنبّه، والله تعالى أعلم. ومعنى سماعه سلامه: أنه فتح سمعه لإدراك سلامه، وفي«الروض الأُنُف»: الأظهر أن هذا التسليم حقيقةٌ، وأنه تعالى أنطقه إنطاقًا، كما خلق الحنين في الجذع. وقال القرطبيّ: الصحيح من مذهب أئمتنا أن كلام الجماد راجع إلى أنه تعالى يخلق فيه أصواتًا مقطعةً من غير مخارج يُفهم منها ما يُفهم من الأصوات الخارجة من مخارج الفم، وذلك ممكن في نفسه، والقدرة الإلهيّة لا قصور فيها. انتهى ، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جابر بن سَمُرة -﵄- هذا من أفراد المصنّف -﵀-. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١/ ٥٩٢٤] (٢٢٧٧)، و(الترمذيّ) في «المناقب» (٣٦٢٤)، و(الطيالسيّ) في «مسنده» (١٩٠٧)، و(أحمد) في «مسنده» (٥/ ٨٩ و٩٥ و١٠٥)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (١١/ ٤٦٤)، و(الدارميّ) في «سننه» (١/ ٢١)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٦٤٨٢)، و(الطبرانيّ) في «الكبير» (١٩٩٥) و«الأوسط» (٢٠٣٣) و«الصغير» (١٦٧)، و(أبو نعيم) في «دلائل النبوّة» (٣٠٠ و٣٠١)، و(البيهقيّ) في «دلائل النبوّة» (٢/ ١٥٣)، و(البغويّ) في «شرح السُّنَّة» (٣٧٠٩)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان ما أكرم الله -﷾- نبيّه -ﷺ- بالمعجزات الظاهرة الدالّة على صِدْق نبوّته. ٢ - (ومنها): بيان إثبات التمييز في بعض الجمادات، وهو موافق لقوله تعالى في الحجارة: ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ الآية [البقرة: ٧٤]، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤]، قال النوويّ -﵀-: وفي هذه الآية خلاف مشهور، والصحيح أنه يسبح حقيقةً، ويجعل الله تعالى فيه تمييزًا بحسبه، كما ذكرنا، ومنه الحجر الذي فَرّ بثوب موسى -﵇-، وكلام الذراع المسمومة، ومَشْيُ إحدى الشجرتين إلى الأخرى حين دعاهما النبيّ -ﷺ-، وأشباه ذلك. انتهى . ٣ - (ومنها): ما قال القرطبيّ -﵀-: ذكر العلماء بسيرة النبيّ -ﷺ- وأحواله أنه كان من لطف الله بنبيه -ﷺ- أن قدَّم له مقدِّمات، وخصَّه ببشائر، وكرامات، درَّجَهُ بذلك في أطوارٍ؛ لينقطع بذلك عن مألوفات الأغمار ، ويتأهل على تدريجٍ لقبول ما يُلقى إليه، ولتسهُل مشافهة الملَك عليه، فكان -ﷺ- يرى ضياءً وأنوارًا، وسمع تسليمًا، وكلامًا، ولا يرى أشخاصًا، فيسمع الحجارة والشجر تناديه، ولا يرى أحدًا يناديه؛ إلى أن استوحش من الخلق، ففرَّ إلى الحقّ، فحُبِّبت إليه الخلوة، فكان سبب هذه الْحَبْوة، مشافهة الملَك، فقَبِلَ، فَمَلَك، وقد قدَّمنا أن الصحيح من مذاهب أئمتنا أن كلام الجمادات راجع إلى أن الله تعالى يخلق فيها أصواتًا مقطعة من غير مخارج يُفْهَم منها ما يُفهم من الأصوات الخارجة من مخارج الفم، وذلك ممكن في نفسه، والقدرة لا قُصور فيها، فقد أخبر بها الصادق، فيجب له التصديق، كيف لا؟ وقد سمع من حضر تسبيح الحصى في كفه، وحنين الجذع إليه، والمسجد قد غُصَّ بأهله. انتهى ، والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
مصادر المؤلف (٩)

١. «جامع الترمذيّ» ٣/ ٣٩٥.

٢. «جامع الترمذيّ» ٣/ ٣٩٤.

٣. «المفهم» ٦/ ٥١ - ٥٢.

٤. هو ما رواه الطبرانيّ في «الأوسط» عن عليّ -﵁- قال: «خرجت مع النبيّ -ﷺ-، =

٥. هو ما رواه البزّار في«مسنده»عن عائشة قالت: قال رسول الله -ﷺ-:«لَمّا أوحي إليّ، أو نُبّئت -أو كلمة نحوها- جعلت لا أمرّ بحجر، ولا شجر، إلا قال: السلام عليك يا رسول الله -ﷺ-». قال الحافظ الهيثميّ في«مجمع الزوائد»٨/ ٢٦٠: رواه البزار عن شيخه عبد الله بن شبيب، وهو ضعيف. انتهى.

٦. «فيض القدير على الجامع الصغير» ٣/ ١٩.

٧. «شرح النوويّ» ١٥/ ٣٦ - ٣٧.

٨. جمع غُمْر، وهو من لم يجرّب الأمور.

٩. «المفهم» ٦/ ٥١.