HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٢٧٨

حَدَّثَنِي الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى، أَبُو صَالِحٍ. حَدَّثَنَا هِقْلُ (يَعْنِي ابْنَ زِيَادٍ) عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ. حَدَّثَنِي أَبُو عَمَّارٍ. حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ فَرُّوخَ. حَدَّثَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: قال رسول الله «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَأَوَّلُ مَنْ يَنْشَقُّ عَنْهُ الْقَبْرُ. وَأَوَّلُ شَافِعٍ وَأَوَّلُ مشفع».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج7 ص59
ج ٤ ص ١٧٨٢

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في مصدرين جامع الترمذي, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣٧ ص١٩١
(٢) - (بَابُ تَفْضِيلِ نَبِيِّنَا -ﷺ- عَلَى جَمِيعِ الْخَلَائِقِ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّل الكتاب قال: [٥٩٢٥] (٢٢٧٨) - (حَدَّثَنِي الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى أَبُو صَالِحٍ، حَدَّثَنَا هِقْلٌ -يَعْنِي: ابْنَ زِيَادٍ- عَنِ الأَوْزَاعِيِّ، حَدَّثَنِي أَبُو عَمَّارٍ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَوَّلُ مَنْ يَنْشَقُّ عَنْهُ الْقَبْرُ، وَأَوَّلُ شَافِعٍ، وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى أَبُو صَالِحٍ) هو: الحكم بن موسى بن أبي زُهير البغداديّ القَنْطريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٢) (خت م مد س ق) تقدم في «الإيمان» ٤٦/ ٢٩٤. ٢ - (هِقْلُ بْنُ زِيَادٍ) هو: هِقْل -بكسر أوله، وسكون القاف، ثم لام- ابن زياد السَّكْسَكيّ -بمهملتين مفتوحتين، بينهما كاف ساكنة- الدِّمشقيّ، نزيل بيروت، قيل: هقل لقب، واسمه محمد، أو عبد الله، وكان كاتب الأوزاعيّ، ثقةٌ [٩] (ت ١٧٩) أو بعدها (م ٤) تقدم في «الصلاة» ٤٤/ ١٠٩٩. ٣ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ فَرُّوخَ) التيميّ، مولى عائشة المدنيّ، نزل الشام، ثقةٌ [٣] (م د) تقدم في «الزكاة» ١٦/ ٢٣٣٠. والباقون ذُكروا في البابين الماضيين، و«أَبُو عَمَّارٍ» هو شدّاد بن عبد الله المذكور قبل حديث. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-، وأنه مسلسل بالشاميين من هقل، وشيخه بغداديّ، والصحابيّ مدنيّ، ومسلسلٌ أيضًا بالتحديث إلا في موضع، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة -﵁- تقدّم القول فيه قريبًا. شرح الحديث: (عَنِ الأَوْزَاعِيِّ) عبد الرحمن بن عمرو، أنه قال: (حَدَّثَنِي أَبُو عَمَّارٍ) شدّاد بن عبد الله، قال: (حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ فَرُّوخَ) قال: (حَدَّثَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ) -﵁- (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ) قال القرطبيّ -﵀-: السيد: اسم فاعل، من ساد قومه؛ إذا تقدَّمهم بما فيه من خصال الكمال، وبما يُوليهم من الإحسان والإفضال، وأصله: سَيْوِدٌ؛ لأنَّ: ألف ساد منقلبة عن واو، بدليل: أن مضارعه يسود، فقلبوا الواو ياء، وأدغموها في الياء، فقالوا: سيِّد. وهذا كما فعلوا في: ميِّت. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: وإلى هذه القاعدة أشار ابن مالك -﵀- في«الخلاصة»حيث قال: إِنْ يَسْكُنِ السَّابِقُ مِنْ وَاوٍ وَيَا … وَاتَّصَلَا وَمِنْ عُرُوضٍ عَرِيَا فَيَاءً الْوَاوَ اقْلِبَنَّ مُدْغِمَا … وَشَذَّ مُعْطًى غَيْرَ مَا قَدْ رُسِمَا وقال الهرويّ: السيد هو الذي يفوق قومه في الخير، وقال غيره: هو الذي يُفْزَع إليه في النوائب والشدائد، فيقوم بأمرهم، ويَتَحَمّل عنهم مكارههم، ويدفعها عنهم . وقال في«المشارق»: السيد الذي يفوق قومه، وهي السيدة، والسؤدد: هي الرياسة، والزَّعامة، ورِفعةُ القدر؛ لأنه -ﷺ- سيد ولد آدم في الدنيا والآخرة، ومنه قوله -ﷺ-:«قوموا إلى سيدكم»؛ أي: زعيمكم، وأفضلكم، ومنه قوله:«إن ابني هذا سيد»، وقيل: هو الحليم الذي لا يغلبه غضبه، وسيد المرأة بعلها، والسيد أيضًا العابد، والسيد الكريم. انتهى . وقال في«النهاية»: قاله - ﷺ - إخبارًا عما أكرمه الله تعالى به، من الفضل، والسؤدد، وتحدثًا بنعمة الله تعالى عليه، وإعلامًا لأمته؛ ليكون إيمانهم به على حَسَبه وموجبه، ولهذا أتبعه بقوله:«ولا فخر»؛ أي: إن هذه الفضيلة التي نلتها كرامة من الله، لم أنلها من قِبَل نفسي، ولا بَلَغْتها بقوّتي، فليس لي أن أفتخر بها. انتهى . (يَوْمَ الْقِيَامَةِ) قال المناويّ -﵀-: خصّه؛ لأنه يومٌ مجموعٌ له الناسُ، فيظهر سؤدده لكل أحد عيانًا، ووَصَف نفسه بالسؤدد المطلق المفيد للعموم في المقام الخطابيّ على ما تقرر في علم المعاني، فيفيد تفوقه على جميع ولد آدم حتى أولو العزم من الرسل، واحتياجهم إليه، كيف لا؟ وهو واسطة كل فيض، وتخصيصه ولد آدم ليس للاحتراز، فهو أفضل حتى من خواصّ الملائكة، كما نقل الإمام عليه الإجماعَ، ومراده: إجماع من يُعْتَدّ به من أهل السُّنَّة. انتهى . وقال النوويّ -﵀-: وأما قوله -ﷺ-:«يوم القيامة» مع أنه سيدهم في الدنيا والآخرة، فسبب التقييد أن في يوم القيامة يظهر سؤدده لكل أحد، ولا يبقى منازع، ولا معاند ونحوه، بخلاف الدنيا فقد نازعه ذلك فيها ملوك الكفار، وزعماء المشركين، وهذا التقييد قريب من معنى قوله تعالى: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر: ١٦] مع أن المُلك له -﷾- قبل ذلك، لكن كان في الدنيا مَن يَدَّعِي المُلك، أو من يضاف إليه مجازًا، فانقطع كل ذلك في الآخرة. قال العلماء: وقوله -ﷺ-: «أنا سيد ولد آدم» لم يقله فخرًا، بل صَرَّح بنفي الفخر في غير مسلم في الحديث المشهور: «أنا سيد ولد آدم، ولا فَخْرَ»، وإنما قاله لوجهين: أحدهما: امتثال قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١)﴾ [الضحى: ١١]. والثاني: أنه من البيان الذي يجب عليه تبليغه إلى أمته؛ ليعرفوه، ويعتقدوه، ويعملوا بمقتضاه، ويوقِّروه -ﷺ- بما تقتضي مرتبته، كما أمرهم الله تعالى. انتهى . (وَأَوَّلُ مَنْ يَنْشَقُّ عَنْهُ الْقَبْرُ)؛ أي: أول من يُعَجَّل إحياؤه مبالغةً في إكرامه، وتخصيصًا له بتعجيل جزيل إنعامه، قال القرطبيّ: ويعارض هذا قوله -ﷺ- في حديث آخر: «أنه أول من يُبعث، فيجد موسى متعلِّقًا بساق العرش»، وسيأتي هذا مبيَّنًا في باب: ذِكر موسى -ﷺ-، إن شاء الله تعالى . (وَأَوَّلُ شَافِعٍ) للعصاة؛ أي: لا يتقدمني شافع، لا مَلَك، ولا بَشَر في جميع أحكام الشفاعات . (وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ») -بفتح الفاء المشدّدة- أي: مقبول الشفاعة، وإنما لم يكتف بقوله:«أول شافع»؛ لأنه قد يشفع الثاني، فيُشَفَّع منهما قبل الأول، وإنما قال ذلك؛ امتثالًا لقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١)﴾ [الضحى: ١١]، وهو من البيان الذي يجب تبليغه أمته ، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- هذا من أفراد المصنّف -﵀-. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢/ ٥٩٢٥] (٢٢٧٨)، و(أبو داود) في«السُّنَّة»(٤٦٧٣)، و(الترمذيّ) في«المناقب»(٣٦١١)، و(أحمد) في«مسنده»(٢/ ٥٤٠)، و(ابن أبي شيبة) في«مصنّفه»(٦/ ٣١٧)، و(البيهقيّ) في«شُعب الإيمان»(٢/ ١٧٩)، و(اللالكائيّ) في«اعتقاد أهل السُّنَّة»(٤/ ٢٨٨)، و(ابن منده) في«الإيمان»(٢/ ٨٥١)، و(ابن أبي عاصم) في«السُّنَّة»(٢/ ٣٧٠) وفي«الأوائل»له (١/ ٦٣)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان فضل النبيّ -ﷺ-، وعظيم مرتبته عند الله -﷾-. ٢ - (ومنها): ما قال النوويّ -﵀-: هذا الحديث دليل لتفضيله -ﷺ- على الخلق كلهم؛ لأن مذهب أهل السُّنَّة أن الآدميين أفضل من الملائكة، وهو -ﷺ- أفضل الآدميين وغيرهم. قال الجامع عفا الله عنه: مسألة تفضيل البشر على الملائكة، أو العكس طال النزاع فيها بين العلماء، وقد حقّقت الكلام فيها في«شرح النسائيّ»، فراجعه، تستفد، وبالله تعالى التوفيق. قال: وأما الحديث الآخر:«لا تُفَضِّلوا بين الأنبياء»، فجوابه من خمسة أوجه: أحدهما: أنه -ﷺ- قاله قبل أن يعلم أنه سيد ولد آدم، فلما عَلِم أخبر به. والثاني: قاله أدبًا، وتواضعًا. والثالث: أن النهي إنما هو عن تفضيل يؤدي إلى تنقيص المفضول. والرابع: إنما نُهي عن تفضيل يؤدي إلى الخصومة والفتنة، كما هو المشهور في سبب الحديث. والخامس: أن النهي مختصّ بالتفضيل في نفس النبوة، فلا تفاضل فيها، وإنما التفاضل بالخصائص، وفضائلَ أخرى، ولا بدّ من اعتقاد التفضيل، فقد قال الله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣]. انتهى . ٣ - (ومنها): ما قال القرطبيّ -﵀-: مقصود هذا الحديث أن يُبيَّن أنه لا يتقدَّمه شافع؛ لا من الملائكة، ولا من النبيين، ولا من المؤمنين، في جميع أقسام الشفاعات، على أن الشفاعة العامة لأهل الموقف خاصَّة لا تكون لغيره. وهذه المنزلة أعظم المراتب وأشرف المناقب، وهذه الخصائص والفضائل التي حدَّث بها النبيّ -ﷺ- عن نفسه؛ إنما كان ذلك منه؛ لأنها من جملة ما أمر بتبليغه؛ لِمَا يترتب عليها من وجوب اعتقاد ذلك، وأنه حقّ في نفسه، وليُرْغَب في الدخول في دينه، وليَتَمَسَّك به من دخل فيه، وليعلم قَدْر نعمة الله عليه في أن جعله من أمَّةِ مَن هذا حاله، ولتعظم محبَّته في قلوب مُتَّبعيه، فتكثر أعمالهم، وتطيب أحوالهم، فيحشرون في زمرته، وينالون الحظَّ الأكبر من كرامته. وعلى الجملة فيحصل بذلك شرف الدنيا، وشرف الآخرة؛ لأنَّ شرف المتبوع متعدٍّ لشرف التابع على كل حال. [فإن قيل]: كل هذا راجع للاعتقاد، وكيف يحصل القطع بذلك من أخبار الآحاد؛ فالجواب: أن من سمع شيئًا من تلك الأمور من النبيّ -ﷺ- مشافهة حصل له العلم بذلك، كما حصل للصحابة السامعين منه، ومن لم يشافه، فقد حصل له العلم بذلك من جهة التواتر المعنويّ؛ إذ قد كثرث بذلك الظواهر، وأخبار الآحاد حتى حصل لسامعها العلم القطعيّ بذلك المراد. انتهى ، والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
مصادر المؤلف (١١)

١. «المفهم»٦/ ٤٨.

٢. «شرح النوويّ»١٥/ ٣٧.

٣. «مشارق الأنوار»٢/ ٢٣٠.

٤. «النهاية في غريب الأثر»٢/ ٤١٧.

٥. «فيض القدير»٣/ ٤١.

٦. «شرح النوويّ»١٥/ ٣٧.

٧. «المفهم»٦/ ٤٩.

٨. «فيض القدير»٣/ ٤١.

٩. «فيض القدير» ٣/ ٤١.

١٠. «شرح النوويّ» ١٥/ ٣٧ - ٣٨.

١١. «المفهم» ٦/ ٤٩.