HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٢٧٩

وحَدَّثَنِي أَبُو الرَّبِيعِ، سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْعَتَكِيُّ. حَدَّثَنَا حَمَّادٌ (يَعْنِي ابْنَ زَيْدٍ). حَدَّثَنَا ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ؛ أَنّ النَّبِيَّ ﷺ دَعَا بِمَاءٍ فَأُتِيَ بِقَدَحٍ رَحْرَاحٍ. فَجَعَلَ الْقَوْمُ يَتَوَضَّئُونَ. فَحَزَرْتُ مَا بَيْنَ السِّتِّينَ إِلَى الثَّمَانِينَ. قَالَ: فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ إِلَى الْمَاءِ ينبع من بين أصابعه.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج7 ص59
ج ٤ ص ١٧٨٣

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٥ مصادر جامع الترمذي, سنن النسائي, صحيح البخاري, مسند أحمد وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣٧ ص١٩٦
(٣) - (بَابٌ فِي مُعْجِزَاتِ النَّبِيِّ -ﷺ-) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّل الكتاب قال: [٥٩٢٦] (٢٢٧٩) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو الرَّبيعِ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْعَتَكِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ -يَعْنِي: ابْنَ زيدٍ- حَدَّثَنَا ثَابِتٌ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- دَعَا بِمَاءٍ، فَأُتِيَ بِقَدَحٍ رَحْرَاحٍ، فَجَعَلَ الْقَوْمُ يَتَوَضَّئُونَ، فَحَزَرْتُ مَا بَيْنَ السِّتِّينَ إِلَى الثَّمَانِينَ، قَالَ: فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ إِلَى الْمَاءِ يَنْبُعُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ). رجال هذا الإسناد: أربعة: وكلّهم تقدّموا قريبًا. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من رباعيّات المصنّف -﵀-، وهو (٤٥٥) من رباعيّات الكتاب، وأن رواته كلهم بصريون، وشيخه، وإن نزل بغداد، إلا أنه بصريّ الأصل. شرح الحديث: (عَنْ أَنَسِ) بن مالك -﵁- (أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- دَعَا بِمَاءٍ، فَأُتِيَ بِقَدَحٍ رَحْرَاحٍ) -بفتح الراء، وبالحاءين المهملتين- أي: واسع، ويقال: رَحْرَح أيضًا بحذف الألف، وقال القرطبيّ: قوله: «رحراح»؛ أي: واسع، ويقال: رَحْرَحٌ -بغير ألف-، وإناءٌ أَرَحُّ، وآنية رَحَّاء، كل ذلك بمعنى الواسع، قال ابن الأنباريّ: ويكون ذلك قصير الجدار. انتهى . وقال الخطابيّ: الرَّحْرَاح: الإناء الواسعُ الفمِ القريبُ القَعْرِ، ومثله لا يسع الماء الكثير، فهو أدلّ على المعجزة. ورَوَى ابن خزيمة هذا الحديث عن أحمد بن عبدة، عن حماد بن زيد، فقال بدل «رَحْرَاح»: «زُجاج» بزاي مضمومة، وجيمين، وبَوّب عليه: «الوضوءُ من آنية الزجاج، ضِدّ قول من زعم من المتصوفة أن ذلك إسراف، لإسراع الكسر إليه». قال الحافظ: وهذه اللفظة تفرد بها أحمد بن عبدة، وخالفه أصحاب حماد بن زيد، فقالوا: «رَحْراح»، وقال بعضهم: «واسع الفم»، وهي رواية الإسماعيليّ عن عبد الله بن ناجية، عن محمد بن موسى، وإسحاق بن أبي إسرائيل، وأحمد بن عبدة، كلّهم عن حماد، وكأنه ساقه على لفظ محمد بن موسى، وصَرّح جَمْع من الحذاق بأن أحمد بن عبدة صحّفها، ويُقَوِّي ذلك أنه أتى في روايته بقوله: «أحسبه»، فدلّ على أنه لم يُتْقنه، فإن كان ضَبَطه فلا منافاة بين روايته، ورواية الجماعة؛ لاحتمال أن يكونوا وصفوا هيئته، وذَكَر هو جنسه. وفي «مسند أحمد» عن ابن عباس: أن المقوقس أهدى للنبيّ -ﷺ- قَدَحًا من زجاج، لكن في إسناده مقال. انتهى . (فَجَعَلَ) أي شرع (الْقَوْمُ يَتَوَضَّئُونَ، فَحَزَرْتُ) بالحاء المهملة، وتقديم الزاي على الراء؛ أي: قدّرت القوم المتوضّئين بذلك الماء (مَا بَيْنَ السَّتِّينَ إِلَى الثَّمَانِينَ) هكذا رواية مسلم بلفظ «الستّين»، ورواية البخاريّ: «ما بين السبعين إلى الثمانين»، قال الحافظ في «شرحه»: وتقدّم من رواية حميد: «أنهم كانوا ثمانين وزيادة»، وهنا قال: «ما بين السبعين إلى الثمانين»، والجمع بينهما أن أنسًا لم يكن يضبط العدّة، بل كان يتحقق أنها تُنيف على السبعين، ويَشُكّ هل بلغت العقد الثامن، أو تجاوزته، فربما جزم بالمجاوزة، حيث يغلب ذلك على ظنه. انتهى. (قَالَ) أنس -﵁- (فَجَعَلْتُ)؛ أي: شرعت (أَنْظُرُ إِلَى الْمَاءِ يَنْبُعُ) قال المجد -﵀-: نبع الماء ينبعُ -مثلّثةً- نَبْعًا، ونُبُوعًا: خرج من العين، والْيَنبوع العين. انتهى . وقال ابن منظور -﵀-: نَبَعَ الماءُ -بفتح الموحّدة- ونبعَ -بكسرها- ونَبُعَ -بضمّها- يَنْبعُ -بكسرها أيضًا- وينْبَعُ -بفتحها- ويَنْبُع -بضمّها- نَبْعًا، ونُبُوعًا: تَفَجَّر، وقيل: خرج من العين، ولذلك سُمّيت العين يَنْبُوعًا، قال الأَزهريّ: هو يفعول، من نَبَعَ الماء: إِذا جرى من العين، وجمعه يَنابِيعُ. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: خلاصة ما تقدّم أن نبع ينبع مثلّث الماضي، والمضارع، خلاف ما زعمه بعض اللغويين من أن التثليث للمضارع فقط، فتنبّه، والله تعالى أعلم. (مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ) -ﷺ-، قال النوويّ -﵀-: وفي كيفية هذا النبع قولان، حكاهما القاضي وغيره: أحدهما -ونقله القاضي عن الْمُزنيّ، وأكئر العلماء-: أن معناه أن الماء كان يخرج من نفس أصابعه -ﷺ-، وينبع من ذاتها، قالوا: وهو أعظم في المعجزة مِن نَبْعه من حجر، ويؤيد هذا أنه جاء في رواية: «فرأيت الماء ينبع من أصابعه». والثاني: يَحْتَمِل أن الله كثّر الماء في ذاته، فصار يفور من بين أصابعه، لا من نفسها، وكلاهما معجزة ظاهرة، وآية باهرة. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: الاحتمال الأول هو الأظهر الموافق لظاهر النصّ، فتنبّه، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس -﵁- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣/ ٥٩٢٦] (٢٢٧٩)، و(البخاريّ) في «الوضوء» (٢٠٠)، و(أحمد) في «مسنده» (٣/ ١٤٧)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (١٢٤)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٦٥٤٦)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (٣٣٢٩)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (١/ ٣٠)، و«دلائل النبوّة» (٢٢)، وفي «الاعتقاد» (ص ٢٧٣ - ٢٧٤)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان إثبات المعجزة للنبيّ -ﷺ-، وهي كثيرة، منها نَبْع الماء من بين أصابعه -ﷺ- المذكور هنا. ٢ - (ومنها): ما قال القرطبيّ -﵀-: هذه المعجزة تكررت من النبيّ مرَّات عديدة في مشاهد عظيمة، وجموع كثيرة، بلغتنا بطرق صحيحة من رواية أنس، وعبد الله بن مسعود، وجابر، وعمران بن حصين، وغيرهم -﵃- ممن يحصل بمجموع أخبارهم العلم القطعيّ المستفاد من التواتر المعنويّ. وبهذا الطريق؛ حصل لنا العلم بأكثر معجزاته الدالة على صدق رسالاته، كما قد ذكرنا جملةَ ذلك في كتاب «الإعلام»، وهذه المعجزة أبلغ من معجزة موسى -ﷺ- في نبع الماء من الحجر عند ضربه بالعصا؛ إذ من المألوف نبع الماء من بعض الحجارة، فأما نَبْعه من بين عظم ولحم وعصب ودم فشيء لم يُسمع بمثله، ولا يُتحدَّث به عن غيره -ﷺ-. انتهى . وقال في «العمدة»: ويستفاد من هذا بلاغة معجزته -ﷺ-، وهو أبلغ من تفجير الماء من الحجر لموسى -ﷺ-؛ لأن في طبع الحجارة أن يخرج منها الماء الغَدَقُ الكثير، وليس ذلك في طباع أعضاء بني آدم. انتهى . ٢ - (ومنها): أن الشافعيّ -﵀- استدلّ بهذا الحديث على ردّ قول من قال من أصحاب الرأي: إن الوضوء مقدّر بقدر من الماء معيَّن، ووجه الدلالة أن الصحابة اغترفوا من ذلك القدح من غير تقدير؛ لأن الماء النابع لم يكن قَدْره معلومًا لهم، فدلّ على عدم التقدير، ذكره في «الفتح» ، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّل الكتاب قال: [٥٩٢٧] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى الأَنْصَارِيُّ، حَدَّثَنَا مَعْنٌ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ (ح) وَحَدَّثَنى أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّهُ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ-، وَحَانَتْ صَلَاةُ الْعَصْرِ، فَالْتَمَسَ النَّاسُ الْوَضُوءَ، فَلَمْ يَجِدُوهُ، فَأُتِيَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- بِوَضُوءٍ، فَوَضَعَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- فِي ذَلِكَ الإِنَاءِ يَدَهُ، وَأَمَرَ النَّاسَ أَنْ يَتَوَضَّئُوا مِنْهُ، قَالَ: فَرَأَيْتُ الْمَاءَ يَنْبُعُ مِنْ تَحْتِ أَصَابِعِهِ، فَتَوَضَّأَ النَّاسُ، حَتَّى تَوَضَّئُوا مِنْ عِنْدِ آخِرِهِمْ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى الأَنْصَارِيُّ) هو: إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى بن عبد الله بن موسى بن عبد الله بن يزيد الْخَطْميّ، أبو موسى المدنيّ، قاضي نيسابور، ثقةٌ متقنٌ [١٠] (ت ١٤٤) (م ت س ق) تقدم في «الإيمان» ٤٣/ ٢٨٢. ٢ - (مَعْنُ) بن عيسى بن يحيى الأشجعيّ مولاهم، أبو يحيى المدنيّ القزاز، ثقةٌ، ثبتٌ، قال أبو حاتم: هو أثبت أصحاب مالك، من كبار [١٠] (ت ١٩٨) (ع) تقدم في «الطهارة» ٧/ ٥٦٣. ٣ - (أَبُو الطَّاهِرِ) أحمد بن عمرو بن السرح المصريّ، تقدّم قريبًا. ٤ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله الحافظ المصريّ، تقدّم أيضًا قريبًا. ٥ - (مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ) بن أبي عامر بن عمرو الأصبحيّ، أبو عبد الله المدنيّ الفقيه، إمام دار الهجرة، رأس المتقنين، وكبير المتثبتين، حتى قال البخاريّ: أصح الأسانيد كلِّها: مالك، عن نافع، عن ابن عمر [٧] (ت ١٧٩) وكان مولده سنة ثلاث وتسعين، وقال الواقديّ: بلغ تسعين سنةً (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٧٨. ٦ - (إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ) الأنصاريّ المدنيّ، أبو يحيى، ثقةٌ حجةٌ [٤] (ت ١٣٢) وقيل: بعدها (ع) تقدم في «الطهارة» ٣٠/ ٦٦٧. و«أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ» -﵁- ذُكِر قبله. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-، وله فيه إسنادان فرّق بينهما بالتحويل، والأول مسلسلٌ بالمدنيين، وفيه رواية الراوي عن عمّه، فإن أنسًا -﵁- عمّ لإسحاق بن عبد الله، وفيه أنس -﵁- من المكثرين السبعة، ومن المعمّرين، وهو آخر من مات بالبصرة من الصحابة -﵃-. شرح الحديث: (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) -﵁- (أَنَّهُ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ-)؛ بمعنى: أبصرت، فلذا اقتصر على مفعول واحد، (وَحَانَتْ صَلَاةُ الْعَصْرِ) بالحاء المهملة؛ أي: قَرُب وقت صلاة العصر، وزاد قتادة في الرواية التالية: «وهو بالزوراء، وهو سوق بالمدينة»، والواو في قوله: «وحانت» للحال، والتقدير: والحال أنه قد حانت صلاة العصر، (فَالْتَمَسَ النَّاسُ الْوَضُوءَ) ببناء الفعل للفاعل، و«الناس» مرفوع على الفاعليّة، و«الوضوء» منصوب على المفعوليّة، وهو بفتح الواو: الماء الذي يُتوضّأ به (فَلَمْ يَجِدُوهُ)؛ أي: الوَضوءَ، (فَأُتِيَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-) بالبناء للمفعول، (بِوَضُوءٍ) بفتح الواو أيضًا، (فَوَضَعَ) بالبناء للفاعل، (رَسُولُ اللهِ -ﷺ- فِي ذَلِكَ الإِنَاءِ يَدَهُ) منصوب على المفعوليّة، (وَأَمَرَ) بالبناء للفاعل؛ أي: أمر النبيّ -ﷺ- (النَّاسَ أَنْ يَتَوَضَّئُوا مِنْهُ)؛ أي: من ذلك الوضوء الذي أُتي به إليه. (قَالَ) أنس -﵁- (فَرَأَيْتُ الْمَاءَ) الرؤية هنا بصريّة، كما مرّ آنفًا؛ أي: أبصرت الماء (يَنْبُعُ) بتثليث الموحّدة؛ أي: يخرج، والجملة في محل نصب على الحال، وقد عُلِم أن الجملة الفعلية إذا وقعت حالًا تأتي بلا واو، إذا كان فِعْلها مضارعًا، كما قال في «الخلاصة»: وَذَاتُ بَدْءٍ بِمُضَارعٍ ثَبَتْ … حَوَتْ ضَمِيرًا وَمِنَ الْوَاوِ خَلَتْ وإنما لم يُجعل مفعولًا ثانيًا لـ «رأيت»؛ لأن «رأيت» هنا بمعنى أبصرت، فلا تقتضي إلا مفعولًا واحدًا . (مِنْ تَحْتِ أَصَابِعِهِ) جمع إصبع، فيه لغات: إصبع بكسر الهمزة، وضمّها، والباء مفتوحة فيهما، ولك أن تُتْبع الضمة الضمة، والكسرة الكسرة؛ أي: من تحت أصابع النبيّ -ﷺ-. (فَتَوَضَّأَ النَّاسُ، حَتَّى تَوَضَّئُوا مِنْ عِنْدِ آخِرِهِمْ) قال الكرمانيّ: «حتى» للتدريج، و«من» للبيان؛ أي: توضأ الناس حتى توضأ الذين من عند آخرهم، وهو كناية عن جميعهم، ثم نقل عن النوويّ أن «من» في «من عند آخرهم» بمعنى «إلى»، وهي لغة، ثم قال: أقول: ورود «من» بمعنى: «إلى» شاذّ قلّما يقع في فصيح الكلام. قال العينيّ: «حتى» ههنا حرف ابتداء؛ يعني: حرف يُبتدأ بعده جملة؛ أي: تُستأنَف، فتكون اسمية، أو فعلية، والفعلية يكون فعلها ماضيًا، ومضارعًا، ومثال الاسمية قول جرير [من الطويل]: فَمَا زَالَتِ الْقَتْلَى تَمُجُّ دِمَاءَهَا … بِدِجْلَةَ حَتَّى مَاءُ دِجْلَةَ أَشْكَلُ ومثال الفعلية التى فِعْلها ماض: ﴿حَتَّى عَفَوْا﴾ [الأعراف: ٩٥]، و«حتى توضؤوا»، ومثال الفعلية التي فعلها مضارع: ﴿حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ﴾ [البقرة: ٢١٤] في قراءة نافع. انتهى . وقال في «الفتح»: قوله: «حتى توضؤوا من عند آخرهم» قال الكرمانيّ: «حتى» للتدريج، و«من» للبيان؛ أي: توضأ الناس حتى توضأ الذين عند آخرهم، وهو كناية عن جميعهم، قال: و«عند» بمعنى: «في»؛ لأن «عند» وإن كانت للظرفية الخاصة، لكن المبالغة تقتضي أن تكون لمطلق الظرفية، فكأنه قال: الذين هم في آخرهم، وقال التيميّ: المعنى: توضأ القوم حتى وصلت النوبة إلى الآخر، وقال النوويّ: «من» هنا بمعنى: «إلى»، وهي لغةٌ، وتعقبه الكرمانيّ بأنها شاذّة، قال: ثم إن «إلى» لا يجوز أن تدخل على «عند»، ويلزم عليه، وعلى ما قال التيميّ أن لا يدخل الأخير، لكن ما قاله الكرمانيّ من أن «إلى» لا تدخل على «عند» لا يلزم مثله في «من» إذا وقعت بمعنى: «إلى»، وعلى توجيه النوويّ يمكن أن يقال: «عند»، زائدة. انتهى ، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس -﵁- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣/ ٥٩٢٧ و٥٩٢٨ و٥٩٢٩] (٢٢٧٩)، و(البخاريّ) في «الوضوء» (١٦٩ و٢٠٠) و«المناقب» (٣٥٧٢ و٣٥٧٣ و٣٥٧٤)، و(الترمذيّ) في «المناقب» (٣٦٣١)، و(النسائيّ) في «الطهارة» (١/ ٦٠) و«الكبرى» (١/ ٨١)، و(مالك) في «الموطّأ» (١/ ٣٢)، و(عبد الرزّاق) في «مصنّفه» (١١/ ٢٧٦)، و(أحمد) في «مسنده» (٣/ ١٤٧)، و(ابن سعد) في «الطبقات» (١/ ١٧٨)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (٢٧٩٥ و٣١٧٢ و٣١٩٣)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (١٢٤)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٦٥٣٩ و٦٥٤٧)، و(الفريابيّ) في «الدلائل» (٢٢)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (١/ ١٩٣) و«الاعتقاد» (ص ٢٧٣ - ٢٧٤)، و«أبو نعيم» في «دلائل النبوّة» (٣١٧)، و(اللالكائيّ) في «أصول الاعتقاد» (١٤٨٥)، و(البغويّ) في «شرح السُّنَّة» (٣٧١٤)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان أن المواساة مشروعة عند الضرورة لمن كان في مائه فضلٌ عن وضوئه. ٢ - (ومنها): بيان أن اغتراف المتوضئ من الماء القليل لا يصيّر الماء مستعملًا. ٣ - (ومنها): أنه استَدَلّ به الشافعيّ على أن الأمر بغسل اليد قبل إدخالها الإناء أمْر ندب، لا حتم. ٤ - (ومنها): أن فيه إباحةَ الوضوء للجماعة من إناء، يغترفون منه في حين واحد، ولم يراعوا هل أصاب أحدهم مقدار مُدّ، فما زاد من الماء، كما قال من ذهب إلى أن الوضوء لا يجوز بأقل من مُدّ، ولا الغسل بأقل من صاع، قاله ابن عبد البرّ -﵀- . ٥ - (ومنها): أن فيه الْعَلَمَ العظيمَ من أعلام نبوته -ﷺ-، وهو نبع الماء من بين أصابعه، وكم له من مثل ذلك -ﷺ-، والذي أعطيه -ﷺ- من هذه الآية المعجزة أوضح في آيات الأنبياء وبراهينهم، مما أعطي موسى -﵇-؛ إذ ضرب بعصاه الحجر، فانفجرت منه اثنتا عشرة عينًا، وذلك أن من الحجارة ما يشاهد انفجار الماء منها، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ﴾ [البقرة: ٧٤]، ولم يُشاهَد قط أحد من بني آدم يخرج من بين أصابعه الماء غير نبينا -ﷺ-. وقد عَرَض له هذا مرارًا، مرةً بالمدينة، ومرةً بالحديبية، قبل بيعته المعروفة ببيعة الرضوان، فتوضأ من الماء الذي نبع من بين أصابعه -ﷺ- جميع من حضر في ذلك اليوم، وهم ألف وأربعمائة، وقد قيل: ألف وخمسمائة . ٦ - (ومنها): بيان عدم وجوب طلب الماء للتطهر قبل دخول الوقت؛ لأن النبيّ -ﷺ- لم ينكر عليهم التأخير، فدلّ على الجواز، وذكر ابن بطال أن إجماع الأمة على أنه إن توضأ قبل الوقت فحسن، ولا يجوز التيمم عند أهل الحجاز قبل دخول الوقت، وأجازه العراقيون. ٧ - (ومنها): بيان أن الصلاة لا تجب إلا بدخول الوقت. ٨ - (ومنها): أنه يستحب التماس الماء لمن كان على غير طهارة، وعند دخول الوقت يجب. ٩ - (ومنها): أن فيه ردًّا على من ينكر المعجزة من الملاحدة. ١٠ - (ومنها): أنه استَنْبَطَ المهلّب منه أن الأملاك ترتفع عند الضرورة؛ لأنه لَمّا أُتي رسول الله -ﷺ- بالماء لم يكن أحد أحقّ به من غيره، بل كانوا فيه سواءً، ونوقش فيه، وإنما تجب المواساة عند الضرورة لمن كان في مائه فضل عن وضوئه، قاله في «العمدة» ، والله تعالى أعلم. (المسألة الرابعة): حديث أنس بن مالك -﵁- في نبع الماء من بين أصابعه أورده مسلم من ثلاثة طرق: من رواية ثابت، وإسحاق بن عبد الله، وقتادة كلهم عنه، وأورده البخاريّ في «المناقب» من أربعة طرق: من رواية قتادة، وإسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، والحسن البصريّ، وحميد الطويل، وعنده في «الطهارة» من رواية ثابت، كلهم عن أنس، وعند بعضهم ما ليس عند بعض. قال الحافظ -﵀-: وظهر لي من مجموع الروايات أنهما قصّتان في موطنين؛ للتغاير في عدد من حضر، وهي مغايَرَة واضحة يَبْعد الجمع فيها، وكذلك تعيين المكان الذي وقع ذلك فيه؛ لأن ظاهر رواية الحسن أن ذلك كان في سفر، بخلاف رواية قتادة، فإنها ظاهرة في أنها كانت بالمدينة، وسيأتي في غير حديث أنس أنها كانت في مواطن أُخَر. قال القاضي عياض -﵀-: هذه القصة رواها الثقات من العدد الكثير، عن الجمّ الغَفِير، عن الكافّة، متصلةً بالصحابة -﵃-، وكان ذلك في مواطن اجتماع الكثير منهم في المحافل، ومجمع العساكر، ولم يَرِد عن أحد منهم إنكارٌ على راوي ذلك، فهذا النوع ملحق بالقطعيّ من معجزاته -ﷺ-. وقال القرطبيّ -﵀-: قضية نبع الماء من بين أصابعه -ﷺ- تكررت منه في عدّة مواطن في مشاهد عظيمة، ووردت من طرق كثيرة يفيد مجموعها العلم القطعيّ المستفاد من التواتر المعنويّ. قال الحافظ: أخذ كلام عياض، وتصرف فيه، قال: ولم يُسمع بمثل هذه المعجزة عن غير نبينا -ﷺ-، وحديث نبع الماء جاء من رواية أنس عند الشيخين، وأحمد، وغيرهم، من خمسة طرق، وعن جابر بن عبد الله من أربعة طرق، وعن ابن مسعود عند البخاريّ، والترمذيّ، وعن ابن عباس عند أحمد، والطبرانيّ، من طريقين، وعن ابن أبي ليلى والد عبد الرحمن، عند الطبرانيّ، فعدد هؤلاء الصحابة ليس كما يُفهم من إطلاقهما. وأما تكثير الماء بأن يلمسه بيده، أو يتفل فيه، أو يأمر بوضع شيء فيه، كسهم من كنانته، فجاء في حديث عمران بن حصين، في «الصحيحين»، وعن البراء بن عازب، عند البخاريّ، وأحمد، من طريقين، وعن أبي قتادة عند مسلم، وعن أنس عند البيهقيّ في «الدلائل»، وعن زياد بن الحارث الصُّدَائيّ عنده، وعن حَبّان بن بُحّ -بضم الموحدة، وتشديد المهملة- الصُّدائيّ أيضًا، فإذا ضُمَّ هذا إلى هذا بلغ الكثرة المذكورة، أو قاربها. وأما من رواها من أهل القرن الثاني فهم أكثر عددًا، وإن كان شطر طرقه أفرادًا. وفي الجملة يستفاد منها الردّ على ابن بطال، حيث قال: هذا الحديث شهده جماعة كثيرة من الصحابة، إلا أنه لم يُرْوَ إلا من طريق أنس، وذلك لطول عمره، وتطلّب الناس العلو في السند. انتهى، وهو ينادي عليه بقلّة الاطلاع والاستحضار لأحاديث الكتاب الذي شرحه، وبالله التوفيق. قال القرطبي: ولم يسمع بمثل هذه المعجزة عن غير نبينا -ﷺ- حيث نبع الماء من بين عظمه، وعصبه، ولحمه، ودمه. وقد نقل ابن عبد البرّ عن المزنيّ أنه قال: نَبْع الماء من بين أصابعه -ﷺ- أبلغ في المعجزة من نبع الماء من الحجر، حيث ضربه موسى بالعصا، فتفجرت منه المياه؛ لأن خروج الماء من الحجارة معهود، بخلاف خروج الماء من بين اللحم والدم. انتهى، وظاهر كلامه أن الماء نبع من نفس اللحم الكائن في الأصابع، ويؤيده قوله في حديث جابر الآتي: «فرأيت الماء يخرج من بين أصابعه»، وأوضح منه ما وقع في حديث ابن عباس عند الطبرانيّ: «فجاؤوا بشَنّ، فوضع رسول الله -ﷺ- يده عليه، ثم فرّق أصابعه، فنبع الماء من أصابع رسول الله -ﷺ- مثل عصا موسى، فإن الماء تفجّر من نفس العصا، فتمسّكه به يقتضي أن الماء تفجر من بين أصابعه. ويَحْتَمِل أن يكون المراد: أن الماء كان ينبع من بين أصابعه بالنسبة إلى رؤية الرائي، وهو في نفس الأمر للبركة الحاصلة فيه يفور ويكثر، وكفّه -ﷺ- في الماء فرآه الرائي نابعًا من بين أصابعه، والأول أبلغ في المعجزة، وليس في الأخبار ما يردّه، وهو أَولى. انتهى كلام الحافظ -﵀-، وهو بحث نفيس جدًّا، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّل الكتاب قال: [٥٩٢٨] (. . .) - (حَدَّثَنِي أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ، حَدَّثَنَا مُعَاذٌ -يَعْنِي: ابْنَ هِشَامٍ- حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، أَنَّ نَبِيَّ اللهِ -ﷺ- وَأَصْحَابَهُ بِالزَّوْرَاءِ -قَالَ: وَالزَّوْرَاءُ بِالْمَدِينَةِ عِنْدَ السُّوقِ، وَالْمَسْجِدِ، فِيمَا ثَمَّهْ- دَعَا بِقَدَحٍ، فِيهِ مَاءٌ، فَوَضَعَ كَفَّهُ فِيهِ، فَجَعَلَ يَنْبُعُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ ، فَتَوَضَّأَ جَمِيعُ أَصْحَابِهِ، قَالَ: قُلْتُ: كَمْ كَانُوا يَا أَبَا حَمْزَةَ؟ قَالَ: كَانُوا زُهَاءَ الثَّلَاِثمِائَةِ) . رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ) مالك بن عبد الواحد، البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٠) (م د) تقدم في «الإيمان» ٨/ ١٣٧. ٢ - (مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ) الدستوائيّ، تقدّم أيضًا قريبًا. ٣ - (أَبُوهُ) هشام بن أبي عبد الله سَنْبَر بوزن جعفر، تقدّم أيضًا قريبًا. ٤ - (قَتَادَةُ) بن دِعامة السَّدُوسيّ، تقدّم قريبًا. و«أَنَسُ بن مالك» -﵁- ذُكر قبله. شرح الحديث: (عَنْ قَتَادَةَ) بن دِعامة السَّدوسيّ، أنه قال: (حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ) -﵁- (أَنَّ نَبِيَّ اللهِ -ﷺ- وَأَصحَابَهُ بِالزَّوْرَاءِ) -بتقديم الزاي على الراء، وبالمدّ-: مكان معروف بالمدينة عند السوق، وزعم الداوديّ أنه كان مرتفعًا كالمنارة، وكأنه أخذه من أمْر عثمان بالتأذين على الزوراء، وليس ذلك بلازم، بل الواقع أن المكان الذي أمر عثمان بالتأذين فيه كان بالزوراء، لا أنه الزوراء نفسها. ووقع في رواية همام، عن قتادة، عن أنس: «شَهِدت النبيّ -ﷺ- مع أصحابه عند الزوراء، أو عند بيوت المدينة»، أخرجه أبو نعيم. وعند أبي نعيم من رواية شريك بن أبي نَمِر، عن أنس، أنه هو الذي أحضر الماء، وأنه أحضره إلى النبيّ -ﷺ- من بيت أم سلمة، وأنه ردّه بعد فراغهم إلى أم سلمة، وفيه قَدْر ما كان فيه أوّلًا. ووقع عنده في رواية عبيد الله بن عمر، عن ثابت، عن أنس: أن النبيّ -ﷺ- خرج إلى قباء، فأُتِي من بعض بيوتهم بقدح صغير. ووقع في حديث جابر التصريح بأن ذلك كان في سفر، ففي رواية نُبيح الْعَنَزيّ عند أحمد، عن جابر: قال: سافرنا مع رسول الله -ﷺ-، فحضرت الصلاة، فقال رسول الله -ﷺ-: «أما في القوم من طَهُور؟» فجاء رجل بفضلة في إداوة، فصبه في قَدَح، فتوضأ رسول الله -ﷺ-، ثم إن القوم أُتُوْا ببقية الطهور، فقالوا: تمسّحوا، تمسّحوا، فسمعهم رسول الله -ﷺ-، فقال: «على رِسْلكم»، فضرب بيده في القدح، في جوف الماء، ثم قال: «أسبغوا الطُّهُور»، قال جابر: فوالذي أذهب بصري، لقد رأيت الماء يخرج من بين أصابع رسول الله -ﷺ- حتى توضؤوا أجمعون، قال: حسبته قال: «كنا مائتين وزيادة». وجاء عن جابر -﵁- قصة أخرى أخرجها مسلم من وجه آخر عنه في أواخر الكتاب في حديثه الطويل وفيه: أن الماء الذي أحضروه له كان قطرة في إناء من جلد، لو أفرغها لشربها يابس الإناء، وأنه لم يجد في الركب قطرة ماء غيرها، قال: فأخذه النبيّ -ﷺ- فتكلم، وغَمَز بيده، ثم قال: «ناد بجفنة الركب»، فجيء بها، فقال بيده في الجفنة، فبسطها، ثم فرّق أصابعه، ووضع تلك القطرة في قعر الجفنة، فقال: خذ يا جابر، فصُبّ عليّ، وقل: باسم الله، ففعلت، قال: فرأيت الماء يفور من بين أصابعه، ثم فارت الجفنة، ودارت حتى امتلأت، فأَتَى الناسُ، فاستقوا، حتى رَوُوا، فرفع يده من الجفنة، وهي ملأى«، وهذه القصة أبلغ من جميع ما تقدم؛ لاشتمالها على قلة الماء، وعلى كثرة من استقى منه، قاله في»الفتح«. (قَالَ: وَالزَّوْرَاءُ بِالْمَدِينَةِ عِنْدَ السُّوقِ، وَالْمَسْجِدِ، فِيمَا ثَمَّهْ) قال النوويّ: هكذا هو في جميع النسخ«ثَمّه»قال أهل اللغة:«ثَمّ»بفتح الثاء، و«ثَمّه»بفتح الهاء، بمعنى هناك، وهنا، فـ«ثمّ»للبعيد، و«ثَمّه»للقريب. انتهى. والمعنى: أن الزوراء مكان بالمدينة عند سوقها، وهو قريب من المسجد النبويّ، فقوله:«فيما ثَمّ»؛ أي: في المكان القريب منه، والله تعالى أعلم. (دَعَا)؛ أي: طلب النبيّ -ﷺ- (بِقَدَحٍ) بفتحتين: إناء معروف، جَمْعه أقداح، مثلُ سبب وأسباب. (فِيهِ مَاءٌ، فَوَضَعَ) (كَفَّهُ فِيهِ)؛ أي: في ذلك القدَح، (فَجَعَلَ)؛ أي: أخذ، وبدأ الماء (يَنْبُعُ) بتثليث الموحّدة، كما مرّ قريبًا. (مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ)، وفي بعض النُّسخ:«بين أصابعه»، (فَتَوَضَّأَ جَمِيعُ أَصْحَابِهِ، قَالَ) قتادة (قُلْتُ: كَمْ كَانُوا يَا أَبَا حَمْزَةَ؟) كنية أنس -﵁- (قَالَ: كَانُوا زُهَاءَ الثَّلَاِثِمِائَةِ)، وفي نسخة:«زُهاء ثلاثمائة»، وهو بضم الزاي، وبالمدّ؛ أي: قدر ثلاثمائة، مأخوذة من زَهَوت الشيء: إذا حصرته. ووقع عند الإسماعيليّ من طريق خالد بن الحارث، عن سعيد قال:«ثلاثمائة»بالجزم بدون قوله:«زُهاء»، قاله في«الفتح». وقال النوويّ: أما«زُهاء»فبضم الزاي وبالمدّ؛ أي: قدر ثلاثمائة، ويقال أيضًا:«لُهَاء»باللام؛ أي: بدل الزاي، وقال في هذه الرواية:«ثلاثمائة»، وفي الرواية التي قبلها:«ما بين الستين إلى الثمانين»، قال العلماء: هما قضيتان، جرتا في وقتين، ورواهما جميعًا أنس -﵁-. وأما قوله:«الثلاثمائة»فهكذا هو في جميع النسخ:«الثلاثمائة»، وهو صحيح، وسبق شرحه في«كتاب الايمان»في حديث حذيفة -﵁-:«اكتبوا لي كم يلفِظ الإسلام؟ ». انتهى ، والله تعالى أعلم. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه في الحديث الماضى، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّل الكتاب قال: [٥٩٢٩] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- كَانَ بِالزَّوْرَاءِ، فَأُتِيَ بِإِنَاءِ مَاءٍ، لَا يَغْمُرُ أَصَابِعَهُ، أَوْ قَدْرَ مَا يُوَارِي أَصَابِعَهُ، ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ هِشَامٍ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى العَنَزيّ، تقدّم قريبًا. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) المعروف بغُندر، تقدّم أيضًا قريبًا. ٣ - (سَعِيدُ) بن أبي عَرُوبة مِهْران اليشكريّ مولاهم، أبو النضر البصريّ، ثقةٌ حافظٌ، له تصانيف، كثير التدليس، واختَلَطَ، وكان من أثبت الناس في قتادة [٦] (ت ٦ أو ١٥٧) (ع) تقدم في «الإيمان» ٦/ ١٢٧. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (لَا يَغْمُرُ أَصَابِعَهُ)؛ أي: لا يسترها، يقال: غَمَرتُهُ أَغْمُرُهُ، مثلُ: سَتَرته أستُرُهُ وزنًا ومعنًى .
مصادر المؤلف (١٩)

١. «المفهم» ٦/ ٥٢.

٢. «الفتح» ١/ ٥٢٠ - ٥٢١، كتاب «الوضوء» رقم (٢٠٠).

٣. «القاموس المحيط» ص ١٢٥٧.

٤. «لسان العرب» ٨/ ٣٤٥.

٥. «شرح النوويّ» ١٥/ ٣٨.

٦. «المفهم» ٦/ ٥٢ - ٥٣.

٧. «عمدة القاري» ٣/ ٩٤.

٨. «الفتح» ٥٢١، كتاب «الوضوء» رقم (٢٠٠).

٩. «عمدة القاري» ٣/ ٣٣.

١٠. «عمدة القاري» ٣/ ٣٣.

١١. «الفتح» ١/ ٤٦٧، كتاب «الوضوء» رقم (١٦٩).

١٢. «الاستذكار» ١/ ٢٠٤.

١٣. «الاستذكار» ١/ ٢٠٤.

١٤. «عمدة القاري» ٣/ ٣٤.

١٥. وفي نسخة: «ينبع بين أصابعه».

١٦. وفي نسخة: «زهاء ثلاثمائة».

١٧. «الفتح»٦/ ٥٨٦.

١٨. «شرح النوويّ» ١٥/ ٣٩ - ٤٠.

١٩. «المصباح المنير» ٢/ ٤٥٣.