HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٢٨١

وحدثني سلمة بن شبيب. حدثنا الحسن بن أَعْيَنَ. حَدَّثَنَا مَعْقِلٌ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ؛ أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ يَسْتَطْعِمُهُ. فَأَطْعَمَهُ شَطْرَ وَسْقِ شَعِيرٍ. فَمَا زَالَ الرَّجُلُ يَأْكُلُ مِنْهُ وَامْرَأَتُهُ وَضَيْفُهُمَا. حَتَّى كَالَهُ. فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ. فقال «لولم تَكِلْهُ لَأَكَلْتُمْ مِنْهُ، وَلَقَامَ لَكُمْ».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج7 ص60
ج ٤ ص ١٧٨٤

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في مصدر واحد مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣٧ ص٢١٥
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّل الكتاب قال: [٥٩٣١] (٢٢٨١) - (وَحَدَّثَنِي سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ، حَدَّثَنَا مَعْقِلٌ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ -ﷺ- يَسْتَطْعِمُهُ، فَأَطْعَمَهُ شَطْرَ وَسْقِ شَعِيرٍ، فَمَا زَالَ الرَّجُلُ يَأْكُلُ مِنْهُ، وَامْرَأَتُهُ، وَضَيْفُهُمَا، حَتَّى كَالَهُ، فَأَتَى النَّبِيَّ -ﷺ-، فَقَالَ: «لَوْ لَمْ تَكِلْهُ لأَكَلْتُمْ مِنْهُ، وَلَقَامَ لَكُمْ»). قال الجامع عفا الله عنه: هذا الإسناد هو المذكور قبل هذا. شرح الحديث: (عَنْ جَابِرٍ) -﵁- (أَنَّ رَجُلًا) قال صاحب «التنبيه»: لا أعرفه، ولا أعرف امرأته . (أَتَى النَّبِيَّ -ﷺ- يَسْتَطْعِمُهُ)؛ أي: يطلب منه أن يُعطيه الطعام (فَأَطْعَمَهُ)؛ أي: أعطاه (شَطْرَ)؛ أي: نصف (وَسْقِ شَعِيرٍ) بفتح الواو، وكسرها، قال الفيّوميّ: الوَسْقُ: حِمْلُ بعير، يقال: عنده وَسْقٌ من تمر، والجمع: وُسُوقٌ، مثل فَلْس وفُلُوس، وأَوْسَقْتُ البعيرَ بالألف، ووَسَقْتُهُ أَسِقُهُ، من باب وَعَدَ لغةٌ أيضًا: إذا حَمَّلته الوَسْقُ، قال الأزهريّ: الوَسْقُ ستون صاعًا بصاع النبيّ -ﷺ-، والصَّاع خمسة أرطال وثلث، والوَسْقُ على هذا الحساب مائة وستون مَنًّا، والوَسْقُ: ثلاثة أقفزةٍ، وحَكَى بعضهم الكسر لغةً، وجَمْعه: أوساقٌ، مثلُ حِمْل وأَحْمَال. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: الوسق بالتقدير المعاصر، كما حرّره بعضهم: (٥٠٠، ١٣٠) كيلو غرامًا ، والله تعالى أعلم. (فَمَا زَالَ الرَّجُلُ يَأْكُلُ مِنْهُ)؛ أي: من ذلك الوسق (وَامْرَأَتُهُ) تقدّم أنها لا تُعرف. (وَضَيْفُهُمَا) -بفتح الضاد، وسكون التحتانيّة- قال الفيّوميّ -﵀-: الضَّيْفُ معروف، ويُطلق بلفظ واحد على الواحد، وغيره؛ لأنه مصدر في الأصل، من ضَافَهُ ضَيْفًا، من باب باع: إذا نَزَل عنده، وتجوز المطابقة، فيقال: ضَيْفٌ، وضَيْفَةٌ، وأَضْيَافٌ، وضِيفَانٌ، وأَضَفْتُهُ، وَضَيَّفْتُهُ: إذا أنزلتَهُ، وقَرَيْتَهُ، والاسم: الضِّيَافَةُ، قال ثعلب: ضِفْتَهُ: إذا نزلتَ به، وأنت ضيف عنده، وأَضَفْتَهُ بالألف: إذا أنزلتَهُ عندك ضَيْفًا، وأَضَفْتَهُ إِضَافَةً: إذا لَجَأَ إليك من خوف، فأجرته، واسْتَضَافَنِي، فَأَضَفْتُهُ: استجارني، فأجرته، وتَضَيَّفَنِي، فَضَيَّفْتُهُ: إذا طلب الْقِرَى، فَقَرَيْتَهُ، أو استجارك، فمنعته ممن يطلبه، وأَضَافَهُ إلى الشيء إِضَافَةً: ضمّه إليه، وأماله. انتهى . (حَتَّى كَالَهُ)؛ أي: الرجل ذلك الطعام، فنفد (فَأَتَى النَّبِيَّ -ﷺ-)؛ أي: فأخبره بما صَنَع من كَيْله الطعام، (فَقَالَ) -ﷺ- («لَوْ لَمْ تَكِلْهُ لأَكَلْتُمْ مِنْهُ، وَلَقَامَ لَكُمْ»)؛ أي: ثبت، واستمرّ، ولم ينفد، وقال في «المشارق»: «ولقام لكم»؛ أي: لدام، ويُروى: «بكم»؛ أي: استعنتم به ما بقيتم. انتهى ، وقد سبق ما قاله العلماء في سبب نفاده بالكيل في الحديث الماضي، فلا تنس، والله تعالى أعلم. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جابر -﵁- هذا من أفراد المصنّف -﵀-. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣/ ٥٩٣١] (٢٢٨١)، و(أحمد) في «مسنده» من رواية ابن لَهِيعة عن أبي الزبير (٣/ ٣٣٧ و٣٤٧)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّل الكتاب قال: [٥٩٣٢] (٧٠٦) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحَنَفِيُّ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ -وَهُوَ ابْنُ أَنَسٍ- عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ الْمَكِّيِّ، أَنَّ أَبَا الطُّفَيْلِ عَامِرَ بْنَ وَاثِلَةَ أَخْبَرَهُ، أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ أَخْبَرَهُ، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- عَامَ غَزْوةِ تَبُوكَ، فَكَانَ يَجْمَعُ الصَّلَاةَ، فَصَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا، وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ جَمِيعًا، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمًا أَخَّرَ الصَّلَاةَ، ثُمَّ خَرَجَ، فَصَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا، ثُمَّ دَخَلَ، ثُمَّ خَرَجَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَصَلَّى الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ جَمِيعًا، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّكُمْ سَتَأْتُونَ غَدًا إِنْ شَاءَ اللهُ عَيْنَ تَبُوكَ، وَإِنَّكُمْ لَنْ تَأْتُوهَا حَتَّى يُضْحِيَ النَّهَارُ، فَمَنْ جَاءَهَا مِنْكُمْ فَلَا يَمُسّ مِنْ مَائِهَا شَيْئًا، حَتَّى آتِيَ»، فَجِئْنَاهَا، وَقَدْ سَبَقَنَا إِلَيْهَا رَجُلَانِ، وَالْعَيْنُ مِثْلُ الشِّرَاكِ تَبِضُّ، بِشَيْءٍ مِنْ مَاءٍ، قَالَ: فَسَأَلَهُمَا رَسُولُ اللهِ -ﷺ- «هَلْ مَسَسْتُمَا مِنْ مَائِهَا شَيْئًا؟»، قَالَا: نَعَمْ، فَسَبَّهُمَا النَّبِيُّ -ﷺ-، وَقَالَ لَهُمَا مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَقُولَ، قَالَ: ثُمَّ غَرَفُوا بِأَيْدِيهِمْ مِنَ الْعَيْنِ قَلِيلًا قَلِيلًا، حَتَّى اجْتَمَعَ فِي شَيْءٍ، قَالَ: وَغَسَلَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- فِيهِ يَدَيْهِ وَوَجْهَهُ، ثُمَّ أَعَادَهُ فِيهَا، فَجَرَتِ الْعَيْنُ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ، أَوْ قَالَ: غَزِيرٍ -شَكَّ أَبُو عَلِيٍّ أَيُّهُمَا قَالَ- حَتَّى اسْتَقَى النَّاسُ ، ثُمَّ قَالَ: «يُوشِكُ يَا مُعَاذُ إِنْ طَالَتْ بِكَ حَيَاةٌ أَنْ تَرَى مَا هَا هُنَا قَدْ مُلِئَ جِنَانًا»). رجال هذا الإسناد: ستّة: ١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ) الحافظ صاحب «المسند» تقدّم قريبًا. ٢ - (أَبُو عَلِيٍّ الْحَنَفِيُّ) عُبيد الله بن عبد المجيد، أبو عليّ البصريّ، صدوقٌ، لم يثبت أن يحيى بن معين ضعّفه [٩] (ت ٢٠٩) (ع) تقدم في «المساجد ومواضع الصلاة» ٤٠/ ١٤٥١. ٣ - (أَبُو الطُّفَيْلِ عَامِرُ بْنُ وَاثِلَةَ) بن عبد الله بن عمرو بن جَحْش الليثيّ، وربما سُمِّي عَمْرًا، وُلد عام أُحُد، ورأى النبيّ -ﷺ-، ورَوَى عن أبي بكر، فمن بعده، وعُمِّر إلى أن مات سنة عشر ومائة على الصحيح، وهو آخر من مات من الصحابة، قاله مسلم، وغيره (ع) تقدم في «صلاة المسافرين وقصرها» ٧/ ١٦٣١. ٤ - (مُعَاذُ بْنُ جَبَلِ) بن عَمْرو بن أوس الأنصاريّ الخزرجيّ، أبو عبد الرحمن، الصحابيّ المشهور، من أعيان الصحابة -﵃-، شَهِد بدرًا، وما بعدها، وكان إليه المنتهى في العلم بالأحكام، والقرآن، مات بالشام سنة ثماني عشرة (ع) تقدم في «الإيمان» ٧/ ١٣٠. والباقيان ذُكرا في الباب. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-، وأن فيه رواية صحابيّ، عن صحابيّ -﵄-، وأنه مسلسل بالتحديث والإخبار. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ الْمَكِّيِّ) محمد بن مسلم (أَنَّ أَبَا الطُّفَيْلِ) -بضم الطاء المهملة، وفتح الفاء- (عَامِرَ بْنَ وَاثِلَةَ) بنصب «عامر» على البدليّة، أو عطف البيان لـ «أبا الطفيل»، (أَخْبَرَهُ)؛ أي: أبا الزبير، (أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ) -﵁- (أَخْبَرَهُ) وقوله: (قَالَ) تفسير وبيان لإخباره. (خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- عَامَ غَزْوَةٍ تَبُوكَ) قال في «الفتح»: «تبوك» المشهور فيها عدم الصرف؛ للتأنيث والعَلَمية، ومَنْ صَرَفها أراد الموضع، ووقعت تسميتها بذلك في الأحاديث الصحيحة، وهي مكان معروف، هو نصف طريق المدينة إلى دمشق، ويقال: بين المدينة وبينه أربع عشرة مرحلة، وذكرها في «المحكم» في الثلاثي الصحيح، وكلام ابن قتيبة يقتضي أنها من المعتلّ، فإنه قال: جاءها النبيّ -ﷺ-، وهم يبوكون مكان مائها بقِدْح، فقال: «ما زلتم تبوكونها»، فسمّيت حينئذ تبوك. انتهى . وقال الفيّوميّ -﵀-: بَاكَتِ الناقة تَبُوكُ بَوْكًا: سَمِنت، فهي بَائِكٌ بغير هاء، وبهذا المضارع سُمِّيت غزوة تَبُوكُ؛ لأن النبيّ -ﷺ- غزاها في شهر رجب سنة تسع، فصالح أهلها على الجزية، من غير قتال، فكانت خالية عن البؤس، فأشبهت الناقة التي ليس بها هُزال، ثم سمّيت البقعة تَبُوكُ بذلك، وهو موضع من بادية الشام، قريب من مَدْين الذين بَعَث الله إليهم شعيبًا. انتهى . وقال في «الفتح»: وبينها وبين المدينة من جهة الشام أربع عشرة مرحلةً، وبينها وبين دمشق إحدى عشرة مرحلةً. وكان السبب فيها ما ذكره ابن سعد وشيخه وغيره، قالوا: بلغ المسلمين من الأنباط الذين يَقْدَمُون بالزيت من الشام إلى المدينة أن الروم جَمَعت جموعًا، وأجلبت معهم لَخْم، وجُذَام، وغيرهم من متنصرة العرب، وجاءت مُقَدِّمتهم إلى البلقاء، فَنَدَب النبيّ -ﷺ- الناس إلى الخروج، وأعلمهم بجهة غزوهم. وروى الطبرانيّ من حديث عمران بن حصين -﵄-، قال: كانت نصارى العرب كتبت إلى هرقل أن هذا الرجل الذي خرج يدّعي النبوّة هلك، وأصابتهم سنون، فهلكت أموالهم، فبعث رجلًا من عظمائهم، يقال له: قباذ، وجهّز معه أربعين ألفًا، فبلغ النبيّ -ﷺ- ذلك، ولم يكن للناس قوّة، وكان عثمان قد جَهّز عِيرًا إلى الشام، فقال: يا رسول الله -ﷺ- هذه مائتا بعير بأقتابها، وأحلاسها، ومائتا أُوقيّة، قال: فسمعته يقول: «لا يضرّ عثمان ما عمل بعدها»، وأخرجه الترمذيّ، والحاكم من حديث عبد الرحمن بن حبان نحوه. وذكر أبو سعيد في «شرف المصطفى»، والبيهقيّ في «الدلائل» من طريق شَهْر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غنم، أن اليهود قالوا: يا أبا القاسم إن كنت صادقًا، فالحق بالشام، فإنها أرض المحشر، وأرض الأنبياء، فغزا تبوك، لا يريد إلا الشام، فلمّا بلغ تبوك أنزل الله تعالى الآيات من «سورة بني إسرائيل»: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا﴾ [الإسراء: ٧٦]. وإسناده حسنٌ، مع كونه مرسلًا. انتهى . وقال القرطبيّ -﵀-: تبوك موضع معروف بطريق الشام فيه ماء، وهذه الغزوة: هي آخر غزوة غزاها رسول الله -ﷺ- يريد غزو الروم، فخرج فيها في شهر رجب سنة تسع من الهجرة في حرٍّ شديد لسفرٍ بعيد، وخرج معه أهل الصدق من المسلمين، وتخلَّف عنه جميع المنافقين، وكانت غزوة أظهر الله فيها من معجزات نبيه -ﷺ- وكراماته، ما زاد الله المؤمنين به إيمانًا، وأقام بذلك على الكافرين حجَّة وبرهانًا. انتهى . (فَكَانَ) -ﷺ- (يَجْمَعُ الصَّلَاةَ)؛ أي: الصلاة التي يُشرع جَمْعها مع الأخرى، وهي التي بيّنها بقوله: (فَصَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا، وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ جَمِيعًا) قال القرطبيّ -﵀-: ظاهر هذا المساق أنه أوقع الظهر والعصر في أول الوقت مجموعتين، وكذلك المغرب والعشاء؛ لأنَّه قال بعد ذلك: (حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمًا أَخَّرَ الصَّلَاةَ، ثُمَّ خَرَجَ، فَصَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا) جَمْع تأخير، وحَمَله بعضهم على الجمع الصُّوْريّ بأن صلى الظهر في آخر وقتها، والعصر في أوله. وتعقبه الخطابيّ، وابن عبد البرّ، وغيرهما بأن الجمع رخصة، فلو كان صُوْريًّا لكان أعظم ضِيقًا من الإتيان بكل صلاة في وقتها؛ لأن أوائل الأوقات وأواخرها مما لا يدركه أكثر الخاصّة فضلًا عن العامة. ومن الدليل على أن الجمع رخصة قول ابن عباس -﵄-: أراد أن لا يُحرِج أمته، رواه مسلم. وأيضًا فصريح الأخبار أن الجمع في وقت إحدى الصلاتين، وهو المتبادر إلى الفهم من لفظ الجمع . (ثُمَّ دَخَلَ، ثُمَّ خَرَجَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَصَلَّى الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ جَمِيعًا) قال الباجيّ: مقتضاه أنه مقيم غير سائر، لأنه إنما يستعمل في الدخول إلى الخباء والخروج منه، وهو الغالب، إلا أن يريد دخل إلى الطريق مسافرًا، ثم خرج عن الطريق للصلاة، ثم دخله للسير، وفيه بُعْدٌ، وكذا نقله عياض، واستبعده، وقال ابن عبد البرّ: هذا أوضح دليل على ردّ من قال: لا يَجْمع إلا من جَدّ به السير، وهو قاطع للالتباس. انتهى. ففيه أن المسافر له أن يجمع نازلًا وسائرًا، وكأنه -ﷺ- فَعَله لبيان الجواز، وكان أكثر عادته ما دلّ عليه حديث أنس -﵁- في «الصحيحين» وغيرهما قال: «كان النبيّ -ﷺ- إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخّر الظهر إلى وقت العصر، ثم يجمع بينهما، وإذا زاغت قبل أن يرتحل صلى الظهر، ثم رَكِب»، وعند الإسماعيليّ: «وإذا زالت صلى الظهر والعصر جميعًا، ثم ارتحل»، وقال الشافعية، والمالكية: تَرْك الجمع للمسافر أفضل، وعن مالك رواية بكراهته. وفي هذه الأحاديث تخصيص حديث الأوقات التي بيَّنها جبريل -﵇- للنبيّ -ﷺ-، وبيَّنها النبيّ -ﷺ- للأعرابيّ بقوله في آخرها: «الوقت ما بين هذين». انتهى . وقال القرطبيّ -﵀-: وظاهره أنه أخّر الصلاتين إلى آخر وقتهما المشترك، وهو حجَّة لمالك، فإنَّه يقول بجواز كل ذلك، على تفصيل له في الأفضل من ذلك، كما قدَّمناه، وهو أيضًا حجة للشافعيّ عليه في اشتراطه في جواز الجمع بين الصلاتين استعجال السير، والشافعي لا يشترطه، وقد تقدَّم كلّ ذلك في «كتاب الصلاة». انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: قوله: «إلى آخر وقتهما المشترك» فيه نَظَر، بل الظاهر أنه أخَّر إلى وقت الثانية، فهو حجة ظاهرة لمن يقول بالجمع الحقيقيّ في وقت إحداهما، وهو الصحيح، وقد قدّمنا تحقيق ذلك في «كتاب صلاة المسافرين»، فراجعه تستفد علمًا جمًّا، والله تعالى وليّ التوفيق. (ثُمَّ قَالَ) -ﷺ- («إِنَّكُمْ) أيها الصحابة (سَتَأْتُونَ غَدًا إِنْ شَاءَ اللهُ) قاله تبرّكًا، وامتثالًا لقوله -﷿-: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣، ٢٤]. (عَيْنَ تَبُوكَ) قال القرطبيّ: ظاهره: أن هذا منه -ﷺ- إخبار عن غيب بوحي، ويَحْتَمِل غير ذلك. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى بُعد الاحتمال الثاني، فلا تبصّر. وفيه ردّ لقول من قال: إن سبب تسميتها تبوك قوله -ﷺ- للرجلين اللذين سبقا إلى العين: «ما زلتما تبوكونها منذ اليوم»؛ لأن هذا القول قاله قبل أن يصل إلى تبوك بيوم، فتنبّه، والله تعالى أعلم. (وَإِنَّكُمْ لَنْ تَأْتُوهَا حَتَّى يُضْحِيَ النَّهَارُ)؛ أي: يكون النهار وقت الضحى، يقال: أضحى فلان: إذا صار في وقت الضحى. (فَمَنْ جَاءَهَا مِنْكُمْ فَلَا) ناهية، ولذا جزم بها قوله: (يَمُسُّ) بفتح الميم، وضمّها، مضارع مسّ يَمَسّ، ويَمُسُّ، من بابي تَعِبَ، وقَتَل، فعلى الأول يجوز كسر السين على أصل التخلّص من التقاء الساكنين، وفَتْحها؛ للتخفيف، وعلى الثاني، يجوز فيه ثلاثة أوجه، الكسر، والفتح؛ لِمَا ذُكر، والضمّ؛ إتباعًا لضمّة العين. (مِنْ مَائِهَا شَيْئًا) قال القرطبيّ -﵀-: إنما نهاهم عن ذلك، ليظهر انفراده بالمعجزة، وتتحقق نِسبتها إليه، واختصاصه بها، فإنَّه إذا شاركه غيره في مسِّ مائها، لم يتمحض اختصاصه بها، ولذلك لمّا وجد الرجلين عليها؛ أمر أن يُغْرَف له من مائها، وكأنه كان أراد أن يباشر الماء، وهو في موضعه، لكن لمَّا سبقه غيره إليها، جمعوا له من مائها، فغسل فيه يديه ووجهه، ثم أمر أن يعاد ذلك الماء فيها، فلما فعلوا ذلك جاءت العين بماء منهمر، وسُمِع له حِسّ كحس الصواعق. انتهى . (حَتَّى آتِيَ») بالمد؛ أي: أجيء، قال الباجيّ: وفيه أن للإمام المنع من الأمور العامة؛ كالماء، والكلأ؛ للمصلحة . (فَجِئْنَاهَا، وَقَدْ سَبَقَنَا إِلَيْهَا رَجُلَانِ) لا يُعرفان. (وَالْعَيْنُ مِثْلُ الشِّرَاكِ) بكسر الشين المعجمة: سَيْرُ النعل الذي على ظهر القدم، والمراد: أن ماءها قليلٌ جدًّا، (تَبِضُّ بِشَيْءٍ مِنْ مَاءٍ) قال القرطبيّ -﵀-: الرواية المشهورة:«تَبِضُّ»بالضاد المعجمة؛ أي: تسيل بماء قليل رقيق مثل شراك النعل، وقد رُوي بالصاد المهملة، وكذلك وقع في البخاريّ؛ أي: تبرق. يقال: بصَّ يبصُّ بصيصًا، ووَبَص يبص وبيصًا بمعناه. انتهى . وقال ابن عبد البرّ -﵀-: معنى قوله:«والعين تَبِضّ بشيء من ماء»أنها كانت تسيل بشيء من ماء ضعيف، قال حميد بن ثور [من الطويل]: مُنَعَّمَةٍ لَوْ يُصْبِحُ الذَّرُّ سَارِيًا … عَلَى جِلْدِهَا بَضَّتْ مَدَارِجُهُ دَمَا وتقول العرب للموضع حين يُنَدِّي: قد بَضَّ، وتقول: ماءٌ بَضَّ بقطرة، وهذه الرواية الصحيحة المشهورة في«الموطأ»:«تَبِضُّ»بالضاد المنقوطة، ومن رواه بالصاد، وضمّ الباء، فمعناه: أنه كان يُضيء فيها شيء من الماء، وَيبْرُق، ويُرَى له بَصِيصٌ، أو شيء من بصيص، وعلى الرواية الأولى الناسُ. انتهى . (قَالَ) معاذ (فَسَأَلَهُمَا رَسُولُ اللهِ -ﷺ-:«هَلْ مَسَسْتُمَا) تقدّم أنه من باب تَعِبَ، وقَتَل، (مِنْ مَائِهَا شَيْئًا؟ »، قَالَا: نَعَمْ) قال الباجيّ -﵀-: لأنهما لم يعلما نهيه، أو حملاه على الكراهة، أو نسياه، إن كانا مؤمنين، وروى أبو بشر الدُّولابيّ أنهما كانا من المنافقين . (فَسَبَّهُمَا)؛ أي: شتمهما (النَّبِيُّ -ﷺ-) لإساءتهما بمخالفة نهيه عن مسّ مائها قبله، (وَقَالَ لَهُمَا مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَقُولَ)؛ أي: من التعنيف والتوبيخ. قال القرطبيّ -﵀-: وسبُّ النبيّ -ﷺ- لهما يَحْتَمِل أن يكون: لأنهما كانا منافقين قصدا المخالفة، فصادف السبُّ محلَّه، ويَحْتَمِل أن كانا غير منافقين، ولم يعلما بنهي النبيّ -ﷺ-، ويكون سبَّه لهما لم يصادف محلًّا، فيكون ذلك لهما رحمة، وزكاةً، كما قاله -ﷺ-: «اللهم من لعنته، أو سببته وليس لذلك بأهل، فاجعل ذلك له زكاة، ورحمة، وقربة تقرِّبه بها إليك يوم القيامة»، رواه مسلم. (قَالَ) معاذ (ثُمَّ غَرَفُوا) بفتح الراء، وضمّها، من بابي ضرب، ونصر، يقال: غَرَف الماء يَغْرِفُهُ، بالكسر، ويَغْرُفه بالضمّ: أخذه بيده؛ كأغترفه، أفاده المجد -﵀- . (بِأَيْدِيهِمْ مِنَ الْعَيْنِ)، وقوله: (قَلِيلًا قَلِيلًا) بالتكرار دليلٌ على نهاية القلة، (حَتَّى اجْتَمَعَ) الماء الذي غرفوه (فِي شَيْءٍ) من الأواني التي كانت معهم، قال الزرقانيّ: ولا قلب فيه، وأن أصله: غَرَفُوا في شيء حتى اجتمع ماء كثير، كما تُوُهِّم . (قَالَ) معاذ (وَغَسَلَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- فِيهِ)؛ أي: في الماء الذي في الشيء (يَدَيْهِ وَوَجْهَهُ، ثُمَّ أَعَادَهُ)؛ أي: أعاد الماء الذي غسل فيه يديه ووجهه (فِيهَا)؛ أي: في تلك البئر، (فَجَرَتِ الْعَيْنُ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ) الكثير الانصباب والدفع، (أَوْ قَالَ: غَزِيرٍ -شَكَّ أَبُو عَلِيٍّ) الحنفيّ (أَيُّهُمَا قَالَ-) شيخه مالك بن أنس (حَتَّى اسْتَقَى النَّاسُ)، وفي بعض النسخ: «فاستقى الناس»؛ أي: شَرِبوا، وسَقَوا دوابهم، فهو إخبار عن كثرة الماء، وَهُمْ جيش كثير عددهم. (ثُمَّ قَالَ) -ﷺ- («يُوشِكُ)؛ أي: يقرب، ويُسرع من غير بطء، (يَا مُعَاذُ إِنْ طَالَتْ بِكَ حَيَاةٌ)؛ أي: إن أطال الله عمرك، ورأيت هذا المكان (أَنْ تَرَى)»أن«مصدريّة، والمصدر المؤوّل فاعل»يوشك«، (مَا) موصولة بمعنى الذي، (هَا هُنَا) إشارة للمكان، (قَدْ مُلِئَ) بالبناء للمفعول، (جِنَانًا») منصوب على التمييز، وهو بكسر الجيم، وتخفيف النون: جمع جنّة، وهي الحديقة، ذات الشجر، وقيل: ذات النخل، وتُجمع أيضًا على جنّات، على لفظها، قاله الفيّوميّ -﵀- ، وقال القرطبيّ -﵀-: «الْجِنَان»: البستان، من النخل وغيره، سُمِّي بذلك، لأنه يَجُنّ أرضه، وما تحته، أي: يستر ذلك. انتهى . والمعنى: أنه يكثر ماؤه، ويُخصب أرضه، فيكون بساتين، ذات أشجار كثيرة، وثمار، قال الباجيّ: وهذا إخبار بغيب قد وقع، وخَصّ معاذًا -﵁- بذلك، لأنه استوطن الشام، وبها مات، فعَلِم بالوحي أنه سيرى ذلك الموضع، كما ذَكَرَ، وأنه يمتلئ جِنانًا ببركته -ﷺ-، ولو لم يكن له معجزة غير هذه لتبيّن صِدْقه، وظهرت حجته. وقال ابن عبد البرّ: قال ابن وضاح: أنا رأيت ذلك الموضع كلّه حوالي تلك العين جِنانًا خَضِرةً نَضرةً، ولعله يتمادى إلى قيام الساعة، وهكذا النبوة، وأما الشجر فلا يبقى بعد مفارقة صاحبه. انتهى ، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث معاذ بن جبل -﵁- هذا من أفراد المصنّف -﵀-. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣/ ٥٩٣٢] (٧٠٦)، و(أبو داود) في «الصلاة» (١٢٠٦)، و(النسائيّ) في «المجتبى» (١/ ٢٨٥)، و(مالك) في «الموطّأ» (١/ ١٤٣)، و(الشافعيّ) في «مسنده» (١/ ١١٧)، و(عبد الرزّاق) في «مصنّفه» (٤٣٩٩)، و(أحمد) في «مسنده» (٥/ ٢٣٧ - ٢٣٨)، و(الدارميّ) في «سننه» (١/ ٣٥٦)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (٢/ ٨٢)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (١٤٥٨ و١٥٩١ و١٥٩٣ و١٥٩٥)، و(الطحاويّ) في «شرح معاني الآثار» (١/ ١٦٠)، و(الطبرانيّ) في «الكبير» (٢٠/ ١٠٢)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٣/ ١٦٢٩)، و«دلائل النبوّة» (٥/ ٢٣٦)، و(البغويّ) في «شرح السُّنَّة» (١٠٤١)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): أنه قد اشتَمَل هذا الحديثُ على معجزتين عظيمتين: إحداهما: نَبْع الماء المذكور. والثانية: تعريفه بكثير من علم الغيب، فإنَّ تبوك من ذلك الوقت سُكِنت لأجل ذلك الماء، وغُرِست بساتين، كما قال النبيّ -ﷺ-. ٢ - (ومنها): بيان أن الإمام يغزو بنفسه العدوّ مع عسكره. ٣ - (ومنها): غزو الروم؛ لأن غزوة تبوك كانت إلى الروم بأرض الشام، وهي غزاةٌ لم يَلْقَ فيها رسول الله -ﷺ- كيدًا، ولا قتالًا، وانصرف، وقد قيل: إن غزو الروم، وسائر أهل الكتاب أفضل من غيرهم؛ لِمَا أخرجه أبو داود في «سننه»: جاءت امرأة إلى النبيّ -ﷺ- يقال: لها أم خلاد، وهي منتقبة، تسأل عن ابنها، وهو مقتول، فقال لها بعض أصحاب رسول الله -ﷺ-: تسألين عن ابنك، وأنت منتقبة؟ فقالت: إن أُرْزَأُ ابني، فلن أُرزأ حيائي، فقال رسول الله -ﷺ-: «ابنك له أجر شهيدين»، قالت: ولم ذاك يا رسول الله؟ قال: «لأنه قتله أهل الكتاب» . ٤ - (ومنها): أن فيه الجمعَ بين صلاتي النهار، وبين صلاتي الليل للمسافر، وإن لم يجدّ به السير. ٥ - (ومنها): ما قاله ابن عبد البرّ -﵀-: وفي قوله في هذا الحديث: «فأَخَّر الصلاة يومًا، ثم خرج، فصلى الظهر والعصر جميعًا، ثم دخل، ثم خرج، فصلى المغرب والعشاء جميعًا» دليل على أنه جَمَع بين الصلاتين، وهو نازل، غير سائر، ماكث في خبائه وفسطاطه يخرج، فيقيم الصلاة، ثم ينصرف إلى خبائه، ثم يخرج، فيقيمها، ويجمع بين الصلاتين، من غير أن يجدّ به السير. قال: وفي هذا الحديث أوضح الدلائل، وأقوى الحجج في الردّ على من قال: لا يجمع المسافر بين الصلاتين، إلَّا إذا جَدّ به السير، واختلف الفقهاء في ذلك . قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدّم بيان مذاهب العلماء، وأدلّتهم في هذه المسألة في «كتاب صلاة المسافرين»، فراجعه تستفد علمًا جمًّا، وبالله تعالى التوفيق. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّل الكتاب قال: [٥٩٣٣] (١٣٩٢) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَي، عَنْ عَبَّاسِ بْنِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ ، عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- غَزْوَةَ تَبُوكَ، فَأَتَيْنَا وَادِيَ الْقُرَي، عَلَى حَدِيقَةٍ لِامْرَأَةٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «اخْرُصُوهَا»، فَخَرَصْنَاهَا، وَخَرَصَهَا رَسُولُ اللهِ -ﷺ- عَشْرَةَ أَوْسُقٍ، وَقَالَ: «أَحْصِيهَا حَتَّى نَرْجِعَ إِلَيْكِ إِنْ شَاءَ اللهُ»، وَانْطَلَقْنَا حَتَّى قَدِمْنَا تَبُوكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «سَتَهُبُّ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَةَ رِيحٌ شَدِيدَةٌ، فَلَا يَقُمْ فِيهَا أَحَدٌ مِنْكُمْ، فَمَنْ كَانَ لَهُ بَعِيرٌ فَلْيَشُدَّ عِقَالَهُ»، فَهَبَّتْ رِيحٌ شَدِيدَةٌ، فَقَامَ رَجُلٌ، فَحَمَلَتْهُ الرِّيحُ حَتَّى أَلْقَتْهُ بِجَبَلَيْ طَيِّئٍ، وَجَاءَ رَسُولُ ابْنِ الْعَلْمَاءِ صَاحِبِ أَيْلَةَ إِلَى رَسُولِ اللهِ -ﷺ- بِكِتَابٍ، وَأَهْدَى لَهُ بَغْلَةً بَيْضَاءَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-، وَأَهْدَى لَهُ بُرْدًا، ثُمَّ أَقْبَلْنَا حَتَّى قَدِمْنَا وَادِيَ الْقُرَي، فَسَأَل رَسُولُ اللهِ -ﷺ- الْمَرْأَةَ عَنْ حَدِيقَتِهَا: «كَمْ بَلَغَ ثَمَرُهَا؟»، فَقَالَتْ: عَشَرَةَ أَوْسُقٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «إِنِّي مُسْرِعٌ، فَمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ فَلْيُسْرعْ مَعِي، وَمَنْ شَاءَ فَلْيَمْكُثْ»، فَخَرَجْنَا حَتَّى أَشْرَفْنَا عَلَى الْمَدِينَةِ، فَقَالَ: «هَذِهِ طَابَةُ، وَهَذَا أُحُدٌ، وَهُوَ جَبَلٌ يُحِبُّنَا، وَنُحِبُّهُ»، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ خَيْرَ دُورِ الأَنْصَارِ دَارُ بَنِي النَّجَّارِ، ثُمَّ دَارُ بَنِي عَبْدِ الأَشْهَلِ، ثُمَّ دَارُ بَنِي عَبْدِ الحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، ثُمَّ دَارُ بَنِي سَاعِدَةَ، وَفِي كُلِّ دُورِ الأَنْصَارِ خَيْرٌ»، فَلَحِقَنَا سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، فَقَالَ أَبُو أُسَيْدٍ: أَلَمْ تَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- خَيَّرَ دُورَ الأَنْصَارِ، فَجَعَلَنَا آخِرًا؟ فَأَدْرَكَ سَعْدٌ رَسُولَ اللهِ -ﷺ-، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ خَيَّرْتَ دُورَ الأَنْصَارِ، فَجَعَلْتَنَا آخِرًا ، فَقَالَ: «أَوَ لَيْسَ بِحَسْبِكُمْ أَنْ تَكُونُوا مِنَ الْخِيَارِ؟»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ) القعنبيّ، تقدّم قريبًا. ٢ - (سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ) المدنيّ، تقدّم أيضًا قريبًا. ٣ - (عَمْرُو بْنُ يَحْيَى) بن عُمارة بن أبي حسن المازنيّ المدنيّ، ثقةٌ [٦] مات بعد الثلاثين، ومائة (ع) تقدم في «الإيمان» ٨٨/ ٤٦٤. ٤ - (عَبَّاسُ بْنُ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيُّ) المدنيّ، ثقةٌ [٤] مات في حدود العشرين ومائة، وقيل: قبل ذلك (خ م د ت ق) تقدم في «الحج» ٩٠/ ٣٣٧٢. ٥ - (أَبُو حُمَيْدٍ) الساعديّ الصحابي المشهور، اسمه المنذر بن سعد بن المنذر، أو ابن مالك، وقيل: اسمه عبد الرَّحمن، وقيل: عمرو، شَهِد أُحُدًا وما بعدها، وعاش إلى أول خلافة يزيد سنة ستين (ع) تقدم في «الصلاة» ١٧/ ٩١٦. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-، وأنه مسلسلٌ بالمدنيين من أوله إلى آخره. شرح الحديث: (عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى) وفي رواية وُهيب التالية: «حدّثنا عمرو بن يحيى» (عَنْ عَبَّاسِ بْنِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ)، وفي رواية الإسماعيليّ: «من طريق وُهيب، حدّثنا عمرو بن يحيي، حدّثنا عبّاس بن سهل الساعديّ» (عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ) الساعديّ -﵁-، تقدّم الخلاف في اسمه آنفًا، أنه (قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- غَزْوَةَ تَبُوكَ) تقدم البحث فيها في الحديث الماضي. (فَأَتَيْنَا وَادِيَ الْقُرَى) هي مدينة قديمة بين المدينة والشام، وأغرب ابن قرقول، فقال؛ إنها من أعمال المدينة . وقال الفيّوميّ: وادي القرى: موضع قريبٌ من المدينة على طريق الحاجّ من جهة الشام. انتهى . (عَلَى حَدِيقَةٍ) -بفتح الحاء المهملة- هي: البستان، يكون عليه حائط، فَعِيلة بمعنى مفعولة؛ لأن الحائط أَحْدَقَ بها؛ أي: أحاط، ثم توسعوا، حتى أطلقوا الحَدِيقَةَ على البستان، وإن كان بغير حائط، والجمع: الحَدَائِقُ، قاله الفيّوميّ -﵀- . وقال في «العمدة»: قال ابن سِيدهْ: هي من الرياض، كل أرض استدارت، وقيل: الحديقة كلّ أرض ذات شجرة بثمر ونخل، وقيل: الحديقة البستان والحائط، وخَصّ بعضهم به الجنة من النخل والعنب، وقيل: الحديقة حُفْرة تكون في الوادي، يحتبس فيها الماء، فإذا لم يكن فيه ماء فهو حديقة، ويقال: الحديقة أعمق من الغدير، والحديقة: القطعة من الزرع؛ يعني: أنه مشترك، وكله في معنى الاستدارة، وفي «الغريبين»: يقال للقطعة من النخل: حديقة. انتهى . (لِامْرَأَةٍ) قال الحافظ: ولم أقف على اسمها في شيء من الطرق. (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «اخْرُصُوهَا») بضمّ الراء، من باب نصر، والخرص: الحزر، والتخمين، وقال النوويّ -﵀-: بضمّ الراء، وكسرها، والضمّ أشهر، أي: احزروا كم يجيء من تمرها. انتهى . وقال في «التاج»: الخَرْصُ: الحَزْرُ، والحَدْسُ، والتَّخْمِينُ، هذا هُوَ الأَصْلُ في مَعْنَاه، وقِيلَ: هُوَ التَّظَنِّي فِيما لا تَسْتَيْقِنُه، يُقَال: خَرَصَ العَدَدَ يَخْرِصُهُ -بالكسر- ويَخْرُصُه بالضمّ خَرْصًا، وخِرْصًا: إِذَا حَزَرَه، ومِنْهُ: خَرْصُ النَّخْلِ، والتَّمْرِ؛ لأَنَّ الخَرْصَ إِنَّمَا هُوَ تَقْدِيرٌ بِظَنٍّ، لا إِحَاطَة. وقِيلَ: الاسْمُ بالكَسْرِ، والمَصْدَرُ بالفَتْحِ، يُقَالُ: كَمْ خِرْصُ أَرْضِكَ؟ وكَمْ خِرْصُ نَخْلِكَ؟ وفَاعِلُ ذلِكَ الخَارِصُ، والجَمْعُ: الخُرّاصُ، وقال ابنُ شُمَيْلٍ: الخِرْصُ بالكَسْرِ: الحَزْرُ، مِثْل: عَلِمْتُ عِلْمًا، قالَ الأَزْهَرِيُّ: هذَا جَائِزٌ؛ لأَنَّ الاسْمَ يُوضَع مَوْضِعَ المَصْدَرِ. انتهى . وقال النوويّ -﵀-: فيه استحباب امتحان العالِم أصحابه بمثل هذا التمرين. (فَخَرَصْنَاهَا)، ولم أقف على أسماء من خَرَص منهم، (وَخَرَصَهَا رَسُولُ اللهِ -ﷺ- عَشْرَةَ أَوْسُقٍ) على وزن أَفْعُل بضم العين، جَمْع وَسْق بفتح الواو، وهو ستون صاعًا، وهو ثلاثمائة وعشرون رطلًا، عند أهل الحجاز، وأربعمائة وثمانون رطلًا عند أهل العراق، على اختلافهم في مقدار الصاع والمدّ، قاله في «العمدة» . (وَقَالَ) -ﷺ- للمرأة («أَحْصِيهَا)؛ أي: احفظي عدد كيلها، وأصل الإحصاء: العدد بالحصى؛ لأنهم كانوا لا يُحسنون الكتابة، فكانوا يضبطون العدد بالحصى. (حَتَّى نَرْجِعَ إِلَيْكِ إِنْ شَاءَ اللهُ») قاله تبرّكًا، عملًا بقوله -﷿-: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ الآية [الكهف: ٢٣، ٢٤]. (وَانْطَلَقْنَا)؛ أي: ذهبنا (حَتَّى قَدِمْنَا) بكسر الدال، (تَبُوكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «سَتَهُبُّ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَةَ)؛ أي: المستقبلة، (رِيحٌ شَدِيدَةٌ) قال القرطبيّ -﵀-: هذا من المعجزات الغيبية، وهي من معجزاته -ﷺ- ذات الكثرة، بحيث لا تحصي، يحصل بمجموعها العلم القطعيّ بأن النبيّ -ﷺ- كان يعلم كثيرًا من علم الغيب الذي لا يعلمه إلَّا الله، أو من ارتضاه من الرسل، فأطلعه الله عليه، والنبيّ -ﷺ- قد أطلعه الله عليه، فهو رسول من أفضل الرسل. انتهى . (فَلَا يَقُمْ فِيهَا أَحَدٌ مِنْكُمْ، فَمَنْ كَانَ لَهُ بَعِيرٌ فَلْيَشُدَّ عِقَالَهُ») بالكسر؛ أي: حَبْله، وفي رواية ابن إسحاق في«المغازي»عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم، عن عباس بن سهل:«ولا يخرُجَنّ أحد منكم الليلةَ، إلَّا ومعه صاحب له». قال القرطبيّ -﵀-: فيه دليل على الأخذ بالحزم، والحذر في النفوس، والأموال، ومن أهمل شيئًا من الأسباب المعتادة، زاعمًا أنه متوكل، فقد غلط، فإنَّ التوكل لا يناقض التحرز، بل حقيقته لا تتم إلَّا لمن جمع بين الاجتهاد في العمل على سُنَّة الله، وبين التفويض إلى الله تعالي، كما فعل رسول الله -ﷺ-. انتهى . (فَهَبَّتْ) من باب قعد؛ أي: هاجت (رِيحٌ شَدِيدَةٌ، فَقَامَ رَجُلٌ) لا يُعرف اسمه. (فَحَمَلَتْهُ الرِّيحُ حَتَّى أَلْقَتْهُ بِجَبَلَيْ طَيِّئٍ)، وفي رواية الإسماعيليّ من طريق عفّان، عن وُهيب: «ولم يَقُم فيها أحدٌ غير رجلين، ألقتهما بجبل طي»، وفيه نظرٌ، بيَّنته رواية ابن إسحاق، ولفظه: «ففعل الناس ما أمرهم إلَّا رجلين، من بني ساعدة، خرج أحدهما لحاجته، وخرج آخر في طلب بعير له، فأما الذي ذهب لحاجته، فإنه خُنِق على مذهبه، وأما الذي ذهب في طلب بعيره فاحتملته الريح حتى طرحته بجبل طيّئ، فأُخبر رسول الله -ﷺ-، فقال: ألم أنهكم أن يخرج رجل إلا ومعه صاحب له؟ ثم دعا للذي أصيب على مذهبه، فَشُفي، وأما الآخر فإنه وصل إلى رسول الله -ﷺ- حين قَدِم من تبوك». والمراد بجبلي طيئ المكان الذي كانت القبيلة المذكورة تنزله، واسم الجبلين المذكورين: «أَجَأَ» بهمزة، وجيم مفتوحتين، بعدهما همزة، بوزن قَمَر، وقد لا تهمز، فيكون بوزن عَصَا، و«سلمى»، وهما مشهوران، ويقال: إنهما سمّيا باسم رجل وامرأة من العماليق. قال الحافظ: ولم أقف على اسم الرجلين المذكورين، وأظنّ تَرْك ذِكرهما وقع عمدًا، فقد وقع في آخر حديث ابن إسحاق أن عبد الله بن أبي بكر حدّثه أن العباس بن سهل سَمَّى الرجلين، ولكنه استكتمني إياهما، قال: وأبى عبد الله أن يسمِّيهما لنا. انتهى . (وَجَاءَ رَسُولُ ابْنِ الْعَلْمَاءِ) -بفتح العين المهملة، وسكون اللام، والمدّ- وهو تأنيث الأعلم، وهو المشقوق الشفة العليا، والأفلح: هو المشقوق الشفة السفلى. (صَاحِبِ أَيْلَةَ)؛ يعني به: مَلِكها. و«أيلة» -بفتح الهمزة، وسكون التحتانية، بعدها لام مفتوحة-: بلدة قديمة بساحل البحر، وإليها تُنسب عَقَبة أيلة. (إِلَى رَسُولِ اللهِ -ﷺ- بِكِتَابٍ) وفي مغازي ابن إسحاق: ولمّا انتهى رسول الله -ﷺ- إلى تبوك أتاه يُوحَنّا بن رُوبة، صاحب أيلة، فصالح رسول الله -ﷺ-، وأعطاه الجزية، وكذا رواه إبراهيم الحربيّ في الهدايا، من حديث عليّ -﵁-، فاستفيد من ذلك اسمه، واسم أبيه، فلعل الْعَلْماء اسم أمه، و«يوحَنّا» بضم التحتانية، وفتح المهملة، وتشديد النون، و«روبة» بضم الراء، وسكون الواو، بعدها موحّدة. (وَأَهْدَى) ابن الْعَلْماء صاحب أيلة (لَهُ) -ﷺ- (بَغْلَةً بَيْضَاءَ) قال النوويّ -﵀-: هذه البغلة هي دُلْدُل بغلة رسول الله -ﷺ- «المعروفة، لكن ظاهر لفظه هنا أنه أهداها للنبيّ -ﷺ- في غزوة تبوك، وقد كانت غزوة تبوك سنة تسع من الهجرة، وقد كانت هذه البغلة عند رسول الله -ﷺ- قبل ذلك، وحضر عليها غَزاة حُنين، كما هو مشهور في الأحاديث الصحيحة، وكانت حُنين عقب فتح مكة سنة ثمان، قال القاضي: ولم يُرْوَ أنه كان للنبي -ﷺ- بغلة غيرها، قال: فيُحْمَل قوله على أنَّه أهداها له قبل ذلك، وقد عَطَف الإهداء على المجيء بالواو، وهي لا تقتضي الترتيب، والله أعلم. انتهى . وتعقّب في «الفتح» كلام النوويّ هذا، فقال: هكذا جزم النوويّ، ونَقَل عن العُلَماء أنه لا يُعْرَف له بغلة سواها، وتُعُقّب بأن الحاكم أخرج في «المستدرك» عن ابن عباس أن كسرى أهدى للنبيّ -ﷺ- بغلةً، فركبها بحبل من شعر، ثم أردفني خلفه … الحديث، وهذه غير دُلْدُل، ويقال: إن النجاشيّ أهدى له بغلةً، وأن صاحب دُومة الْجَنْدَل أهدى له بغلةً، وأن دُلْدُل إنما أهداها له الْمُقَوْقِس، وذكر السهيليّ أن التي كانت تحته يوم حنين تُسَمَّى فِضّةً، وكانت شهباء، ووقع عند مسلم في هذه البغلة أن فَرْوَة أهداها له. انتهى. (فَكَتَبَ إِلَيْهِ)، أي: إلى ابن العَلْماء صاحبِ أيلة، (رَسُولُ اللهِ -ﷺ-) ذَكَر ابن إسحاق نصّ الكتاب، وهو بعد البسملة: «هذه أَمَنَةٌ من الله، ومحمد النبيّ رسول الله -ﷺ- لِيُوحَنّا بن رُوبة، وأهل أيلة، سُفُنهم وسيارتهم، في البر، والبحر، لهم ذمّة الله، ومحمد النبيّ …»، وساق بقية الكتاب. وفي رواية البخاريّ: «وكَتَبَ له ببحرهم»؛ أي: ببلدهم، أو المراد: بأهل بحرهم؛ لأنهم كانوا سُكانًا بساحل البحر؛ أي: أنه أقرّه عليهم بما التزموه من الجزية، وفي بعض الروايات: «ببحرتهم»؛ أي: بلدتهم، وقيل: البحرة: الأرض، وكان -ﷺ- أقطع هذا المَلِك من بلاده قطائع، وفَوَّض إليه حكومتها . (وَأَهْدَى) النبيّ -ﷺ- (لَهُ)؛ أي: لابن العَلْماء، (بُرْدًا) قال القرطبيّ -﵀-: إنما أهدى له النبيّ -ﷺ- «البُرد؛ مكافأةً، ومواصلةً، واستئلافًا ليدخل في دين الإسلام، وكأن النبيّ -ﷺ- لم يحضره في ذلك الوقت إلا ذلك البرد، والله أعلم. انتهى . (ثُمَّ أَقْبَلْنَا حَتَّى قَدِمْنَا وَادِيَ الْقُرَي، فَسَأَلَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- الْمَرْأةَ عَنْ حَدِيقَتِهَا)؛ أي: تَمْر حديقتها، (كَمْ بَلَغَ ثَمَرُهَا؟ فَقَالَتْ: عَشَرَةَ أَوْسُقٍ) بنصب«عشرةَ»مفعولا به لـ«بَلَغَ»محذوفًا؛ أي: بلغ عشرة أوسق. وفي رواية البخاريّ:«فجاء عشرةَ أوسق، خَرْصَ رسول الله -ﷺ-»، فقال في«العمدة»: قوله:«عشرة أوسق»نُصب بنزع الخافض؛ أي: جاء بمقدار عشرة أوسق، أو نُصِب على الحال، ويجوز أن يُعْطَى لقوله:«جاء»حُكم الأفعال الناقصة، فيكون«عشرةً»خبرًا له، والتقدير: جاءت عشرة أوسق. وقوله:«خَرْص رسول الله -ﷺ-»خَرْصَ مصدر بالنصب على أنه بدل من قوله:«عشرة أوسق»؛ لأنه -ﷺ- كان قد خَرَصها عشرة أوسق لَمّا جاء وادي القري، أو عطْف بيان لعشرة، ويجوز الرفع في«عشرةٌ»، وفي«خرص»، والتقدير: الحاصل عشرة أوسق خرص رسول الله -ﷺ-، ويجوز الرفع في«خرص»وحده على أنه خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هي خرص رسول الله -ﷺ-؛ أي: العشرة خرص رسول الله -ﷺ- . (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-:«إِنِّي مُسْرِعٌ، فَمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ فَلْيُسْرِعْ مَعِي)، وفي رواية البخاريّ: »إني متعجل إلى المدينة، فمن أحب فليتعجل معي«، وأخرج عليّ بن خزيمة في «فوائده» من طريق أبي بكر بن أبي أويس، عن سليمان بن بلال بسنده إلى أبي حميد: «قال: أقبلنا مع رسول الله -ﷺ- حتى إذا دنا من المدينة أخذ طريق غُراب؛ لأنَّها أقرب إلى المدينة، وترك الأخري، فساق الحديث، ولم يذكر أوله، قال في»الفتح«: واستفيد منه بيان قوله:»إني متعجل إلى المدينة، فمن أحب فليتعجل معي«؛ أي: إني سالك الطريق القريبة، فمن أراد فليأت معي؛ يعني: ممن له اقتدار على ذلك، دون بقية الجيش. انتهى . (وَمَنْ شَاءَ فَلْيَمْكُثْ»)؛ أي: فليتأخّر، ولا يتعجّل معي، قال أبو حميد: (فَخَرَجْنَا) مسرعين معه -ﷺ- (حَتَّى أَشْرَفْنَا)؛ أي: قاربنا، واطّلعنا (عَلَى الْمَدِينَةِ، فَقَالَ) -ﷺ- («هَذِهِ طَابَةُ) اسم للمدينة، وهو غير منصرف؛ للعَلَمية والتأنيث، ومعناها: الطيّبة، وسمّاها رسول الله -ﷺ- بهذا الاسم، وكان اسمها في الجاهليّة يثرب. (وَهَذَا أُحُدٌ، وَهُوَ جَبَلٌ يُحِبُّنَا، وَنُحِبُّهُ») قيل: يعني به: أهل الجبل، وهم الأنصار؛ لأنه لهم، فيكون مجازًا، كما في قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]. والصحيح أنه يحبه -ﷺ- وأصحابه حقيقة، فلا حاجة إلى دعوى المجاز بتقدير مضاف، وقد ثبت أنه ارتجّ تحته -ﷺ-، فقال له: «اثبُت، فليس عليك إلَّا نبيّ، وصديق، وشهيدان»، وحَنّ الجذع اليابس إليه، حتى نزل، فضمّه، وقال: «لو لَمْ أضمّه لحنّ إلى يوم القيامة»، وكلّمه الذئب، وسَجَد له البعير، وسلّم عليه الحَجَر، وكلّمه اللحم المسموم أنه مسموم، فلا يُنْكَر حبّ الجبل له وحبّ النبيّ -ﷺ- إياه، فتبصّر، والله تعالى أعلم. (ثُمَّ قَالَ) -ﷺ- (إِنَّ خَيْرَ دُورِ الأنصَارِ) وفي رواية البخاريّ: «ألا أخبركم بخير دور الأنصار»، وكلمة «ألا» للتنبيه، والخطابُ لمن كان معه من الصحابة، والدور: جمع دار، نحو أَسَد وأُسْد، ويريد به القبائل الذين يسكنون الدور؛ يعني: المحالّ، قاله في «العمدة». وقال القرطبيّ -﵀-: «الدُّور»: جَمْع دار، وهو في الأصل: المحلة، والمنزل، وعَبَّر به هنا عن القبائل، وهذا نحو قوله: «أمر رسول الله -ﷺ- ببناء المساجد في الدور، وأن تُنظّف، وتُطيّب» ، أي: في القبائل، والمحلات. انتهى . (دَارُ بَنِي النَّجَّارِ) هم من الخزرج، وهو -بفتح النون، وتشديد الجيم، وبالراء- وهو تيم الله بن ثعلبة بن عمرو بن الخزرج، قيل: سمّي النجار؛ لأنه اختتن بِقَدُوم، وقيل: بل نَجَر وجه رجل بالقدوم، فسُمّي النجار. وقال القاضي عياض: المراد: أهل الدور، والمراد: القبائل، وإنما فُضِّل بني النجار؛ لِسَبْقهم في الإسلام، وآثارهم الجميلة في الدِّين. (ثُمَّ دَارُ بَنِي عَبْدِ الأَشْهَلِ) هم من الأوس، وهو عبد الأشهل -بفتح الهمزة، وسكون الشين المعجمة- ابن جُشَم بن الحارث بن الخزرج الأصغر ابن عمرو، وهو النبيت بن مالك بن الأوس، والأوس أحد جِذْمي الأنصار؛ لأنهم جِذمان: الأوس، والخزرج، وهما أخوان، وأمهما قَيلة بنت الأرقم بن عمرو بن جفنة، وقيل: قيلة بنت كاهل بن عديّ بن سعد بن قُضَاعة . [تنبيه]: قال في «الفتح»: قوله: «ثم بنو عبد الأشهل» هم من الأوس، كذا وقع في هذه الطريق، ولكن وقع في رواية معمر، عن الزهريّ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وأبي سلمة، عن أبي هريرة: «قال رسول الله -ﷺ-: ألا أخبركم بخير دور الأنصار؟ قالوا: بلي، قال: بنو عبد الأشهل، وهم رهط سعد بن معاذ، قالوا: ثم من يا رسول الله؟ قال: ثم بنو النجار»، فذكر الحديث، وفي آخره: قال معمر: وأخبرني ثابت وقتادة، أنهما سمعا أنس بن مالك يذكر هذا الحديث، إلَّا أنه قال: «بنو النجار، ثم بنو عبد الأشهل»، أخرجه أحمد، وأخرجه مسلم من طريق صالح بن كيسان، عن الزهريّ دون ما بعده، من رواية معمر، عن ثابت وقتادة، وأخرج مسلم أيضًا من طريق أبي الزناد، عن أبي سلمة، عن أبي أُسيد مثل رواية أنس، عن أبي أسيد، فقد اختُلف على أبي سلمة في إسناده، هل شيخه فيه أبو أُسيد، أو أبو هريرة؟ ومتْنِهِ، هل قَدَّم عبد الأشهل على بني النجار، أو بالعكس؟ وأما رواية أنس في تقديم بني النجار فلم يُختَلف عليه فيها، ويؤيدها رواية إبراهيم بن محمد بن طلحة، عن أبي أُسيد، وهي عند مسلم أيضًا، وفيها تقديم بني النجار على بني عبد الأشهل، وبنو النجار هم أخوال جدّ رسول الله -ﷺ-؛ لأنَّ والدة عبد المطلب منهم، وعليهم نزل لَمّا قَدِم المدينة، فلهم مزية على غيرهم، وكان أنس منهم، فله مزيد عناية بحفظ فضائلهم. انتهى . (ثُمَّ دَارُ بَنِي عَبْدِ الحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ)؛ أي: الأكبر؛ أي: ابن عمرو بن مالك بن الأوس بن حارثة. قال النوويّ -﵀-: قوله: «بني عبد الحارث» هكذا هو في النُّسخ، وكذا نقله القاضي، قال: وهو خطأ من الرواة، وصوابه: بني الحارث، بحذف لفظة «عبد». وقال القرطبيّ -﵀-: وقوله: «ثم دار بني عبد الحارث» كذا وقع للعذريّ، والفارسيّ، وهو وَهْمٌ، والصواب: «بني الحارث»، بإسقاط «عبد»، والله أعلم. (ثُمَّ دَارُ بَنِي سَاعِدَةَ) هو من الخزرج أيضًا، وساعدة هو ابن كعب بن الخزرج الأكبر، (وَفِي كُلِّ دُورِ الأَنْصَارِ خَيْرٌ»)؛ أي: الفضل حاصل في جميع الأنصار، وإن تفاوتت مراتبه. (فَلَحِقَنَا سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ)، وهو من بني ساعدة أيضًا، وكان كبيرهم يومئذ، وهو سعد بن عبادة بن دُليم بن حارثة الأنصاريّ، مات بالشام سنة خمس عشرة، وقيل غير ذلك، تقدّمت ترجمته في«الصلاة»١٧/ ٩١٢. (فَقَالَ أَبُو أُسَيْدٍ) بضم الهمزة، مصغّرًا الساعديّ، واسمه مالك بن ربيعة بن الْبَدَن، صحابيّ مشهور بكنيته، شهد بدرًا، وغيرها، ومات سنة ثلاثين، وقيل غير ذلك، تقدّمت ترجمته في«صلاة المسافرين وقصرها»١١/ ١٦٥٢. (أَلَمْ تَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- خَيَّرَ دُورَ الأنصَارِ، فَجَعَلَنَا آخِرًا؟ فَأَدْرَكَ سَعْدٌ)؛ أي: ابن معاذ، (رَسُولَ اللهِ -ﷺ-، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ خَيَّرْتَ دُورَ الأَنْصَارِ، فَجَعَلْتَنَا آخِرًا) قال القرطبيّ -﵀-: وقع في بعض النُّسخ:«آخر»بغير تنوين، ولا ألف، جَعَله غير منصرف، وليس بصحيح الرواية، ولا المعني؛ إذ لا مانع من صرفه؛ لأنَّ آخرًا هنا: هو الذي يقابل: أولًا، وكلاهما مصروف، وهو منصوبٌ على أنَّه المفعول الثاني لـ«جَعَلَ»؛ لأنَّها بمعنى: صيَّر. ويَحْتَمِل أن يُتأوَّل في معنى جعل: معنى أنزل، فيكون ظرفًا؛ أي: أنزلتنا منزلًا متأخرًا. وعلى الوجهين فلا بدَّ من صرفه، وكذا وَجَدْنا من تقييد المحققين. انتهى كلام القرطبيّ -﵀- . وفي رواية أبي الزناد:«فوَجَدَ سعد بن عبادة في نفسه، فقال: خُلِّفنا، فكنا آخر الأربعة، وأراد كلام رسول الله -ﷺ- في ذلك، فقال له ابن أخيه سهل: أتذهب لتردّ على رسول الله -ﷺ- أَمْره، ورسول الله -ﷺ- أعلم، أوَ ليس حسبك أن تكون رابع أربعة، فرجع». انتهى. (فَقَالَ) -ﷺ- («أَوَ لَيْسَ بِحَسْبِكُمْ) بإسكان السين المهملة؛ أي: كافيكم، قال في »الفتح«: وهذا يعارض ظاهر الرواية المتقدمة، فإن فيها أن سعدًا رجع عن إرادة مخاطبة النبيّ -ﷺ- في ذلك لَمّا قال له ابن أخيه. ويمكن الجمع بأنه رجع حينئذ عن قَصْد رسول الله -ﷺ- لذلك خاصّة، ثم إنه لمّا لقي رسول الله -ﷺ- في وقت آخر ذَكَر له ذلك، أو الذي رجع عنه أنه أراد أن يورده مورد الإنكار، والذي صدر منه وَرَدَ مورد المعاتبة المتلطفة، ولهذا قال له ابن أخيه في الأول: أتردّ على رسول الله -ﷺ- أمره؟ قاله في «الفتح» . (أَنْ تَكُونُوا مِنَ الْخِيَارِ؟ «) ويُروى»من الأخيار«؛ أي: الأفاضل؛ لأنهم بالنسبة إلى مَنْ دونهم أفضل، وكأن المفاضلة بينهم وقعت بحَسَب السَّبْق إلى الإسلام، وبحسب مساعيهم في إعلاء كلمة الله ونحو ذلك، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي حُميد الساعديّ -﵁- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣/ ٥٩٣٣ و٥٩٣٤] (١٣٩٢)، وتقدّم في«الحجِّ»بهذا الرقم، و(البخاريّ) في«الزكاة»(١٤٨١) و«الجزية»(٣١٦١) و«فضائل المدينة»(١٨٧٢) و«مناقب الأنصار»(٣٧٩١) و«المغازي»(٤٤٢٢)، و(أبو داود) في«الخراج»(٣ - ٧٩)، و(ابن أبي شيبة) في«مصنّفه»(١٤/ ٥٣٩ - ٥٤٠)، و(أحمد) في«مسنده»(٥/ ٤٢٤ - ٤٢٥)، و(ابن خزيمة) في«صحيحه»(٢٣١٤)، و(ابن حبّان) في«صحيحه»(٦٥٠١)، و(البيهقيّ) في«الكبرى»(٤/ ١٢٢)، و«دلائل النبوّة» (٥/ ٢٣٨)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): أن فيه أشياءَ من أعلام النبوة؛ كالإخبار عن الريح، وما ذُكر في تلك القصّة. ٢ - (ومنها): بيان مشروعيّة تدريب الأتباع، وتعليمهم، وأَخْذ الحذر مما يُتَوَقَّع الخوف منه. ٣ - (ومنها): بيان فضل المدينة، والأنصار. ٤ - (ومنها): مشروعية المفاضلة بين الفضلاء بالإجمال، والتعيين، قال القرطبيّ -﵀-: هذا الحديث يدلُّ على جواز تفضيل بعض المعيَّنين على بعض من غير الأنبياء، وإن سَمِع ذلك المفضول، وقد تقدَّم القول في تفضيل الأنبياء . ٥ - (ومنها): مشروعية قبول الهديّة، والمكافأة عليها. ٦ - (ومنها): أنه يدلّ على جواز المدح إذا قُصِد به الإخبار بالحقّ، ودعت إلى ذلك حاجة، وأُمنت الفتنة على الممدوح. ٧ - (ومنها): جواز المنافسة في الخير، والدِّين، والثواب، كما قال سعد: «يا رسول الله خَيَّرت دور الأنصار، فجعلتنا آخرًا»، طلب أن يُلحقهم بالطبقة الأولي، فأجابه -ﷺ- بأن قال: «أوَ ليس حسبكم أن تكونوا من الخيار؟»، وإنما يعني بذلك: أن تفضيلهم إنما هو بحسب سَبْقهم إلى الإسلام، وظهور آثارهم فيه، وتلك الأمور وقعت في الوجود مرتبة على حسب ما شاء الله تعالى في الأزل، وإذا كان كذلك لَمْ يتقدَّم متأخِّر منهم على منزلته، كما لا يتأخر متقدِّم منهم عن مرتبته؛ إذ تلك مراتب معلومة على قَسْم مقسومة، وقد سبق لسعادتهم القضاء، ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [آل عمران: ٧٤] . ٨ - (ومنها): بيان جواز الخرص إذا احتيج إليه، وأنه طريق معتبَر شرعًا. ٩ - (ومنها): أن خروج ثمرة هذه الحديقة على مقدار ما خَرَصه رسول الله -ﷺ- دليل على صحة حَدْسه -ﷺ-، وقوة إدراكه، وإصابته وجه الصواب فيما كان يحاوله، ولا يُعارَض هذا بحديث إِبَار النخل، فإنَّ الله تعالى قد أجرى عادة ثابتة متكررة في إِبَار النخل لَمْ يعلمها النبيّ -ﷺ-، فقال: «ما أرى هذا يُغني شيئًا»؛ يعني: الإِبَار، وصَدَق، فإنَّ الله تعالى هو الذي يمسك الثمرة، ويطيّبها إذا شاء، لا الإِبَار، ولا غيره، بخلاف الوصول إلى المقادير بالخرص، فإنَّ الغالب فيه من الممارسين له التقريب، لا التحقيق، وقد أخبر النبيّ بمقدار ذلك على التحقيق، فوُجد كما أخبر، فإنْ كان هذا منه عن حَدْس وتخمين، كان دليلًا على أنَّه قد خُصَّ من ذلك بشيء لَمْ يَصِل إليه غيره، وإن كان ذلك بالوحي، كان ذلك من شواهد نبوته -ﷺ-، قاله القرطبيّ -﵀- . [تنبيه]: «الْخَرْص» -بفتح الخاء المعجمة، وحُكِي كسرها، وبسكون الراء، بعدها مهملة- هو حَزْرُ ما على النخل من الرُّطَب تمرًا، حَكَى الترمذيّ عن بعض أهل العلم أن تفسيره أن الثمار إذا أَدْرَكت من الرُّطَب، والعنب، مما تجب فيه الزكاة بَعَث السلطان خارصًا ينظر، فيقول: يخرج من هذا كذا وكذا زبيبًا، وكذا وكذا تمرًا، فيُحصيه، وينظر مبلغ العشر، فيُثْبته عليهم، ويُخَلِّي بينهم وبين الثمار، فإذا جاء وقت الْجِذَاذ أخذ منهم العُشر. انتهى. وفائدة الخرص: التوسعة على أرباب الثمار في التناول منها، والبيع من زَهْوِها، وإيثار الأهل، والجيران، والفقراء؛ لأنَّ في مَنْعهم منها تضييقًا لا يخفى. وقال الخطابيّ: أنكر أصحاب الرأي الخرص، وقال بعضهم: إنما كان يُفعل تخويفًا للمزارعين؛ لئلا يخونوا، لا لِيَلْزَم به الحكم؛ لأنه تخمين وغرور، أو كان يجوز قبل تحريم الربا، والقمار. وتعقبه الخطابيّ بأن تحريم الربا والمَيْسِر متقدِّم، والخرص عُمِل به في حياة النبيّ -ﷺ- حتى مات، ثم أبو بكر، وعمر، فمن بعدهم، ولم يُنقل عن أحد منهم، ولا من التابعين تَرْكه، إلَّا عن الشعبيّ، قال: وأما قولهم: إنه تخمين وغرور، فليس كذلك، بل هو اجتهاد في معرفة مقدار التمر، وإدراكه بالخرص الذي هو نوع من المقادير. وحَكَى أبو عبيد عن قوم منهم أن الخرص كان خاصًّا بالنبيّ -ﷺ-؛ لأنه كان يوفَّق من الصواب ما لا يوفَّق له غيره. وتعقبه بأنه لا يلزم من كون غيره لا يُسَدَّد لِمَا كان يسدَّد له سواه أن تَثْبت بذلك الخصوصية، ولو كان المرء لا يجب عليه الاتباع إلَّا فيما يعلم أنه يسدَّد فيه؛ كتسديد الأنبياء لسَقَط الاتباع. وتُرَدّ هذه الحجة أيضًا بإرسال النبيّ -ﷺ- الْخَرَاص في زمانه، والله أعلم. واعتَلَّ الطحاويّ بأنه يجوز أن يحصل للثمرة آفة، فتُتلفها، فيكون ما يؤخذ من صاحبها مأخوذًا بدلًا مما لَمْ يَسْلَم له. وأجيب بأن القائلين به لا يُضَمِّنون أرباب الأموال ما تَلَف بعد الخرص. قال ابن المنذر: أجمع من يُحفظ عنه العلم أن المخروص إذا أصابته جائحة قبل الجذاذ، فلا ضمان. واختَلَف القائلون به، هل هو واجب، أو مستحبّ؟ فحَكَى الصيمُريّ من الشافعية وجهًا بوجوبه، وقال الجمهور: هو مستحبّ، إلَّا إن تَعَلَّق به حقّ لمحجور مثلًا، أو كان شركاؤه غير مؤتمَنين، فيجب؛ لِحِفظ مال الغير. واختُلِف أيضًا هل يختص بالنخل، أو يُلحق به العنب، أو يعمّ كلّ ما يُنتفع به رَطْبًا، وجافًّا؟ وبالأول قال شُريح القاضي، وبعض أهل الظاهر، والثاني قول الجمهور، وإلى الثالث نحا البخاريّ. قال الجامع عفا الله عنه: ما نحا إليه البخاري -﵀- من التعميم هو الأظهر؛ لعموم العلّة، فتأمّل بالإنصاف، والله تعالى أعلم. وهل يمضي قول الخارص، أو يُرجع إلى ما آل إليه الحال بعد الجفاف؟، الأول قول مالك، وطائفة، والثاني قول الشافعيّ، ومن تبعه. قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله مالك وطائفة هو الأقرب؛ لأنه نتيجة مشروعيّة الخرص، والله تعالى أعلم. وهل يكفي خارص واحد عارف ثقةٌ، أو لا بدّ من اثنين؟، وهما قولان للشافعي، والجمهور على الأول. واختُلف أيضًا هل هو اعتبار أو تضمين؟ وَهُما قولان للشافعيّ، أظهرهما الثاني. وفائدته جواز التصرف في جميع الثمرة، ولو أتلف المالك الثمرة بعد الخرص أُخذت منه الزكاة بحساب ما خُرِص، والله تعالى أعلم. [تكميل]: في «السنن»، و«صحيح ابن حبان» من حديث سهل بن أبي حَثْمَة -﵁- مرفوعًا: «إذا خَرَصتم فخذوا، ودَعُوا الثلث، فإن لَمْ تدعوا الثلث، فدعوا الربع»، وقال بظاهره الليث، وأحمد، وإسحاق، وغيرهم، وفَهِم منه أبو عبيد في «كتاب الأموال» أنه القَدْر الذي يأكلونه بحسب احتياجهم إليه، فقال: يُترك قدر احتياجهم، وقال مالك، وسفيان: لا يُترك لهم شيء، وهو المشهور عن الشافعيّ، قال ابن العربيّ: والمتحصل من صحيح النظر أن يُعْمَل بالحديث، وهو قدر المؤنة، ولقد جَرَّبناه، فوجدناه كذلك في الأغلب، مما يؤكل رُطَبًا. انتهي، ذكر هذا كله في «الفتح» . وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّل الكتاب قال: [٥٩٣٤] (. . .) - (حَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ (ح) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ سَلَمَةَ الْمَخْزُومِيُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْيَي، بِهَذَا الإِسنَادِ إِلَى قَوْلِهِ: «وَفِي كُلِّ دُورِ الأَنْصَارِ خَيْرٌ»، وَلَمْ يَذْكُرْ مَا بَعْدَهُ، مِنْ قِصَّةِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، وَزَادَ فِي حَدِيثِ وُهَيْبٍ: «فَكَتَبَ لَهُ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- بِبَحْرِهِم». وَلَمْ يَذْكُرْ فِي حَدِيثِ وُهَيْبٍ: «فَكَتَبَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عَفَّانُ) بن مسلم بن عبد الله الباهليّ، أبو عثمان الصفّار البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، قال ابن المدينيّ: كان إذا شكّ في حرف من الحديث تركه، وربما وَهِم، وقال ابن معين: أنكرناه في صفر سنة تسع عشرة، ومات بعدها بيسير، من كبار [١٠] (ت ٢٢٠) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٤٤. ٢ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم قريبًا. ٣ - (الْمُغِيرَةُ بْنُ سَلَمَةَ الْمَخْزُومِيُّ) أبو هشام البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، من صغار [٩] (ت ٢٠٠) (خت م د س ق) تقدم في «الطهارة» ١١/ ٥٨٤. ٤ - (وُهَيْبُ) بالتصغير ابن خالد بن عَجْلان الباهليّ مولاهم، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، لكنه تغير قليلًا بأَخَرَة [٧] (ت ١٦٥) وقيل: بعدها (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ٢ ص ٤١٣. والباقيان ذُكرا في الباب. وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ)؛ يعني: إسناد عمرو بن يحيى السابق، وهو عن عبّاس بن سهل بن سعد الساعديّ، عن أبي حُميد -﵁-. وقوله: (وَلَمْ يَذْكُرْ مَا بَعْدَهُ) فاعل «يذكر» ضمير وُهيب، ويَحتمل أن يكون الضمير لكلّ من عفّان، والمغيرة، وكان الظاهر أن يقول: «ولم يذكرا». وقوله: (وَزَادَ فِي حَدِيثِ وُهَيْبٍ) فاعل «زاد» ضمير وُهيب، وكان الأَولى أن يقول: «في حديثه» بالضمير، ويَحتَمل الوجه المذكور قبله. وقوله: (وَلَمْ يَذْكُرْ فِي حَدِيثِ وُهَيْبٍ) فاعل «يذكر» أيضًا ضمير وُهيب، وكان الأَولى أن يقول: «في حديثه» بالضمير، كسابقه. وقوله أيضًا: (وَلَمْ يَذْكُرْ فِي حَدِيثِ وُهَيْبٍ: فَكَتَبَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-) بيان للاختلاف الواقع بين وهيب بن خالد، وبين سليمان بن بلال، في ألفاظ الحديث، حيث وقع في حديث وُهيب بلفظ: «فكتب له رسول الله -ﷺ- ببحرهم»، ووقع في حديث سليمان بلفظ: «فكتب إليه رسول الله -ﷺ-»، فتنبّه. وقوله: (كَتَبَ لَهُ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- بِبَحْرِهِم) قال القرطبيّ -﵀-: البحر هنا؛ يراد به البلد، والبحار: القري، وقد تقدم، وكأن النبيّ -ﷺ- أقطعه بعض تلك البلاد، كما قد أقطع تميمًا الداريّ -﵁- بلد الخليل -ﷺ- قبل فَتْحه، ويظهر من حال ابن العَلماء أنه استشعر، أو علم أن النبيّ -ﷺ- سيظهر، ويغلب على ما تحت يده هو من البلاد، فساله أن يُقطعه بعضها، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: رواية وُهيب بن خالد عن عمرو بن يحيى هذه ساقها ابن حبّان -﵀- في «صحيحه»، فقال: (٤٥٠٣) - أخبرنا أبو يعلي، حدّثنا أبو خيثمة، قال: حدّثنا عفّان، قال: حدّثنا وهيب، عن عمرو بن يحيى المازنيّ، عن العباس بن سهل بن سعد الساعديّ، عن أبي حُميد الساعديّ، قال: خرجنا مع رسول الله -ﷺ- عام تبوك، حتى جئنا وادي القري، فإذا امرأة في حديقة لها، قال رسول الله -ﷺ- لأصحابه: «اخْرُصُوا»، فخَرَص القومُ، وخَرَص رسولُ الله -ﷺ- عشرةَ أوسق، وقال رسول الله -ﷺ- للمرأة: «أحْصِي ما يخرج منها حتى أرجع إليك، إن شاء الله»، قال: فخرج رسول الله -ﷺ- حتى قَدِم تبوك، فقال رسول الله -ﷺ- «ستَهُبُّ عليكم الليلةَ ريح شديدةٌ، فلا يقومنّ فيها رجل، ومن كان له بعير فليوثق عقاله»، قال أبو حميد: فعقلناها، فلما كان من الليل هَبّت علينا ريح، فقام فيها رجل، فألقته في جبل طيّء، ثم جاءه ملك أيلة، وأهدى لرسول الله -ﷺ- بغلةً بيضاءَ، فكساه رسول الله -ﷺ- بُرْدًا، وكتب له رسول الله -ﷺ- ، ثم أقبل، وأقبلنا معه حتى جئنا وادي القري، فقال للمرأة: «كم جاء حديقتك؟» قالت: عشرة أوسق، خَرْص رسول الله -ﷺ-، فقال رسول الله -ﷺ-: «إني متعجلٌ، فمن أحب منكم أن يتعجل معي، فليفعل»، قال: فخرج رسول الله -ﷺ-، وخرجنا معه، حتى إذا أوفى على المدينة، فقال: «هذه طابة»، فلما رأى أُحُدًا قال: «هذا أُحُدٌ، هذا جبل يحبنا، ونحبه، ألا أخبركم بخير دور الأنصار؟»، قالوا: بلي، قال: «خير دور الأنصار بنو النجار، ثم دار بني عبد الأشهل، ثم دار بني الحارث، ثم دار بني ساعدة، وفي كلّ دور الأنصار خير». انتهى ، والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٤) - (بَابُ تَوَكُّلِ النَّبِيِّ -ﷺ- عَلَى اللهِ، وَعِصْمَةِ اللهِ تَعَالَى إِيّاهُ مِنَ النَّاسِ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّل الكتاب قال: [٥٩٣٥] (٨٤٣) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ جَابِرٍ (ح) وَحَدَّثَنِي أَبُو عِمْرَانَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ زِيادٍ -وَاللَّفْظُ لَهُ- أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ -يَعْنِي: ابْنَ سَعْدٍ- عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سِنَانِ بْنِ أَبِي سِنَانٍ الدُّؤَلِيِّ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- غَزْوَةً قِبَلَ نَجْدٍ، فَأَدْرَكَنَا رَسُولُ اللهِ -ﷺ- فِي وَادٍ كثِيرِ الْعِضَاهِ، فَنَزَلَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- تَحْتَ شَجَرَةٍ، فَعَلَّقَ سَيْفَهُ بِغُصْنٍ مِنْ أَغْصَانِهَا، قَالَ: وَتَفَرَّقَ النَّاسُ فِي الْوَادِي، يَسْتَظِلُّونَ بِالشَّجَرِ، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «إِنَّ رَجُلًا أَتَانِي، وَأَنَا نَائِمٌ، فَأَخَذَ السَّيْفَ، فَاسْتَيْقَظْتُ، وَهُوَ قَائِمٌ عَلَى رَأْسِي، فَلَمْ أَشْعُرْ إِلَّا وَالسَّيْفُ صَلْتًا فِي يَدِهِ، فَقَالَ لِي: مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟، قَالَ: قُلْتُ: اللهُ، ثُمَّ قَالَ فِي الثَّانِيَةِ: مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ قَالَ: قُلْتُ: اللهُ، قَالَ: فَشَامَ السَّيْفَ، فَهَا هُوَ ذَا جَالِسٌ»، ثُمَّ لَمْ يَعْرِضْ لَهُ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-). رجال هذا الإسناد: تسعة: ١ - (أَبُو عِمْرَانَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ زِيَادٍ) الْوَرَكانيّ -بفتحتين- أبو عمران الْخُرَاسانيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٢٨) (م د س) تقدم في «الإيمان» ٣٨/ ٢٥٥. ٢ - (إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدِ) بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، أبو إسحاق المدنيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ حجةٌ، تُكُلِّم فيه بلا قادح [٨] (ت ١٨٥) (ع) تقدم في «الإيمان» ٩/ ١٤١. ٣ - (سِنَانُ بْنُ أَبِي سِنَانٍ الدُّؤَلِيُّ) ويقال له: الدِّيليّ أيضًا المدنيّ، ثقةٌ [٣] (ت ١٠٥) وله (٨٢) سنةً (خ م ت س) تقدم في «السلام» ١٨/ ٥٧٧٦. والباقون تقدّموا قريبًا، و«أبو سلمة» هو: ابن عبد الرَّحمن بن عوف. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُداسيّات المصنّف بالنسبة للأول، ومن خماسيّاته بالنسبة للثاني، وله فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه جابر بن عبد الله -﵄- من المكثرين السبعة. شرح الحديث: (عَنْ سِنَانِ بْنِ أَبِي سِنَانٍ الدُّؤَلِيِّ) وفي الرواية التالية: «عن الزهري، حدّثني سنان بن أبي سنان الدُّؤَليّ، وأبو سلمة بن عبد الرَّحمن …»، و«الدُّؤَليّ» بضم الدال المهملة، وفتح الهمزة، وهو مدنيّ، اسم أبيه يزيد بن أمية، ليس له عند مسلم إلا حديثان، هذا الحديث، وحديث أبي هريرة -﵁- مرفوعًا: «لا عدوي، ولا صفر …»، وقد تقدّم في «كتاب الطبّ» برقم [٥٧٧٦] (٢٢٢٠)، وليس له في البخاريّ أيضًا سوى هذين الحديثين، كما يأتي عن «الفتح». وقال في «العمدة»: قوله: «الدُّؤَليّ» -بضم الدال، وفتح الهمزة-، قال الكرمانيّ: ويروى بكسر الدال، وسكون الياء، آخرِ الحروف، قال العينيّ: الأول نسبة إلى الدُّئِل بن بكر بن عبد مناة بن كنانة، وهو بكسر الهمزة، ولكنها فُتحت في النسبة، والثاني نسبة إلى الدُّؤوْل -بسكون الواو- ابن حنيفة بن لحيم، وإلى غير ذلك. انتهى . [تنبيه]: قال في «الفتح» عند قوله: «حدّثني سنان، وأبو سلمة» ما نصّه: أما سنان فهو ابن أبي سنان الدُّؤَليّ، كما في الرواية الثانية، والدُّؤَليّ بضم المهملة، وفتح الهمزة، وهو مدني اسم أبيه يزيد بن أمية، وثّقه العجليّ وغيره، وما له في البخاري سوى هذا الحديث، وآخر من روايته عن أبي هريرة في «الطبّ». وأما أبو سلمة: فهو ابن عبد الرحمن بن عوف، كذا رواه شعيب عنهما، ورواه إبراهيم بن سعد كما تقدم في «الجهاد»، فلم يذكر فيه أبا سلمة، وكذا رواه مسلم عن محمد بن جعفر الْوَرَكَانيّ، عن إبراهيم بن سعد ، ورواه الحارث بن أبي أسامة عن محمد الْوَرَكانيّ هذا، فأثبت فيه أبا سلمة، ورواه ابن أبي عتيق عن الزهريّ، فلم يذكر أبا سلمة، ورواه معمر عن الزهريّ، كما سيأتي بعد أحاديث قليلة، فلم يذكر سنانًا، فكأنّ الزهريّ كان تارةً يجمعهما، وتارة يُفرد أحدهما. وإسماعيل في الرواية الثانية، هو ابن أبي أويس، وأخوه هو عبد الحميد، وسليمان شيخه هو ابن بلال، ومحمد بن أبي عتيق، نُسِب إلى جدّه، فإن أبا عتيق، هو محمد بن عبد الرَّحمن بن أبي بكر الصدّيق، ومحمد هذا الراوي هو ابن عبد الله بن محمد بن عبد الرَّحمن، وقد ساق البخاري الحديث على لفظ ابن أبي عتيق، وليس فيه ذِكر أبي سلمة، وذَكَرَ من طريق شعيب، وهي عن سنان، وأبي سلمة معًا قطعةً يسيرةً: «فإن جابرًا أخبر أنه غزا مع رسول الله -ﷺ- قِبَل نجد»، وتقدم في «الجهاد» عن أبي اليمان وحده بتمامه، قال: ورأيتها موافقةً لرواية ابن أبي عَتيق إلا في آخره، كما سأبيّنه. وأما رواية إبراهيم بن سعد ففيها اختصار، وقد رواه عن جابر أيضًا سليمان بن قيس، كما في رواية مسدّد التي بعد هذه بحديث، ورواه يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة، كما في الرواية المعلّقة بعده، فذكر بعض ما في حديث الزهريّ، وزاد قصّة صلاة الخوف. انتهى ما في «الفتح»، وإنما ذكرته، وإن كان معظمه يتعلّق بروايات البخاريّ؛ لكونه جَمَع اختلاف الروايات في هذا الحديث في موضع واحد، وفي ذلك فوائد مهمّة، والله تعالى أعلم. (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) -﵄- أنه (قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- غَزْوَةً قِبَلَ نَجْدٍ) -بكسر القاف، وفتح الباء الموحّدة- أي: جهته، وقال ابن الأثير: النجد ما ارتفع من الأرض، وهو اسم خاصّ لِمَا دون الحجاز، مما يلي العراق، وقال الجوهريّ: نَجْد من بلاد العرب، وهو خلاف الْغَوْر، والْغَوْر هو تِهامة، وكل ما ارتفع من تهامة إلى أرض العراق فهو نَجْد، وهو مذكّر، والحاصل أن غزوة ذات الرقاع كانت بنجد . وقال القرطبيّ -﵀-: قوله: «غزونا مع رسول الله -ﷺ- غزوة قِبَل نجد»: النجد: المرتفع من الأرض، والغور: المنخفض منها، هذا أصلها، ثم قد صارا بحكم العُرف اسمين لجهتين مخصوصتين معروفتين، وصحيحُ الرواية، ومشهورها: «نجد»، ووقع للعذري: «أحد». انتهى . وفي رواية يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن جابر -﵁- الآتية: «قال: أقبلنا مع رسول الله -ﷺ- حتّى إذا كنّا بذات الرقاع …». (فَأَدْرَكَنَا رَسُولُ اللهِ -ﷺ-) بالرفع على الفاعليّة، وقال القرطبيّ -﵀-: قوله: «فأدركنا رسول الله -ﷺ- … إلخ»: هذا اللفظ ذُكِر فيه: «أدركَنَا» بفتح الكاف «رسولُ اللهِ -ﷺ-» بالرفع على الفاعليّة، وعليه فيكونون قد تقدموه للوادي؛ لمصلحة من مصالحهم؛ ككونهم طليعة، أو صيانة للنبيّ -ﷺ- مما يُخشى عليه، أو غير ذلك، ويَحْتَمِل أن يُقَيَّد: «فأدركْنَا رسولَ اللهِ» بسكون الكاف، ونَصْب «رسول» على المفعوليّة، فيكون فيه ما يدلُّ على شجاعة رسول الله -ﷺ-«، ويكون كنحو ما اتفق له لمّا وقع الفزع بالمدينة، فركب فرسًا، فسبقهم، فاستبرأ الخبر، ثم رجع، فلقي أصحابه خروجًا، فقال لهم:»لَمْ تُراعوا«. انتهى . (فِي وَادٍ) هو كلّ مُنْفَرِجٍ بين جبال، أو آكام يكون منفذًا للسيل، والجمع أوديةٌ، واشتقاقه من ودَى الشيءُ: إذا سال، أفاده الفيّوميّ -﵀- . (كثِيرِ الْعِضَاهِ) -بكسر العين المهملة، وتخفيف الضاد المعجمة-: كلُّ شجر يَعْظُم، له شوكٌ، وقيل: هو العظيم من السَّمُر مطلقًا، وقد تقدم غير مرّة، قاله في«الفتح». وقال الفيّوميّ -﵀-: العِضَاهُ وزانُ كِتَاب من شجر الشوك؛ كالطَّلح، والْعَوْسج، واستثنى بعضهم القَتَاد، والسِّدْرَ، فلم يجعله من العِضَاهِ، والهاء أصلية، وعَضِهَ البعيرُ عَضَهًا، فهو عَضِهٌ، من باب تَعِبَ: رَعَى العِضَاهَ، واختلفوا في الواحدة، وهي: عِضَهٌ بكسر العين، فقيل: بالهاء، وهي أصلية أيضًا، ومنهم من يقول: اللام في الواحدة محذوفة، وهي واو، والهاء للتأنيث عوضًا عنها، فيقال: عِضَةٌ، كما يقال: عِزَةٌ، وشَفَةٌ، قال: والأصل عِضَوَةٌ، ومنهم من يقول: اللام المحذوفة هاء، وربما ثبتت مع هاء التأنيث، فيقال: عِضَهَةٌ، وزانُ عِنَبَة. انتهى . (فَنَزَلَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- تَحْتَ شَجَرَة) وفي رواية البخاريّ:«فنزل رسول الله -ﷺ- تحت سَمُرة»؛ أي: شجرة كثيرة الورق، وفي رواية معمر:«فاستظل بها»، ويُفسِّره ما في رواية يحيى بن أبي كثير الماضية في«الصلاة»:«كنا إذا أتينا على شجرة ظليلة تركناها للنبيّ -ﷺ-. (فَعَلَّقَ سَيْفَهُ بِغُصْنٍ مِنْ أَغْصَانِهَا) قال المجد -﵀-: »الغُصْن بالضمّ: ما تشعّب من ساق الشجر، دِقاقُها، وغِلاظها، والصغيرة بهاء، جَمْعه: غُصُونٌ، وغِصَنَةٌ، وأغصانٌ«. انتهى . (قَالَ) جابر (وَتَفَرَّقَ النَّاسُ)؛ أي: الصحابة الذين غزوا معه -ﷺ-، (فِي الْوَادِي) حال كونهم (يَسْتَظِلُّونَ بِالشَّجَرِ) ليقيلوا تحت ظلّها، قال القرطبيّ -﵀-: فيه جواز افتراق العسكر في النزول إذا أَمِنوا على أنفسهم، وكأنهم قد أجهدهم التعب والحر، فقالوا مستظلين بالشجر. (قَالَ) جابر (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «إِنَّ رَجُلًا) قال النوويّ: قال العلماء هذا الرجل اسمه غَوْرث -بغين معجمة، وثاء مثلثة- والغين مضمومة، ومفتوحة، وحَكَى القاضي الوجهين، ثم قال: الصواب الفتح، قال: وضَبَطه بعض رواة البخاري بالعين المهملة، والصواب المعجمة، وقال الخطابيّ: هو غُويرث، أو غورث على التصغير، والشك، وهو غورث بن الحارث، قال القاضي، وقد جاء في حديث آخر مثل هذا الخبر، وسُمِّي الرجل فيه دعثورًا. انتهى . وقال في«الفتح»: وغَوْرَث وزن جَعْفر، وقيل: بضم أوله، وهو بغين معجمة، وراء، ومثلّثة، مأخوذ من الْغَرْث، وهو الجوع، ووقع عند الخطيب بالكاف بدل المثلثة، وحَكَى الخطابيّ فيه غُويرث بالتصغير، وحَكَى عياض أن بعض المغاربة قال في البخاريّ بالعين المهملة، قال: وصوابه بالمعجمة، ووقع عند الواقديّ في سبب هذه القصة أن اسم الأعرابي دعثور، وأنه أسلم، لكن ظاهر كلامه أنهما قصتان في غزوتين، فالله أعلم . (أَتَانِي) وفي رواية البخاريّ:«فإذا رسول الله -ﷺ- يَدْعونا، فجئناه، فإذا عنده أعرابي»، قال في«الفتح»: هذا السياق يُفَسِّر رواية يحيى:«فإن فيها: فجاء رجل من المشركين … إلخ»، فبيَّنت هذه الرواية أن هذا القَدْر لَمْ يحضره الصحابة، وإنما سمعوه من النبيّ -ﷺ- بعد أن دعاهم، واستيقظوا. وقال في«العمدة»: كلمة«إذا»في الموضعين للمفاجأة، وقوله:«أعرابي جالس»، وفي رواية معمر:«فإذا أعرابي قاعد بين يديه»، واسمه غُورث، كما سيأتي . وقوله: (وَأَنَا نَائِمٌ) جملة حالية من المفعول، (فَأَخَذَ) الرجل (السَّيْفَ)؛ أي: سيفه -ﷺ- المعلّق بالغصن؛ لأن المعرفة إذا أعيدت معرفة، فهي عين الأُولي، كما قال السيوطيّ -﵀- في«عقود الجمان»: ثُمَّ مِنَ الْقَوَاعِدِ الْمُشْتَهِرَهْ … إِذَا أَتَتْ نَكِرَةٌ مُكَرَّرَهْ تَغَايَرَا وَإِنْ يُعَرَّفْ ثَانِ … تَوَافَقَا كَذَا الْمُعَرَّفَانِ شَاهِدُهَا الَّذِي رَوينَا مُسْنَدَا …«لَنْ يَغْلِبَ الْيُسْرَيْنِ عُسْرٌ» أَبَدَا وَنَقَضَ السُّبْكِيُّ ذِي بِأَمْثِلَهْ … وَقَالَ ذِي قَاعِدَةٌ مُسْتَشْكَلَهْ قال محمد: قلت متعقِّبًا لاستشكال السبكيّ هذا: قُلْتُ وَلَا اسْتِشْكَالَ إِذْ ذِي تُحْمَلُ … عَلَى الَّذِي يَغْلِبُ إِذْ يُسْتَعْمَلُ (فَاسْتَيْقَظْتُ، وَهُوَ)؛ أي: والحال أن ذلك الرجل (قَائِمٌ عَلَى رَأْسِي، فَلَمْ أَشْعُرْ) بضمّ العين، من باب نصر؛ أي: لَمْ أعلم، أو لَمْ أتفطّن (إِلَّا وَالسَّيْفُ) مبتدأ، وقوله: (صَلْتًا) منصوب على الحال، وهو بفتح الصاد المهملة، وسكون اللام، بعدها مثنّاة؛ أي: مجرّدًا من غِمْده، وقوله: (فِي يَدِهِ) خبر المبتدأ. وقال القرطبيُّ -﵀-: قوله: «صَلْتٌ في يده» رُوي برفع «صلت»، ونَصْبه، فمن رَفَعه جعله خبر المبتدأ الذي هو «السيف»، و«في يده» متعلّق به، ومن نَصَبه جعل الخبر في الجارّ والمجرور، ونصب «صَلْتًا» على الحال؛ أي: مُصلتًا، وهو المجرَّد من غمده، والمشهور بفتح الصاد من: «صَلَتَ» ، وذكر القتبيّ: أنَّها تُكسر في لغة. انتهى. قال: هذا يدلّ: على أنَّ النبيّ -ﷺ- كان في هذا الوقت لا يحرُسه أحدٌ من الناس، بخلاف ما كان عليه في أول أمره، فإنَّه كان يُحرَس حتى أنزل الله تعالى عليه: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧]، فقال لمن كان يحرسه: «اذهبوا فإنَّ الله تعالى قد عصمني من الناس» ، فمن ذلك الوقت لَمْ يحرسه أحدٌ منهم، ثقةً منه بوعد الله، وتوكلًا عليه. أَنّا المَصَالِيتُ يَوْمَ الوَغَى … إِذا ما المَغاوِيرُ لَمْ تَقْدَمِ انتهى. وفيه: جواز نوم المسافر إذا أَمِن على نفسه، وأما مع الخوف، فالواجب: التحرز والحذر. انتهى . (فَقَالَ لِي: مَنْ يَمْنَعُكَ؟) وفي بعض النسخ: «فقال: من يمنعك؟» (مِنِّي)؛ أي: تعرّضي لك بالقتل، أو الضرب. وقال القرطبيّ: قوله: «من يمنعك مني؟»: استفهام مُشْرب بالنفي؛ كأنه قال: لا مانع لك مني! فلم يبال النبيّ -ﷺ- بقوله، ولا عرَّج عليه، ثقةً منه بوعد الله، وتوكلًا عليه، وعلمًا منه: بأنه ليس في الوجود فِعْل إلا لله تعالي، فإنَّه أعلم الناس بالله تعالي، وأشدُّهم له خشية، فأجابه بقوله: «الله»، ثانية، وثالثة، فلمّا سمع الرَّجُل ذلك، وشاهد تلك القوة التي فارق بها عادة الناس في مثل تلك الحال، تحقق صدقه، وعَلِم: أنه لا يصل إليه بضرر. وهذا من أعظم الخوارق للعادة، فإنَّه عدوٌّ، متمكِّن، بيده سيفٌ شاهرٌ، وموتٌ حاضرٌ، ولا حال تغيّرت، ولا روعة حصلت، هذا محال في العادات، فوقوعه من أبلغ الكرامات، ومع اقتران التحدِّي به يكون من أوضح المعجزات. انتهى . وفي رواية يحيى بن أبي كثير الماضية: «فأخذ سيف نبيّ الله -ﷺ-، فاخترطه، فقال لرسول الله -ﷺ-: أتخافني؟ قال: لا، قال: فمن يمنعك مني؟ قال: الله يمنعني منك». (قَالَ) -ﷺ- (قُلْتُ: اللهُ) فاعل لفعل مقدَّر دلّ عليه السؤال؛ أي: يمنعني الله -﷿-، (ثُمَّ قَالَ) الرجل (فِي) المرّة (الثَّانِيَةِ: مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ قَالَ) -ﷺ- (قُلْتُ: اللهُ) قال في «الفتح»: وفي رواية يحيى: «فقال: تخافني؟، قال: لا، قال: فمن يمنعك مني؟»، وكرر ذلك في رواية أبي اليمان في «الجهاد» ثلاث مرات، وهو استفهام إنكاريّ؛ أي: لا يمنعك مني أحد؛ لأن الأعرابي كان قائمًا، والسيف في يده، والنبيّ -ﷺ- جالس، لا سيف معه، ويؤخذ من مراجعة الأعرابيّ له في الكلام أن الله -﷾- منع نبيّه -ﷺ- منه، وإلا فما أحوجه إلى مراجعته مع احتياجه إلى الحظوة عند قومه بقتله، وفي قول النبيّ -ﷺ- في جوابه: «الله»؛ أي: يمنعني منك إشارة إلى ذلك، ولذلك أعادها الأعرابيّ، فلم يزده على ذلك الجواب، وفي ذلك غاية التهكم به، وعدم المبالاة به أصلًا. انتهى. (قَالَ) -ﷺ- (فَشَامَ السَّيْفَ)؛ أي: أغمده، وهو من باب ضرب، ويقال أيضًا: شام السيف: إذا استلّه من غمده، فهو من الأضداد . (فَهَا هُوَ ذَا جَالِسٌ») كلمة«ها»للتنبيه، و«هو»ضمير الشأن، وكلمة«ذا»للإشارة إلى الحاضر، مبتدأ، و«جالس»خبره، والجملة خبر لقوله:«هو»، فلا تحتاج إلى رابط، كما عُرِف في موضعه، قاله في«العمدة». وقال في«المشارق»: قوله:«فشام السيف، فها هو ذا جالس»، كذا عند شيوخنا، ورواه بعضهم:«جالسًا»، وكلاهما صحيح، إن جَعَلتَ«ذا»خبر المبتدأ كان«جالسًا»نَصْبًا على الحال، وإن جَعَلت«ذا»من صلتها جَعَلت«جالس»رفعًا خبر المبتدأ، وكذلك في هذا الحديث:«والسيف صلتٌ في يده»كذا لأكثرهم على الخبر، وعند القابسيّ:«صلتًا». انتهى . وقال النوويّ: أما قوله:«صَلْتًا»فبفتح الصاد، وضمها؛ أي: مسلولًا، وأما شَامَه، فبالشين المعجمة، ومعناه: أغمده، ورَدّه في غمده، يقال: شام السيف: إذا سَلّه، وإذا أغمده، فهو من الأضداد، والمراد هنا: أغمده. انتهى . وقال القرطبيّ: قوله:«فها هو ذا جالس»؛ هكذا وجدته بخط شيخنا أبي الصَّبر أيوب في نسخته، ووجدته في نسخة أخرى:«فشام السيف، ها هو ذا هو جالس»بإسقاط الفاء، وزيادة«هو»، والأول أحسن؛ لأنَّ الفاء رابطة، و«هو»لا يحتاج إليها، فهي زائدة. ومعنى هذا الكلام: أن النبيّ -ﷺ- نبَّه على ذلك الرجل، وأخبر عنه، وأشار إليه، فكأنه قال: تنبَّهوا لهذا الرجل؛ إذ مُنِع مِمَّا همَّ به، واستسلم لِمَا يُفعَلُ فيه، ثم تلافاه النبيّ -ﷺ- بعفوه وحلمه، وعاد عليه بعوائده الكريمة وصفحه، فلم يَعْرِض له على ما كان منه. انتهى . وفي رواية يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة المتقدّمة في«الصلاة»: فتهدّده أصحاب رسول الله -ﷺ-، وظاهرها يُشعر بأنهم حضروا القصّة، وأنه إنما رجع عما كان عزم عليه بالتهديد، وليس كذلك، يردّه قوله في هذه الرواية بعد قوله:«قلت: الله، فشام السيف»، وكأن الأعرابيّ لمّا شاهد ذلك الثبات العظيم منه -ﷺ-«، وعَرَف أنه حيل بينه وبينه تحقق صِدْقه، وعَلِم أنه لا يصل إليه، فألقى السلاح، وأمكن من نفسه. ووقع في رواية ابن إسحاق بعد قوله: «قال: الله»: «فدفع جبريل في صدره، فوقع السيف من يده، فأخذه النبيّ -ﷺ-، وقال: من يمنعك أنت مني؟ قال: لا أحد، قال: قُمْ، فاذهب لشأنك، فلما وَلَّى قال: أنت خير مني». وأما قوله في هذه الرواية: «فها هو جالسٌ، ثم لَمْ يعاقبه» فيُجمع مع رواية ابن إسحاق بأن قوله: «فاذهب» كان بعد أن أخبر الصحابة بقصته، فمَنّ عليه، لشدّة رغبة النبيّ -ﷺ- في استئلاف الكفار، ليدخلوا في الإسلام. (ثُمَّ لَمْ يَعْرِضْ) بكسر الراء، من باب ضرب، (لَهُ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-)، أي: لَمْ يتعرّض له بالمعاقبة، بل عفا عنه، ولم يؤاخذه بما صنع، وفي رواية البخاريّ: «فها هو ذا جالس، ثم لَمْ يعاقبه رسول الله -ﷺ -». وقد ذكر الواقديّ في نحو هذه القصة أنه أسلم، وأنه رجع إلى قومه، فاهتدى به خلق كثير، ووقع في رواية ابن إسحاق: «ثم أسلم بعدُ» ، والله تعالى أعلم. قال في «الفتح»: وفي الحديث فرط شجاعة النبيّ -ﷺ-، وقوة يقينه، وصبره على الأذي، وحِلْمه عن الجهال، وفيه جواز تفرق العسكر في النزول، ونومهم، وهذا محله إذا لَمْ يكن هناك ما يخافون منه. انتهى . وقال النوويّ -﵀-: في الحديث بيان توكل النبيّ -ﷺ- على الله، وعصمة الله تعالى له من الناس، كما قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾، وفيه جواز الاستظلال بأشجار البوادي، وتعليق السلاح وغيره فيها، وجوازُ الْمَنّ على الكافر الحربيّ، وإطلاقه، وفيه الحثّ على مراقبة الله تعالي، والعفو، والحلم، ومقابلة السيئة بالحسنة. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: حديث جابر بن عبد الله -﵄- هذا متّفقٌ عليه، وقد تقدّم تخريجه في «كتاب صلاة المسافرين وقصرها» في «باب صلاة الخوف» برقم [٥٧/ ١٩٤٩] (٨٤٣) وكذا فوائده، فراجعه تستفد، وبالله تعالى وليّ التوفيق. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّل الكتاب قال: [٥٩٣٦] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَا: أَخْبَرَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، حَدَّثَنِي سِنَانُ بْنُ أَبِي سِنَانٍ الدُّؤَلِيُّ، وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ الأَنْصَارِيَّ، وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ -ﷺ- أَخْبَرَهُمَا، أَنَّهُ غَزَا مَعَ النَّبِيِّ -ﷺ- غَزْوَةً قِبَلَ نَجْدٍ، فَلَمَّا قَفَلَ النَّبِيُّ -ﷺ- قَفَلَ مَعَهُ، فَأَدْرَكَتْهُمُ الْقَائِلَةُ يَوْمًا، ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، وَمَعْمَرٍ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ) هو: محمد بن إسحاق الصغاني -بفتح الصاد المهملة، ثم الغين المعجمة- نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١١] (ت ٢٧٠) (م ٤) تقدم في «الإيمان» ٤/ ١١٦. ٢ - (أَبُو الْيَمَانِ) الحكم بن نافع الْبَهْراني -بفتح الموحّدة- الحمصيّ مشهورٌ بكنيته، ثقةٌ ثبتٌ، يقال: إن أكثر حديثه عن شعيب مناولةً [١٠] (ت ٢٢٢) (ع) تقدم في «الإيمان» ٢٣/ ١٩٦. ٣ - (شُعَيْبُ) بن أبي حمزة الأمويّ مولاهم، واسم أبيه دينار، أبو بشر الحمصيّ، ثقةٌ عابدٌ، قال ابن معين: من أثبت الناس في الزهريّ [٧] (ت ١٦٢) أو بعدها (ع) تقدم في «الإيمان» ٢٣/ ١٩٦. والباقون ذُكروا في الباب، وقبله. [تنبيه]: رواية شعيب بن أبي حمزة عن الزهريّ هذه ساقها البخاريّ -﵀- في «صحيحه»، فقال: (٢٧٥٣) - حَدَّثَنَا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهريّ، قال: حدّثني سنان بن أبي سنان الدُّؤَليّ، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، أن جابر بن عبد الله -﵄- أخبر، أنه غزا مع رسول الله -ﷺ- قِبَل نجد، فلما قَفَل رسول الله -ﷺ- قَفَل معه، فأدركتهم القائلة في واد كثير العِضَاه، فنزل رسول الله -ﷺ-، وتفرّق الناس، يستظلون بالشجر، فنزل رسول الله -ﷺ- تحت سَمُرة، وعلّق بها سيفه، ونِمْنا نَوْمة، فإذا رسول الله -ﷺ- يدعونا، وإذا عنده أعرابيّ، فقال: «إن هذا اخترط عليّ سيفي، وأنا نائم، فاستيقظت، وهو في يده صَلْتًا، فقال: من يمنعك مني؟ فقلت: الله» ثلاثًا، ولم يعاقبه، وجلس. انتهى . وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّل الكتاب قال: [٥٩٣٧] (. . .) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا أَبَانُ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: أَقْبَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- حَتَّى إِذَا كُنَّا بِذَاتِ الرِّقَاعِ؛ بِمَعْنَى حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ، وَلَمْ يَذْكُرْ: «ثُمَّ لَمْ يَعْرِضْ لَهُ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبَانُ بْنُ يَزِيدَ) العطار البصريّ، أبو يزيد، ثقةٌ، له أفراد [٧] مات في حدود (١٦٥) (خ م د ت س) تقدم في «الطهارة» ١/ ٥٤٠. ٢ - (يَحْيَى بْنُ أَبِي كثِيرٍ) اليماميّ، تقدّم قريبًا. والباقون ذُكروا في الباب. [تنبيه]: رواية يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة هذه ساقها المصنّف -﵀- في «كتاب الصلاة»، فقال: (٨٤٣) - حَدَّثَنَا أبو بكر بن أبي شيبة، حَدَّثَنَا عفّان، حَدَّثَنَا أبان بن يزيد، حَدَّثَنَا يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن جابر، قال: أقبلنا مع رسول الله -ﷺ- حتى إذا كنا بذات الرِّقَاع، قال: كنا إذا أتينا على شجرة ظليلة تركناها لرسول الله -ﷺ-»، قال: فجاء رجل من المشركين، وسيف رسول الله -ﷺ-
مصادر المؤلف (٨٣)

١. «تنبيه المعلم» ص ٣٩١.

٢. «المصباح المنير» ٢/ ٦٦٠

٣. راجع: «الإيضاحات العصريّة للمقاييس، والمكاييل، والأوزان، والنقود الشرعيّة» ص ١٢٨، إعداد: محمد صبحي بن حسن حلاق.

٤. «المصباح المنير» ٢/ ٣٦٦.

٥. «مشارق الأنوار» ٢/ ١٩٥.

٦. هذا الرقم متكرّر، تقدّم.

٧. وفي نسخة: «فاستقى الناس».

٨. «الفتح» ٩/ ٥٥٦، كتاب «المغازي» رقم (٤٤١٥).

٩. «المصباح المنير» ١/ ٦٦.

١٠. «الفتح» ٩/ ٥٥٦، كتاب «المغازي» رقم (٤٤١٥).

١١. «المفهم» ٦/ ٥٤ - ٥٥.

١٢. «شرح الزرقانيّ على الموطّأ» ١/ ٤١٥.

١٣. «شرح الزرقانيّ على الموطّأ» ١/ ٤١٥.

١٤. «المفهم» ٦/ ٥٤ - ٥٥.

١٥. «المفهم»٦/ ٥٤ - ٥٥.

١٦. «شرح الزرقانيّ على الموطّأ»١/ ٤١٥.

١٧. «المفهم»٦/ ٥٤ - ٥٥.

١٨. «التمهيد» لابن عبد البرّ ١٢/ ٢٠٨.

١٩. «شرح الزرقانيّ» ١/ ٤١٥.

٢٠. «القاموس المحيط» ص ٩٤٤.

٢١. «شرح الزرقانيّ» ١/ ٤١٦.

٢٢. «المصباح المنير» ١/ ١١٢.

٢٣. «المفهم» ٦/ ٥٦.

٢٤. «شرح الزرقانيّ» ١/ ٤١٦.

٢٥. الحديث ضعيف، لجهالة عبد الخبير بن قيس.

٢٦. «التمهيد»لابن عبد البرّ ١٢/ ١٩٦.

٢٧. هذا الرقم مكرّر، تقدّم.

٢٨. وفي نسخة:«سهل الساعديّ».

٢٩. وفي نسخة: «فجعلتنا آخر».

٣٠. «الفتح» ٤/ ٣٣١، كتاب «الزكاة» رقم (١٤٨١).

٣١. «المصباح المنير» ٢/ ٦٥٤.

٣٢. «المصباح المنير» ١/ ١٢٥.

٣٣. «عمدة القاري» ٩/ ٦٥، بزيادة من «الفتح» ٤/ ٣٣٤ - ٣٣٥.

٣٤. «شرح النوويّ» ١٥/ ٤٣.

٣٥. «تاج العروس»١/ ٤٤٣١.

٣٦. «عمدة القاري»٩/ ٦٥.

٣٧. «المفهم» ٦/ ٥٨.

٣٨. «المفهم» ٦/ ٥٨.

٣٩. «الفتح» ٤/ ٣٣١ - ٣٣٢، كتاب «الزكاة» رقم (١٤٨١).

٤٠. «شرح النوويّ»١٥/ ٤٣ - ٤٤.

٤١. «الفتح» ٤/ ٣٣٢ - ٣٣٣، كتاب «الزكاة» رقم (١٤٨١)، و«عمدة القاري» ٩/ ٦٦.

٤٢. «المفهم» ٦/ ٥٩.

٤٣. «عمدة القاري» ٩/ ٦٦.

٤٤. «الفتح» ٤/ ٣٣٢ - ٣٣٣، كتاب «الزكاة» رقم (١٤٨١).

٤٥. حديث صحيح، رواه أحمد، وأبو داود، والترمذيّ، وابن ماجه.

٤٦. «المفهم» ٦/ ٥٩.

٤٧. «عمدة القاري» ٩/ ٦٧.

٤٨. «الفتح»٨/ ٤٩١، كتاب«مناقب الأنصار»رقم (٣٧٨٩).

٤٩. «المفهم»٦/ ٦٠.

٥٠. «الفتح»٨/ ٤٩٢، كتاب«مناقب الأنصار»رقم (٣٧٨٩).

٥١. «المفهم» ٦/ ٥٩.

٥٢. «المفهم» ٦/ ٥٩ - ٦٠.

٥٣. «المفهم» ٦/ ٥٧ - ٥٨.

٥٤. «الفتح» ٤/ ٣٣٠ - ٣٣٤، كتاب «الزكاة» رقم (١٤٨٢).

٥٥. سقط من النسخة قوله: «ببحرهم»، وهو ثابت في «مصنّف ابن أبي شيبة»، وقد نبّه عليه مسلم هنا، فليُتنبّه.

٥٦. «صحيح ابن حبان» ١٠/ ٣٥٤.

٥٧. هذا الرقم تقدّم، فهو مكرّر.

٥٨. وفي نسخة: «فقال: من يمنعك».

٥٩. «عمدة القاري» ١٧/ ١٩٩.

٦٠. يعني: الرواية التي نشرحها الآن.

٦١. «عمدة القاري»١٧/ ١٩٩.

٦٢. «المفهم»٦/ ٦١.

٦٣. «المفهم»٦/ ٦١.

٦٤. «المصباح المنير»٢/ ٦٥٤.

٦٥. «الفتح»٩/ ٢٣٧، كتاب«المغازي»رقم (٤١٣٥).

٦٦. «المصباح المنير»٢/ ٤١٥.

٦٧. «القاموس المحيط»ص ٩٥٠.

٦٨. «شرح النوويّ»١٥/ ٤٤ - ٤٥.

٦٩. «الفتح» ٩/ ٢٣٩، كتاب «المغازي» رقم (٤١٣٤).

٧٠. «عمدة القاري» ١٧/ ١٩٩.

٧١. قال في «تاج العروس» ١/ ١١٢٢: الصَّلْتُ: السَّيْفُ الصَّقِيلُ المُنْجَرِدُ الماضي في الضَّرِيبة. وبعضٌ يقولُ: لا يُقالُ: الصَّلْتُ لِما كان فيه طُولُ؛ كالمُنْصَلِتِ والإِصْلِيتِ بالكسر. ويقال: أَصْلَتُّ السَّيفَ: إِذا جَرَّدْتهُ، ورُبَّما اشْتَقُّوا نَعْتَ أَفْعَل من إِفْعِيل مثل إِبْلِيسَ؛ لأَنَّ الله أَبْلَسَهُ. وسَيْفٌ إِصْلِيتٌ: صَقِيلٌ. ويجوز أَنْ يكون في معنى: مُصْلَتٍ وفي حديث غَوْرَثٍ: «فاخْترَطَ السَّيْفَ وهُوَ في يَدِه صَلْتًا»؛ أَي: مُجَرَّدًا. وعن ابن سِيدَهْ: أَصْلَتَ السَّيفَ: جَرَّده من غِمْده فهو مُصْلَتٌ، وضرَبَهُ بالسَّيْفِ صَلْتًا وصُلْتًا؛ أي: ضرَبَه به وهو مُصْلَتٌ. الصَّلْتُ: السِّكِّينُ المُصْلَتَة وقيل: هي الكبِيرَةُ والجمع أَصْلَاتٌ. وعن أَبي عَمْرٍو: سِكِّينٌ صَلْتٌ وَسَيْفٌ صَلْتٌ ومِخْيَطٌ صَلْتٌ: إِذا لَمْ يكن له غِلافٌ. وقيل: انجَرَد من غِمْدِه. وروى عن العُكْلِيّ: جاؤُوا بِصَلْتٍ مثلِ كَتِفِ النّاقة؛ أَي: بشَفْرَةٍ عظيمة. ويُضَمُّ وبه صدّر في كتاب الأَسماءِ والأَفعال. الصَّلْتُ: الرَّجُلُ الماضي في الحَوائِجِ الخفيف اللِّبَاس؛ كالأَصْلَتِيّ والمِصْلاتِ والمِصْلَتِ بالكسر فيهما، والمُنْصَلِتِ المُسْرَعُ من كُلّ شيْءٍ. وفي الصِّحاح: رَجُلٌ مِصْلَةٌ بكسر الميم: إِذا كان ماضيًا في الأُمور، وكذلك أَصْلَتِيٌّ ومُنْصَلِتٌ وصَلْتٌ ومِصْلاتٌ. وفي الأَساس: رجلٌ أَصْلَتِيٌّ: سريعٌ مُتَشَمِّرٌ، وهو من مَصالِيتِ الرِّجال، قال عامرُ بنُ الطُّفيْل:

٧٢. رواه الترمذيّ، وقال: غريب.

٧٣. «المفهم» ٦/ ٦١.

٧٤. «المفهم» ٦/ ٦١.

٧٥. راجع:«القاموس المحيط»ص ٧٢٢.

٧٦. «عمدة القاري»١٧/ ١٩٩.

٧٧. «مشارق الأنوار»٢/ ٣٦٣.

٧٨. «شرح النوويّ»١٥/ ٤٥.

٧٩. «المفهم»٦/ ٦١.

٨٠. «الفتح» ٩: ٢٣٧ - ٢٣٨، كتاب «المغازي» رقم (٤١٣٦).

٨١. «الفتح» ٩: ٢٣٧ - ٢٣٨، كتاب «المغازي» رقم (٤١٣٦).

٨٢. «شرح النوويّ» ١٥/ ٤٤.

٨٣. «صحيح البخاريّ» ٣/ ١٠٦٥.