وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّل الكتاب قال:
[٥٩٤٣] (٢٢٨٥) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا سَلِيمٌ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ مِينَاءَ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «مَثَلِي وَمَثَلُكُمْ، كَمَثَلِ رَجُلٍ أَوْقَدَ نَارًا، فَجَعَلَ الْجَنَادِبُ، وَالْفَرَاشُ يَقَعْنَ فِيهَا، وَهُوَ يَذُبُّهُنَّ عَنْهَا، وَأَنَا آخِذٌ بِحُجَزِكُمْ عَنِ النَّار، وَأَنْتُمْ تَفَلَّتُونَ مِنْ يَدِي»).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بن حَاتِمِ) بن ميمون البغداديّ المعروف بالسمين، تقدّم قريبًا.
٢ - (ابنُ مَهْدِيٍّ) هو: عبد الرحمن، تقدّم أيضًا قريبًا.
٣ - (سَلِيمُ) -بفتح أوله، وكسر اللام- ابن حَيّان -بحاء مهملة، وتحتانية- الْهُذَليّ البصريّ، ثقةٌ [٧] (ع) تقدم في «الجنائز» ٢١/ ٢٢٠٧.
٤ - (سَعِيدُ بْنُ مِينَاءَ) مولى الْبَخْتريّ بن أبي ذُبَاب الحجازيّ، المكيّ، أو المدنيّ، يُكنى أبا الوليد، ثقةٌ [٣] (خ م د ت ق) تقدم في «الجنائز» ٢١/ ٢٢٠٧.
٥ - (جَابِرُ) بن عبد الله -﵄-، تقدّم قبل باب.
شرح الحديث:
(عَنْ جَابِرِ) بن عبد الله -﵄- أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «مَثَلِي وَمَثَلُكُمْ)؛ أي: صفتي، وصفتكم (كمَثَلِ رَجُلٍ أَوْقَدَ نَارًا، فَجَعَلَ الْجَنَادِبُ) جمع جُندُب، بفتح الدال، وضمها، والجيم مضمومة، وقد تُكْسَر، وهو على خِلْقة الجرادة يُصِرّ في الليل صَرًّا شديدًا، وقيل: إنَّ ذَكَر الجراد يُسَمّى أيضًا الجندب.
وقال النوويّ: أما الجنادب فجَمْع جندب، وفيها ثلاث لغات: جندب بضم الدال، وفتحها، والجيم مضمومة فيهما، والثالثة حكاها القاضي بكسر الجيم، وفتح الدال، والجنادب هذا الصرّار الذي يُشبه الجراد، وقال أبو حاتم: الجندب على خِلْقة الجراد، له أربعة أجنحة؛ كالجرادة، وأصغر منها، يطير، ويَصُرّ بالليل صرًّا شديدًا، وقيل غيره. انتهى .
(وَالْفَرَاشُ يَقَعْنَ فِيهَا)؛ أي: في تلك النار، (وَهُوَ)؛ أي: الرجل (يَذُبُّهُنَّ)؛ أي: يمنعهنّ (عَنْهَا)؛ أي: عن الوقوع فيها، (وَأَنَا آخِذٌ) تقدّم أنه ضُبط بوجهين: بصيغة اسم الفاعل، وبصيغة الماضي، (بِحُجَزِكُمْ) بضمّ، ففتح: جمع حُجْزة، بضمّ، فسكون، وهي معقد الإزار، والسراويل، خصه؛ لأن أَخْذَ الوسط أقوى في المنع؛ يعني: أنا آخذكم حتى أُبعدكم عن النار نار جهنم . (عَنِ النَّارِ)؛ أي: عن الوقوع فيها، (وَأَنْتُمْ تَفَلَّتُونَ مِنْ يَدِي») قال النوويّ -﵀-: رُوي بوجهين: أحدهما فتح التاء، والفاء المشدّدة، والثاني ضم التاء، وإسكان الفاء، وكسر اللام المخففة، وكلاهما صحيح، يقال: أفلت مني، وتَفَلَّت: إذا نازعك الغلبة، والهرب، ثم غَلَب، وهَرَب. انتهى .
وقال ابن منظور -﵀-: أفلتني الشيءُ، وتفلّت مني، وانفلت، وأفلت فلانٌ فلانًا: خَلّصه، وأفلت الشيءُ، وتفلّت، وانفلت بمعنى، وأفلته غيره، قال: التفلت، والإفلات، والانفلات: التخلص من الشيء فَجْأةً من غير تمكّث، قال: والإفلات يكون بمعنى الانفلات، لازمًا، وقد يكون واقعًا، يقال: أَفْلَتُّهُ من الهلكة؛ أي: خَلَّصته، وأنشد ابن السكيت [من الطويل]:
وَأَفْلَتَنِي مِنْهَا حِمَارِي وَجُبَّتِي … جَزَى اللهُ خَيْرًا جُبَّتِي وَحِمَارِيَا
وقال في «الفتح»: قوله: «تفلتون» بفتح أوله، والفاء، واللام الثقيلة، وأصله: تتفلتون، وبضم أوله، وسكون الفاء، وفتح اللام، ضبطوه بالوجهين، وكلاهما صحيح، تقول: تَفَلّت مني، وأفلت مني لمن كان بيدك، فعالج الْهَرَب منك، حتى هرب، وقد تقدم بيان هذا التمثيل، وحاصله: أنه شَبَّهَ تهافت أصحاب الشهوات في المعاصي التي تكون سببًا في الوقوع في النار بتهافت الفراش بالوقوع في النار اتّباعًا لشهواتها، وشَبَّه ذَبّه العصاةَ عن المعاصي بما حَذَّرهم به، وأنذرهم بذبّ صاحب النار الفراشَ عنها، وقال عياض: شَبَّه تساقط أهل المعاصي في نار الآخرة بتساقط الفراش في نار الدنيا. انتهى ، والله تعالى أعلم.