HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٣٠٨

حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ أَبِي مُزَاحِمٍ. حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ (يَعْنِي ابْنَ سَعْدٍ) عَنْ الزُّهْرِيِّ. ح وحَدَّثَنِي أَبُو عمران، محمد بن جعر بْنِ زِيَادٍ (وَاللَّفْظُ لَهُ). أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ. قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَجْوَدَ النَّاسِ بِالْخَيْرِ. وَكَانَ أَجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ. إِنَّ جِبْرِيلَ ﵇ كَانَ يَلْقَاهُ، فِي كُلِّ سَنَةٍ، فِي رَمَضَانَ حَتَّى يَنْسَلِخَ. فَيَعْرِضُ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْقُرْآنَ. فَإِذَا لَقِيَهُ جِبْرِيلُ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَجْوَدَ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ.
ج ٤ ص ١٨٠٣

سلسلة الرواة

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣٧ ص٤٠٦
الروايتين؛ لأن أنسًا ربيب أبي طلحة - ﵄ -، فما نُسب إليه يجوز أن يُنسب إليه. وقوله: (وَفي حَدِيثِ خَالِدٍ، عَنْ قَتَادَةَ: سَمِعْتُ أَنَسًا) بيّن به أن في روايته بيان قتادة سماعه من أنس - ﵁ -؛ لأنه مدلّس، فزال به عنه تهمة التدليس. والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدَّم تمام البحث فيه قبل حديث، ولله الحمد والمنّة. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (١٢) - (بَابٌ فِي جُودِهِ -ﷺ-) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀ - أوّلَ الكتاب قال: [٥٩٩٢] (٢٣٠٨) - (حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ أَبِي مُزَاحِمٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ -يَعْنِي: ابْنَ سَعْدٍ- عَنِ الزُّهْرِيِّ (ح) وَحَدَّثَنِي أَبُو عِمْرَانَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ زِيادٍ - وَاللَّفْظُ لَهُ - أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ، عَنِ ابْنِ شِهَاب، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَانَ رَسُول اللهِ - ﷺ- أَجْوَدَ النَّاسِ بِالْخَيْر، وَكَانَ أَجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، إِن جِبْرِيلَ -﵇- كَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ سَنَةٍ، فِي رَمَضَانَ، حَتَّى يَنْسَلِخَ، فَيَعْرِضُ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - الْقُرْآنَ، فَإِذَا لَقِيَهُ جِبْرِيلُ كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَجْوَدَ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مَنْصُورُ بْنُ أَبِي مُزَاحِمٍ) بشِير التُّرْكيّ، أبو نصر البغداديّ الكاتب، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٥) وهو ابن ثمانين سنةً (م د س) تقدم في «الإيمان» ٣٨/ ٢٥٥. ٢ - (أَبُو عِمْرَانَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ زِيادٍ) الْوَرْكَانيّ الخراسانيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٢٨) (م د س) تقدم في «الإيمان» ٣٨/ ٢٥٥. [تنبيه]: قوله: «الْوَرْكَانيّ» ضَبَطه في «التقريب» بفتحتين، لكن الذي في «اللباب» أنه بفتح الواو، وسكون الراء، وهو الذي تقتضيه عبارة «القاموس»، و«شرحه»، وهو: نسبة إلى محلّة، وقرية، فأمَّا المحلّة فهي بأصبهان معروفة، وأما القرية فهي من قُرى قاشان: مدينة عند قُمّ، قاله في «اللباب» . ٣ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ) الْهُذليّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقة فقية ثبت [٣] (ت ٩٤) وقيل: سنة ثمان، وقيل غير ذلك (ع) تقدم في «المقدمة» ٣/ ١٤. ٤ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) هو: عبد الله بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف ابن عمّ رسول الله - ﷺ -، وُلد قبل الهجرة بثلاث سنين، ومات سنة ثمان وستين بالطائف (ع) تقدم في «الإيمان» ٦/ ١٢٤. والباقيان ذُكرا في البابين الماضيين قبل باب. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خُماسيّات المصنّف -﵀ -، وله فيه إسنادان فصل بينهما بحاء التحويل، وأنَّه مسلسل بالمدنيين غير شيخيه، فبغداديّان، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه عبيد الله بن عبد الله أحد الفقهاء السبعة، وفيه ابن عبَّاس الصحابيّ ابن الصحابيّ - ﵄ -، وقد دعا له رسول الله - ﷺ - بالفهم في القرآن، فكان يُسَمَّى البحر، والحبر؛ لسعة علمه، وقال عُمَر - ﵁ -: لوأدرك ابن عباس أسناننا ما عاشَرَه منّا أحد، وهو أحد المكثرين السبعة من الصحابة، وأحد العبادلة الأربعة، ومن فقهاء الصحابة - ﵃ -. شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) - ﵄ - أنه (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَجْوَدَ النَّاسِ بِالْخَيْرِ)؛ أي: أكثرهم جودًا، وسخاء، هذا هو المعلوم من خُلُقِه - ﷺ -، فإنَّه ما سئل شيئًا فمنعه؛ إذا كان مما يصحّ بذله، وإعطاؤه. وقال في «الفتح»: قوله: «كان النَّبيّ - ﷺ - أجود الناس» فيه احتراس بليغ؛ لئلا يُتَخَيَّل من قوله: «وأجود ما يكون في رمضان» أن الأجودية خاصة منه برمضان فيه، فأثبت له الأجودية المطلقة أوّلًا، ثم عَطَف عليها زيادة ذلك في رمضان قولَهُ: «وأجود ما يكون في رمضان». وقوله: «أجودَ الناس» بالنصب؛ لأنه خبر «كان»، وقَدَّم ابن عباس - ﵄ - هذه الجملة على ما بعدها، وإن كانت لا تتعلق بالقرآن على سبيل الاحتراس من مفهوم ما بعدها، ومعنى «أجود الناس»: أكثر الناس جُودًا، والجود: الكرم، وهو من الصفات المحمودة، وقد أخرج التِّرمذيّ من حديث سعد -﵁-، رفعه: «إن الله جَوَاد يُحب الجود …»، الحديث، وله من حديث أنس -﵁-، رفعه: «أنا أجْود ولد آدم، وأجْودهم بعدي رجل عَلَّمَ عِلْمًا فنشر علمه، ورجل جاد بنفسه في سبيل الله» وفي سنده مقال، وقد تقدَّم في الباب الماضي من حديث أنس - ﵁ -: «كان النَّبيّ - ﷺ - أشجع الناس، وأجود الناس. . .» الحديث. وقال في «العمدة»: قوله: «أجود الناس» هوأفعل تفضيل، من الجود، وهو العطاء؛ أي: أعطى ما ينبغي لمن ينبغي، ومعناه أنه أسخى الناس لَمّا كانت نفسه أشرف النفوس، ومزاجه أعدل الأمزجة، لا بدّ أن يكون فِعله أحسن الأفعال، وشكله أملح الأشكال، وخُلُقه أحسن الأخلاق، فلا شكّ بكونه أجود، وكيف لا، وهو مستغنٍ عن الفانيات بالباقيات الصالحات؟. انتهى . (وَكَانَ أَجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ) برفع «أجود» هكذا في أكثر الروايات، و«أجود» اسم «كان»، وخبره محذوف، وهو نحو: أخطب ما يكون الأمير في يوم الجمعة، أو هو مرفوع على أنه مبتدأ مضاف إلى المصدر، وهو: «ما يكون»، و«ما» مصدريّة، وخبره «في رمضان»، والتقدير: أجود أكوان رسول الله - ﷺ - في شهر رمضان، وإلى هذا جنح البخاريّ في تبويبه في «كتاب الصيام»؛ إذ قال: «باب أجود ما كان النَّبيّ - ﷺ - يكون في رمضان». وفي رواية الأصيليّ: «أجود» بالنصب على أنه خبر «كان». وتُعقّب بأنه يلزم منه أن يكون خبرها اسمها. وأُجيب بجعل اسم كان ضمير النَّبيّ - ﷺ -، و«أجود» خبرها، والتقدير: كان رسول الله - ﷺ - مُدَّة كونه في رمضان أجود منه في غيره . قال النوويّ: الرفع أشهر، والنصب جائز، وذكر أنه سأل ابن مالك عنه، فخَرَّج الرفع من ثلاثة أوجه، والنصب من وجهين، وذكر ابن الحاجب في «أماليه» للرفع خمسة أوجه، توارد مع ابن مالك منها في وجهين، وزاد ثلاثة، ولم يعرِّج على النصب. قال الحافظ: ويرجِّح الرفعَ ورُودُه بدون «كان» عند البخاريّ في «الصوم». انتهى. (إِنَّ جِبْرِيلَ -﵇-) يصح الكسر في «إن» على الابتداء، والفتح فيه أَولى، فيكون تعليلًا لِجُود النَّبيّ -ﷺ- في رمضان، وكان هذا الوجه أَولى، والله أعلم، قال: ولا أذكر الآن كيف قيَّدتها على من قرأتُه عليه. انتهى . وفي رواية للبخاريّ: «لأن جبريل كان يلقاه»، وفيه بيان سبب الأجودية المذكورة، وهي أبْيَن من الرواية الأخرى بلفظ: «وكان أجود ما يكون في رمضان، حين يلقاه جبريل»، قاله في «الفتح». [فائدة]: قال النوويّ -﵀ - في «تهذيبه»: في «جبريل» تسع لغات، حكاهنّ ابن الأنباريّ، وابن الجواليقيّ: جبريل، وجبريل، بكسر الجيم، وفتحها، وجبرئل، بفتح الجيم، وهمزة مكسورة، وتشديد اللام، وجبرائل، بعدها ياء، وجبراييل، بيائين بعد الألف، وجبرئيل بهمزة بعد الراء، وياء، وجبرئل بكسر الهمزة، وتخفيف اللام، مع فتح الجيم والراء، وجَبرين، وجِبرين، بفتح الجيم، وكسرها. قال جماعات من المفسرين، وصاحب «المحكم»، والجوهريّ، وغيرهما من أهل اللغة في جبريل وميكائيل: إن جِبْر، ومِيْك اسمان أضيفا إلى إيل، = لأنه مضاف إلى الكون، ولا يخبر بكون عما ليس بكون، فيجب أن يُجعَل مبتدأ، وخبره: «في رمضان»، والجملة خبر «كان»، وإن استتر فيه ضمير الشأن فظاهر، فافهم. انتهى كلامه. قال الجامع: وعندي أن ما قاله الحافظ صحيح، فتأمل التقدير الذي قدّره، فتراه صحيح المعنى، فتبصر بالإنصاف، والله تعالى أعلم. وإل، وقال: وإيل، وإل اسمان لله تعالى، وجبر، وميك معناه بالسريانية عبد، فتقديره عبد الله، قال أبو علي الفارسيّ: هذا الذي قالوه خطأ من وجهين: أحدهما: إن إيل، وإل لا يْعرفان في أسماء الله تعالى، والثاني: أنه لو كان كذلك لم يتصرف آخر الاسم في وجوه العربية، ولكان آخره مجرورًا أبدًا؛ كعبد الله، قال النوويّ: وهذا الذي قاله أبو عليّ هو الصواب، فإن ما زعموه باطل، لا أصل له. (واعلم): أن جبريل يقال له: الناموس، بالنون، كما ثبت في «الصحيحين» في حديث المبعث، قال أهل اللغة: الناموس صاحب سرّ الرجل الذي يُطلعه على باطن أمره، وقيل: الناموس صاحب خبر الخير، والجاسوس صاحب خبر الشرّ. وقد تظاهرت الدلائل على عِظَم مرتبة جبريل -﵇ -، قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (٩٧) مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ (٩٨)﴾ [البقرة: ٩٧، ٩٨]، وقال تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣)﴾ الآية [الشعراء: ١٩٣]، وقال تعالى: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (٥)﴾ [النجم: ٥] المراد بشديد القوى جبريل -﵇ -، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤)﴾ [النجم: ١٣، ١٤] المراد رأى جبريل، هذا قول الجمهور، فرآه النَّبيّ - ﷺ - على صورته، له ستمائة جناح مرتين، وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (٢١) وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ (٢٢) وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ (٢٣) وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ (٢٤)﴾ [التكوير: ١٩ - ٢٤]. انتهى كلامِ النوويّ -﵀ - . (كَانَ يَلْقَاهُ) - ﷺ - (فِي كُل سَنَةٍ، فِي رَمَضَانَ)؛ أي: في كل ليلة من ليالي رمضان، بدليل قوله: «حتى ينسلخ»، قال الزمخشريّ: رمضان مصدر رَمِض: إذا احترق من الرمضاء، فأضيف إليه الشهر، وجُعل علمًا، ومُنِع من الصرف؛ للتعريف، والألف والنون، وسَمَّوه بذلك؛ لارتماضهم فيه من حَرّ الجوع، ومقاساة شدّته . وقال في «الفتح»: اختُلِف في تسمية هذا الشهر رمضان، فقيل: لأنه تُرْمَض فيه الذنوب؛ أي: تُحرق؛ لأن الرمضاء شدّة الحرّ، وقيل: وافق ابتداء الصوم فيه زمنًا حارًا، والله أعلم. انتهى . (حَتَّى يَنْسَلِخَ)؛ أي: إلى أن ينتهي رمضان، وفي رواية للبخاريّ: «في كل ليلة في شهر رمضان حتى ينسلخ»؛ أي: رمضانُ، قال في «الفتح»: وهذا ظاهر في أنه كان يلقاه كذلك في كل رمضان منذ أُنزل عليه القرآن، ولا يختص ذلك برمضانات الهجرة، وإن كان صيام شهر رمضان إنما فُرض بعد الهجرة؛ لأنه كان يُسَمَّى رمضان قبل أن يُفرض صيامه. انتهى . (فَيَعْرِضُ) بكسر الراء، من العرض، بفتح، فسكون، والفعل من باب ضرب؛ أي: يقرأ (عَلَيْهِ)؛ أي: على جبريل -﵇ -، (رَسُولُ اللهِ - ﷺ - الْقُرْآنَ)؛ يعني: أنه - ﷺ - يقرأ القرآن على جبريل عن ظهر قلبه، يقال: عَرَضتُ الكتابَ: إذا قرأته عن ظهر القلب، قاله الفيّوميّ -﵀ - . قال الجامع عفا الله عنه: هذه الرواية صريحة في كون النبي - ﷺ - هو الذي كان يعرض القرآن على جبريل، وقد عقد البخاريّ -﵀ - في «صحيحه» ترجمة بعكسه، فقال: «باب كان جبريل يَعرض القرآن على النبي - ﷺ -»، ووقع في رواية للبخاريّ بلفظ: «فيدارسه القرآن»، ولا تعارُض بينها؛ إذ يُحْمَل على أن كلّا منهما كان يعرض على الآخر، فيتدارسان، والله تعالى أعلم. (فَإِذَا لَقِيَهُ جِبْرِيلُ كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَجْوَدَ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ) - بفتح السين المهملة - أي: المبعوثة لنفع الناس، هذا إذا جعلنا اللام في الرِّيح للجنس، وإن جعلناها للعهد يكون المعنى: من الرِّيح المرسلة للرحمة، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ الآية [الأعراف: ٥٧]، وقال تعالى: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا (١)﴾ [المرسلات: ١]؛ أي: الرياح المرسلات للمعروف على أحد التفاسير، قاله في «العمدة» . وقال في «الفتح»: فيه استعمال أفعل التفضيل في الإسناد الحقيقيّ والمجازيّ؛ لأن الجود من النَّبيّ - ﷺ - حقيقة، ومن الريح مجاز، فكأنه استعار للريح جُودًا باعتبار مجيئها بالخير، فأنزلها منزلة من جاد، وفي تقديم معمول أجود على المفضل عليه نكتة لطيفة، وهي أنه لوأخّره لَظُنّ تعلّقه بالمرسلة، وهذا وإن كان لا يتغير به المعنى المرادُ من الوصف من الأجودية، إلا أنه تفوت فيه المبالغة؛ لأن المراد وصفه بزيادة الأجودية على الرِّيح المرسلة مطلقًا. انتهى . [تنبيه]: قيل: الحكمة في كونه - ﷺ - أجود في رمضان أن مدارسة القرآن تجدّد له العهد بمزيد غنى النفس، والغنى سبب الجود، والجود في الشرع إعطاء ما ينبغي لمن ينبغي، وهو أعم من الصدقة، وأيضًا فرمضان موسم الخيرات؛ لأن نِعم الله على عباده فيه زائدة على غيره، فكان النَّبيّ - ﷺ - يُؤْثِر متابعة سُنَّة الله في عباده، فبمجموع ما ذُكِر من الوقت، والمنزول به، والنازل، والمذاكرة، حَصَل المزيد في الجود، والعلمُ عند الله تعالى، قاله في «الفتح» . وفي رواية البخاريّ: «فَلَرسول الله - ﷺ - أجود بالخير من الرِّيح المرسَلة»، قال في «الفتح»: قوله: «فلرسول الله - ﷺ - … إلخ» الفاء سببية، واللام للابتداء، وزيدت على المبتدأ تأكيدًا، أو هي جواب قَسَم مقدَّر، والمرسلة؛ أي: المطلقة؛ يعني: أنه في الإسراع بالجود أسرع من الرِّيح، وعَبر بالمرسلة إشارةَّ إَلى دوام هبوبها بالرحمة، وإلى عموم النفع بجوده كما تعم الرِّيح المرسلة جميع ما تهبّ عليه، ووقع عند أحمد في آخر هذا الحديث: «لا يُسأل شيئًا إلا أعطاه»، وثبتت هذه الزيادة في «الصحيح» من حديث جابر - ﵁ -: «ما سُئل رسول الله - ﷺ - شيئًا فقال: لا». انتهى . وقال الزين ابن الْمُنَيِّر -﵀ -: وجه التشبيه بين أجْوَديته - ﷺ - بالخير، وبين أجودية الريح المرسلة، أن المراد بالريح: ريح الرحمة التي يُرسلها الله تعالى لإنزال الغيث العامّ الذي يكون سببًا لإصابة الأرض الميتة، وغير الميتة؛ أي: فيعمّ خيره وبرّه مَن هو بصفة الفقر والحاجة، ومن هو بصفة الغني والكفاية، أكثر مما يعم الغيث الناشئ عن الرِّيح المرسلة - ﷺ -. انتهى ، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عبَّاس - ﵄ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٢/ ٥٩٩٢ و٥٩٩٣] (٢٣٠٨)، و(البخاريّ) في «بدء الوحي» (٦) و«الصوم» (١٩٠٢) و«بدء الخلق» (٣٢٢٠) و«المناقب» (٣٥٥٤) و«فضائل القرآن» (٤٩٩٧) و(التِّرمذيّ) في «الشمائل» (٣٤٦)، و(النسائيّ) في «المجتبى» (٤/ ١٢٥) و«الكبرى» (٢٤٠٥)، و(أحمد) في «مسنده» (١/ ٢٣٠ و٢٨٨ و٣٢٦ و٣٦٣ و٣٦٦ و٣٧٣)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (١٨٨٩)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٣٤٤٠ و٦٣٧٠)، و(ابن منده) في «الإيمان» (٢/ ٧٠٠)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٤/ ٣٠٥) و«شُعب الإيمان» (٢/ ٤١٣)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): الحثّ على الجود في كل وقت، ومنها الزيادة في رمضان، وعند الاجتماع بأهل الصلاح. ٢ - (ومنها): استحباب زيارة الصلحاء، وأهل الخير، وتكرار ذلك، إذا كان المزور لا يكرهه. ٣ - (ومنها): استحباب الإكثار من قراءة القرآن في رمضان، وكونها أفضل من سائر الأذكار؛ إذ لو كان الذكر أفضل، أو مساويًا لَفَعله النَّبيّ - ﷺ -، وجبريل - ﷺ -. [فإن قيل]: المقصود تجويد الحفظ. [قلنا]: الحفظ كان حاصلًا، والزيادة فيه تحصل ببعض المجالس. ٤ - (ومنها): استحباب مدارسة القرآن، وغيره من العلوم الشرعية في رمضان. ٥ - (ومنها): بيان أنه يجوز أن يقال: رمضان من غير إضافة، وقد اختلف العلماء في ذلك، وقد مال البخاريّ -﵀ - في «صحيحه» إلى جواز الأمرين، حيث قال: «باب هل يقال: رمضان، أو شهر رمضان؟ ومن رأى كلّه واسعًا، وقال النَّبيّ - ﷺ -:»من صام رمضان«، وقال:»لا تَقَدَّموا رمضان«. انتهى. قال في«الفتح»: أشار البخاريّ بهذه الترجمة إلى حديث ضعيف، رواه أبو معشر نَجِيح المدني، عن سعيد المقبريّ، عن أبي هريرة، مرفوعًا:«لا تقولوا: رمضان، فإن رمضان اسم من أسماء الله، ولكن قولوا: شهر رمضان»، أخرجه ابن عبديّ في«الكامل»، وضعّفه بأبي معشر، قال البيهقيّ: قد رُوي عن أبي معشر، عن محمد بن كعب، وهو أشبه، وروي عن مجاهد، والحسن من طريقين ضعيفين، وقد احتجّ البخاري لجواز ذلك بعدة أحاديث. انتهى. وقد ترجم النسائيّ لذلك أيضًا، فقال:«باب الرخصة في أن يقال لشهر رمضان: رمضان»، ثم أورد حديث أبي بكرة مرفوعًا:«لا يقولنّ أحدكم: صُمْت رمضان، ولا قُمْته كله»، وحديث ابن عباس:«عمرة في رمضان تعدل حجة». وقد يُتَمَسّك للتقييد بالشهر بورود القرآن به حيث قال: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾ مع احتمال أن يكون حَذْف لفظ شهر من الأحاديث من تصرّف الرواة، وكأن هذا هو السر في عدم جزم البخاريّ بالحكم. قال الجامع عفا الله عنه: هكذا قال الحافظ، وهذا عجيب منه، كيف يقال: إنه من تصرّف الرواة مع كثرة ورود الأحاديث الصحيحة في استعمال لفظ رمضان؟ فما أخطر هذا المسلك، وأبعده عن الصواب، ولا يخفى مَيْل البخاريّ إلى جوازه لمن تأمل في هذه الترجمة، والأحاديث التي أوردها فيها، فتبصّر بالإمعان، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى الموفّق للصواب. قال: ونُقل من أصحاب مالك الكراهية، وعن ابن الباقلاني منهم، وكثير من الشافعية: إن كان هناك قرينة تصرفه إلى الشهر فلا يُكره، والجمهور على الجواز. انتهى . وقال الفيّوميّ -﵀-: رَمَضَانُ: اسم للشهر، قيل: سُمّي بذلك؛ لأن وضعه وافق الرَمَضَ، وهو شدة الحرّ، وجَمْعه رَمَضَانَات، وأَرْمِضَاءُ، وعن يونس أنه سمع رَمَاضِينُ، مثلُ شَعَابين، قال بعض العلماء: يُكْرَه أن يقال: جاء رَمَضَانُ، وشِبْهه، إذا أريد به الشهر، وليس معه قرينة تدلّ عليه، وإنما يقال: جاء شَهْرُ رَمَضَانَ، واستَدَلّ بحديث: «لا تَقُولُوا: رَمَضَانَ، فَإِنَّ رَمَضَانَ اسْم مِنْ أَسْمَاءِ اللهِ تَعَالَى، وَلَكنْ قُولُوا: شَهْرُ رَمَضَانَ»، وهذا الحديث ضَعّفه البيهقيّ، وضُعْفُه ظاهر؛ لأنه لم يُنقل من أحد من العلماء أن رَمَضَانَ من أسماء الله تعالى، فلا يُعمل به، والظاهر جوازه من غير كراهة، كما ذهب إليه البخاريّ، وجماعة من المحقّقين؛ لأنه لم يصحّ في الكراهة شيء، وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة ما يدلّ على الجواز مطلقًا؛ كقوله -ﷺ- «إِذَا جَاءَ رَمَضَانُ فُتِحَتْ أَبْوَابُ الجَنَّةِ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ، وَصُفِّدَتْ الشَّيَاطِينُ»، متّفقٌ عليه، وقال القاضي عياض: وفي قوله: «إذا جاء رمضان» دليل على جواز استعماله من غير لفظ شهر، خلافًا لمن كرهه من العلماء. انتهى . ٦ - (ومنها): أن فيه إشارةً إلى أن ابتداء نزول القرآن كان في شهر رمضان؛ لأن نزوله إلى السماء الدنيا جملة واحدة كان في رمضان، كما ثبت من حديث ابن عباس - ﵄ -، فكان جبريل يتعاهده في كل سنة، فيعارضه بما نزل عليه من رمضان إلى رمضان، فلما كان العام الذي تُوفِّي فيه عارضه به مرتين، كما ثبت في «الصحيح» عن فاطمة - ﵂ -، والله أعلم بالصواب. ٧ - (ومنها): أن في قوله: «أجود بالخير من الرِّيح المرسلة» جوازَ المبالغة في التشبيه، وجواز تشبيه المعنويّ بالمحسوس؛ ليقرب لِفَهْم سامعه، وذلك أنه أثْبَتَ له أوّلًا وصف الأجودية، ثم أراد أن يصفه بأزيد من ذلك، فشبّه جُوده بالريح المرسلة، بل جعله أبلغ في ذلك منها؛ لأن الرِّيح قد تسكن. ٨ - (ومنها): أن فيه الاحتراسَ؛ لأن الرِّيح منها العقيم الضارة، ومنها المبشرة بالخير، فوصفها بالمرسلة لِيُعَيِّن الثانية، وأشار إلى قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ [الأعراف: ٥٧] وقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ [الفرقان: ٤٨]، ونحو ذلك، فالريح المرسلة تستمرّ مدة إرسالها، وكذا كان عمله - ﷺ - في رمضان ديمة، لا ينقطع. ٩ - (ومنها): بيان تعظيم شهر رمضان؛ لاختصاصه بابتداء نزول القرآن فيه، ثم معارضته ما نزل منه فيه، ويلزم من ذلك كثرة نزول جبريل فيه، وفي كثرة نزوله من توارد الخيرات والبركات ما لا يحصى. ١٠ - (ومنها): أنه يستفاد منه أن فضل الزمان إنما يحصل بزيادة العبادة. ١١ - (ومنها): أن مداومة التلاوة توجب زيادة الخير. ١٢ - (ومنها): استحباب تكثير العبادة في آخر العمر، ومذاكرة الفاضل بالخير والعلم، وإن كان هو لا يخفى عليه ذلك؛ لزيادة التذكرة والاتعاظ. ١٣ - (ومنها): أن ليل رمضان أفضل من نهاره، وأن المقصود من التلاوة الحضور والفهم؛ لأن الليل مظنة ذلك؛ لِمَا في النهار من الشواغل، والعوارض الدنيوية والدينية، ويَحْتَمِل أنه - ﷺ - كان يَقْسم ما نزل من القرآن في كل سنة على ليالي رمضان أجزاء، فيقرأ كلَّ ليلة جزءًا في جزء من الليلة، والسبب في ذلك ما كان يشتغل به في كل ليلة من سوى ذلك، مِنْ تَهَجُّد بالصلاة، ومِن راحة بَدَن، ومِن تَعاهُد أهل، ولعلّه كان يعيد ذلك الجزء مرارًا بحسب تعدد الحروف المأذون في قراءتها، ولتستوعب بركة القرآن جميع الشهر، ولولا التصريح بأنه كان يعرضه مرة واحدة، وفي السنة الأخيرة عَرَضه مرتين، لجاز أنه كان يَعرض جميع ما نزل عليه كلّ ليلة، ثم يعيده في بقية الليالي. وقد أخرج أبو عبيد من طريق داود بن أبي هند، قال: قلت للشعبيّ: قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة: ١٨٥]، أما كان ينزل عليه في سائر السنة؛ قال: بلى، ولكن جبريل كان يعارض مع النَّبيّ - ﷺ - في رمضان ما أنزل الله، فيُحْكِم الله ما يشاء، ويُثْبت ما يشاء. قال الحافظ: ففي هذا إشارة إلى الحكمة في التقسيط الذي أشرت إليه لتفصيل ما ذكره من المحكم والمنسوخ. وتؤيده أيضًا الرواية بلفظ: «فيدارسه القرآن»، فإن ظاهرها أن كلًّا منهما كان يقرأ على الآخر، وهي موافقة لقوله: «يعارضه»، فيستدعي ذلك زمانًا زائدًا على ما لو قرأ الواحد، ولا يعارض ذلك قوله تعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (٦)﴾ [الأعلى: ٦]، إذا قلنا: إن «لا» نافية، كما هو المشهور، وقول الأكثر؛ لأن المعنى: أنه إذا أقرأه فلا ينسى ما أقرأه، ومن جملة الإقراء مدارسة جبريل، أو المراد: أن المنفي بقوله: ﴿فَلَا تَنْسَى﴾ النسيان الذي لا ذِكر بعده، لا النسيان الذي يعقبه الذِّكر في الحال، حتى لو قُدِّر أنه نسي شيئًا، فإنه يُذَكِّره إياه في الحال. انتهى . ١٤ - (ومنها): ما ذكره العينيّ -﵀- على طريقة الأسئلة والأجوبة، فقال: [منها]: ما قيل: إن ههنا أربع جُمَل، فما الجهة الجامعة بينها؟ وأجيب بأن المناسبة بين الجمل الثلاث، وهي قوله: «كان أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان، وفَلَرسول الله - ﷺ - … إلخ» ظاهرة؛ لأنه أشار بالجملة الأوُلى إلى أنه - ﷺ - أجود الناس مطلقًا، وأشار بالثانية إلى أن جُوده في رمضان يُفَضَّل على جوده في سائر أوقاته، وأشار بالثالثة إلى أن جوده في عموم النفع والإسراع فيه كالريح المرسلة، وشبَّه عمومه وسرعة وصوله إلى الناس بالريح المنتشرة، وشتان ما بين الأمرين، فإن أحدهما يُحيي القلب بعد موته، والآخر يحيى الأرض بعد موتها. وأما المناسبة بين الجملة الرابعة، وهي قوله: «وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان، فيدارسه القرآن»، وبين الجملة الباقية، فهي أن جوده - ﷺ - الذي في رمضان الذي فُضل على جوده في غيره إنما كان بأمرين: أحدهما: بكونه في رمضان، والآخر بملاقاته جبريل -﵇-، ومدارسته معه القرآن، ولمَّا كان ابن عباس - ﵄ - في صدد بيان أقسام جوده - ﷺ - على سبيل تفضيل بعضه على بعض، أشار فيه إلى بيان السبب الموجب لأعلى جوده، وهو كونه في رمضان، وملاقاته جبريل. [فإن قلت]: ما وجه كون هذين الأمرين سببًا موجبًا لأعلى جوده - ﷺ -؟. [قلت]: أما رمضان فإنه شهر عظيم، وفيه الصوم، وفيه ليلة القدر، وهو من أشرف العبادات، فلذلك قال الله - ﷿ -: «الصوم لي، وأنا أجزي به»، فلا جَرَم يتضاعف ثواب الصدقة، والخير فيه، وكذلك العبادات، وعن هذا قال الزهري: تسبيحة في رمضان خير من سبعين في غيره، وقد جاء في الحديث: «إن الله تعالى يُعتق فيه كلَّ ليلة ألف ألف عتيق من النار» ، وأما ملاقاة جبريل -﵇- فإن فيها زيادة ترقّيه في المقامات وزيادة اطلاعه على علوم الله - سبحانه وتعالي -، ولا سيما عند مدارسته القرآن معه، مع نزوله إليه في كل ليلة، ولم ينزل إلى غيره من الأنبياء -عليهم الصلاة، والسلام- ما نزل إليه - ﷺ -. [ومنها]: ما قيل: ما الحكمة في مدارسته القرآن في رمضان؟. [وأجيب]: بأنها كانت لتجديد العهد واليقين، وقال الكرمانيّ: وفائدة دَرْس جبريل -﵇-: تعليم الرسول -ﷺ- بتجويد لفظه، وتصحيح إخراج الحروف من مخارجها، وليكون سُنَّةً في هذه الأمة؛ كتجويد التلامذة على الشيوخ قراءتهم، وأما تخصيصه رمضان، فلكونه موسم الخيرات؛ لأن نِعَم الله تعالى على عباده فيه زائدة على غيره. [ومنها]: ما قيل: المفهوم منه أن جبريل -﵇- كان ينزل على النَّبيّ - ﷺ - في كل ليلة من رمضان، وهذا يعارضه ما روي في «صحيح مسلم»: «في كل سنة في رمضان حتى ينسلخ»، وأجيب بأن المحفوظ في مسلم أيضًا مِثْل ما في البخاريّ، ولئن سلّمنا صحة الرواية المذكورة، فلا تعارُض؛ لأن معناه بمعنى الأول؛ لأن قوله: «حتى ينسلخ» بمعنى كل ليلة. انتهى . ١٥ - (ومنها): ما قال في «الفتح»: وفي الحديث إطلاق القرآن على بعضه، وعلى معظمه؛ لأن أول رمضان من بعد البعثة لم يكن نزل من القرآن إلا بعضه، ثم كذلك كل رمضان بعده إلى رمضان الأخير، فكان قد نزل كله إلا ما تأخر نزوله بعد رمضان المذكور، وكان في سنة عشر إلى أن مات النَّبيّ - ﷺ - في ربيع الأول سنة إحدى عشرة، ومما نزل في تلك المدة قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ الآية [المائدة: ٣]، فإنها نزلت يوم عرفة، والنبيّ - ﷺ - بها بالاتفاق، وكأن الذي نزل في تلك الأيام لمّا كان قليلًا بالنسبة لِمَا تقدم اغتُفِر أمر معارضته، فيستفاد من ذلك أن القرآن يُطلق على البعض مجازًا، ومن ثَمّ لا يحنث من حلف لَيَقْرَأنَّ القرآن، فقرأ بعضه، إلا إن قَصَد الجميع. انتهى . [فائدة]: قال في «الفتح»: اختُلِف في العرضة الأخيرة، هل كانت بجميع الأحرف المأذون في قراءتها، أو بحرف واحد منها؟ وعلى الثاني: فهل هو الحرف الذي جَمَع عليه عثمان جميع الناس، أو غيره؟ وقد رَوَى أحمد، وابن أبي داود، والطبريّ من طريق عَبيدة بن عَمْرو السَّلْمانيّ أن الذي جَمَع عليه عثمان الناس يوافق العرضة الأخيرة. ومن طريق محمد بن سيرين، قال: «كان جبريل يعارض النَّبيّ - ﷺ - بالقرآن …» الحديث نحو حديث ابن عباس، وزاد في آخره: «فيَرَون أن قراءتنا أحدث القراءات عهدًا بالعرضة الأخيرة». وعند الحاكم نحوه من حديث سَمُرة، وإسناده حسن، وقد صححه هو، ولفظه: «عُرض القرآن على رسول الله - ﷺ - عَرَضات، ويقولون: إن قراءتنا هذه هي العرضة الأخيرة». ومن طريق مجاهد، عن ابن عباس قال: «أي القراءتين تَرَوْن كان آخر القراءة؟ قالوا: قراءة زيد بن ثابت، فقال: لا، إن رسول الله - ﷺ - كان يَعْرض القرآن كلَّ سنة على جبريل، فلما كان في السنة التي قُبض فيها عَرَضه عليه مرتين، وكانت قراءة ابن مسعود آخرهما»، وهذا يغاير حديث سمرة، ومَن وافقه. وعند مسدد في «مسنده» من طريق إبراهيم النخعيّ أن ابن عباس سمع رجلًا يقول: الحرف الأول، فقال: ما الحرف الأول؟ قال: إن عمر بعث ابن مسعود إلى الكوفة معلّمًا، فأخذوا بقراءته، فغيَّر عثمان القراءة، فهم يَدْعُون قراءة ابن مسعود الحرف الأول، فقال ابن عباس: إنه لآخر حرف عَرَض به النَّبيّ - ﷺ - على جبريل. وأخرج النسائيّ من طريق أبي ظبيان، قال: «قال لي ابن عباس: أي القراءتين تقرأ؟ قلت: القراءة الأُولى قراءة ابن أم عبد - يعني: عبد الله بن مسعود - قال: بل هي الأخيرة، إن رسول الله - ﷺ - كان يعرض على جبريل …» الحديث، وفي آخره: «فحضر ذلك ابن مسعود، فعَلِم ما نُسِخ من ذلك، وما بُدِّل»، وإسناده صحيح. قال الحافظ: ويُمكن الجمع بين القولين بأن تكون العرضتان الأخيرتان وقعتا بالحرفين المذكورين، فيصح إطلاق الآخِرية على كل منهما. انتهى ما في «الفتح» ، وهو بحث مفيد جدًّا، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٥٩٩٣] (…) - (وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو كُرَيْبِ، حَدَّثَنَا ابْنُ مُبَارَكٍ، عَنْ يُونُسَ (ح) وَحَدَّثَنَا عَبْدُ ابْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، كِلَاهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الإسْنَادِ نَحْوَهُ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَبُو كُرَيْبِ) محمد بن العلاء، تقدَّم قبل باب. ٢ - (ابْنُ مُبَارَكٍ) هو: عبد الله بن المبارك المروزيّ، مولى بني حنظلة، ثقة ثبت فقية عالمٌ جوادٌ مجاهد، جُمِعت فيه خصال الخير [٨] (ت ١٨١) وله ثلاث وستون سنةً (ع) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٣٢. ٣ - (يُونُسُ) بن يزيد الأيليّ، تقدَّم قبل باب. ٤ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) الكسيّ، تقدَّم أيضًا قبل باب. ٥ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام الصنعانيّ، تقدَّم قريبًا. ٦ - (مَعْمَرُ) بن راشد، تقدَّم أيضًا قريبًا. و«الزّهريّ» ذُكر قبله. [تنبيه]: رواية يونس، ومعمر، كلاهما عن الزهري ساقها البخاريّ -﵀- في «صحيحه»، فقال: (٦) - حدّثنا عبدان، قال: أخبرنا عبد الله، قال: أخبرنا يونس، عن الزهري (ح) وحدّثنا بِشْر بن محمد، قال: أخبرنا عبد الله، قال: أخبرنا يونس، ومعمر، عن الزهري نحوَهُ قال: أخبرني عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، قال: «كان رسول الله - ﷺ - أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان، حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان، فيدارسه القرآن، فَلَرسول الله -ﷺ- أجود بالخير من الرِّيح المرسلة». انتهى ، والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (١٣) - (بابٌ فِي حُسْنِ خُلُقِهِ - ﷺ -) [تنبيه]: قال الإمام البخاريّ -﵀- في «صحيحه»: «باب حُسْن الْخُلُق، والسخاء، وما يُكره من البخل»، فقال في «الفتح»: جَمَع في هذه الترجمة بين هذه الأمور الثلاثة؛ لأن السخاء من جملة محاسن الأخلاق، بل هو من أعظمها، والبخل ضدّه. فأمَّا حُسْن الخُلُق، فقال الراغب: هو عبارة عن كل مرغوب فيه، إما من جهة العقل، وإما من جهة العِرْض، وإما من جهة الحس، وأكثر ما يقال في عرف العامة فيما يُدْرَك بالبصر، وأكثر ما جاء في الشرع فيما يُدْرَك بالبصيرة. انتهى ملخصًا.
مصادر المؤلف (٢٢)

١. «اللباب في تهذيب الأنساب» ٣/ ٣٦١ - ٣٦٢، و«القاموس المحيط» ص ١٣٩٤.

٢. «عمدة القاري» ١/ ٧٥.

٣. تعقّب العينيّ على الحافظ هذا الوجه، فقال في «عمدته» ١/ ٧٦: هذا لا يصحّ؛ لأن كان إذا كان فيه ضمير النَّبيّ - ﷺ - لا يصح أن يكون «أجود» خبرًا لـ «كان»؛ =

٤. «المفهم» ٦/ ١٠٢.

٥. «تهذيب الأسماء واللغات» ١/ ١٥٠ - ١٥١.

٦. «عمدة القاري» ١/ ٧٥.

٧. «الفتح» ٥/ ٢٢٨، كتاب «الصوم» رقم (١٨٩٨).

٨. «الفتح» ١١/ ٢١٨، كتاب «فضائل القرآن» رقم (٤٩٩٧).

٩. «المصباح المنير» ٢/ ٤٠٢.

١٠. «عمدة القاري»١/ ٧٥.

١١. «الفتح»١١/ ٢٢٠، كتاب«فضائل القرآن»رقم (٤٩٩٧).

١٢. «الفتح»١/ ٦٩، كتاب«بدء الوحي»رقم (٦).

١٣. «الفتح» ١/ ٦٩، كتاب «بدء الوحي» رقم (٦).

١٤. «الفتح» ٥/ ٢٣٣، كتاب «الصوم» رقم (١٩٠٢).

١٥. «الفتح» ٥/ ٢٢٨، كتاب «الصوم» رقم (١٨٩٨).

١٦. «المصباح المنير» ١/ ٢٣٩.

١٧. «الفتح» ١١/ ٢٢٠ - ٢٢١.

١٨. هذا موضوع، راجع: «السلسلة الضعيفة» للشَّيخ الألبانيّ -﵀- ١/ ٤٧٠.

١٩. «عمدة القاري»١/ ٧٦.

٢٠. «الفتح»١١/ ٢١٩.

٢١. «الفتح» ١١/ ٢١٩.

٢٢. «صحيح البخاريّ» ١/ ٦.