وهذا مثل ما وقع في قصّة الحديبية من حديث عروة، عن المسور، ومروان: «خرج النبيّ -ﷺ- زمن حديبية. . .»، فذكر الحديث، وفيه: «وما تنخّم النبيّ -ﷺ- نُخامةً إلا وقعت في كف رجل منهم، فدلك بها وجهه، وجلده».
وفي حديث أبي جحيفة -﵁-: «ورأيت بلالًا أخذ وضوء النبيّ -ﷺ-، والناس يبتدرون الوَضُوء، فمن أصاب منه شيئًا تمسَّح به، ومن لم يُصِبْ منه شيئًا أخذ من بلل يد صاحبه».
وقال عروة بن مسعود لقريش لمّا تفاوض معه -ﷺ- في صلح الحديبية، وشاهد تعظيم أصحابه -ﷺ- له، فقال: «أي قوم، والله لقد وفدت على الملوك، ووفدت على قيصر، وكسرى، والنجاشيّ، والله إن رأيت ملكًا قط يعظّمه أصحابه ما يعظّم أصحاب محمد -ﷺ- محمدًا، والله إنْ تنخّم نُخامة إلا وقعت في كفّ رجل منهم، فدلك بها وجهه، وجِلْده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وَضُوئه، وإذا تكلم خَفَضُوا أصواتهم عنده، وما يُحدّون إليه النظر تعظيمًا له»، والله تعالى أعلم.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس -﵁- هذا من أفراد المصنّف -﵀-.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٩/ ٦٠٢٥] (٢٣٢٥)، و(أحمد) في «مسنده» (٣/ ١٣٣ و١٣٧)، و(عبد بن حميد) في «مسنده» (١/ ٣٨٠)، و(الطبرانيّ) في «الأوسط» (٢/ ٢٧٥)، و(ابن سعد) في «الطبقات» (١/ ٤٣٠ و٢/ ١٨١)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٧/ ٦٨)، وفوائده تقدّمت في الحديث الماضي، ولله الحمد والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال:
[٦٠٢٦] (٢٣٢٦) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ امْرَأةً كَانَ فِي عَقْلِهَا شَيْءٌ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ لِي إِلَيْكَ حَاجَةً، فَقَالَ: «يَا أُمَّ فُلَانٍ انْظُرِي أَيَّ السِّكَكِ شِئْتِ حَتَّى أَقْضِيَ لَكِ حَاجَتَكِ»، فَخَلَا مَعَهَا فِي بَعْضِ الطُّرُقِ، حَتَّى فَرَغَتْ مِنْ حَاجَتِهَا).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) الكوفيّ، تقدّم قبل بابين.
٢ - (يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ) الواسطيّ، تقدّم قبل أربعة أبواب.
٣ - (حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ) البصريّ، تقدّم أيضًا قبل أربعة أبواب.
والباقيان ذُكرا قبله.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-، وفيه حماد بن سلمة أثبت من روى عن ثابت، وثابت ألزم من روى عن أنس -﵁-، يقال: لزمه أربعين سنةً، وفيه أنس -﵁- أحد المكثرين السبعة، وآخر من مات من الصحابة بالبصرة -﵃-.
شرح الحديث:
(عَنْ أَنَسٍ) -﵁- (أَنَّ امْرَأةً) قال صاحب «التنبيه»: أظنّها أم زُفر ، قال الذهبيّ في «التجريد»: أم زُفر كان بها جنون، ذُكرت في حديث مرسل. انتهى . (كَانَ فِي عَقْلِهَا شَيْءٌ)؛ أي: من الجنون، (فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ لِي إِلَيْكَ حَاجَةً، فَقَالَ) -ﷺ- («يَا أُمَّ فُلَانٍ انْظُرِي أَيَّ السِّكَكِ) بكسر السين المهملة، بعدها كافان: جمع سِكّة، مثلُ سِدْرة وسِدَر، وهي الزُّقاق، والسّكّة أيضًا الطريق المصطفّة من النخل، والسكّة أيضًا حديدة منقوشة تُطبع بها الدراهم، والدنانير ، ولا يناسب هذا المعنى هنا. (شِئْتِ حَتَّى أَقْضِيَ لَكِ حَاجَتَكِ»، فَخَلَا)؛ أي: انفرد -ﷺ- (مَعَهَا فِي بَعْضِ الطُّرُقِ)؛ أي: بعض طرق المدينة المسلوكة للناس ليقضي حاجتها، ويُفتيها في الخلوة، (حَتَّى فَرَغَتْ مِنْ حَاجَتِهَا) فيه أن الخلوة بالمرأة الأجنبيّة إذا كانت في الطريق، والناس يُشاهدون جائز، وإنما يُنهى عنه إذا كانا في محل لا يراهما أحد، قال النوويّ -﵀-: ولم يكن ذلك من الخلوة بالأجنبية، فإن هذا كان في ممر الناس، ومشاهدتهم إياه وإياها، لكن لا يسمعون كلامها؛ لأن مسألتها مما لا يُظهره .