HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٣٢٧

حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، فِيمَا قُرِئَ عَلَيْهِ. ح وحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بن الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ؛ أَنَّهَا قَالَتْ: مَا خُيِّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلَّا أَخَذَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا. فَإِنْ كَانَ إِثْمًا كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ. وَمَا انْتَقَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِنَفْسِهِ، إِلَّا أَنْ تُنْتَهَكَ حُرْمَةُ اللَّهِ ﷿.
ج ٤ ص ١٨١٣

سلسلة الرواة

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣٧ ص٥٢٢
والحديث دليل على كمال حُسن خُلُق النبيّ -ﷺ-، وقد أخرج أحمد عن أنس بن مالك -﵁- قال: إن كانت الأمة من أهل المدينة، لتأخذ بيد رسول الله -ﷺ-، فتنطلق به في حاجتها ، وعلَّقه البخاريّ في «صحيحه» بصيغة الجزم. وأخرج ابن ماجه من طريق عليّ بن زيد، عن أنس بن مالك، قال: إن كانت الأَمَة من أهل المدينة لتأخذ بيد رسول الله -ﷺ-، فما ينزع يده من يدها، حتى تذهب به حيث شاءت، من المدينة في حاجتها ، وعليّ بن زيد ضعيف، لكن يشهد له ما قبله ، والله تعالى أعلم. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس -﵁- هذا من أفراد المصنّف -﵀-. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٩/ ٦٠٢٦] (٢٣٢٦)، و(أبو داود) في «الأدب» (٤٨١٩)، و(الترمذيّ) في «الشمائل» (٣٢٤)، و(أحمد) في «مسنده» (٣/ ٩٨ و٢٨٥)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٤٥٢٧)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (٣٤٧٢)، و(البيهقيّ) في «الدلائل» (١/ ٣٣١ - ٣٣٢)، و(البغويّ) في «شرح السُّنَّة» (٣٦٧٢)، والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٢٠) - (بَابُ مُبَاعَدَتِهِ -ﷺ- لِلآثَامِ، وَاخْتِيَارِهِ مِنَ الْمُبَاحِ أَسْهَلَهُ، وَانْتِقَامِهِ للهِ عِنْدَ انْتِهَاكِ حُرُمَاتِهِ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦٠٢٧] (٢٣٢٧) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، فِيمَا قُرِئَ عَلَيْهِ (ح) وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْر، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ -ﷺ- أَنَّهَا قَالَتْ: مَا خُيِّرَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- بَيْنَ أَمْرَيْنِ، إِلَّا أَخَذَ أَيْسَرَهُمَا، مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا، فَإِنْ كَانَ إِثْمًا كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ، وَمَا انْتَقَمَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- لِنَفْسِهِ، إِلَّا أَنْ تُنْتَهَكَ حُرْمَةُ اللهِ -﷿-). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قبل باب. ٢ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ النيسابوريّ، تقدّم أيضًا قبل باب. ٣ - (مَالِكُ) بن أنس بن مالك بن أبي عامر بن عمرو الأصبحيّ، أبو عبد الله المدنيّ الفقيه، إمام دار الهجرة، رأس المتقنين، وكبير المتثبتين، حتى قال البخاريّ: أصح الأسانيد كلِّها: مالكٌ عن نافع، عن ابن عمر [٧] (١٧٩) وكان مولده سنة ثلاث وتسعين، وقال الواقديّ: بلغ تسعين سنةً (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٧٨. ٤ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ، تقدّم قريبًا. ٥ - (عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ) بن العوّام الفقيه المدنيّ، تقدّم قبل بابين. ٦ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين -﵂-، تقدّمت أيضًا قبل بابين. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-، وأنه مسلسل بالمدنيين سوى شيخيه، فالأول بغلانيّ، والثاني نيسابوريّ، وفيه عائشة -﵂- من المكثرين السبعة، وعروة من الفقهاء السبعة. شرح الحديث: (عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ -ﷺ-) -﵂- (أَنَّهَا قَالَتْ: مَا) نافية، (خُيِّرَ) بالبناء للمفعول، (رَسُولُ اللهِ -ﷺ- بَيْنَ أَمْرَيْنِ)؛ أي: من أمور الدنيا، يدلّ عليه قوله: «ما لم يكن إثمًا»؛ لأن أمور الدين لا إثم فيها، وأُبهم فاعل «خُيِّرَ» ليكون أعمّ من أن يكون من قِبَل الله، أو من قِبَل المخلوقين. (إلَّا أَخَذَ أَيْسَرَهُمَا)؛ أي: أسهلهما، (مَا لَمْ يَكنْ إِثْمًا)؛ أي: ما لم يكن الأسهل مقتضيًا للإثم، فإنه حينئذ يختار الأشَدّ، وفي حديث أنس عند الطبرانيّ في «الأوسط»: «إلا اختار أيْسَرَهما ما لم يكن لله فيه سُخْطٌ»، ووقوع التخيير بين ما فيه إثم وما لا إثم فيه من قِبَل المخلوقين واضح، وأما من قِبَل الله تعالى ففيه إشكال؛ لأن التخيير إنما يكون بين جائزين، لكن إذا حَمَلناه على ما يُفضي إلى الإثم أمكن ذلك، بأن يخيّره بين أن يَفتح عليه من كنوز الأرض ما يخشى من الاشتغال به أن لا يتفرغ للعبادة مثلًا، وبين أن لا يؤتيه من الدنيا إلا الكفاف، فيختار الكفاف، وإن كانت السعة أسهل منه، والإثم على هذا أمر نسبيّ لا يراد منه معنى الخطيئة؛ لثبوت العصمة -ﷺ-. وقال ابن بطال: هذا التخيير ليس من الله؛ لأن الله لا يُخَيِّر رسوله بين أمرين: أحدهما إثم، إلا إن كان في الدِّين، وأحدهما يؤول إلى الإثم؛ كالغلوّ، فإنه مذموم، كما لو أوجب الإنسان على نفسه شيئًا شاقًّا من العبادة، فعجز عنه، ومن ثم نَهَى النبيّ -ﷺ- أصحابه عن الترهب. وقال ابن التين: المراد: التخيير في أمر الدنيا، وأما أمر الآخرة فكلما صَعُب كان أعظم ثوابًا. قال الحافظ: كذا قال، وما أشار إليه ابن بطال أولى، وأولى منهما أن ذلك في أمور الدنيا؛ لأن بعض أمورها قد يُفضي إلى الإثم كثيرًا، والأقرب أن فاعل التخيير: الآدميّ، وهو ظاهر، وأمثلته كثيرة، ولا سيما إذا صدر من الكافر. انتهى . وقال القرطبيّ -﵀-: قول عائشة -﵂-: «ما خُيِّر رسول الله -ﷺ- بين أمرين إلا اختار أيسرهما»؛ تعني: أنه كان -ﷺ- إذا خيَّره أحد في شيئين يجوز له فِعل كل واحد منهما، أو عُرضت عليه مصلحتان؛ مالَ للأيسر منهما، وترك الأثقل؛ أخذًا بالسُّهولة لنفسه، وتعليمًا لأمَّته، فإذا كان في أحد الشيئين إثم تَرَكه، وأخذ الآخر، وإن كان الأثقل. وكونه -ﷺ- سقط إلى الأرض لَمّا جَعَل إزاره على عنقه يدلّ على أن الله تعالى حفظه من صِغَره، وتولى تأديبه بنفسه، ولم يَكِله في شيء من ذلك لغيره، ولم يزل الله يفعل ذلك به حتى كَرِهَ له أحوال الجاهلية، وحماه عنها، حتى لم يَجْرِ عليه شيء منها، كلُّ ذلك لطفٌ به، وعطفٌ عليه، وجَمْع للمحاسن لديه. انتهى . (فَإِنْ كَانَ) ذلك الأمر المخيّر فيه (إِثْمًا)؛ أي: مقتضيًا للإثم، (كَانَ) -ﷺ- (أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ)؛ أي: من ذلك المخيّر به. (وَمَا انْتَقَمَ)؛ أي: ما عاقب أحدًا على مكروه أتاه من قِبَله . (رَسُولُ اللهِ -ﷺ- لِنَفْسِهِ)؛ أي: خاصّة، فلا يَرِد أمره بقتل عقبة بن أبي مُعيط، وعبد الله بن خَطَل، وغيرهما، ممن كان يؤذيه؛ لأنهم كانوا مع ذلك ينتهكون حرمات الله، وقيل: أرادت أنه لا ينتقم إذا أوذي في غير السبب الذي يُخرج إلى الكفر، كما عفا عن الأعرابي الذي جفا في رفع صوته عليه، وعن الآخر الذي جَبَذَ بردائه حتى أثَّر في كتفه، (إِلَّا أَنْ تُنْتَهَكَ) بالبناء للمفعول، يقال: انْتَهَك الرجلُ الْحُرْمةَ: تناولها بما لا يحِلّ . (حُرْمَةُ اللهِ -﷿-) «الْحُرمة» بالضمّ: ما لا يحلّ انتهاكه، والمعنى: إلا أن تُرْتَكَب الأشياء التي حرّمها الله -﷿-. وقال في «العمدة»: قوله: «إلا أن تُنتهك» هذا الاستثناء منقطع؛ أي: لكن إذا انتُهِكَت حرمة الله انتَصَر لله تعالى، وانتَقَم ممن ارتَكَب ذلك. انتهى . وحَمَل الداوديّ عدم الانتقام على ما يختص بالمال، قال: وأما الْعِرْض فقد اقتصّ ممن نال منه، قال: واقتص ممن لَدّه في مرضه بعد نهيه عن ذلك، بأن أَمَر بلدِّهم، مع أنهم كانوا في ذلك تأولوا أنه إنما نهاهم عن عادة البشرية، من كراهة النفس للدواء، كذا قال. وقد أخرج الحاكم هذا الحديث من طريق معمر، عن الزهريّ، بهذا الإسناد مطوّلًا، وأوله: «ما لَعَنَ رسولُ الله -ﷺ- مسلمًا بذكر -أي: بصريح- اسمه، ولا ضرب بيده شيئًا قطّ، إلا أن يَضْرِب بها في سبيل الله، ولا سُئل في شيء قط، فمنعه، إلا أن يُسأل مأثَمًا، ولا انتقم لنفسه من شيء، إلا أن تُنتهك حرمات الله، فيكون لله ينتقم. . .» الحديث. وأخرجه الطبرانيّ في «الأوسط» من حديث أنس -﵁-، وفيه: «وما انتَقَم لنفسه، إلا أن تُنتهَك حرمة الله، فإن انتُهِكت حرمةُ الله كان أشدّ الناس غضبًا لله» ، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة -﵂- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٠/ ٦٠٢٧ و٦٠٢٨ و٦٠٢٩ و٦٠٣٠ و٦٠٣١] (٢٣٢٧)، و(البخاريّ) في «المناقب» (٣٥٦٠) و«الأدب» (٦١٢٦ و٦٨٥٣)، و«الحدود» (٦٧٨٦) وفي «الأدب المفرد» (١/ ١٠٤)، و(أبو داود) في «الأدب» (٤٧٨٥)، و(أحمد) في «مسنده» (٦/ ١٨١)، و(ابن راهويه) في «مسنده» (٢/ ٢٩٣)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (٧/ ٣٤٦)، و(الطبرانيّ) في «الأوسط» (٧/ ٣٣٣) و«الصغير» (٢/ ٧٨)، و(ابن سعد) في «الطبقات» (١/ ٣٦٦)، و(الحاكم) في «المستدرك» (٢/ ٦٧٠)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٧/ ٤١) و«شُعَب الإيمان» (٦/ ٢٧٥)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان ما كان عليه النبيّ -ﷺ- من اختياره أيسر الأمور، وأسهلها، ومباعدته للآثام، وعدم انتقامه لحظّ نفسه، إلا إن انتُهكت حرمة الله تعالى، فيكون أشدّ الناس غضبًا لذلك. ٢ - (ومنها): الحثّ على ترك الأخذ بالشيء العسر، والاقتناع باليسر، وترك الإلحاح فيما لا يَضْطَر إليه الإنسان. ٣ - (ومنها): أنه يؤخذ من ذلك الندب إلى الأخذ بالرُّخَص ما لم يَظهر الخطأ. ٤ - (ومنها): الحثّ على العفو إلا في حقوق الله تعالى. ٥ - (ومنها): الندب إلى الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ومحل ذلك ما لم يُفض إلى ما هو أشدّ منه. ٦ - (ومنها): أن فيه ترك الحكم للنفس، وإن كان الحاكم متمكنًا من ذلك، بحيث يؤمَن منه الحيف على المحكوم عليه، لكن لحسم المادة، والله أعلم. ٧ - (ومنها): ما قال ابن عبد البرّ -﵀-: هذا الحديث يدلّ، ويندُب الأمراء، وسائر الحكام، والعلماء، إلى أنه ينبغي لكل واحد منهم أن يتجافى عن الانتقام لنفسه، تأسّيًا بنبيه -ﷺ-، ولا ينسى الفضل، والأخذ به في العفو عمن ظلمه. قال: وقد أجمع العلماء على أن القاضي لا يقضي لنفسه، وأجمع الجمهور من الفقهاء على أن القاضي لا يقضي لمن لا تجوز له شهادته من بنيه وآبائه، قاله في «الاستذكار». وقال في «التمهيد»: وفي هذا الحديث دليلٌ على أن على العالِم أن يتجافى عن الانتقام لنفسه، ويعفو، ويأخذ بالفضل إن أحب أن يتأسى بنبيّه -ﷺ-، وإن لم يُطِق كلًّا فبعضًا، وكذلك السلطان. قال الله -﷿- لنبيّه -ﷺ-: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤]، قال المفسرون: كان خُلُقه ما قال الله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩)﴾ [الأعراف: ١٩٩]. قال: وعلى العالم أن يغضب عند المنكر، ويغيّره إذا لم يكن لنفسه، وفي معنى هذا الحديث أن لا يقضي الإنسان لنفسه، ولا يحكم لها، ولا لمن في ولايته، وهذا ما لا خلاف فيه، والله أعلم. انتهى . ٨ - (ومنها): ما قاله أيضًا: في هذا الحديث دليل على أن الأخذ برخصة الله أَولى لذوي العلم والحجا، من الأخذ بالشدّة، فإن الله يحب أن تؤتى رُخَصه، كما يحب أن يُنتهَى عن محارمه، وتُجتنَب عزائمه. انتهى . وقال في «التمهيد»: في هذا الحديث دليلٌ على أن المرء ينبغي له ترك ما عَسُر عليه من أمور الدنيا والآخرة، وترك الإلحاح فيه إذا لم يَضطَرّ إليه، والميل إلى اليسر أبدًا، فإن اليسر في الأمور كلها أحب إلى الله تعالى، وإلى رسوله -ﷺ-، قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ الآية [البقرة: ١٨٥]، وفي معنى هذا الأخذ برُخَص الله تعالى، ورُخَص رسوله -ﷺ-، والأخذ برخص العلماء، ما لم يكن القول خطأ بيّنًا. انتهى . ٩ - (ومنها): ما قال القرطبيّ -﵀-: في الحديث أنه -ﷺ- كان يصبر على جَهْل مَنْ جَهِل عليه، ويَحْتَمِل جفاءه، ويَصْفَح عمَّن آذاه في خاصة نفسه؛ كصَفْحه عمَّن قال: يا محمد اعْدِل، فإنَّ هذه قسمة ما أُرِيدَ بها وجه الله تعالى، وما عَدَلت منذ اليوم!، وكصَفْحه عن الذي جَبَذ رداءه عليه حتى شقَّه، وأثَّر في عنقه. [فإنْ قيل]: فأذاه -ﷺ- انتهاك حرمة من حُرَم الله تعالى، فكيف يترك الانتقام لله تعالى فيها؟ وقد قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [التوبة: ٦١]. [فالجواب]: أنه -ﷺ- ترك الانتقام مِمَّن آذاه استئلافًا، وتَرْكًا لما ينفِّر عن الدخول في دينه، كما قال -ﷺ- لَمّا طلب عمر -﵁- قتل عبد الله بن أُبيّ المنافق لَمّا قال: ﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ الآية [المنافقون: ٨]: «دَعْهُ لا يتحدّث الناسُ أن محمَّدًا يقتل أصحابه»، متّفقٌ عليه .. وقد قال مالك: كان رسول الله -ﷺ- يعفو عمَّن شتمه؛ مشيرًا إلى ما ذكرنا. وإذا تقرّر هذا فمراد عائشة -﵂- بقولها: «إلا أن تُنتهك حرمة الله»: الحرمة التي لا ترجع لحقّ النبيّ -ﷺ-؛ كحرمة الله، وحرمة محارمه، فإنَّه كان يقيم حدود الله على من انتهك شيئًا منها، ولا يعفو عنها، كما قال في حديث السَّارقة: «لو أن فاطمة سرقت لقطعت يدها»، متّفقٌ عليه. قال القرطبيّ: لكن ينبغي أن يُفْهَم أن صَفْحه -ﷺ- عمَّن آذاه كان مخصوصًا به، وبزمانه؛ لِمَا ذكرناه، وأما بعد ذلك فلا يُعفَى عنه بوجه. قال القاضي عياض -﵀-: أجمع العلماء على أن من سَبَّ النبيّ -ﷺ- كَفَرَ، واختلفوا: هل حُكْمه حُكْم المرتدّ يُستتاب؟ أو حُكم الزنديق لا يُستتاب؟ وهل قَتْله للكفر، أو للحدِّ؟، فجمهورهم على أن حكمه حكم الزنديق، لا تُقبل توبته، وهو مشهور مذهب مالك، وقول الشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، ورأوا أن قَتْله للحدِّ، ولا ترفعه التوبة، لكن تنفعه عند الله تعالى، ولا يسقط حدّ القتل عنه. وقال أبو حنيفة، والثوريّ: هي كفر، وردَّة، وتُقبل توبته إذا تاب، وهي رواية الوليد بن مسلم عن مالك. قال: واختلفوا في الذمِّيّ إذا سبَّه بغير الوجه الذي به كُفِّر؛ فعامَّة العلماء على أنه يُقتل لحقّ النبيّ -ﷺ-، وأبو حنيفة، والثوريّ، والكوفيون: لا يرون قتله، قالوا: ما هو عليه من الكفر أشدّ. قال: واختَلَف أهل المدينة، وأصحاب مالك في قَتْله إذا سبَّه بالوجه الذي به كُفِّرَ؛ من تكذيبه، وجَحْد نبوَّته؟ والأصح الأشهر قَتْله، واختلفوا في إسلام الكافر بعد سبِّه: هل يُسقط ذلك القتلَ عنه أم لا؟ والأشهر عندنا سقوطه؛ لأنَّ الإسلام يجبُّ ما قبله، وحكى أبو محمد بن نصر في درء القتل عنه روايتين. قال: ويستفاد من حديث عائشة -﵂- ترغيب الحكام، وولاة الأمور في الصفح عمن جَهِل عليهم، وجفاهم، والصبر على أذاهم، كما كان النبيّ -ﷺ- يفعل، وأن الحاكم لا يحكم لنفسه، وقد أجمع العلماء على أن القاضي لا يحكم لنفسه، ولا لمن لا تجوز شهادته له؛ على ما حكاه عياض -﵀-. انتهى كلام القرطبيّ -﵀- ، وهو بحث نفيسٌ، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦٠٢٨] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، جَمِيعًا عَنْ جَرِيرٍ (ح) وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ، حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ، كِلَاهُمَا عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ -فِي رِوَايَةِ فُضَيْلِ- ابْنِ شِهَابٍ، وَفي رِوَايَةِ جَرِيرٍ: مُحَمَّدٍ الزُّهْرِيّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ). رجال هذا الإسناد: تسعة: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم قبل أربعة أبواب. ٢ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد، تقدّم أيضًا قبل أربعة أبواب. ٣ - (أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ) بن موسى الضَّبّيّ، أبو عبد الله البصريّ، ثقةٌ، رُميَ بالنَّصْب [١٠] (ت ٢٤٥) (م ٤) تقدم في «الإيمان» ١/ ١٠٣. ٤ - (فُضَيْلُ بْنُ عِيَاضِ) بن مسعود التميميّ، أبو عليّ الزاهد المشهور، أصله من خُراسان، وسكن مكة، ثقةٌ عابدٌ إمامٌ [٨] (ت ١٨٧) وقيل: قبلها (خ م د ت س) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٢٦. ٥ - (مَنْصُورُ) بن المعتمر بن عبد الله السُّلَميّ، أبو عتاب -بمثناة ثقيلة، ثم موحّدة- الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، وكان لا يدلِّس [٦] (ت ١٣٢) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٢٩٦. ٦ - (مُحَمَّدُ بْنُ شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ) تقدّم قبل أربعة أبواب. والباقون ذُكروا في الباب، وقبل باب. وقوله: (فِي رِوَايَةِ فُضَيْلِ - ابْنِ شِهَابٍ، وَفي رِوَايَةِ جَرِيرٍ: مُحَمَّدٍ الزُّهْرِيّ) أراد بهذا بيان اختلاف فضيل بن عياض، وجرير بن عبد الحميد في روايتهما عن الزهريّ، فقال فضيل: «عن محمد بن شهاب» نَسَبه إلى جدّه الأعلى، وقال جرير: «عن محمد الزهريّ»، هذا هو المعنى الصحيح في هذا. وذكر القاضي عياض -﵀- في «المشارق» بعد سَوْقه سَنَد مسلم هذا ما نصّه: وفي «فضائل النبيّ -ﷺ-» حديث: «ما خُيِّر رسول الله -ﷺ- بين أمرين»: نا زهير بن حرب، وإسحاق جميعًا عن جرير، ونا أحمد بن عبدة، نا فُضيل بن عياض، كلاهما عن منصور، عن محمد، وفي رواية فُضيل: ابن شهاب، وفي رواية جرير: عن الزهريّ، كذا في جميع النُّسخ من مسلم عند شيوخنا. ووقع في بعض النسخ: منصور عن محمد، وفي رواية: محمد بغير واو، وهو الصواب، وفيه مع ذلك تقديم وتأخير، وتقديره: عن محمد بن شهاب في رواية فضيل، فقدّم وأخَّر، وفصل بين المضاف والمضاف إليه، زيادة الواو بين الوصف والموصوف، فأدخل في رواية فضيل بين محمد وابن شهاب، وبإسقاط الواو والألف من ابن شهاب يصح الكلام، على ما قررناه، وعند ابن الحذّاء: «في رواية فضيل: عن ابن شهاب» فزاده إشكالًا، والصواب ما ذكرناه، وإنما أراد أن فُضيلًا زاد في روايته «ابن شهاب» على قول غيره: محمد فقط، وعلى الصواب ذَكَره البخاريّ في «كتاب التفسير»، وفي «الهجرة». انتهى . وقوله: (كِلَاهُمَا عَنْ مَنْصُورٍ) ضمير التثنية لجرير بن عبد الحميد، وفضيل بن عياض. [تنبيه]: يوجد في هامش النسخة الهنديّة ما نصّه: قال أبو أحمد: حدّثنا أبو العبّاس السّرّاج، حدّثنا عبد الله بن عمران العابديّ، حدّثنا فُضيل بن عياض بهذا الحديث. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: الظاهر أن أبا أحمد هو الجلوديّ، تلميذ أبي إسحاق النيسابوريّ تلميذ مسلم، وغرضه أنه روى هذا الحديث من غير طريق مسلم عاليًّا بدرجة، حيث كان بينه وبين فُضيل من طريق مسلم ثلاث وسائط: أبو إسحاق، ومسلم، وأحمد بن عبدة، فلمّا رواه عن أبي العبّاس السرّاج صار بينه وبين فضيل واسطتان فقط: أبو العبّاس، وعبد الله بن عمران، فلذلك ذَكَره هنا؛ لميّزة العلوّ، فتنبّه، والله تعالى أعلم. [تنبيه آخر]: رواية جرير بن عبد الحميد عن منصور بن المعتمر، ساقها إسحاق بن راهويه -﵀- في «مسنده»، فقال: (٨١٣) - أخبرنا جرير، عن منصور، عن الزهريّ، عن عروة، عن عائشة، قالت: «ما رأيت رسول الله -ﷺ- خُيِّر بين أمرين إلا اختار أيسرهما، ما لم يكن إثْمًا، ولا انتَصَر لنفسه من مظلمة، ما لم يكن مُحَرَّمًا، فإذا كان محرمًا اشتدّ غضبه عند ذلك». انتهى . ورواية فُضيل بن عياض عن منصور بن المعتمر، ساقها أبو يعلى -﵀- في «مسنده»، فقال: (٤٤٥٢) - حدّثنا العباس بن الوليد النَّرْسيّ، حدّثنا فُضيل بن عياض، عن منصور، عن محمد بن شهاب، عن عروة، عن عائشة، قالت: ما رأيت رسول الله -ﷺ- منتصرًا من ظُلامة ظُلِمها قطّ، إلا أن يُنْتَهَك من محارم الله شيءٌ، فإذا انتُهِك من محارم الله شيءٌ، كان أشدّهم في ذلك، وما خُيِّر بين أمرين قطّ، إلا اختار أيسرهما». انتهى . وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦٠٢٩] (. . .) - (وَحَدَّثَنِيهِ حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، بِهَذَا الإسْنَاد، نَحْوَ حَدِيثِ مَالِكٍ). رجال هذا الإسناد: أربعة: وكلّهم تقدّموا قريبًا. [تنبيه]: رواية يونس عن الزهريّ هذه ساقها البخاريّ -﵀- في«صحيحه»، فقال: (٦٨٥٣) - حدّثنا عبدان، أخبرنا عبد الله، أخبرنا يونس، عن الزهريّ، أخبرني عروة، عن عائشة -﵂- قالت:«ما انتقم رسول الله -ﷺ- لنفسه في شيء يؤتى إليه، حتى يُنتهك من حرمات الله، فينتقم لله». انتهى ، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦٠٣٠] (. . .) - (حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيه، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: مَا خُيِّرَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- بَيْنَ أَمْرَيْنِ، أَحَدُهُمَا أَيْسَرُ مِنَ الآخَرِ، إِلَّا اخْتَارَ أَيْسَرَهُمَا، مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا، فَإِنْ كَانَ إِثْمًا كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء الكوفيّ، تقدّم قريبًا. ٢ - (أَبُو أُسَامَةَ) حمّاد بن أسامة الكوفيّ، تقدّم أيضًا قريبًا. ٣ - (هِشَامُ) بن عروة المدنيّ، تقدّم أيضًا قريبًا. والباقيان ذُكرا قبله. والحديث متّفقٌ عليه، وشرحه يُعلم مما سبق، والله تعالى أعلم.
مصادر المؤلف (١٧)

١. «مسند الإمام أحمد بن حنبل» ٣/ ٩٨.

٢. «سنن ابن ماجه» ٢/ ١٣٩٨.

٣. ولذا صححه الشيخ الألبانيّ -﵀-.

٤. «الفتح» ١٥/ ٥٥٣، كتاب «الحدود» رقم (٦٧٨٦).

٥. «المفهم» ٦/ ١١٨.

٦. «النهاية في غريب الأثر»٥/ ١٠٩.

٧. «المصباح المنير»٢/ ٦٢٨.

٨. «عمدة القاري»١٦/ ١١٢.

٩. راجع: «الفتح» ٨/ ٢١٦ - ٢١٧، كتاب «المناقب» رقم (٣٥٦٠).

١٠. «التمهيد» لابن عبد البرّ ٨/ ١٤٧ - ١٤٨.

١١. «الاستذكار» ٨/ ٢٧٤ - ٢٧٥.

١٢. «التمهيد» لابن عبد البرّ ٨/ ١٤٦.

١٣. «المفهم» ٦/ ١١٨ - ١٢٠.

١٤. «مشارق الأنوار» ٢/ ٣٧٧ - ٣٧٨.

١٥. «مسند إسحاق بن راهويه» ٢/ ٢٩٤.

١٦. «مسند أبي يعلى» ٧/ ٤٣١.

١٧. «صحيح البخاريّ» ٦/ ٢٥١٣.