HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٣٣٣

حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ. حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عائشة. قالت: إِنْ كَانَ لَيُنْزَلُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْغَدَاةِ الْبَارِدَةِ، ثُمَّ تَفِيضُ جَبْهَتُهُ عَرَقًا.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج7 ص82
ج ٤ ص ١٨١٦

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في مصدر واحد مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣٧ ص٥٥٦
وقولها: (أَدُوفُ بِهِ طِيبِي) قال النوويّ: هو بالدال المهملة، وبالمعجمة، والأكثرون على المهملة، وكذا نقله القاضي عن رواية الأكثرين، ومعناه: أخلط، وسبق بيان هذه اللفظة في أول «كتاب الإيمان». انتهى . وقال ابن الأثير -﵀-: «أدوف به طيبي»؛ أي: أخلط، يقال: دُفت الدواء أدوفه: إذا بَلَلْته بماء، وخلطته، فهو مَدُوفٌ، ومَدْوُوفٌ، على الأصل، مثلُ مَصُون ومَصْوُون، وليس لهما نظير، ويقال فيه: داف يديف بالياء، والواوُ فيه أكثر. انتهى . وقال ابن منظور -﵀-: «أدوف به طيبي»؛ أي: أخلط، يقال: داف يديف بالياء، والواوُ فيه أكثر، قال الجوهريّ: دُفْتُ الدواءَ وغيره؛ أي: بَلَلْته بماء، أو بغيره، فهو مَدُوفٌ، ومَدْوُوفٌ، وكذلك مِسْك مَدُوف؛ أي: مبلول، ويقال: مسحوق، قال: وليس يأتي مفعول من ذوات الثلاثة، من بنات الواو بالتمام إلا حرفان: مسك مَدْوُوفٌ، وثوبٌ مَصْوُونٌ، فإن هذين الحرفين جاءا نادرين، والكلام مَدُوفٌ، ومَصُونٌ، وذلك لثقل الضمة على الواو، والياء أقوى على احتمالها منها، فلهذا جاء ما كان من بنات الياء بالتمام، والنقصان، نحو: ثوب مَخِيطٌ، ومَخْيُوطٌ. انتهى . والحديث تقدّم البحث فيه مستوفًى، ولله الحمد والمنّة. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٢٣) - (بَابُ عَرَقِ النَّبِيِّ -ﷺ- في الْبَرْدِ، حِينَ يَأْتِيهِ الْوَحْيُ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦٠٤٠] (٢٣٣٣) - (حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: إِنْ كَانَ لَيُنْزَلُ عَلَى رَسُولِ اللهِ -ﷺ- فِي الْغَدَاةِ الْبَارِدَةِ، ثُمَّ تَفِيضُ جَبْهَتُهُ عَرَقًا). قال الجامع عفا الله عنه: هذا الإسناد نفسه تقدّم قبل بابين. شرح الحديث: (عَنْ عَائِشَةَ) أم المؤمنين -﵂- أنها (قَالَتْ: إِنْ كَانَ) «إن» بكسر الهمزة، وسكون النون: مخفّفة من الثقيلة، وهي مهملة، ولذا دخلت اللام بعدها، قال في «الخلاصة»: وَخُفِّفَتْ «إِنَّ» فَقَلَّ الْعَمَلُ … وَتَلْزَمُ اللَّامُ إِذَا مَا تُهْمَلُ (لَيُنْزَلُ) بالبناء للمفعول؛ أي: يُنزلُ الله تعالى الوحيَ (عَلَى رَسُولِ اللهِ -ﷺ- فِي الْغَدَاةِ الْبَارِدَةِ)، وفي رواية البخاريّ: «في اليوم الشديد البرد»، وفيه دلالة على كثرة معاناة التعب، والكرب عند نزول الوحي؛ لِمَا فيه من مخالفة العادة، وهو كثرة الْعَرَق في شدة البرد، فإنه يُشعر بوجود أمر طارئ زائد على الطباع البشرية. (ثُمَّ تَفِيضُ) بفتح أوله، من باب باع؛ أي: تسيل (جَبْهَتُهُ عَرَقًا) منصوب على التمييز، زاد في رواية البيهقيّ في «الدلائل»: «وإن كان ليوحَى إليه، وهو على ناقته، فيضرب حزامها من ثقل ما يوحى إليه». وأرادت عائشة -﵂- بهذا الإشارةَ إلى كثرة معاناته -ﷺ- التعَبَ والكربَ عند نزول الوحي، وذلك لأنه -ﷺ- كان إذا ورد عليه الوحي يجد له مشقة، ويغشاه الكرب، لثقل ما يُلقَى عليه، قال تعالى: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (٥)﴾ [المزمل: ٥]، ولذلك كان يَعتريه مثل حال المحموم، كما روي «أنه كان يأخذه عند الوحي الرُّحَضَاء »؛ أي: البُهْرُ والعَرَق من الشدّة، وأكثر ما يسمى به عرق الحُمَّى، ولذلك كان جبينه يتفصد عَرَقًا، وإنما كان ذلك ليبلو صبره، ويُحسن تأديبه، فيرتاض لاحتمال ما كلفه من أعباء النبوة. وفي حديث يعلى بن أمية: «فأدخل رأسه، فإذا رسول الله -ﷺ- مُحْمَرٌّ وجهه، وهو يغطّ، ثم سُرِّيَ عنه». وفي حديث عبادة بن الصامت -﵁- الآتي هنا بعد حديث، قال: «كان نبي الله -صلى الل عليه وسلم- إذا أُنزل عليه الوحي كُرِب لذلك، وتَرَبَّدَ وجهه». وفي حديث الإفك، «قالت عائشة -﵂-: فأخذه ما كان يأخذه من البُرَحَاء عند الوحي، حتى إنه لينحدر منه مثل الجُمَان من العرق في اليوم الشَّاتِي، من ثقل الوحي الذي ينزل عليه». أفاده في «العمدة» . وفي رواية البخاريّ: «قالت عائشة -﵂-: ولقد رأيته يُنْزِلُ عليه الوحي في اليوم الشديد البرد، فيُفْصَم عنه، وإن جبينه ليتفصد عَرَقًا». وقوله: «ليتفصّد» -بالفاء، وتشديد المهملة-: مأخوذ من الفَصْد، وهو قطع الْعِرْق لإسالة الدم، شُبِّه جبينه بالْعِرْق المفصود مبالغةً في كثرة الْعَرَق. [تنبيه]: حَكَى العسكري في «التصحيف» عن بعض شيوخه أنه قرأ «ليتقصد» بالقاف، ثم قال العسكريّ: إن ثبت فهو من قولهم: تقصَّد الشيءُ: إذا تكسّر، وتقطّع، ولا يخفى بُعْده. انتهى، وقد وقع في هذا التصحيف أبو الفضل بن طاهر، فردّه عليه المؤتمن الساجيّ بالفاء، قال: فأصر على القاف، وذكر الذهبي في ترجمة ابن طاهر عن ابن ناصر أنه رَدّ على ابن طاهر لمّا قرأها بالقاف، قال: فكابرني، قال الحافظ: ولعل ابن طاهر وجّهها بما أشار إليه العسكريّ. انتهى ، والله تعالى أعلم. والحديث متّفقٌ عليه، ومسائله تأتي في الحديث التالي -إن شاء الله تعالى-. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦٠٤١] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، وَابْنُ بِشْرٍ، جَمِيعًا عَنْ هِشَامٍ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ -وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ الْحَارِثَ بْنَ هِشَامٍ سَأَل النَّبِيَّ -ﷺ-: كَيْفَ يَأْتِيكَ الْوَحْيُ؟ فَقَالَ: «أَحْيَانًا يَأْتِينِي فِي مِثْلِ صَلْصَلَةِ الْجَرَسِ، وَهُوَ أَشَدُّهُ عَلَيَّ ، ثُمَّ يَفْصِمُ عَنِّي، وَقَدْ وَعَيْتُهُ، وَأَحْيَانًا مَلَكٌ فِي مِثْلِ صُورَةِ الرَّجُلِ، فَأَعِي مَا يَقُولُ»). رجال هذا الإسناد: تسعة: ١ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) الإمام المشهور، تقدّم قريبًا. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ) الْهَمْدانيّ الكوفي، تقدّم قبل بابين. ٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ) العبديّ، أَبو عبد الله الكوفيّ، تقدّم قريبًا. والباقون ذُكروا في الإسنادين الماضيين. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-، وله فيه ثلاثة أسانيد، فرّق بينها بالتحويل، وفيه رواية الابن عن أبيه، عن خالته، وتابعيّ عن تابعيّ، وفيه عروة أحد الفقهاء السبعة، المجموعين في قول بعضهم: ألَا إنَّ مَنْ لَا يَقْتَدِي بأئِمَّةٍ … فَقِسْمَتُهُ ضِيزَى عَنِ الْحَق خَارِجَهْ فَخُذْهُمْ عُبَيْدُ الله عُرْوَةُ قَاسِمُ … سَعِيدٌ أبُو بَكْرٍ سُلَيْمَانُ خَارِجَهْ وعائشة -﵂- من المكثرين السبعة المجموعين في قولي: الْمُكْثِرُونَ فِي رِوَايَةِ الْخَبَرْ … مِنَ الصَّحَابَةِ الأَكَارِمِ الْغُرَرْ أَبُو هُرَيْرَةَ يَلِيهِ ابْنُ عُمَرْ … فَأَنَسٌ فَزَوْجَةُ الْهَادِي الأَبَرّ ثُمَّ ابْنُ عَبَّاسٍ يَلِيهِ جَابِرُ … وَبَعْدَهُ الْخُدْرِيُّ فَهْوَ آخِرُ وقد تقدّم هذا كلّه غير مرّة، وإنما أعدته؛ تذكيرًا؛ لطول العهد به، وبالله تعالى التوفيق. شرح الحديث: (عَنْ عَائِشَةَ) أم المؤمنين -﵂- (أَنَّ الْحَارِثَ بْنَ هِشَامِ) بن المغيرة بن عبد الله بن عُمَر بن مخزوم، أخو أبي جهل شقيقه، وابن عم خالد بن الوليد، شَهِد بدرًا كافرًا، فانهزم، وأسلم يوم الفتح، وحَسُن إسلامه، وأعطاه النبيّ -ﷺ- يوم حنين مائة من الإبل، قُتِلَ باليرموك سنة (١٥)، وكان شريفًا في قومه، وله اثنان وثلاثون ولدًا، منهم أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، أحد الفقهاء السبعة على قول، وليس في الصحابة الحارث بن هشام إلا هذا، وإلا الحارث بن هشام الجُهَنِيّ، روى عنه المصريون، ذكره ابن عبد البر. قاله في «العمدة» . (سَأَلَ النَّبِيَّ -ﷺ-) قال في «الفتح»: هكذا رواه أكثر الرواة عن هشام بن عروة، فيَحْتَمِل أن تكون عائشة -﵂- حضرت ذلك، وعلى هذا اعتَمَد أصحاب الأطراف، فأخرجوه في مسند عائشة -﵂-. ويَحْتَمِل أن يكون الحارث أخبرها بذلك بعدُ، فيكون من مرسل الصحابة، وهو محكوم بوصله عند الجمهور، وقد جاء ما يؤيد الثاني، ففي «مسند أحمد»، و«معجم البغويّ»، وغيرهما، من طريق عامر بن صالح الزبيريّ، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة، عن الحارث بن هشام، قال: سألت. . . قال الحافظ: وعامر فيه ضَعفٌ، لكن وجدت له متابعًا عند ابن منده، والمشهور الأول. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: عندي كونه من مسند عائشة -﵂- هو الأقرب، كما عليه أصحاب الأطراف، فلا ينبغي ترجيح خلافه برواية ضعيفة، فتنبّه، والله تعالى أعلم. (كيْفَ يَأْتِيكَ الْوَحْيُ؟) مقول لقول مقدَّر؛ أي: قائلًا: «كيف يأتيك الوحي؟». وفي رواية البخاري: «فقال: يا رسول الله، كيف يأتيك الوحي؟». ثم إنه يَحْتَمِل أن يكون المسؤول عنه صفة الوحي نفسه، ويَحْتَمِل أن يكون صفة حامله، أو ما هو أعمّ من ذلك، وعلى كل تقدير فإسناد الإتيان إلى الوحي مجاز؛ لأن الإتيان حقيقةٌ مِنْ وَصْف حامله، قاله في «الفتح» . وقال السنديّ -﵀-: ظاهره أن السؤال عن كيفية الوحي نفسه، لا عن كيفية المَلَك الحامل له، ويدل عليه أول الجواب، لكن آخر الجواب يميل إلى أن المقصود بيان كيفية الملك الحامل، فيقال: يلزم من كون الملَك في صورة الإنسان كون الوحي في صوت مفهومٍ متبيَّنٍ أولَ الوَهْلَة، فبالنظر إلى هذا اللازم صار بيانًا لكيفية الوحي، فلذلك قوبل بصلصلة الجرس، ويَحْتَمِل أن يكون السؤال عن كيفية الحامل؛ أي: كيف يأتيك حامل الوحي؟ انتهى . و«كيف» اسم لدخول الجارّ عليه بلا تأويل، في قولهم: على كيف تبيع الأحمرين؟ وتُستعمل شرطية، نحو: كيف تصنعْ أصنعْ، واستفهامية، نحو: كيف زيدٌ؟، ولغير ذلك، وهي هنا للاستفهام. و«الوحي»: الإشارة، والكتابة، والرسالة، والكلام الخفيّ، وكل ما ألقيته إلى غيرك، يقال: وَحَيْتُ إليه الكلام، وأوحيت، وَوَحَى وَحْيًا، وأوحَى أيضًا؛ أي: كتب، قال العَجَّاجُ [من الرجز]: حَتَّى نَحَاهُمْ جَدُّنَا وَالنَّاحِي … لِقَدَرٍ كانَ وَحَاهُ الْوَاحِي والوَحْيُ المكتوبُ، والكتاب أيضًا، وعلى ذلك جمعوه، فقالوا: وُحِيٌّ، مثل حَلْيٍ، وحُلِيٍّ. قال لَبِيد [من الكامل]: فَمَدَافِعُ الرَّيَّانِ عُرِّيَ رَسْمُهَا … خَلَقًا كَمَا ضَمِنَ الْوُحِيَّ سِلَامُهَا أراد: ما يُكتَب في الحجارة، ويُنقَش عليها. وأَوْحَى إليه: بعثه، وأوحى إليه: ألهمه، وفي التنزيل: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ [النحل: ٦٨]، وفيه: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا (٥)﴾ [الزلزلة: ٥]؛ أي: إليها، فمعنى هذا: أمَرَها، ووَحَى في هذا المعنى؛ قال العَجّاج [من الرجز]: وَحَى لَهَا الْقَرَارَ فَاسْتَقَرَّتِ … وَشَدَّهَا بِالرَّاسِيَاتِ الثُّبَّتِ ووَحَى إليه، وأوحى: كلَّمه بكلام يخفيه من غيره، ووحَى إليه، وأوحَى: أومأ، وفي التنزيل العزيز: ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: ١١]. وقال أبو الهَيْثَم: وأما اللغة الفاشية في القرآن فبالألف، وأما في غير القرآن: فوحيت إلى فلان مشهورة. انتهى ملخصًا من «لسان العرب» . هذا من حيث اللغة، وأما شرعًا، فهو الإعلام بالشرع، وقد يُطلق الوحى، ويراد به اسم المفعول منه؛ أي: الْمُوحَى، وهو كلام الله المنزل على النبيّ -﵃-. وله أقسام، وصور، فأما أقسامه في حق الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- فعلى ثلاثة أضرب: (أحدها): سماع كلام الله تعالى؛ كسماع موسى -﵊-. (والثاني): وحي رسالة بواسطة الملك. (والثالث): وحي تَلَقٍّ بالقلب؛ كقوله -ﷺ-: «إن روح القدس نَفَث في رُوعي. . .»؛ أي: في نفسي. وأما الوحي إلى غير الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- فهو الإلهام؛ كالوحي إلى النحل. وأما صُوَره فسبعة، على ما ذكره السهيليّ -﵀-: (الأولى): المنام، كما جاء في حديث عائشة -﵂- المشهور. (الثانية): أن يأتيه الوحي مثل صَلْصَلة الْجَرَس، كما في هذا الحديث. (الثالثة): أن يَنفُث في رُوعه الكلام، كما مر آنفًا. (الرابعة): أن يتمثَّل له الملك رجلًا، كما يأتي في هذا الحديث. (الخامسة): أن يتراءى له جبريل -﵇- في صورته التي خُلِقَ عليها. (السادسة): أن يكلمه الله من وراء حجاب. (السابعة): وحي إسرافيل -﵇-، ففي مسند أحمد بإسناد صحيح عن الشعبيّ: أن رسول الله -ﷺ- نزلت عليه النبوة، وهو ابن أربعين سنة، فقُرِنَ بنبوّته إسرافيل -﵇- ثلاث سنين، فكان يعلّمه الكلمة والشيء، ولم ينزل القرآن، فلما مضت ثلاث سنين؛ قُرِن بنبوّته جبريل -﵇-، فنزل القرآن على لسانه عشرين سنة: عشرًا بمكة، وعشرًا بالمدينة، فمات، وهو ابن ثلاث وَستين سنة، وأنكر بعضهم كونه وُكل به غير جبريل -﵇-. انتهى ملخصًا من «عمدة القاري» . (فَقَالَ) -ﷺ- مجيبًا على هذا السؤال («أَحْيَانًا يَأْتِينِي) الوحي (فِي مِثْلِ صَلْصَلَةِ الْجَرَسِ)؛ أي: يأتيني في صوت متدارك، لا يُدْرَك في أول الوَهْلَة؛ كصوت الجرَس؛ أي: يجيء في صورة وهيئة لها مثل هذا الصوت، فنبّه بالصوت الغير المعهود على أنه يجيء في هيئة غير معهودة، فلذا قابله بقوله:«في صورة الفتى»، وعلى الوجهين فصلصلة الجرس مثال لصوت الوحي. قاله السنديّ -﵀- . و«الصلصلة»-بمهملتين مفتوحتين، بينهما لام ساكنة- في الأصل صوت وقوع الحديد بعضه على بعض، ثم أُطلق على كل صوت له طنين. وقيل: هو صوت متدارِك، لا يُدْرَك في أول وهلة. قاله في«الفتح». وقال في«العمدة»:«الصلصلة»-بفتح الصادين المهملتين-: الصوت الذي لا يُفْهَم أوّلَ وَهْلَة. ويقال: هي صوت كل شيء مصوّت؛ كصلصلة السلسلة. وفي«العُباب»: صلصلة اللجام: صوته إذا ضوعف. وقال الخطابي: يريد أنه صوت متدارك يسمعه، ولا يتبيّنه أولَ ما يقرع سَمْعه حتى يفهمه مِن بَعدُ. وقال أبو علي الهجري في أماليه:«الصلصلة»للحديد، والنحاس، والصُّفْر، ويابس الطين، وما أشبه ذلك صوته. وفي«المحكم»: صَلَّ يَصِلُّ صَلِيلًا، وصَلْصَلَ، وتصَلْصَل صَلْصَلَةً، وتَصَلْصُلًا: صوّت. وقال القاضي: الصلصلة: صوت الحديد فيما له طنين. وقيل: معنى الحديث: هو قوةُ صوتِ حَفِيفِ أجنحة الملائكة، لتشغله عن غير ذلك، وتؤيده الرواية الأخرى:«كأنه سلسلة على صفوان»؛ أي: حفيف الأجنحة . انتهى . و«الجرس»-بفتح الجيم، والراء-: الجُلْجُل الذي يُعَلَّق في رؤوس الدواب، واشتقاقه من الجَرْسِ -بإسكان الراء- وهو الحِسّ. وقال الكرماني: الجَرَس: شِبْه ناقوس صغير، أو سَطْل في داخله قطعة نُحاس معلَّق منكوسًا على البعير، فإذا تحركت النحاسة، فأصابت السطل، فتحصل صلصلة، والعامة تقول: جرص بالصاد، وليس في كلام العرب كلمة اجتمع فيها الصاد والجيم، إلا الصمج، وهو القِندِيل، وأما الجص فَمُعَرّب. وقال ابن دريد: اشتقاقه من الجَرْس؛ أي: الصوت والحس. وقال ابن سِيَده: الجَرْس؛ أي: بالفتح، والجِرْس؛ أي: بالكسر، والجَرَسُ؛ أي: بفتحتين: الحركة والصوت من كل ذي صوت. وقيل: الْجَرْس بالفتح إذا أُفرد، فإذا قالوا: ما سمعتُ له حِسًّا ولا جِرْسًا كسروا، فأتبعوا اللفظ باللفظ. انتهى . قال في «الفتح»: [فإن قيل]: المحمود لا يُشَبَّهُ بالمذموم؛ إذ حقيقة التشبيه إلحاق ناقص بكامل، والمشبَّه الوحي، وهو محمود، والمشبَّه به صوت الجرس، وهو مذموم، لصحة النهي عنه، والتنفير من مرافقة ما هو معلَّق فيه، والإعلام بأنه لا تصحبهم الملائكة، كما أخرجه مسلم، وأبو داود، وغيرهما، فكيف يشبه ما فعله الملك بأمر تنفر منه الملائكة؟. [والجواب]: أنه لا يلزم في التشبيه تساوي المشبَّه بالمشبَّه به في الصفات كلها، بل ولا في أخص وصف له، بل يكفي اشتراكهما في صفةٍ ما، فالمقصود هنا بيان الجنس، فذَكَر ما ألِفَ السامعون سماعَهُ تقريبًا لأفهامهم. والحاصل: أن الصوت له جهتان: جهة قوة، وجهة طَنِين، فمن حيث القُوَّةُ وقع التشبيه به، ومن حيث الطرب وقع التنفير عنه، وعلل بكونه مزمار الشيطان. ويَحْتَمِل أن يكون النهي عنه وقع بعد السؤال المذكور، وفيه نظر. قيل: والصلصلة المذكورة: صوت الملك بالوحي. قال الخطابي: يريد أنه صوت متدارك، يسمعه، ولا يتبيّنه أولَ ما يسمعه حتى يفهمه بعدُ. وقيل: بل هو صوت حفيف أجنحة الملك. والحكمة في تقدمه أن يقرع سمعه الوحيُ، فلا يبقى فيه مكان لغيره، ولمّا كان الجرس لا تحصل صلصلته إلا متداركة وقع التشبيه به، دون غيره من الآلات. انتهى ما في «الفتح» . (وَهُوَ أَشَدُّهُ عَلَيَّ) وفي بعض النسخ: «وهو أشدّ عليّ»؛ أي: إن هذا النوع من الوحي، أشد أنواع الوحي عليّ، قال في «الفتح»: يُفْهَم منه أن الوحي كله شديد، ولكن هذه الصفة أشدّها، وهو واضح؛ لأن الفهم من كلام مثل الصلصلة أشكل من الفهم من كلام الرجل بالتخاطب المعهود، والحكمة فيه أن العادة جرت بالمناسبة بين القائل والسامع، وهي هنا إما باتّصاف السامع بوصف القائل بغلبة الروحانية، وهو النوع الأول، وإما باتصاف القائل بوصف السامع، وهو البشرية، وهو النوع الثاني، والأول أشدّ بلا شك. وقال شيخ الإسلام البلقينيّ: سبب ذلك أن الكلام العظيم له مقدمات تُؤْذِن بتعظيمه؛ للاهتمام به، كما في حديث ابن عباس: «كان يعالج من التنزيل شدّةً»، قال: وقال بعضهم: وإنما كان شديدًا عليه؛ ليستجمع قلبه، فيكون أوعى لِمَا سمع. انتهى. وقيل: إنه إنما كان ينزل هكذا إذا نزلت آية وعيد أو تهديد، وهذا فيه نظر، والظاهر أنه لا يختص بالقرآن، كما بُيِّن في حديث يعلى بن أمية -﵁- في قصة لابس الجبة المتضمِّخ بالطيب في الحج، فإن فيه أنه رآه -ﷺ- حال نزول الوحي عليه، وإنه ليغطّ، وفائدة هذه الشدّة ما يترتب على المشقة من زيادة الزلفى والدرجات. (ثُمَّ يَفْصِمُ عَنِّي) -بفتح أوله، وسكون الفاء، وكسر الصاد المهملة-؛ أي: يُقلع، ويتجلى ما يغشاني، ويُروى بضم أوله، من الرباعيّ، وفي رواية لأبي ذرّ بضمّ أوله، وفتح الصاد على البناء للمجهول، وأصل الفصم: القطع، ومنه قوله تعالى: ﴿لَا انْفِصَامَ لَهَا﴾ [البقرة: ٢٥٦]، وقيل: الفصم بالفاء: القطع بلا إبانة، وبالقاف: القطع بإبانة، فَذِكْرُه بالفصم إشارةٌ إلى أن الملك فارقه؛ ليعود، والجامع بينهما بقاء العلقة، قاله في «الفتح» . وقال الحافظ أبو عمر بن عبد البرّ -﵀- : «فيفصم عني»؛ أي: ينفرج عني، ويذهب، كما يُفصَمُ الخلخالُ إذا فتحتَه لتخرجه عن الرِّجل، وكل عُقدة حللتها، فقد فصمتها، قال الله تعالى: ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا﴾ [البقرة: ٢٥٦]، وانفصام العروة: أن تَنْفَكَّ عن موضعها، وأصل الفصم عند العرب: أن تفكّ الخَلْخال، ولا تُبينَ كسره، فإذا كسرته، فقد قصمته -بالقاف- قال ذو الرمة [من البسيط]: كَأنَّهُ دُمْلُجٌ مِنْ فِضةٍ نَبَهٌ … فِي مَلْعَبٍ مِنْ جَوَارِي الْحَي مَفْصُومُ وقال في «العمدة»: قوله: «فيفصم عني» فيه ثلاث روايات: [الأولى]: وهي أفصحها بفتح الياء، وإسكان الفاء، وكسر الصاد المهملة. قال الخطابي: معناه، يُقلع، ويتجلى ما يغشاني منه، قال: وأصل الفصم: القطع، ومنه: ﴿لَا انْفِصَامَ لَهَا﴾ [البقرة: ٢٥٦]، وقيل: إنه الصَّدْع بلا إبانة، وبالقاف قطعٌ بإبانة، فمعنى الحديث: أن الملَك فارقه ليعود. [الثانية]: بضم أوله، وفتح ثالثه، على صيغة المجهول من المضارع الثلاثي. [الثالثة]: بضم أوله، وكسر ثالثه، من أفصم المطرُ: إذا أقلع، وهي لغة قليلة. وقال العلامة ابن منظور -﵀-: الفَصْم: الكسر من غير بينونة، فَصَمه يَفْصِمُه فَصْمًا، فانْفَصَم: كسره من غير أن يَبين، وتَفَصَّم مثله، وفَصَّمه فَتَفَصَّم، وخَلْخال أفْصَمُ مُتَفَصِّم، قال عمارة بن راشد [من الطويل]: وأمَّا الألى يَسْكُنَّ غَوْرَ تِهامةٍ … فَكُلُّ كَعابٍ تَتْرُكُ الحِجلَ أَفْصَما وفُصِم جانبُ البيتِ: انهدمَ، والانفِصامُ: الانقطاع، وفي التنزيل العزيز: ﴿لَا انْفِصَامَ لَهَا﴾؛ أي: لا انقطاع لها، وقيل: لا انكسار لها، وقال أبو عبيد: الفَصم بالفاء: أن ينصدع الشيء من غير أن يَبِين، من فَصَمتُ الشيء أَفْصِمه فَصْمًا: إذا فعلت ذلك به، فهو مَفصُوم، قال ذو الرمة يذكر غزالًا شبّهه بدُمْلُج فضة [من الطويل]: كأنَّه دُمْلُجٌ مِن فِضَّةٍ نَبَهٌ … في مَلْعَبٍ مِن جواري الحَيِّ مَفْصُومُ شَبَّه الغزال، وهو نائم بدملج فضة قد طُرح، ونُسِي، وكل شيء سقط من إنسان، فنسيه، ولم يهتد له فهو نَبَهٌ. انتهى . (وَقَدْ وَعَيْتُهُ) -بفتح العين-؛ أي: حَفِظت، وفَهِمت. قال ابن منظور -﵀-: الوَعْيُ حفظ القلب الشيءَ، يقال: وَعَى الشيءَ، والحديثَ يَعِيه وَعْيًا، من باب وَعَدَ، وأوعاه: حَفِظَه، وفَهِمَهُ، وقَبِلَه، فهو واعٍ، وفلان أوعى من فلان؛ أي: أحفظ، وأفهم. وقال الجوهريّ -﵀-: أوعَيتُ الزادَ والمتاعَ: إذا جعلته في الوعاء، قال عَبِيدُ بن الأبْرَصِ [من البسيط]: الْخَيْرُ يَبْقَى وَإنْ طَالَ الزَّمَانُ بِهِ … وَالشَّرُّ أخْبثُ مَا أوْعَيْتَ مِنْ زَادِ انتهى كلام ابن منظور بتصرف، واختصار . والجملة في محل نصب على الحال من فاعل «يفصم». وفي رواية البخاريّ: «وقد وَعَيتُ عنه ما قال»، و«ما» مصدرية حرفية، أو اسم موصول، والعائد مقدَّر؛ أي: والحال أني قد حفظت عن ذلك الملَك قوله، أو القول الذي قاله. وفيه إسناد الوحي إلى قول الملك، ولا معارضة بينه وبين قوله تعالى حكاية عمن قال من الكفار: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥)﴾ [المدثر: ٢٥]؛ لأنهم كانوا يُنكرون الوحي، ويُنكرون مجيء الملَك به، قاله في «الفتح» . (وَأَحْيَانًا) جمع حِين، يُطلق على كثير الوقت وقليله، والمراد به هنا مجرد الوقت، فكأنه قال: أوقاتًا يأتيني، وانتصابه على الظرفية، وعامله «يأتيني» مقدّرًا بدليل ما قبله، فقوله: (مَلَكٌ) فاعل بالفعل المقدّر؛ أي: يأتيني ملك. وفي رواية للبخاريّ في «بدء الخلق»: «كل ذلك يأتي الملك»؛ أي: كل ذلك حالتان، فذكرهما. وروى ابن سعد من طريق أبي سلمة الماجشون أنه بلغه أن النبيّ -ﷺ- كان يقول: «كان الوحي يأتيني على نحوين: يأتيني به جبريل، فيُلقيه عليّ كما يلقي الرَّجُل على الرَّجُل، فذاك ينفلت مني، ويأتيني في بيتي مثل صوت الجرس حتى يخالط قلبي، فذاك الذي لا يَتَفَلَّتُ مني». قال الحافظ -﵀-: وهذا مرسل مع ثقة رجاله، فإن صح فهو محمول على ما كان قبل نزول قوله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ﴾ الآية [القيامة: ١٦]، فإن الملَك قد تمثّل رجلًا في صور كثيرة، ولم ينفلت منه ما أتاه به، كما في قصة مجيئه في صورة دحية، وفي صورة أعرابي، وغير ذلك، وكلها في الصحاح. وأُورِدَ على ما اقتضاه الحديث -وهو أن الوحي منحصر في الحالتين- حالات أخرى: إما من صفة الوحي؛ كمجيئه كدَوِي النحل، والنَّفْثِ في الرُّوع، والإلهام، والرؤيا الصالحة، والتكليم ليلة الإسراء بلا واسطة. وإما من حامل الوحي؛ كمجيئه في صورته التي خُلِق عليها، له ستمائة جناح، ورؤيته على كرسي بين السماء والأرض، وقد سَدّ الأفق. والجواب: مَنْع الحصر في الحالتين المتقدِّم ذِكرهما، وحَمْلهما على الغالب، أو حَمْل ما يغايرهما على أنه وقع بعد السؤال، أو لم يتعرض لصفتي الملك المذكورتين لِنُدُورهما، فقد ثبت عن عائشة -﵂- أنه لم يره كذلك إلا مرتين، أو لم يأته في تلك الحالة بوحي، أو أتاه به، فكان على مثل صلصلة الجرس، فإنه بَيَّنَ بها صفة الوحي، لا صفة حامله. وأما فنون الوحي، فدويّ النحل لا يعارض صلصلة الجرس؛ لأن سماع الدويّ بالنسبة إلى الحاضرين -كما في حديث عمر- يُسمَع عنده كدويّ النحل، والصلصلة بالنسبة إلى النبيّ -ﷺ-، فشبَّهه عمر بدويّ النحل بالنسبة إلى السامعين، وشبَّهه هو -ﷺ- بصلصلة الجرس بالنسبة إلى مقامه. وأما النَّفْث في الرُّوع، فيَحْتَمِل أن يرجع إلى إحدى الحالتين، فإذا أتاه الملَك في مثل صلصلة الجرس نفث حينئذ في رُوعه. وأما الإلهام فلم يقع السؤال عنه؛ لأن السؤال وقع عن صفة الوحي الذي يأتي بحامل، وكذا التكليم ليلة الإسراء. وأما الرؤيا الصالحة، فقال ابن بطال: لا تَرِدُ؛ لأن السؤال وقع عما ينفرد به عن الناس؛ لأن الرؤيا قد يَشرَكُهُ فيها غيره. انتهى. والرؤيا الصادقة، وإن كانت جزءًا من النبوة، فهي باعتبار صِدقها لا غير، وإلا لساغ لصاحبها أن يسمى نبيًّا، وليس كذلك. ويَحْتَمِل أن يكون السؤال وقع عما في اليقظة، أو لكون حال المنام لا يخفى على السائل، فاقتصر على ما يخفى عليه، أو كان ظهور ذلك له -ﷺ- في المنام أيضًا على الوجهين المذكورين، لا غير، قاله الكرماني. قال الحافظ: وفيه نظر. وقد ذكر الْحَلِيميّ أن الوحي كان يأتيه على ستة وأربعين نوعًا -فذكرها- وغالبها من صفات حامل الوحي، ومجموعها يدخل فيما ذُكِر. وحديثُ: «إن روح القدس نفث في رُوعي». أخرجه ابن أبي الدنيا في القناعة، وصححه الحاكم من طريق ابن مسعود -﵁-. انتهى كلام الحافظ -﵀- . (فِي مِثْلِ صُورَةِ الرَّجُلِ) وفي رواية البخاريّ: «وأحيانًا يتمثل لي الملك رجلًا»، والتمثل مشتق من المَثَل؛ أي: يَتصور، «وأل» في «الملك» للعهد، والمعهود هو جبريل، وقد وقع التصريح به في رواية ابن سعد من طريق أبي سلمة الماجشون، ولفظه: «كان الوحي يأتيني على نحوين: يأتيني به جبريل، فيلقيه عليّ، كما يلقي الرجل على الرجل. . .» الحديث. وهو مرسل تقدم الكلام عليه. وفيه دليل على أن الملك يتشكل بشكل البشر، قال المتكلمون: الملائكة أجسام علوية لطيفة، تتشكل أيَّ شكل أرادوا، وزعم بعض الفلاسفة أنها جواهر روحانية. ذكره في «الفتح». [تنبيه]: المراد بالرَّجُلِ دحية بن خليفة الكلبيّ، وقد يكون غيره. قال الحافظ السيوطيّ -﵀-: قال المتكلمون: الملائكة أجسام علوية لطيفة، تتشكل أيَّ شكل أرادوا. وقد سأل عبد الحق الصَّقَلِيُّ إمامَ الحرمين حين اجتمع به بمكة عن هذه، وكيف كان جبريل يجيء مرّة في صورة دحية، وجاء مرة في هيئة رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، وصورته الأصلية له ستمائة جناح، وكل جناح منها يسد الأفق؟. فقال: مِنْ قائل: إنه سبحانه يُفني الزائدَ من خلقه، ثم يعيده، ومن قائل: إن ذلك إنما هو تمثيل في عين الرائي، لا في جسم جبريل، وهو الذي يعطيه قوله: «يتمثل لي». قال: وتحقيقه أن جبريل عبارة عن الحقيقة الملكية الخاصة، والملك لا يتغير بالصورة والقوالب، كما أن حقيقتنا لا تتغير بها، ألا ترى أن الجسم يتغير، ويفنى مع أن الأرواح لا تتغير، كما أنها في الجنة تركب على أجسام لطيفة نورانية ملكية، تنعكس الأبدان الآدمية الكثيفة هناك إلى عالم الكمال الجسماني على نحو الأجسام الملكية الآن، فحقيقة جبريل كانت معلومة عند النبيّ -ﷺ- مجعولة في أيّ قَالَب كان. قلت : ولهذا ورد في حديث مجيئه، وسؤاله عن الإيمان: «ما جاءني قط، إلا وأنا أعرفه، إلا أن يكون هذه المرة». انتهى المقصود من كلام السيوطيّ -﵀- . وقال في «الفتح»: قال إمام الحرمين: تمثّل جبريل معناه: أن الله أفنى الزائد من خَلْقه، أو أزاله عنه، ثم يعيده إليه بَعْدُ. وجزم ابن عبد السلام بالإزالة دون الفناء، وقرر ذلك بأنه لا يلزم أن يكون انتقالها موجبًا لموته، بل يجوز أن يبقى الجسد حيًّا؛ لأن موت الجسد بمفارقة الروح ليس بواجب عقلًا، بل بعادة أجراها الله تعالى في بعض خلقه، ونظيره انتقال أرواح الشهداء إلى أجواف طيور خضر تَسْرَحُ في الجنة. وقال شيخ الإسلام -يعني: البلقيني-: ما ذكره إمام الحرمين لا ينحصر الحال فيه، بل يجوز أن يكون الآتي هو جبريل بشكله الأصليّ، إلا أنه انضم، فصار على قَدْر هيئة الرجل، وإذا ترك ذلك عاد إلى هيئته. ومثال ذلك القُطن إذا جُمع بعد أن كان منتفشًا، فإنه بالنفش يحصل له صورة كبيرة، وذاته لمَ تتغير، وهذا على سبيل التقريب. والحق أن تمثُّل الملَك رجلًا ليس معناه: أن ذاته انقلبت رجلًا، بل معناه أنه ظهر بتلك الصورة تأنيسًا لمن يخاطبه، والظاهر أيضًا أن القدر الزائد لا يزول، ولا يفنى، بل يخفى على الرائي فقط، والله أعلم. انتهى كلام الحافظ . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: لا ينقضي عجبي من هؤلاء الأفاضل كيف استساغوا الخوض في هذا البحث الذي هو من فضول الكلام، ومن الخوض فيما لا يعني؟ فيا ليتهم لم يضيّعوا الوقت في شيء لا ينفعهم، ولا ينفع الأمة، بل هو مجرّد إضاعة للوقت، وذلك لأمور: (الأول): أنه مما لم يُكَلِّفِ الشرعُ أحدًا بالخوض فيه. (الثاني): أنه من القول بلا علم؛ لأنه ليس عليه أثارة من علم، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦)﴾ [الإسراء: ٣٦]. (الثالث): أنه مما لم يَخُضْ فيه السلف، ولو كان فيه خير لكانوا أسبق الناس إليه. فالواجب على العاقل أن لا يخوض في مثل هذا إلا بدليل، فما جاءنا من النبيّ -ﷺ- بيانه من كون الملائكة خُلقوا من نور، وأن لهم أجنحة، وأنهم يتشكلون بشكل البشر، وأن جبريل يأتيه بصورة رجل، ونحو ذلك آمنّا به، وتكلمنا بتفاصيل ما أوضحه النبيّ -ﷺ-، وما لا فلا، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. زاد في رواية البخاريّ: «فيكلمني»، قال في «الفتح»: كذا للأكثر، ووقع في رواية البيهقيّ من طريق القعنبيّ، عن مالك: «فيعلمني» بالعين بدل الكاف، والظاهر أنه تصحيف، فقد وقع في «الموطإ» روايةِ القعنبيّ بالكاف، وكذا للدارقطنيّ في حديث مالك من طريق القعنبيّ وغيره. انتهى . (فَأَعِي مَا يَقُولُ) زاد أبو عوانة في «صحيحه»: «وهو أهونه عليّ»، وقد وقع التغاير في الحالتين، حيث قال في الأول: «وقد وعَيتُ» بلفظ الماضي، وهنا بلفظ الاستقبال؛ لأن الوعي حصل في الأول قبل الفصم، وفي الثاني حصل بعد المكالمة، أو أنه في الأول قد تلبَّس بالصفات الملكية، فإذا عاد إلى حالته الجِبِلّية كان حافظًا لِما قيل له، فعبر عنه بالماضي، بخلاف الثاني، فإنه على حالته المعهودة، قاله في «الفتح» ، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة -﵂- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٣/ ٦٠٤٠ و٦٠٤١] (٢٣٣٣)، و(البخاريّ) في «بدء الوحي» (٢) و«بدء الخلق» (٣٢١٥) وفي «خلق أفعال العباد» (١/ ٩٤)، و(الترمذيّ) في «المناقب» (٣٦٣٨)، و(النسائيّ) في «المجتبى» (٢/ ١٤٦ - ١٤٧) و«الكبرى» (١٠٠٥ و١٠٠٦)، و(مالك) في «الموطّأ» (١/ ٢٠٢ - ٢٠٣)، و(عبد الرّزّاق) في «مصنّفه» (٥/ ٤١٠)، و(أحمد) في «مسنده» (٦/ ١٥٨ و٢٥٧)، و(عبد بن حميد) (١٤٩٠)، و(ابن راهويه) في «مسنده» (٢/ ٢٥٢)، و(الحميديّ) في «مسنده» (٢٥٦)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٣٨)، و(أبو نعيم) في «دلائل النبوّة» (١/ ٢٧٩)، و(الطبرانيّ) في «الكبير» (٣/ ٢٥٩)، و(ابن منده) في «الإيمان» (٢/ ٦٨٨)، و(الحاكم) في «المستدرك» (٣/ ٣١٤)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٧/ ٥٢) و«الأسماء والصفات» (ص ٢٠٤) و«دلائل النبوّة» (٧/ ٥٢ - ٥٣)، و(البغويّ) في «شرح السُّنَّة» (٣٧٣٧)، والله تعالى أعلم. (المسألة الرابعة): في فوائده: ١ - (منها): أن فيه دليلًا على أن أصحاب رسول الله -ﷺ- كانوا يسألونه عن كثير من المعاني، وكان رسول الله -ﷺ- يجيبهم، ويعلّمهم، وكانت طائفة منهم تسأل، وطائفة تحفظ، وكلهم أدّى، وبلّغ ما عَلِم، ولم يكتم حتى أكمل الله دينه، والحمد لله. ٢ - (ومنها): أن السؤال عن الكيفية لطلب الطمأنينة لا يقدح في اليقين. ٣ - (ومنها): جواز السؤال عن أحوال الأنبياء -﵈- من الوحي وغيره. ٤ - (ومنها): أن المسؤول عنه إذا كان ذا أقسام يذكر المجيب في أول جوابه ما يقتضي التفصيل. ٥ - (ومنها): أن فيه إثباتَ الملائكة ردًّا على من أنكرهم، من الملاحدة، والفلاسفة. ٦ - (ومنها): أن فيه دلالةً على أن الملَك له قدرة على التشكل بما شاء من الصور. ٧ - (ومنها): ما قاله الحافظ أبو عمر بن عبد البرّ -﵀-: وفي هذا الحديث: نوعان أو ثلاثة من أنواع نزول الوحي، وقد ورد في غير ما حديث من نزول الوحي أنواع، حتى الرؤيا الصالحة جعلها جزءًا من أجزاء النبوة، ولكنه أراد بهذا الحديث نزول ما يُتْلَى، والله أعلم. وقد روى حماد بن سلمة، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس -﵄-، قال: كان الوحي إذا نزل سمعت الملائكة صوتًا كإمرار السلسلة على الصَّفَا. وفي حديث يوم حنين أنهم سمعوا صلصلة بين السماء والأرض كإمرار الحديد على الطست الجديد. وقالت عائشة -﵂-: كان أول ما بدئ به رسول الله -ﷺ- من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، متفق عليه. وقد كان -ﷺ- يتبدى له جبريل -﵇- بين السماء والأرض، وذلك بُيّنَ في حديث جابر بن عبد الله الذي أخرجه الشيخان، وأحيانًا يأتيه جبريل في هيئة إنسان، فيكلمه مشافهة كما يكلم المرء أخاه، وذلك بُيّن في حديث عمر بن الخطاب، وعبد الله بن عمر في الإيمان، والإسلام، وحديثه حين جاء جبريل في صفة دحية الكلبي، وفي حديث عمر بن الخطاب، ويعلى بن أمية إذا نزل عليه الوحي يحمرّ وجهه، وَيغطّ غَطيط البكر، وينفخ، إلى غير ذلك من أنواع الوحي الكثيرة. وروى ابن وهب عن يونس بن يزيد، عن ابن شهاب أنه سئل عن هذه الآية: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَو مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَو يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ (٥١)﴾ [الشورى: ٥١]. قال: نرى هذه الآية تعمّ مَنْ أوحَى الله إليه من البشر كلهم، والكلام ما كلم الله موسى -﵇- من وراء حجاب. والوحي ما يوحي الله إلى نبيّ من أنبيائه، فيثبت الله ما أراد من الوحي في قلب النبيّ، فيتكلم به النبيّ، ويكتبه، فهو كلام الله ووحيه. ومنه ما يكون بين الله ورسله لا يكلم به أحد من الأنبياء أحدًا من الناس، ولكن يكون سرّ غَيْب بين الله وبين رسله. ومنه ما يتكلم به الأنبياء، ولا يكتمونه أحدًا، ولا يؤمَرون بكتمانه، ولكنهم يحدّثون به الناس حديثًا، ويبيّنون لهم أن الله -﷿- أمرهم أن يبيّنوه للناس، ويبلغوهم إياه. ومن الوحي ما يُرسل الله من يشاء من ملائكته، فيوحيه وحيًا في قلوب من يشاء من أنبيائه ورسله. وقد بَيَّن في كتابه أنه كان يرسل جبريل إلى محمد -ﷺ-، فقال في كتابه: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ الآية [البقرة: ٩٧]. وقال -﷿-: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥)﴾ [الشعراء: ١٩٢ - ١٩٥]. وروي عن مجاهد في قول الله -﷿-: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا﴾ قال: أن ينفث في نفسه، ﴿أَو مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ قال: موسى حين كلمه الله، ﴿أَو يُرْسِلَ رَسُولًا﴾ قال: جبريل إلى محمد -ﷺ-، وأشباهه من الرسل، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. انتهى كلام الحافظ ابن عبد البر -﵀- ببعض تصرف ، والله ﷾ أعلم.
مصادر المؤلف (٣٣)

١. «شرح النوويّ» ١٥/ ٨٧ - ٨٨.

٢. «النهاية في غريب الأثر» ٢/ ١٤٠.

٣. «لسان العرب» ٩/ ١٠٨.

٤. بضمّ، ففتح: العرق في إثر الحمّى.

٥. بضمّ، فسكون: تتابع النفَس، وبالفتح: المصدر.

٦. «عمدة القاري» ١/ ٤٣.

٧. «الفتح» ١/ ٥٢، كتاب «بدء الوحي» رقم (٢).

٨. وفي نسخة: «وهو أشدّ عليّ».

٩. «عمدة القاري» ١/ ٤٩.

١٠. «الفتح» ١/ ٥٢، كتاب «بدء الوحي» رقم (٢).

١١. «الفتح» ١/ ٤٧، كتاب «بدء الوحي» رقم (٢).

١٢. «حاشية السنديّ على النسائيّ» ٢/ ١٤٦.

١٣. «لسان العرب» ١٥/ ٣٧٩ - ٣٨٠.

١٤. «عمدة القاري»١/ ٤٠.

١٥. «حاشية السنديّ على النسائيّ»٢/ ١٤٦.

١٦. «الفتح»١/ ٤٩، كتاب«بدء الوحي»رقم (٢).

١٧. «حفيف الأجنحة»بالحاء المهملة: صوتها.

١٨. «عمدة القاري» ١/ ٤٠.

١٩. راجع: «عمدة القاري» ١/ ٤١٠.

٢٠. «الفتح» ١/ ٤٩ - ٥٠، كتاب «بدء الوحي» رقم (٢).

٢١. «الفتح» ١/ ٤٩ - ٥٠، كتاب «بدء الوحي» رقم (٢).

٢٢. «التمهيد» ٢٢/ ١١٤ - ١١٥، و«الاستذكار» ٨/ ٦٧ - ٦٨.

٢٣. «النبه» بفتحتين: كل شيء سقط عن الإنسان، فنسيه، قاله في «اللسان».

٢٤. «لسان العرب»١٢/ ٤٥٣.

٢٥. «لسان العرب»١٥/ ٣٩٧.

٢٦. «الفتح»١/ ٤٩ - ٥١، كتاب«بدء الوحي»رقم (٢).

٢٧. «الفتح» ١/ ٤٨ - ٤٩، كتاب «بدء الوحي» رقم (٢).

٢٨. القائل السيوطيّ، فتنبّه.

٢٩. «زهر الربى في شرح المجتبى» ٢/ ١٤٨.

٣٠. «الفتح» ١/ ٥١، كتاب «بدء الوحي» رقم (٢).

٣١. «الفتح» ١/ ٥١ - ٥٢، كتاب «بدء الوحي» رقم (٢).

٣٢. «الفتح» ١/ ٥٢، كتاب «بدء الوحي» رقم (٢).

٣٣. «التمهيد» ٢٢/ ١١٣ - ١١٤، و«الاستذكار» ٨/ ٦٠ - ٦٧.