HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٣٣٦

حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ أَبِي مُزَاحِمٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ زِيَادٍ (قَالَ مَنْصُورٌ: حَدَّثَنَا. وقَالَ ابْنُ جَعْفَرٍ: أَخْبَرَنَا) إِبْرَاهِيمُ (يَعْنِيَانِ ابْنَ سَعْدٍ) عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ. قَالَ: كَانَ أَهْلُ الْكِتَابِ يَسْدِلُونَ أَشْعَارَهُمْ. وكان المشركون يفرقون رؤوسهم. وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحِبُّ مُوَافَقَةَ أَهْلِ الْكِتَابِ فِيمَا لَمْ يُؤْمَرْ بِهِ. فَسَدَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ناصيته. ثم فرق بعد.
ج ٤ ص ١٨١٧

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في مصدر واحد سنن أبي داود
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣٧ ص٥٧٨
عياض -﵀-: قيَّده شيخنا أبو عبد الله محمد بن عيسى الجياني بضم الهمزة، وتاء باثنتين من فوقها ساكنة، ولام مكسورة، مثال: أُعْطِيَ، وعند الفارسي مثله، إلا أنه بثاء مثلثة، وعند العذري من طريق شيخه الأسدي: بكسر الثاء المثلثة: أُثِلَ، مثل ضُرِب، وكان عند شيخنا الحافظ أبي عليّ: «أُجْلِي» بالجيم، مثل أُعْطِي أيضًا، وعند ابن ماهان: «انجلى» بالنون، وكذا رواه البخاري، وهاتان الروايتان لهما وجه؛ أي: انكشف عنه، وذهب، وفُرّج عنه، يقال: انجلى عنه الغمّ، وأجليته؛ أي: فرّجته، فتفرّج، وأَجْلَوا عن قتيل؛ أي: أفرجوا عنه، وتركوه، ورواه البخاريّ في «كتاب الاعتصام»: «فلما صَعِد الوحي»، وهو صحيح، وفي البخاريّ في «سورة سبحان»: «فلما نزل الوحي»، وكذا في مسلم في حديث سؤال اليهوديّ، وهذا وَهَمٌ بَيِّنٌ، ورواه ابن أبي خيثمة: «فلما أُعلِيَ عنه»؛ أي: نُحِّيَ عنه، كما قال أبو جهل: اعْلُ عَنِّي؛ أي: تَنَحَّ، ذكر هذا كلّه القاضي عياض في كتابه «مشارق الأنوار» . ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٢٤) - (بَابٌ فِي سَدْلِ النَّبِيِّ -ﷺ- شَعْرَهُ، وَفَرْقِهِ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦٠٤٤] (٢٣٣٦) - (حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ أَبِي مُزَاحِمٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ زِيَادٍ، قَالَ مَنْصُورٌ: حَدَّثَنَا، وَقَالَ ابْنُ جَعْفَرٍ: أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ -يَعْنِيَانِ ابْنَ سَعْدٍ- عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَانَ أَهْلُ الْكِتَابِ يَسْدُلُونَ أَشْعَارَهُمْ، وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ يَفْرُقُونَ رُءُوسَهُمْ، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- يُحِبُّ مُوَافَقَةَ أَهْلِ الْكِتَابِ فِيمَا لَمْ يُؤْمَرْ بِه، فَسَدَلَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- نَاصِيَتَهُ، ثُمَّ فَرَقَ بَعْدُ). قال الجامع عفا الله عنه: هذا الإسناد نفسه تقدّم قبل أحد عشر بابًا، واسم أبي مزاحم: بَشِير، و«عبيد الله بن عبد الله» هو: ابن عتبة بن مسعود. شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) -﵄-، كذا وصله إبراهيم بن سعد هنا، ويونس عند البخاريّ، واختُلف على معمر في وَصْله وإرساله، قال عبد الرزاق في «مصنفه»: أنبأنا معمر، عن الزهري، عن عبيد الله: «لَمّا قَدِم رسول الله -ﷺ- المدينة. . .» فذكره مرسلًا، وكذا أرسله مالك، حيث أخرجه في «الموطأ» عن زياد بن سعد، عن الزهري، ولم يذكر مَن فوقه، أفاده في «الفتح» . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الوصل أرجح من الإرسال هنا؛ لأن الذي وَصَله إبراهيم بن سعد، كما هنا، ويونس عند البخاريّ، وهما ثقتان ثبتان، وإن كان مالك، ومعمر كذلك أيضًا، إلا أن معهما زيادةَ علم، فوجب قبولها، ولذلك اتّفق الشيخان على إخراج الحديث في «صحيحيهما»، والله تعالى أعلم. (قَال) ابن عبّاس -﵄- (كَانَ أَهْلُ الْكِتَابِ) اليهود والنصارى، (يَسْدُلُونَ أَشْعَارَهُمْ) من بابَي نصر، وضرب، قال في «القاموس»: سَدَل الشعر يَسْدِله -أي: بالكسر- ويَسْدُله -أي: بالضمّ- وأسدله: أرخاه، وأرسله. انتهى. والسدلُ: إرسال الشعر حول الرأس، من غير أن يُقسّم بنصفين، وقال النوويّ: قال أهل اللغة: يقال: سدل يسدُل، ويسدِل بضمّ الدال، وكسرها. انتهى. (وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ يَفْرُقُونَ رُؤُوسَهُمْ) من بابَي نصر، وضرب، وقال في «المصباح»: فرقتُ بين الشيء فَرْقًا، من باب قتل: فصلت أبعاضه، وفرَقتُ بين الحقّ والباطل: فصلت أيضًا، هذه هي اللغة العالية، وبها قرأ السبعة في قوله تعالى: ﴿فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [المائدة: ٢٥]، وفي لغةٍ من باب ضرب، وقرأ بها بعض التابعين. انتهى. وقال في «الفتح»: قوله: «يفرقون»: هو بسكون الفاء، وضم الراء، وقد شدّدها بعضهم، حكاه عياض، قال: والتخفيف أشهر. انتهى . والفرق أن يَقْسِم الشعر نصفين: نصفه من يمينه على الصدر، ونصفه من يساره عليه. (وَكَانَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- يُحِبُّ مُوَافَقَةَ أَهْلِ الْكِتَابِ فِيمَا لَم يُؤْمَرْ بِهِ)، وفي رواية معمر: «وكان إذا شكّ في أمر، لم يؤمر فيه بشيء، صَنع ما يصنع أهل الكتاب». (فَسَدَلَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-)؛ أي: موافقةً لأهل الكتاب، (نَاصِيَتَهُ) قال في «التاج»: الناصية، والناصاة: قُصَاص الشعر، في مقدم الرأس، والجمع النواصي، قال الأزهريّ: الناصية في كلام العرب: منبت الشعر في مقدم الرأس، لا الشعر الذي تسميه العامة الناصية، وسمى الشعر ناصية؛ لنباته من ذلك الموضِع. انتهى . (ثُمَّ فرَقَ) النبيّ -ﷺ- بتخفيف الراء على الأشهر، من بابي نصر، وضرب، كما مرّ آنفًا. (بَعْدُ) بالبناء على الضمّ؛ لِقطعه عن الإضافة، ونيّة معناها؛ أي: بعد ذلك، وفي رواية معمر: «ثم أُمر بالفرق، ففرَق»، وكان الفرق آخر الأمرين. قال في «الفتح»: وكأن السر في ذلك أن أهل الأوثان، أبعد عن الإيمان، من أهل الكتاب، ولأن أهل الكتاب يتمسكون بشريعة في الجملة، فكان يُحب موافقتهم؛ ليتألّفهم ولو أدت موافقتهم إلى مخالفة أهل الأوثان، فلما أسلم أهل الأوثان الذين معه، والذين حوله، واستمرّ أهل الكتاب على كفرهم، تمحّضت المخالفة لأهل الكتاب. وقال القرطبيّ: قال القاضي عياض: سَدْل الشعر إرساله، والمراد به هنا عند العلماء: إرساله على الجبين، واتخاذه كالقَصَّة، يقال: سدل شعره، وثوبه: إذا أرسله، ولم يضمّ جوانبه، والفرق: تفريق الشعر بعضه عن بعض، والفرق: تفريقك بين كل شيئين، قال الحربيّ: والمفرّق: موضع الفرق، والفرق في الشعر سُنَّة؛ لأنَّه الذي رجع إليه النبيّ -ﷺ-، والظاهر أنه بوحي؛ لقول الراوي: «كان يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء، فسدل، ثم فرق بَعْدُ»، فظاهره: أنه لأمر من الله تعالى، حتى جعله بعضهم نَسْخًا، وعلى هذا لا يجوز السَّدل، ولا اتِّخاذ الناصية والْجُمَّة، وقد روي: أن عمر بن عبد العزيز -﵀- كان إذا انصرف من الجمعة أقام على باب المسجد حَرَسًا يجزُّون كل من لم يفرق شعره. قال القرطبيّ: وفيما قاله القاضي -﵀-، وحكاه نظر، بل الظاهر من مساق الحديث أن السَّدل إنما كان يفعله لأجل محبته استئلاف أهل الكتاب بموافقتهم، لكنه كان يوافقهم فيما لم يُشرع له فيه، فلما استمروا على عنادهم، ولم ينتفعوا بالموافقة، أحبَّ مخالفتهم أيضًا فيما لم يُشرع له، فصارت مخالفتهم محبوبة له، لا واجبة عليه، كما كانت موافقتهم. وقوله: «فيما لم يؤمر»؛ يعني: فيما لم يُطْلب منه، والطلب يشمل الواجب والمندوب، كما قررناه في الأصول، وأما توهُّم النَّسخ في هذا، فلا يُلتفت إليه؛ لإمكان الجمع، كما قررناه، وهذا بعد تسليم أن محبة موافقتهم ومخالفتهم حكم شرعيّ، فإنَّه يَحْتَمِل أن يكون ذلك أمرًا مصلحيًّا، هذا مع إنه لو كان السَّدل منسوخًا بوجوب الفرق لصار الصحابة -﵃- إليه، أو بعضهم، وغاية ما روي عنهم أنه كان منهم من فرق، ومنهم من سدل، فلم يعب السَّادل على الفارق، ولا الفارق على السَّادل، وقد صحَّ عنه -﵁- أنه كان له لِمَّةٌ، فإن انفرقت فرقها، وإلا تركها، وهذا يدلُّ على أن هذا كان غالب حاله؛ لأنَّ ذلك ذَكَره مع جملة أوصافه الدائمة، وحِليته التي كان موصوفًا معروفًا بها، فالصحيح: أن الفرق مستحبٌّ، لا واجب، وهذا الذي اختاره مالك، وهو قول جلّ أهل المذاهب. والله تعالى أعلم. وقوله: «كان يحبُّ موافقة أهل الكتاب» قد قلنا: إن ذلك كان في أوَّل الأمر عند قدومه المدينة في الوقت الذي كان يستقبل قبلتهم، وإن ذلك كله كانت حكمته التأنيس لأهل الكتاب، حتى يُصْغُوا إلى ما جاء به، فيتبيّن لهم أنه الحقّ، والاستئلاف لهم ليدخلوا في الدين، فلما غلبت عليهم الشقوة، ولم ينفع معهم ذلك نَسَخ الله تعالى استقبال قبلتهم بالتوجه نحو الكعبة، وأمر النبيّ -ﷺ- بمخالفتهم في غير شيء؛ كقوله: «إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم»، وذكر أبو عمر في «التمهيد» عن ابن عمر -﵄- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «اخضبوا، وافرقوا، خالفوا اليهود»، قال: إسناده حسن، ورجاله كلهم ثقات؛ وكقوله في الحائض: «اصنعوا كل شيء إلا النكاح»، حتى قالت اليهود: ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئًا إلا خالفنا فيه، فاستقر آخر أمره على مخالفتهم فيما لم يُحكم عليه فيه بحكم، فإذا ثبت هذا فلا حجَّة في قول عائشة -﵂-: «كان -ﷺ- يحب موافقة أهل الكتاب» على أن شَرْعهم شَرْع له، فتأمَّل ذلك. قال: واختلاف هذه الأحاديث في كيفية شَعْر رسول الله -ﷺ- إنما هو اختلاف أحوال؛ إذ قد فعل ذلك كله، فقد سدل، وفرق، وكان شعره لِمَّة، ووفرة، وجُمَّة. وقد روى الترمذيّ من حديث أم هانئ -﵂- قالت: «قدم رسول الله -ﷺ- مكة، وله أربع غدائر»، قال: هذا حديث حسن صحيح. والغدائر: الضفائر، قال امرؤ القيس [من الطويل]: غدائره مُسْتَشْزِراتٌ إلى العُلا … تَضِلُّ الْعِقَاصُ في مُثَنًّى ومُرْسَلِ انتهى كلام القرطبيّ -﵀- . وقال الحافظ: وقد جزم الحازميّ بأن السدل نُسِخ بالفرق، واستدلّ برواية معمر حيث قال: «ثم أُمر بالفرق، ففرق وكان الفرق آخر الأمرين»، قال الحافظ: وهو ظاهر. وقال النوويّ: الصحيح المختار جواز السدل والفرق، وأن الفرق أفضل، والله أعلم. قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن الأرجح القول بأن السدل منسوخ بالفرق؛ كما دلّت عليه رواية معمر المذكورة آنفًا، فليُتنبّه، والله تعالى أعلم. قال: واختلفوا في معنى قوله: «يحب موافقة أهل الكتاب»، فقيل: فَعَله اسئتلافًا لهم في أول الإسلام، وموافقةً لهم على مخالفة عبدة الأوثان، فلما أغنى الله تعالى عن استئلافهم، وأظهر الإسلام على الدين كله صرّح بمخالفتهم في غير شيء، منها: صبغ الشيب. وقال آخرون: يَحْتَمِل أنه أُمر باتباع شرائعهم فيما لم يوح إليه شيء، وإنما كان هذا فيما عَلِم أنهم لم يبدّلوه. واستدَلّ به بعضهم، على أن شَرْع من قبلنا شَرْع لنا، حتى يَرِد في شرعنا ما يخالفه، وعَكَس بعضهم، فاستَدَلّ به على أنه ليس بشرع لنا؛ لأنه لو كان كذلك، لم يقل: «يحب»، بل كان يتحتم الاتباع، والحقّ أن لا دليل في هذا على المسألة؛ لأن القائل به يَقْصُره على ما وَرَدَ في شرعنا أنه شرع لهم، لا ما يؤخذ عنهم هم؛ إذ لا وثوق بنقلهم. قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدّم في غير موضع من هذا الشرح ترجيح القول بأن شرع من قبلنا شرع لنا، بأدلته الصحيحة الصريحة، وقد عقدت له بابًا في «التحفة المرضيّة» في الأصول، فراجعها مع شرحها تستفد علمًا جمًّا، وبالله تعالى التوفيق. قال الحافظ -بعد ذكر ما سبق عن القرطبيّ واعتراضه على عياض-: ويَحْتَمِل أيضًا، وهو أقرب أن الحالة التي تدور بين الأمرين، لا ثالث لهما، إذا لم ينزل على النبيّ -ﷺ- شيء، كان يعمل فيه بموافقة أهل الكتاب؛ لأنهم أصحاب شرع، بخلاف عبدة الأوثان، فإنهم ليسوا على شريعة، فلما أسلم المشركون انحصرت المخالفة في أهل الكتاب، فأُمر بمخالفتهم. انتهى . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الاحتمال هو الأظهر عندي، فتأمله بالإمعان، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس -﵄- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٤/ ٦٠٤٤ و٦٠٤٥] (٢٣٣٦)، و(البخاريّ) في «المناقب» (٣٥٥٨ و٣٩٤٤) و«اللباس» (٥٩١٧)، و(أبو داود) في «الترجّل» (٤١٨٨)، و(الترمذيّ) في «الشمائل» (٢٩)، و(النسائيّ) في «المجتبى» (٥٢٤٠) و«الكبرى» (٩٣٣٤)، و(ابن ماجه) في «اللباس» (٢٦٣٢)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (٥/ ١٨٨)، و(أحمد) في «مسنده» (١/ ٢٤٦ و٢٦١)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (٢٣٧٧)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٥٤٨٥)، و(ابن سعد) في «الطبقات» (١/ ٤٣٠)، و(الطحاويّ) في «شرح معاني الآثار» (١/ ٤٨٩ و٣/ ٣٩)، و(البيهقيّ) في «شُعَب الإيمان» (٥/ ٢٢٩)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان جواز فرق شعر الرأس. ٢ - (ومنها): أنه يؤخذ من قول ابن عباس -﵄- في الحديث: «كان يحب موافقة أهل الكتاب»، وقوله: «ثم فرق بعدُ» نَسْخ حكم تلك الموافقة، كما تقدّم. ٣ - (ومنها): أن بعض الأصوليين استدلّ به على أن شرع من قبلنا شرع لنا، ما لم يَرِدْ شرعنا بخلافه. وقال آخرون: بل هذا دليلٌ أنه ليس شرعًا لنا؛ لأنه قال: «يحبّ موافقتهم»، فأشار إلى خِيرته، ولو كان شرعًا لنا، لتحتّم اتّباعه. ذكره النوويّ. قال الجامع عفا الله عنه: قد أسلفت قريبًا أن الأرجح هو القول بأن شرع من قبلنا شرع لنا بالشروط المذكورة في «التحفة المرضيّة»، فراجعها مع شرحها ، وبالله تعالى التوفيق. ٤ - (ومنها): ما قاله في «الفتح»: ومما يُشْبه الفرق والسدل صبغ الشعر، وتَرْكه، كما تقدم، ومنها صوم عاشوراء، ثم أمر بنوع مخالفة لهم فيه بصوم يوم قبله أو بعده، ومنها استقبال القبلة، ومخالفتهم في مخالطة الحائض، حتى قال: «اصنعوا كل شيء إلا الجماع»، فقالوا: ما يَدَعُ من أمرنا شيئًا إلا خالفنا فيه، وقد تقدم بيانه في «كتاب الحيض»، وهذا الذي استقر عليه الأمر. ٥ - (ومنها): ما قال ابن عبد البرّ -﵀-: في هذا الحديث من الفقه تَرْك حَلْق شعر الرأس، وحبس الْجُمَم، وفيه دليل على أن حبس الجمّة أفضل من الحلق؛ لأن ما صنعه رسول الله -ﷺ- في خاصته أفضل مما أقرّ الناس عليه، ولم ينههم عنه؛ لأنه في كل أحواله في خاصة نفسه على أفضل الأمور، وأكملها، وأرفعها -ﷺ-، وفيه أيضًا من الفقه أن الفرق في الشعر سنةٌ، وأنه أَولى من السَّدْل؛ لأنه آخِر ما كان عليه رسول الله -ﷺ-، وهذا الفرق لا يكون إلا مع كثرة الشعر، وطوله، والناصيةُ شعر مقدم الرأس كله، وسَدْله تَرْكه منسدلًا سائلًا على هيئته، والتفريق أن يُقسَم شعر ناصيته يمينًا وشمالًا، فتظهر جبهته، وجبينه من الجانبين، والفرق سُنَّة مسنونة، وقد قيل: إنها من ملة إبراهيم وسُنَّته -ﷺ-، ذكر الكلبيّ عن أبي صالح، عن ابن عباس في قول الله -﷿-: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ الآية [البقرة: ١٢٤] قال: الكلمات عشر خصال: خمس منها في الرأس، وخمس في الجسد، فأما التي في الرأس: ففرق الشعر، وقصّ الشارب، والسواك، والمضمضة، والاستنشاق، وأما التي في البدن: فالختان، وحلق العانة، والاستنجاء، ونتف الإبط، وتقليم الأظافر، وقوله: ﴿فَأَتَمَّهُنَّ﴾؛ أي: عمل بهنّ، قال أبو عمر: يؤكّد هذا قول الله -﷿-: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ الآية [النحل: ١٢٣]، وقوله ﵎: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (٦٨)﴾ [آل عمران: ٦٨]. انتهى . ٦ - (ومنها): فيما يظهر -كما قال الحافظ -﵀-- النهيُ عن صوم يوم السبت، وقد جاء ذلك من طرق متعددة، في النسائي، وغيره، وصرّح أبو داود بأنه منسوخ، وناسخه حديث أم سلمة -﵁-، أنه كان يصوم يوم السبت والأحد، يتحرى ذلك، ويقول: «إنهما يوما عيد الكفار، وأنا أحب أن أخالفهم»، وفي لفظ: «ما مات رسول الله -ﷺ-، حتى كان أكثر صيامه السبت والأحد»، أخرجه أحمد، والنسائيّ، وأشار بقوله: «يوما عيد» إلى أن يوم السبت عيد عند اليهود، والأحد عيد عند النصارى، وأيام العيد لا تصام، فخالفهم بصيامه، ويُستفاد من هذا أن الذي قاله بعض الشافعية، من كراهة إفراد السبت، وكذا الأحد، ليس جيدًا، بل الأَولى في المحافظة على ذلك يوم الجمعة، كما ورد الحديث الصحيح فيه، وأما السبت والأحد، فالأَولى أن يصاما معًا، وفرادى؛ امتثالًا لعموم الأمر بمخالفة أهل الكتاب. قال الحافظ: وقد جمعت المسائل التي وردت الأحاديث فيها، بمخالفة أهل الكتاب، فزادت على الثلاثين حكمًا، وقد أودعتها كتابي الذي سمّيته:
مصادر المؤلف (٩)

١. «مشارق الأنوار» ١/ ١٧.

٢. «الفتح» ١٣/ ٤٢٨، كتاب «اللباس» رقم (٥٩١٧).

٣. «الفتح» ١٣/ ٤٢٩، كتاب «اللباس» رقم (٥٩١٧).

٤. «تاج العروس» ١/ ٨٦٢٥.

٥. «المفهم» ٦/ ١٢٤ - ١٢٧.

٦. راجع: «المنحة الرضيّة» ٢/ ٢١١ - ٢٢٢.

٧. «الفتح» ١٠/ ٣٦٢.

٨. راجع: «المنحة الرضيّة» ٢/ ٢١١ - ٢٢٢.

٩. «التمهيد» لابن عبد البرّ ٦/ ٧٤ - ٧٥.