HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٣٤٥

وحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ. قالا: حدثنا حاتم (وهو ابن إسماعيل) عن الْجَعْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ. قَالَ: سَمِعْتُ السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ يَقُولُ: ذَهَبَتْ بِي خَالَتِي إِلَى رسول الله ﷺ. فقالت: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ ابْنَ أُخْتِي وَجِعٌ. فمسح رأسي ودعا بِالْبَرَكَةِ. ثُمَّ تَوَضَّأَ فَشَرِبْتُ مِنْ وَضُوئِهِ. ثُمَّ قُمْتُ خَلْفَ ظَهْرِهِ فَنَظَرْتُ إِلَى خَاتَمِهِ بَيْنَ كتفيه. مثل زر الحجلة.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج7 ص86
ج ٤ ص ١٨٢٣

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في مصدرين جامع الترمذي, صحيح البخاري
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣٧ ص٦٤٢
رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (حَسَنُ بْنُ صَالِحِ) بن صالح بن حَيّ، وهو حَيّان بن شُفَيّ -بالشين المعجمة، والفاء، مُصَغَّرًا- الْهَمْدانيّ -بسكون الميم- الثوريّ، ثقةٌ فقيهٌ عابدٌ، رُمي بالتشيع [٧] (ت ١٦٩) وكان مولده سنة مائة (بخ م ٤) تقدم في «صلاة المسافرين وقصرها» ١٧/ ١٧١٤. والباقون ذُكروا في الباب الماضي، و«ابن نُمير» هو: محمد بن عبد الله بن نُمير. [تنبيه]: رواية حسن بن صالح عن سماك بن حرب هذه ساقها الطبرانيّ -﵀- في «المعجم الكبير»، فقال: (٢٠٠٩) - حدّثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة، ثنا عليّ بن حكيم الأوديّ، ثنا حُميد بن عبد الرحمن (ح) وحدّثنا عُبيد بن غنام، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة (ح) وحدّثنا الحسين بن إسحاق التستريّ، ثنا عثمان بن أبي شيبة، قالا: ثنا عبيد الله بن موسى، قالا: ثنا حسن بن صالح، عن سماك بن حرب، عن جابر، قال: رأيت الخاتم في ظهر رسول الله -ﷺ- مثل بيضة الحمامة. انتهى . وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦٠٦٩] (٢٣٤٥) - (وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا حَاتِمٌ -وَهُوَ: ابْنُ إِسْمَاعِيلَ- عَنِ الْجَعْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: سَمِعْتُ السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ يَقُولُ: ذَهَبَتْ بِي خَالَتِي إِلَى رَسُولِ اللهِ -ﷺ-، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ ابْنَ أُخْتِي وَجِعٌ، فَمَسَحَ رَأْسِي، وَدَعَا لِي بِالْبَرَكَةِ، ثُمَّ تَوَضَّأَ، فَشَرِبْتُ مِنْ وَضُوئِهِ، ثُمَّ قُمْتُ خَلْفَ ظَهْرِهِ، فَنَظَرْتُ إِلَى خَاتِمِهِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ، مِثْلَ زِرِّ الْحَجَلَةِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ البغلانيّ، تقدّم قريبًا. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادِ) بن الزِّبْرِقان المكيّ، نزيل بغداد، صدوقٌ يَهِمُ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م ت س ق) تقدم في «المقدمة» ٤/ ١٩. ٣ - (حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) الحارثيّ مولاهم، أبو إسماعيل المدنيّ، أصله من الكوفة، صدوقٌ يَهِم، صحيح الكتاب [٨] (ت ٦ أو ١٨٧) (ع) تقدم في «الصلاة» ٤٢/ ١٠٨٦. ٤ - (الْجَعْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن أوس، ويقال: أويس الكنديّ، ويقال: التميميّ، وقد يُنسب إلى جدّه، ويقال له: الجعيد أيضًا، وقد يُنسب إلى جدّه، وقد يُصَغَّر، ثقة [٥]. رَوَى عن السائب بن يزيد، وعائشة بنت سعد، ويزيد بن خُصيفة، وغيرهم. وروى عنه سليمان بن بلال، والدَّراورديّ، وحاتم بن إسماعيل، والقطان، وغيرهم. قال ابن معين، والنسائيّ: ثقةٌ، قال البخاريّ: قال مكيّ: سمعت منه سنة (١٤٤)، وذكره ابن حبان في «الثقات» في التابعين، ثم أعاده في أتباعهم. انتهى. أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث. ٥ - (السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ) بن سعيد بن ثُمامة الكنديّ، وقيل غير ذلك في نسبه، ويُعْرَف بابن أخت النَّمِر، صحابيّ صغير، له أحاديثُ قليلة، وحُجَّ به في حجة الوداع، وهو ابن سبع سنين، وولّاه عُمر سوق المدينة، ومات سنة إحدى وتسعين، وقيل: قبل ذلك، وهو آخر من مات بالمدينة من الصحابة -﵃- (ع) تقدم في «صلاة المسافرين وقصرها» ١٧/ ١٧١٢. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من رباعيّات المصنّف -﵀-؛ كالأسانيد الأربعة التالية، وأن صحابيّه آخر من مات من الصحابة بالمدينة، كما قاله ابن أبي داود، وقال غيره: بل محمود بن الربيع، وقيل: بل محمود بن لبيد، فإنه مات سنة تسع وتسعين، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنِ الْجَعْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) وفي رواية البخاريّ: «عن الجعيد بن عبد الرحمن» بالتصغير. (قَالَ: سَمِعْتُ السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ) -﵁- (يَقُولُ: ذَهَبَتْ بِي) قال بعضهم: الفرق بين ذهب به، وأذهبه، أن معنى ذهب به: استصحبه، ومضى به معه، ومعنى أذهبه: أزاله، وجعله ذاهبًا . (خَالَتِي) قال الحافظ: لم أقف على اسمها، وأما أمه فاسمها عُلْبة -بضم المهملة، وسكون اللام، بعدها موحّدة- بنت شُريح أخت مَخْرمة بن شُريح . (إِلَى رَسُولِ اللهِ -ﷺ-، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ ابْنَ أُخْتِي وَجِعٌ) بفتح الواو، وكسر الجيم، وبالتنوين؛ أي: مَرِضٌ، قال الفيّوميّ -﵀-: وَجِعَ فلانًا رأسُهُ، أو بطنه، يُجْعَل الإنسانُ مفعولًا، والعضو فاعلًا، وقد يجوز العكس، وكأنه على القلب؛ لفهم المعنى، يَوْجَعُ وَجَعًا، من باب تَعِبَ، فهو وَجِعٌ؛ أي: مريضٌ متألِّمٌ، ويقع الوَجَعُ على كلّ مرض، وجَمْعه أَوْجَاعٌ، مثلُ سَبَبٍ وأسباب، ووِجَاعٌ أيضًا بالكسر، مثلُ جَبَلٍ وجِبَال، وقوم وَجِعُونَ، ووَجْعَى، مثلُ مَرْضَى، ونساء وَجِعَاتٌ، ووَجَاعَى. انتهى . ووقع في رواية البخاريّ في «المناقب» بلفظ: «وَقِعٌ» -بفتح الواو، وكسر القاف، وبالتنوين-؛ أي: كوَجِعٍ وزنًا ومعنًى، وجاء «وَجِعَ» بلفظ الفعل الماضي، مبنيًّا للفاعل، والمراد أنّه كان يشتكي رجله، كما ثبت في غير هذا الطريق. (فَمَسَحَ رَأْسِي، وَدَعَا لِي بِالْبَرَكَةِ، ثُمَّ تَوَضَّأَ) -ﷺ- (فَشَرِبْتُ مِنْ وَضُوئِهِ) بفتح الواو؛ أي: الماء الذي توضّأ منه، (ثُمَّ قُمْتُ خَلْفَ ظَهْرِهِ) -ﷺ- (فَنَظَرْتُ إِلَى خَاتِمِهِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ) في حديث عبد الله بن سَرْجِس الآتي: «قال: فنظرت إلى خاتم النبوّة بين كتفيه عند ناغض كتفه الأيسر»، والناغض: أعلى الكتف، وقيل غيره، وقوله: (مِثْلَ زِرِّ الْحَجَلَةِ) بنصب «مثلَ» على الحال، والزرّ -بكسر الزاي، وتشديد الراء-، و«الحجلة» -بفتح المهملة، والجيم-، واحدة الحجال، وهي بيوت تُزَيَّن بالثياب، والأَسِرّة، والستور، لها عُرًى، وأزرارٌ، وقيل: المراد بالحجلة: الطير، وهو اليعقوب، يقال للأنثى منه: حجلة، وعلى هذا فالمراد بزِرّها: بيضتها، ويؤيده أن في حديث جابر بن سَمُرة الماضي: «مثل بيضة الحمامة» . وقال النوويّ -﵀-: وأما زِرّ الحجلة، فبزاي، ثم ياء، والحجلة، بفتح الحاء، والجيم، هذا هو الصحيح المشهور، والمراد بالحجلة: واحدة الحجال، وهي بيت كالقُبّة، لها أزرار كبار، وعُرًى، هذا هو الصواب المشهور الذي قاله الجمهور، وقال بعضهم: المراد بالحجلة: الطائر المعروف، وزِرّها بيضتها، وأشار إليه الترمذيّ، وأنكره عليه العلماء، وقال الخطابيّ: رُوِي أيضًا بتقديم الراء على الزاي، ويكون المراد: البيض، يقال: رَزَّت الجرادة، بفتح الراء، وتشديد الزاي: إذا كَبَست ذَنَبها في الأرض، فباضت، وجاء في «صحيح البخاريّ» : «كانت بَضْعَةً ناشزةً»؛ أي: مرتفعة على جسده. انتهى . وقال القرطبيّ -﵀-: قوله: «مثل زرِّ الحجلة» الرواية المعروفة فيه: «زر» بتقديم الزاي، قال أبو الفرج الجوزيّ: الحجلة: بيت كالقبة يُستر بالثياب، ويُجعل له باب من جنسه، فيه زرّ وعروة، تُشَدُّ إذا أغلق، وقال القاضي أبو الفضل: الزرُّ: الذي يعقد به النساء عرى أحجالهن كأزرار القميص، والحجلة هنا: واحدة الحِجال، وهي ستور ذات سُجوف. وقال غيرهما: الحجلة: هي الطائر المعروف، وَزِرَّها: بيضتها؛ كما قال جابر: بيضة الحمامة. قال القرطبيّ: والأول أشهر في الزر، والثاني: أشبه بالمعنى، وقد أبعد الخطابيّ، فرواه: رز الحجلة بتقديم الراء، أراد: بيضة الحجلة، يقال: أرزت الجرادة؛ أي: أدخلت ذنبها في الأرض لِتَبِيض. قال القرطبيّ: وهذا لا يُلْتَفت إليه؛ لأنَّ العرب لا تسمى البيضة رزة، ولا تؤخذ اللغة قياسًا. انتهى . وقال القاضي عياض -﵀- في «المشارق»: قوله: «مثل زر الحجلة» كذا هو بتقديم الزاي مكسورة، والحجلة بحاء مهملة، مفتوحة، وجيم مفتوحة، كذا في «صحيح مسلم»، وفي كتاب البخاريّ مثله في «باب خاتم النبوءة»، وقال البخاريّ في «تفسيره»: الحجلة من حجل الفرس كذا قيّده بعضهم هنا، بضم الحاء، وسكون الجيم في الأول، وحاء للقابسيّ في موضع بسكون الجيم الذي بين عينيه، ومن حجل الفرس بفتح الجيم، ومنهم من ضم الحاء، ومنهم من كسرها، وكانه أراد بياضها، لكنه سَمّى الغُرّة التي بين عيني الفرس حجلة، وإنما الحجلة في القوائم، ثم ما فائدة ذكر الزّرّ مع هذا؟ وفسَّره الترمذي في «كتابه»، فقال: زِرّ بيض، وقاله الخطابيّ: رزّ بتقديم الراء على الزاي، فأما تفسير الزر بالبيض، ومراده بالحجلة هذا الطائر المشهور، فغير معروف جملةً، لكن قد يُعتمد بقوله في غير هذا الحديث: «مثل بيضة الحمامة»، إلا أن يكون على ما قاله الخطابيّ، ورواه من تقديم الراء، فله وجه؛ لأن الرزّ بَيْض الجراد، يقال: رَزّت الجرادة: إذا أدخلت ذنبها في الأرض لِتَبِيْض، فاستعار ذلك لطائر الحجل الذي هو القبج، والصحيح من هذا كله المشهور، والبين الوجه الأول: «زِرّ الحجلة»، والزر واحد الأزرار التي تُدْخَل في العُرَى؛ كأزرار القميص، والحجلة واحد الحجال، وهو سِتْر، وسُجُوف. انتهى . وقال في «الفتح»: وجزم السهيليّ بأن المراد بالحجلة هنا الكِلّة التي تُعَلَّق على السرير، ويُزيَّن بها للعروس؛ كالبشخانات، والزّرّ على هذا حقيقة؛ لأنها تكون ذات أزرار، وعُرًى، واستبعد قول من قال: إنها من حُجَل الفرس الذي بين عينيه، بأن التحجيل إنما يكون في القوائم، وأما الذي في الوجه فهو الغُرّة، قال الحافظ: وهو كما قال، إلا أن منهم من يُطلقه على ذلك مجازًا، وكأنه أراد أنها قَدْر الزرّ، وإلا فالغرّة لا زِرّ لها، وجزم الترمذيّ بأن المراد بالحجلة: الطير المعروف، وأن المراد بزرّها: بيضها، وتعضده رواية أنه مثل بيضة الحمامة. قال: وقد وردت في صفة خاتم النبوة أحاديث مقاربة لِمَا ذُكر هنا: منها عند مسلم عن جابر بن سمرة -﵄-: «كأنه بيضة حمامة»، ووقع في رواية ابن حبان من طريق سماك بن حرب: «كبيضة نعامة»، ونبَّه على أنها غلط، وعن عبد الله بن سَرْجِس: «نظرت خاتم النبوة جُمْعًا عليه خِيلان»، وعند ابن حبان من حديث ابن عمر: «مثل البندقة من اللحم»، وعند الترمذيّ: «كبضعة ناشزة من اللحم»، وعند قاسم بن ثابت من حديث قُرّة بن إياس: «مثل السَّلْعة». وأما ما ورد من أنها كانت كأثر مِحْجم، أو كالشامة السوداء، أو الخضراء، أو مكتوب عليها: «محمد رسول الله»، أو: «سِرْ، فأنت المنصور»، أو نحو ذلك فلم يثبت منها شيء، وقد أطنب الحافظ قطب الدين في استيعابها في «شرح السيرة»، وتبعه مغلطاي في «الزهر الباسم»، ولم يبيِّن شيئًا من حالها، والحقّ ما ذكرته، ولا تغترّ بما وقع منها في «صحيح ابن حبان»، فإنه غفل حيث صحح ذلك، والله أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث السائب بن يزيد -﵁- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٠/ ٦٠٦٩] (٢٣٤٥)، و(البخاريّ) في «الوضوء» (١٩٠)، و«المناقب» (٣٥٤٠ و٣٥٤١) و«المرضى» (٥٦٧٠) و«الدعوات» (٦٣٥٢)، و(الترمذيّ) في «المناقب» (٣٦٤٣) وفي «الشمائل» (١٦)، و(النسائيّ) في «الكبرى» (٤/ ٣٦١)، و(الطبرانيّ) في «الكبير» (٧/ ١٥٦ و١٥٧)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان ما كان عليه الصحابة، والصحابيّات من شدّة محبّتهم للنبيّ -ﷺ-، والتبرّك بآثاره، وطَلَبِهم منه الدعاء، ومسح أعضائهم المريضة. ٢ - (ومنها): بيان طهارة الماء المستعمَل، وأنه باق على طهارته، وطهوريّته، فيجوز شربه، والوضوء منه، خلافًا لمن منع منه، وقد حقّقت المسألة في «شرح النسائيّ»، ولله الحمد والمنّة. وقد أورد البخاريّ -﵀- هذا الحديث تحت ترجمة: «باب استعمال فضل وَضوء الناس»، فأورد أحاديث، ومن جملتها هذا الحديث، فقال في «الفتح»: أراد البخاري الاستدلال بهذه الأحاديث على ردّ قول من قال بنجاسة الماء المستعمَل، وهو قول أبي يوسف، وحَكَى الشافعي في «الأم» عن محمد بن الحسن أن أبا يوسف رجع عنه، ثم رجع إليه بعد شهرين، وعن أبي حنيفة ثلاث روايات: الأولى: طاهر، لا طهور، وهي رواية محمد بن الحسن عنه، وهو قوله، وقول الشافعي في الجديد، وهو المفتى به عند الحنفية. الثانية: نجس نجاسة خفيفةً، وهي رواية أبي يوسف عنه. الثالثة: نجس نجاسة غليظة، وهي رواية الحسن اللؤلؤي عنه، وهذه الأحاديث تردّ عليه؛ لأن النجس لا يُتبرَّك به، وحديث المجّة، وإن لم يكن فيه تصريح بالوضوء، لكن توجيهه أن القائل بنجاسة الماء المستعمَل إذا علّله بأنه ماء مضاف قيل له: هو مضاف إلى طاهر، لم يتغير به، وكذلك الماء الذي خالطه الريق طاهر؛ لحديث المجّة، وأما من علله منهم بأنه ماء الذنوب، فيجب إبعاده محتجًّا بالأحاديث الواردة في ذلك عند مسلم وغيره، فأحاديث الباب أيضًا تردّ عليه؛ لأن ما يجب إبعاده لا يتبرك به، ولا يشرب، قال ابن المنذر: وفي إجماع أهل العلم على أن البلل الباقي على أعضاء المتوضئ، وما قطر منه على ثيابه طاهر، دليل قويّ على طهارة الماء المستعمل. انتهى. ٣ - (ومنها): إثبات خاتم النبوّة له -ﷺ-، وهو الذي كان بين كتفي النبيّ -ﷺ-، وكان من علامات نبوّته التي كان أهل الكتاب يعرفونه بها. قال في «الفتح»: وادعى القاضي عياض أن الخاتم هو أثر شقّ الملَكين لِمَا بين كتفيه. وتعقبه النوويّ، فقال: هذا باطل؛ لأن الشقّ إنما كان في صدره وبطنه، وكذا قال القرطبيّ، وأثره إنما كان خطًّا واضحًا من صدره إلي مراقّ بطنه، كما في «الصحيحين». قال: ولم يثبت قط أنه بلغ بالشقّ حتى نَفَذ من وراء ظهره، ولو ثبت للزم عليه أن يكون مستطيلًا من بين كتفيه إلى قطنته؛ لأنه الذي يحاذي الصدر من سرته إلى مراقّ بطنه، قال: فهذه غفلة من هذا الإمام، ولعل ذلك وقع من بعض نسّاخ كتابه، فإنه لم يسمع عليه فيما علمت، كذا قال. قال الحافظ: وقد وقفت على مستند القاضي، وهو حديث عتبة بن عبد السُّلَميّ الذي أخرجه أحمد، والطبرانيّ، وغيرهما عنه أنه سأل رسول الله -ﷺ-: كيف كان بدء أمرك؟ فذكر القصة في ارتضاعه في بني سعد، وفيه أن الملَكين لمّا شقّا صدره قال أحدهما للآخر: خِطْه فخاطه، وختم عليه بخاتم النبوة. انتهى. فلما ثبت أن خاتم النبوة كان بين كتفيه حَمَل ذلك عياض على أن الشقّ لَمّا وقع في صدره، ثم خِيط حتى التأم كما كان، ووقع الختم بين كتفيه، كان ذلك أثر الشقّ، وفَهِم النوويّ وغيره منه أن قوله: «بين كتفيه» متعلق بالشقّ، وليس كذلك، بل هو متعلق بأثر الختم. ويؤيده ما وقع في حديث شداد بن أوس عند أبي يعلى، و«الدلائل» لأبي نعيم: «أن الملَك لمّا أخرج قلبه، وغسله، ختم، ثم أعاده عليه بخاتم في يده من نور، فامتلأ نورًا»، وذلك نور النبوة والحكمة، فيَحْتَمِل أن يكون ظهر من وراء ظهره، عند كتفه الأيسر؛ لأن القلب في تلك الجهة. وفي حديث عائشة -﵂- عند أبي داود الطيالسيّ، والحارث بن أبي أسامة، و«الدلائل» لأبي نعيم أيضًا: «أن جبريل وميكائيل لمّا تراءيا له عند المبعث، هَبَط جبريل، فسلقني لحلاوة الغفا، ثم شقّ عن قلبي، فاستخرجه، ثم غسله في طست من ذهب، بماء زمزم، ثم أعاده مكانه، ثم لَأَمَه، ثم ألقاني، وختم في ظهري، حتى وجدت مس الخاتم في قلبي، وقال اقرأ. . .» الحديث، هذا مستند القاضي فيما ذكره، وليس بباطل. قال: ومقتضى هذه الأحاديث أن الخاتم لم يكن موجودًا حين ولادته، ففيه تعقيب على من زعم أنه وُلد به، وهو قول نقله أبو الفتح اليعمريّ بلفظ: قيل: وُلد به، وقيل: حين وُضع، نقله مغلطاي، عن يحيى بن عائذ، والذي تقدم أثبت، ووقع مثله في حديث أبي ذرّ عند أحمد، والبيهقيّ في «الدلائل»، وفيه: «وجُعِل خاتم النبوة بين كتفيّ كما هو الآن»، وفي حديث شداد بن أوس في «المغازي» لابن عائد في قصة شقّ صدره، وهو في بلاد بني سعد بن بكر: «وأقبل وفي يده خاتم له شعاع، فوضعه بين كتفيه، وثدييه. . .» الحديث، وهذا قد يؤخذ منه أن الختم وقع في موضعين من جسده، والعلم عند الله تعالى. انتهى كلام الحافظ -﵀- ، وهو بحث نفيسٌ جدًّا، والله تعالى أعلم.
مصادر المؤلف (١١)

١. «المعجم الكبير» ٢/ ٢٤١.

٢. راجع: «عمدة القاري» ٣/ ٧٧.

٣. «الفتح» ٨: ١٩٧، كتاب «المناقب» رقم (٣٥٤١).

٤. «المصباح المنير» ٢/ ٦٤٨.

٥. «الفتح» ١/ ٥٠٧، كتاب «الوضوء» رقم (١٩٠).

٦. هكذا عزا النووي في «شرحه» إلى «صحيح البخاريّ»، وهو غلطٌ، وإنما هو عند الترمذيّ في «الشمائل»، كما عزاه إليه في «الفتح»، والله تعالى أعلم.

٧. «شرح النوويّ» ١٥/ ٩٨.

٨. «المفهم» ٦/ ١٣٦ - ١٣٧.

٩. «مشارق الأنوار» ١/ ١٨٣.

١٠. بكسر الكاف: الستر الرقيق، كما في «القاموس».

١١. «الفتح» ٦/ ٥٦٢.