HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٣٦٦

حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة. حدثنا عَبْدُ الأَعْلَى عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «مَا مِنْ مَوْلُودٍ يُولَدُ إِلَّا نَخَسَهُ الشَّيْطَانُ. فَيَسْتَهِلُّ صَارِخًا مِنْ نَخْسَةِ الشَّيْطَانِ. إِلَّا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ». ثم قال أبو هريرة: اقرؤا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشيطان الرجيم﴾ [٣/ آل عمران].
ج ٤ ص ١٨٣٨

سلسلة الرواة

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣٨ ص٧٧
الثاني. يقال: عَلَلٌ بعد نَهَلٍ، وعَلّه يعله: إذا سقاه السَّقية الثانية، وقال غيره: سُمُّوا بذلك لأنهم أولاد ضرائر، والعلَّات الضرائر. وشتَّى: مختلفون، ومنه قوله تعالى: ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ [الحشر: ١٤]. وقال القاضي أبو الفضل عياض: معناه: أن الأنبياء مختلفون في أزمانهم، وبعضهم بعيد الوقت من بعض، فهم أولاد علَّات؛ إذ لم يجمعهم زمان واحد، كما لم يجمع أولاد العلَّات بطن واحد، وعيسى -﵇- لما كان قريب الزمان منه -ﷺ-، ولم يكن بينهما نبي، كانا كأنهما في زمان واحد، فكانا بخلاف غيرهما. قال القرطبيّ: هذا أشبه ما قيل في هذا الحديث، ويستفاد منه: إبطال قول من قال: إنه كان بعد عيسى -﵇- أنبياء ورسل، فقد قال بعض الناس: إن الحواريين كانوا أنبياء، وأنهم أُرسلوا إلى الناس بعد عيسى، وهو قول أكثر النصارى. انتهى . وقوله: (وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ)؛ أي: هم متفقون في توحيدهم، وأصول أديانهم، وطاعتهم لله تعالى، واتباعهم لشرائعه، والقيام بالحق، كما قال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ الآية [الشورى: ١٣]، ولم يُرِد فروع الشرائع؛ فإنَّهم مختلفون فيها كما قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ الآية [المائدة: ٤٨]. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفًى، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦١١٥] (٢٣٦٦) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- قَالَ: «مَا مِنْ مَوْلُودٍ يُولَدُ، إِلَّا نَخَسَهُ الشَّيْطَانُ، فَيَسْتَهِلُّ صَارِخًا مِنْ نَخْسَةِ الشَّيْطَانِ، إِلَّا ابْنَ مَرْيَمَ، وَأُمَّهُ»، ثُمَّ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [آل عمران: ٣٦]). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (سَعِيدُ) بن المسيِّبِ بن حَزْن بن أبي وهب بن عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم القرشيّ المخزوميّ، أبو محمد المدنيّ، أحد العلماء الأثبات الفقهاء الكبار، اتفقوا على أن مرسلاته أصحّ المراسيل، وقال ابن المدينيّ: لا أعلم في التابعين أوسع علمًا منه، من كبار [٣] مات بعد التسعين، وقد ناهز الثمانين (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٧١. والباقون تقدّموا قريبًا، و«عبد الأعلى» هو: ابن عبد الأعلى الساميّ البصريّ، و«معمر» هو: ابن راشد. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه ابن المسيِّب أحد الفقهاء السبعة، وفيه أبو هريرة -﵁- أحفظ من روى الحديث في دهره. شرح الحديث: (عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدٍ)، وفي رواية للبخاريّ: «عن الزهريّ قال: حدّثني سعيد بن الْمُسَيِّب»، قال في «الفتح»: كذا قال أكثر أصحاب الزهريّ، وقال السديّ: عن الزهريّ، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، أخرجه الطبريّ . (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) -﵁- (أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- قَالَ: «مَا مِنْ مَوْلُودٍ يُولَدُ»، وفي رواية البخاريّ: «ما من بني آدم مولود إلا يسمّه الشيطان حين يولد». قال الطيبيّ -﵀-: «ما» بمعنى: «ليس» بطل عمله بتقديم الخبر على المبتدأ، و«إلا» لغوٌ؛ لأن الاستثناء مفرّغ، والمستثنى حال من الضمير المستتر في الظرف، والوجه أن يقال: «مولود» فاعلُ الظرف؛ لاعتماده على حرف النفي، والمستثنى منه أعمّ عامّ الوصف؛ يعني: ما وُجد من بني آدم مولودٌ متّصفٌ بشيء من الأوصاف إلا بهذا الوصف، كأنه -ﷺ- يردّ من زعم أن بعض بني آدم مثل الأنبياء، والأولياء المخلصين لا يمسّه الشيطان، فهو من باب قَصْر القلب، وفي التصريح بالصُّراخ إشارة إلى أن المسّ عبارة عن إصابة ما يؤذيه، ويؤلمه، لا كما زعمت المعتزلة أن مسّ الشيطان تخييلٌ، واستهلاله صارخًا من مسّه تصوير لِطَمَعه فيه، كأنه يمسّه، ويضرب بيده عليه، ويقول: هذا ممن أُغويه. وأما قول ابن الروميّ: لَمَّا تُؤْذِنُ الدُّنْيَا بِهِ مِنْ صُرُوفِهَا … يَكُونُ بُكَاءُ الطِّفْلِ سَاعَةَ يُولَدُ إِذَا أَبْصَرَ الدُّنْيَا اسْتَهَلَّ كَأَنَّهُ … بِمَا هُوَ لَاقٍ مِنْ أَذَاهَا يُهَدَّدُ وَإِلَّا فَمَا يُبْكِيهِ مِنْهَا وَإِنَّهُ … لأَوْسَعُ مِمَّا كَانَ فِيهِ وَأَرْغَدُ فمن باب حسن التعليل، فلا يستقيم تنزيل الحديث عليه، على أنه لا ينافيه. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: قول ابن الروميّ هذا لا يخفى كونه خلاف الحديث، وما حَمَله عليه إلا جهله بالحديث، على أنه يمكن حَمْل ما قاله على لسان الحال، فتأمّل، والله تعالى أعلم. وقال القرطبيّ -﵀-: قوله: «ما من مولود»، وكذا: «كلُّ مولود» ظاهرٌ قويّ في العموم والإحاطة، ولَمّا استَثنَى منه مريم وابنها التحق بالنصوص، فأفاد هذا أن الشيطان ينخس جميع ولد آدم حتى الأنبياء، والأولياء، إلا مريم وابنها، وإن لم يكن كذا بطلت الخصوصية بهما، ولا يُفهم من هذا أن نخس الشيطان يلزم منه إضلال المنخوس، وإغواؤه؛ فإنَّ ذلك فاسد، فكم قد تعرض الشيطان للأنبياء، والأولياء بأنواع الإفساد، والإغواء، ومع ذلك يعصمهم الله تعالى مما يرومه الشيطان، كما قال: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ الآية [الإسراء: ٦٥] هذا، مع أن كل واحد من بني آدم قد وُكِّل به قرينُه من الشياطين، كما قال رسول الله -ﷺ-، وعلى هذا فمريم وابنها -وإن عُصما من نخسه- فلم يُعصما من ملازمته لهما، ومقارنته، وقد خصَّ الله تعالى نبينا -ﷺ- بخاصيَّة كَمَّل عليه بها إنعامه بأن أعانه على شيطانه، حتى صحَّ إسلامه، فلا يكون عنده شرٌّ، ولا يأمره إلا بخير، وهذه خاصَّة لم يؤتها أحدٌ غيره، لا عيسى، ولا أمه، وفي غير كتاب مسلم: «فذهب الشيطان ليطعن في خاصرته، فطَعَن في الحجاب» ؛ أي: في الحجاب الذي حُجِب به عيسى -ﷺ-، فإمَّا حجاب مهده، وإما حجاب بيته. انتهى كلام القرطبيّ -﵀- . (إِلَّا نَخَسَهُ) بنون وخاء معجمة، ثم سين مهملة؛ أي: طعنه (الشَّيْطَانُ) يقال: نخَستُ الدابّة نخسًا، من باب نصر: طعنته بعود أو نحوه، فهاج، والفاعل: نخّاس مبالغةٌ، ومنه قيل لدلّال الدوابّ ونحوها: نخّاس . (فَيَسْتَهِلُّ)؛ أي: يصيح، ويرفع صوته، وقوله: (صَارِخًا) حال مؤكّد، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [البقرة: ٦٠]، قال في «الخلاصة»: وَعَامِلُ الْحَالِ بِهَا قَدْ أُكِّدَا … فِي نَحْوِ «لَا تَعْثُ فِي الأَرْضٍ مُفْسِدَا» وقال المناويّ -﵀-: «فيستهل»؛ أي: يرفع المولود صوته صارخًا؛ أي: باكيًا، والصُّرَاخ: الصوت، والمراد هنا البكاء؛ أي: فسبب صُراخه أوّلَ ما يولد من ألم مسّ الشيطان بإصبعه حالتئذ، وهذا مطّرد في كل مولود، غير مريم بنت عمران الصديقة بنص القرآن، وابنها رُوح الله عيسى، فإنه ذهب ليطعن، فطعن في الحجاب الذي هو الْمَشِيمة، وهذا الطعن ابتداء التسلط، فحُفظ منه مريم، وابنها ببركة قول أمها: ﴿أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [آل عمران: ٣٦]. انتهى . وقوله: (مِنْ نَخْسَةِ الشَّيْطَانِ) تعليل لاستهلاله صارخًا؛ أي: إنما يستهلّ صارخًا من أجل تألّمه بسبب طعنة الشيطان له، قال القرطبيّ -﵀-: يعني به: أول وقت الولادة حين يستهل أوَّل استهلال، بدليل قوله في الرواية الأخرى: «يوم يولد»؛ أي: حين يولد، والعرب قد تُطلق اليوم، وتريد به الوقت والحين، كما قال تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا﴾ الآية [الأحقاف: ٣٥]؛ أي: حين يرون، كما تقدَّم في الحديث قبل هذا: «ليأتين على أحدكم يوم لا يراني»؛ أي: زمن ووقت، وهو كثير، وكأنّ النَّخس من الشيطان إشعارٌ منه بالتمكن والتسليط، وحَفِظ الله تعالى مريم وابنها من نخسته تلك التي هي ابتداء التسليط ببركة إجابة دعوة أمها حين قالت: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [آل عمران: ٣٦]، فاستجاب الله لها لِمَا حضرها في ذلك الوقت من صدق الالتجاء إلى الله تعالى، وصحة التوكل، وأمها هي امرأة عمران، واسمها حنَّه بنت فاقود، وكانت لمّا حملت نذرت، وأوجبت على نفسها أن تجعل ما تلده مُنَزَّهًا منقطعًا للعبادة، لا يشتغل بشيء مما في الوجود، على شريعتهم في الرهبانية، وملازمتهم الكنائس، وانقطاعهم فيها إلى الله تعالى بالكلية، ولذلك لمّا ولدتها أنثى قالت: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾ [آل عمران: ٣٦]؛ أي: فيما نذرته له من الرهبانية. انتهى كلام القرطبيّ -﵀- . (إِلَّا ابْنَ مَرْيَمَ) عيسى (وَأمَّهُ») مريم -﵉-، وقد جاء في رواية للبخاريّ بيان المس المذكور، ولفظه:«كلُّ بني آدم يطعن الشيطان في جنبيه بإصبعه حين يولد، غير عيسى ابن مريم، ذهب يطعن، فطعن في الحجاب»؛ أي: في المشيمة التي فيها الولد ، قال القرطبيّ: هذا الطعن من الشيطان هو ابتداء التسليط، فحفظ الله مريم وابنها منه ببركة دعوة أمها، حيث قالت: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [آل عمران: ٣٦]، ولم يكن لمريم ذرية غير عيسى -﵇- . [تنبيه]: وقع في رواية البخاريّ المذكورة آنفًا بلفظ:«غير عيسى ابن مريم»، بذكر عيسى خاصّة، قيل: يَحْتَمِل أن يكون ذاك قبل الإعلام بما زاد، وفيه بُعْد؛ لأنه حديث واحد، وقد رواه خلاس عن أبي هريرة بلفظ:«كلُّ بني آدم قد طَعَن الشيطان فيه حين وُلد، غير عيسى وأمه، جعل الله دون الطعنة حجابًا، فأصاب الحجاب، ولم يُصِبْهما»، وقيل غير ذلك. قال الحافظ: والذي يظهر أن بعض الرواة حَفِظ ما لم يحفظ الآخر، والزيادة من الحافظ مقبولة، وأما قول بعضهم: يَحْتَمِل أن يكون من العطف التفسيريّ، والمقصود الابن؛ كقولك: أعجبني زيد، وكَرَمه، فهو تعسّف شديدٌ. انتهى . [تنبيه آخر]: مريم بالسريانية الخادم، وسُميت به والدة عيسى، فامتنع الصرف للتأنيث والعلمية، ويقال: إن مريم بلسان العرب: مَن تُكثر من زيارة الرجال من النساء؛ كالزير، وهو من يكثر زيارة النساء، واستَشهَد من زعم هذا بقول رؤبة: قُلْتُ لِزِيرٍ لَمْ تَصِلْهُ مَرْيَمُهْ حكاه أبو حبان في تفسير «سورة البقرة»، وفيه نظر، قاله في «الفتح» . (ثُمَّ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) -﵁-، وفيه بيان أن هذا موقوف على أبي هريرة -﵁-، فإن في رواية أبي صالح عند البخاريّ إدراجًا. (اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ) مصداق هذا الحديث من كتاب الله -﷿-، ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾؛ أي: عَوّذتها بالله -﷿- من شرّ الشيطان، وعَوَّذت ذرّيتها، وهو ولدها عيسى -﵇-، فاستجاب الله لها ذلك كما بُيّن في هذا الحديث ، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٠/ ٦١١٥ و٦١١٦ و٦١١٧] (٢٣٦٦)، و(البخاريّ) في «بدء الخلق» (٣٢٨٦) و«الأنبياء» (٣٤٣١) و«التفسير» (٤٥٤٨)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (٦/ ٢٨٨)، و(الحميديّ) في «مسنده» (١٠٤٢)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٢٣٣ و٢٧٤ - ٢٧٥)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٦٢٣٥)، و(الطبرانيّ) في «الأوسط» (٧/ ٣٨)، و«مسند الشاميين» (٣/ ٢٩ و٤/ ١٦٧)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (١٠/ ٣٧٦)، و(الطبريّ) في «تفسيره» (٦٨٨٤ و٦٨٨٥ و٦٨٨٨ و٦٨٩٢ و٦٨٩٧ و٦٨٩٩)، و(البغويّ) في «تفسيره» (١/ ٢٩٥)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان فضيلة عيسى وأمه -﵉- حيث عصمهما الله تعالى من نخسة الشيطان، فقد ذهب ليطعن عليهما، فصُرف بطعن الحجاب، دون أن يمسّهما. ٢ - (ومنها): بيان أن الله تعالى استجاب دعاء أم مريم -﵉- حين قالت: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [آل عمران: ٣٦]، وقد أخبر الله تعالى بذلك، فقال: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٧)﴾ [آل عمران: ٣٧]، فبسبب ذلك لم يتسلّط الشيطان عليها، فلم ينخس، وإنما مسّ الحجاب فقط. [تنبيه]: قيل: يُشكل على ظاهر الحديث أن إعاذة أم مريم كانت بعد الوضع، فلا يحل حملها على الإعاذة من المسّ الذي يكون حين الولادة. والجواب: أن المسّ ليس إلا بعد الانفصال، وهو الوضع، ومعه الإعاذة، غايته أنه عَبَّر عنه بالمضارع؛ لقصد الاستمرار، بخلاف الوضع، والتسمية . [فائدة]: اسم أم مريم: حَنّة -بمهملة، ونون- بنت فاقود، واسم أختها والدة يحيى: إيشاع، قال ابن إسحاق في «المبتدأ»: كانت حنة عند عمران، وأختها عند زكريا، وكانت حنة أُمسك عنها الولد، ثم حَمَلت بمريم، فمات عمران وهي حامل، وروى ابن أبي حاتم من طريق عبد الرحمن بن القاسم، سمعت مالك بن أنس يقول: بلغني أن عيسى ابن مريم، ويحيى بن زكريا كان حملهما جميعًا، فبلغني أن أم يحيى قالت لمريم: إني أرى ما في بطني يسجد لِمَا في بطنك، قال مالك: أراه لفضل عيسى على يحيى، وقال الثعلبيّ: وُلد يحيى قبل عيسى بستة أشهر، ذكره في «الفتح» . ٣ - (ومنها): بيان عموم تسلّط الشيطان علي بني آدم برّهم وفاجرهم، إلا أن الله تعالى يحفظ عباده، كما وعد -﷾- بذلك، حيث قال: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (٤٢)﴾ [الحجر: ٤٢]، وقال: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا (٦٥)﴾ [الإسراء: ٦٥]. وقد أخرج مسلم عن عبد الله بن مسعود -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «ما منكم من أحد، إلا وقد وُكِّل به قرينه من الجنّ»، قالوا: وإياك يا رسول الله؟ قال: «وإياي، إلا أن الله أعانني عليه، فأسلم، فلا يأمرني إلا بخير». وأخرج عن عائشة -﵂- أن رسول الله -ﷺ- خرج من عندها ليلًا، قالت: فَغِرْت عليه، فجاء، فرأى ما أصنع، فقال: «ما لك يا عائشة؟ أَغِرْتِ؟» فقلت: وما لي لا يغار مثلي على مثلك؟ فقال رسول الله -ﷺ-: «أقد جاءك شيطانك؟» قالت: يا رسول الله، أوَ معي شيطان؟ قال: «نعم»، قلت: ومع كل إنسان؟ قال: «نعم»، قلت: ومعك يا رسول الله؟ قال: «نعم، ولكن ربي أعانني عليه، حتى أسلم». وبالجملة فالأنبياء وعباد الله الصالحون محفوظون من كيده، وإن تعرّض لهم فلا سبيل له إلى إغوائهم بفضل الله -﷾-، وإن أصابتهم غفلة، فأراد إغواءهم استيقظوا، واستدركوا، قال الله -﷿-: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ (٢٠١)﴾ [الأعراف: ٢٠١]، اللهم احفظنا من شرّ الشيطان، وشركه، وأن نقترف على أنفسنا سوءًا، أو نجرّه إلى مسلم، برحمتك يا أرحم الراحمين آمين. (المسألة الرابعة): قال في «الفتح»: قد طعن صاحب «الكشاف» في معنى هذا الحديث، وتوقف في صحته، فقال: إن صح هذا الحديث فمعناه: أن كل مولود يَطمع الشيطان في إغوائه، إلا مريم وابنها، فإنهما كانا معصومين، وكذلك من كان في صفتهما؛ لقوله تعالى: ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣)﴾ [ص: ٨٣]، قال: واستهلال الصبي صارخًا من مس الشيطان تخييل لِطَمعه فيه، كأنه يمسه، ويضرب بيده عليه، ويقول: هذا ممن أُغويه، وأما صفة النخس كما يتوهمه أهل الحشو فلا، ولو ملك إبليس على الناس نخسهم، لامتلأت الدنيا صراخًا. انتهى. قال الحافظ: وكلامه متعقَّب من وجوه، والذي يقتضيه لفظ الحديث لا إشكال في معناه، ولا مخالفة لِمَا ثبت من عصمة الأنبياء، بل ظاهر الخبر أن إبليس مُمَكَّن من مس كل مولود عند ولادته، لكن مَن كان مِن عباد الله المخلصين لم يضرّه ذلك المسّ أصلًا، واستُثني من المخلصين مريم وابنها، فإنه ذهب يمس على عادته، فحيل بينه وبين ذلك، فهذا وجه الاختصاص، ولا يلزم منه تسلطه على غيرهما من المخلصين، وأما قوله: لو ملك إبليس. . . إلخ، فلا يلزم من كونه جعل له ذلك عند ابتداء الوضع، أن يستمر ذلك في حقّ كل أحد، وقد أورد الفخر الرازيّ هذا الإشكال، وبالغ في تقريره، على عادته، وأجمل الجواب، فما زاد على تقريره أن الحديث خبر واحد وَرَدَ على خلاف الدليل؛ لأن الشيطان إنما يُغوي من يعرف الخير والشر، والمولود بخلاف ذلك، وأنه لو مُكّن من هذا القدر لفعل أكثر من ذلك، من إهلاك، وإفساد، وأنه لا اختصاص لمريم وعيسى بذلك، دون غيرهما، إلى آخر كلام «الكشاف». ثم أجاب بأن هذه الوجوه محتملة، ومع الاحتمال لا يجوز دفع الخبر. انتهى. قال الحافظ: وقد فتح الله تعالى بالجواب كما تقدم، والجواب عن إشكال الإغواء يُعْرَف مما تقدم أيضًا، وحاصله: أن ذلك جُعل علامة في الابتداء على من يتمكن من إغوائه، والله أعلم. انتهى . [فائدة]: ذكر عبد الرزاق في «تفسيره»، قال: نا المنذر بن النعمان الأفطس، أنه سمع وهب بن مُنَبِّه يقول: لمّا وُلد عيسى -﵇- أتت الشياطين إبليس، فقالوا: أصبحت الأصنام قد نَكّست رؤوسها، فقال: هذا حادث حَدَث، مكانَكُم، وطار حتى جاء خافقي الأرض، فلم يجد شيئًا، ثم جاء البحار، فلم يقدر على شيء، ثم طار أيضًا، فوجد عيسى قد وُلد عند مذود حمار، فإذا الملائكة قد حَفَّت حوله، فرجع إليهم، فقال: إن نبيًّا قد وُلد البارحة، وما حملت أنثى قطّ، ولا وضعت إلا وأنا بحضرتها، إلا هذه، فايأَسُوا من أن تُعبد الأصنام بعد هذه الليلة، ولكن ائتوا بني آدم من قِبَل الخفة، والعَجَلة. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: هذه الحكاية من الإسرائيليّات التي لا تصدّق، ولا تكذّب، بل تُحكى للاعتبار؛ لإباحة الشارع لنا حكايتها، حيث قال -ﷺ-: «بَلِّغُوا عني ولو آية، وحَدِّثوا عن بني إسرائيل، ولا حرج، ومن كذب عليّ متعمدًا، فليتبوأ مقعده من النار»، رواه البخاريّ ، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦١١٦] (. . .) - (وَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ (ح) وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، جَمِيعًا عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالَا: «يَمَسُّهُ حِينَ يُولَدُ، فَيَسْتَهِلُّ صَارِخًا مِنْ مَسَّةِ الشَّيْطَانِ إِيَّاهُ»، وَفِي حَدِيثِ شُعَيْبٍ: «مِنْ مَسِّ الشَّيْطَانِ»). رجال هذا الإسناد: سبعة: وكلهم تقدّموا قريبًا، و«أَبُو الْيَمَانِ» هو: الحكم بن نافع، و«شُعَيْبٌ» هو: ابن أبي حمزة. والباقون ذُكروا قبل حديثين. وقوله: (مِنْ مَسَّةِ الشَّيْطَانِ إِيَّاهُ) هو بمعنى قوله في الرواية السابقة -﵀-: «من نخسة الشيطان»؛ أي: طَعْنته. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله قبله، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦١١٧] (. . .) - (حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِر، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، أَنَّ أَبَا يُونُسَ سُلَيْمًا مَوْلَى أَبِي هُرَيْرَةَ حَدَّثَهُ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- أَنَّهُ قَالَ: «كُلُّ بَنِي آدَمَ يَمَسُّهُ الشَّيْطَانُ يَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ، إِلَّا مَرْيَمَ وَابْنَهَا»).
مصادر المؤلف (١٨)

١. «المفهم» ٦/ ١٧٥ - ١٧٦.

٢. «الفتح» ٨/ ٥٢، كتاب «الأنبياء» رقم (٣٤٣١).

٣. «الكاشف عن حقائق السُّنن» ٢/ ٥٢٢.

٤. رواه البخاريّ (٣٢٨٦)، وأحمد في «مسنده» ٢/ ٥٢٣.

٥. «المفهم» ٦/ ١٧٨.

٦. «المصباح المنير» ٢/ ٥٩٦.

٧. «فيض القدير» ٥/ ٤٧٥.

٨. «المفهم»٦/ ١٧٧.

٩. قال في«الفتح»في موضع آخر: المراد بالحجاب: الجلدة التي فيها الجنين، أو الثوب الملفوف على الطفل. انتهى.

١٠. «الفتح»٨/ ٥٢، كتاب«الأنبياء» رقم (٣٤٣١).

١١. «الفتح» ٨/ ٥٢، كتاب «الأنبياء» رقم (٣٤٣١).

١٢. «الفتح» ٨/ ٥٢، كتاب «الأنبياء» رقم (٣٤٣١).

١٣. «تفسير ابن كثير» ١/ ٣٦٠.

١٤. «فيض القدير على الجامع الصغير» ٥/ ٤٧٥.

١٥. «الفتح» ٨/ ٥٠ - ٥١، كتاب «الأنبياء» رقم (٣٤٣٠).

١٦. «الفتح» ٩/ ٧١٨ - ٧١٩، كتاب «التفسير» رقم (٤٥٤٨).

١٧. «تفسير الصنعاني» ١/ ١١٩.

١٨. «صحيح البخاريّ» ٣/ ١٢٧٥.