HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٣٦٩

حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ وَابْنُ فُضَيْلٍ عن المختار. ح وحَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ (وَاللَّفْظُ له). حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ. أَخْبَرَنَا الْمُخْتَارُ بْنُ فُلْفُلٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ. قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا خَيْرَ الْبَرِيَّةِ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «ذَاكَ إِبْرَاهِيمُ ﵇».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج7 ص97
ج ٤ ص ١٨٣٩

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٣ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣٨ ص٩٣
معجمة- ابن فالخ -بفاء، ولام مفتوحة، بعدها معجمة- ابن عبير، ويقال: عابر -وهو بمهملة، وموحدة- ابن شالخ -بمعجمتين- ابن أرفخشذ بن سام بن نوح، لا يختلف جمهور أهل النسب، ولا أهل الكتاب في ذلك، إلا في النطق ببعض هذه الأسماء، نَعَم ساق ابن حبان في أول «تاريخه» خلاف ذلك، وهو شاذّ. والخليل: فَعِيل بمعنى فاعل، وهو من الْخُلّة بالضم، وهي الصداقة، والمحبة التي تخللت القلب، فصارت خلاله، وقيل: الخلة أصلها الاستصفاء، وسُمِّي بذلك؛ لأنه يوالي، ويعادي في الله تعالى، وقيل: هو مشتقّ من الْخَلَّة، بفتح المعجمة، وهي الحاجة، سُمِّي بذلك؛ لانقطاعه إلى ربه، وقَصْره حاجته عليه، أفاده في «الفتح» . وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦١٢٠] (٢٣٦٩) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، وَابْنُ فُضَيْلٍ، عَنِ الْمُخْتَارِ (ح) وَحَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ -وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، أَخْبَرَنَا الْمُخْتَارُ بْنُ فُلْفُلٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ -ﷺ-، فَقَالَ: يَا خَيْرَ الْبَرِيَّة، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «ذَاكَ إِبْرَاهِيمُ -﵇-»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ) -بضم الميم، وسكون السين المهملة، وكسر الهاء- القرشيّ الكوفيّ، قاضي الموصل، ثقةٌ له غرائب بعد أن أضرّ [٨] (ت ١٨٩) (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٦. ٢ - (ابْنُ فُضَيْلٍ) هو: محمد بن فُضيل بن غَزْوان -بفتح الغين المعجمة، وسكون الزاي- الضبيّ مولاهم، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، صدوقٌ عارفٌ، رُمي بالتشيع [٩] (ت ١٩٥) (ع) تقدم في «الإيمان» ٦٣/ ٣٥٨. ٣ - (عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ) المروزيّ، أبو الحسن، نزيل بغداد، ثم مرو، ثقةٌ حافظٌ، من صغار [٩] (ت ٢٤٤) وقد قارب المائة، أو جاوزها (خ م ت س) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٦. ٤ - (الْمُخْتَارُ بْنُ فُلْفُلٍ) -بفاءين مضمومتين، ولامين الأُولى ساكنة- مولى عمرو بن حُريث الكوفيّ، ثقةٌ ، له أوهام [٥] (م د ت س) تقدم في «الإيمان» ٦٣/ ٣٥٨. والباقيان تقدّما قريبًا. [تنبيه]: من لطائف هذين الإسنادين: أنهما من رباعيّات المصنّف -﵀-، كلاحقيهما، وهما (٤٩٤ و٤٩٥)، وفيه أنس بن مالك -﵁- أحد المكثرين السبعة. شرح الحديث: (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ -ﷺ-، فَقَالَ: يَا خَيْرَ الْبَرِيَّةِ) بتشديد الياء، ويجوز تسكينها، وهمز بعدها، ومعناها: الخليفة ، وقال في «النهاية»: البريّة: الخَلْق، تقول: براه الله يبروه بَرْوًا؛ أي: خلقه، ويُجمع على البرايا، والبريّات، من الْبَرَي، وهو التراب، هذا إذا لم يهمز، ومن ذهب إلى أن أصله الهمز أخَذه مِنْ برأ الله الخلق يبرؤهم؛ أي: خَلَقهم، ثم تُرك فيها الهمز؛ تخفيفًا، ولم تُستعمل مهموزةً. انتهى . وقال القرطبيّ -﵀-: البرية: الخلق، وتُهْمَز، ولا تُهْمَز، وقد قُرئ بهما، واختُلف في اشتقاقها، فقيل: هي مأخوذة من الْبَرَى، وهو: التراب، فعلى هذا لا يُهمز، وقيل: هي مأخوذة من برأ الله تعالى الخلق -بالهمز-؛ أي: خَلَقهم، وعلى هذا فيُهمز، وقد يكون من هذا، وتُسَهَّل همزتها، كما سهّلوا همزة خابية، وهي من خبأت مهموزًا، والبرية في الوجهين: فعيلة بمعنى: مفعولة. انتهى . (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «ذَاكَ)؛ أي: الذي ناديته بـ»يا خير البريّة«، (إِبْرَاهِيمُ) الخليل (-﵇-»)؛ أي: لست أنا، قال العلماء: إنما قال -ﷺ- هذا تواضعًا، واحترامًا لإبراهيم -﵇- لِخُلّته، وأُبُوّته، وإلا فنبيّنا -ﷺ- أفضل، كما قال -ﷺ-: «أنا سيد ولد آدم»، ولم يقصد به الافتخار، ولا التطاول على من تقدمه، بل قاله بيانًا لِمَا أُمِر ببيانه، وتبليغه، ولهذا قال -ﷺ-: «ولا فَخْرَ»؛ لينفيَ ما قد يتطرق إلى بعض الأفهام السخيفة. وقيل: يَحْتَمِل أنه -ﷺ- قال: إبراهيم خير البرية، قبل أن يعلم أنه سيد ولد آدم. [فإن قيل]: التأويل المذكور ضعيفٌ؛ لأن هذا خبرٌ، فلا يدخله خُلْفٌ، ولا نسخٌ. [فالجواب]: أنه لا يمتنع أنه أراد أفضل البرية الموجودين في عصره، وأطلق العبارة الموهمة للعموم؛ لأنه أبلغ في التواضع. وقد جزم صاحب «التحرير» بمعنى هذا، فقال: المراد أفضل بريّة عصره. وأجاب القاضي عياض عن التأويل الثاني بأنه، وإن كان خبرًا، فهو مما يدخله النسخ من الأخبار؛ لأن الفضائل يمنحها الله تعالى لمن يشاء، فأخبر بفضيلة إبراهيم -﵇- إلى أن عَلِم تفضيل نفسه، فأخبر به، ويتضمن هذا جواز التفاضل بين الأنبياء -صلوات الله وسلامه عليهم-. ويجاب عن حديث النهي عنه بالأجوبة السابقة في أول كتاب الفضائل، ذَكَره النوويّ -﵀- . وقال القرطبيّ -﵀-: قد عارض هذا الحديث قوله -ﷺ-: «أنا سيِّد ولد آدم»، وما عُلم من غير ما موضع من الكتاب والسُّنَّة، وأقوال السلف، والأمَّة أنه -ﷺ- أفضل ولد آدم، وقد انْفُصِل عن هذا بوجهين: [أحدهما]: أن ذلك من النبيّ -ﷺ- على جهة التواضع، وتَرْك التطاول على الأنبياء، كما قال: «أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، ولا فخر، وأنا أكرم ولد آدم على ربي يوم القيامة، ولا فخر» ، وخصوصًا على إبراهيم؛ الذي هو أعظم آبائه، وأشرفهم. [وثانيهما]: أنه -ﷺ- قال ذلك قبل أن يعلم بمنزلته عند الله تعالى، ثم إنه أُعلم بأنه أكرم، وأفضل، فأَخبر به كما أُمر، ألا ترى أنه كان في أول أمره يسأل أن يبلغ درجة إبراهيم من الصلاة عليه، والرحمة، والبركة، والخلة، ثم بعد ذلك أخبرنا بأن الله تعالى قد أوصله إلى ذلك لمّا قال: «إن الله تعالى قد اتخذني خليلًا، كما اتخذ إبراهيم خليلًا»، ثم بعد ذلك زاده الله من فضله، فشرَّفه، وكرَّمه، وفضّله على جميع خَلْقه. وقد أُورد على كل واحد من هذين الوجهين استبعاد، قالوا: رُدَّ على الأول، أن قيل: كيف يصح من الصادق المعصوم أن يُخبر عن الشيء بخلاف ما هو عليه؛ لأجل التواضع والأدب؟ والوارد على الثاني: أن ذلك خبر عن أمر وجودي، والأخبار الوجودية لا يدخلها النسخ. والجواب عنهما: أن يقال: إن ذلك ليس إخبارًا عن الشيء بخلاف ما هو عليه، فإنه تَوَاضَعَ بمنع إطلاق ذلك اللفظ عليه، وتأدَّب مع أبيه بإضافة ذلك اللفظ إليه، ولم يتعرض للمعنى، فكأنه قال: لا تُطلقوا هذا اللفظ عليّ، وأطلقوه على أبي إبراهيم أدبًا معه، واحترامًا له، ولو صرَّح بهذا لكان صحيحًا غير مستبعَد، لا عقلًا، ولا نقلًا، وهذا كما قال: «لا تفضّلوني على موسى»؛ أي: لا تقولوا: محمد أفضل من موسى؛ مخافةَ أن يُخيَّل نقص في المفضول، كما قدَّمناه، ويأتي. فقد أظهر هذا البحث: أن ذلك راجع إلى منع إطلاق لفظ وإباحته، فذلك خبر عن الحكم الشرعيّ، لا عن المعنى الوجوديّ، وإذا ثبت ذلك جاز رَفْعه، ووَضْعه، وصحَّ الحكم به، ونَسْخه من غير تعرُّض للمعنى، والله أعلم. سلَّمنا أنه خبر عن أمر وجوديّ، لكن لا نسلّم أن كل أمر وجوديّ لا يتبدل، بل منها ما يتبدل، ولا يلزم من تبدله تناقض، ولا محال، ولا نَسْخ؛ كالإخبار عن الأمور الوضعية. وبيان ذلك: أن معنى كون الإنسان مكرَّمًا مفضلًا؛ إنما ذلك بحسب ما يُكرَّم به، ويُفضل على غيره، ففي وقت يُكرَّم بما يُساوي فيه غيره، وفي وقت يزاد على ذلك الغير، وفي وقت يُكرَّم بشيء لم يُكرَّم به أحد، فيقال في المنزلة الأولى: مُكرَّم، مُقرَّب، وفي الثانية: مُفضَّل بقيد، وفي الثالثة: مُفضَّل مطلقًا، ولا يلزم من ذلك تناقض، ولا نَسْخ، ولا مُحال، وهذا واضح، وحسنٌ جدًّا، فاغتبِط به، وشدَّ عليه يدًا. انتهى كلام القرطبيّ -﵀- ، وهو بحث مفيدٌ، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس -﵁- هذا من أفراد المصنّف -﵀-. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤١/ ٦١٢٠ و٦١٢١ و٦١٢٢] (٢٣٦٩)، و(أبو داود) في «السُّنَّة» (٤٦٧٢)، و(الترمذيّ) في «التفسير» (٣٣٤٩)، و(النسائيّ) في «الكبرى» (٦/ ٥٢٠)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (٦/ ٣٢٩)، و(أحمد) في «مسنده» (٣/ ١٧٨ و١٨٤)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (٧/ ٣٩ و٤٠)، و(تمّام) في «فوائده» (١/ ٥٥ و٢٦٢)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائد: ١ - (منها): بيان فضيلة إبراهيم الخليل -﵇- حيث كان خير البريّة. ٢ - (ومنها): بيان تواضع النبيّ -ﷺ- حيث نَسَب الخيريّة لأبيه إبراهيم -﵇- مع أنه سيّد ولد آدم كلّهم. ٣ - (ومنها): أن هذا الحديث حجة لمن قال بتفضيل خواصّ البشر؛ كالأنبياء على الملائكة وغيرهم؛ لأنه -ﷺ- أقرّ الرجل على قوله: «يا خير البريّة»، والبريّة معناها: الخَلْق، فيشمل الجميع، وهذه المسألة قد استوفيت بحثها في «شرح النسائيّ»، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق. ٤ - (ومنها): ما قاله البيهقيّ -﵀- في «شُعَبه»: قول الله -﷿-: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ الآية [البقرة: ٢٥٣] يدلّ على تفضيل بعضهم على بعض، وقول النبيّ -ﷺ-: «لا تُفضِّلوا بين أنبياء الله»، وقوله: «لا تُخَيِّروا بين أنبياء الله»، إنما هو في محاولة أهل الكتاب على معنى الإزراء ببعضهم، فإنه ربما أدَّى ذلك إلى فساد الاعتقاد فيهم، والإقلال الواجب من حقوقهم، أما إذا كانت المخايرة من مسلم يريد الوقوف على الأفضل منهم، فليس هذا بنهي عنه، والله أعلم. وقوله -ﷺ-: «لا ينبغي لأحد أن يقول أنا خير من يونس بن متّى»، فإنما أراد -والله أعلم- مَن سواه من الناس، دون نفسه، أو ذَهَب في ذلك مذهب التواضع لربه، والهضم لنفسه، وكذلك في قوله -حين قيل: يا خير البرية-: «ذاك إبراهيم -﵇-»، وكان لا يحب المبالغة في الثناء عليه في وجهه؛ تواضعًا لربه -﷿-، وكان يقول: «لا تُطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم، فإنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله، ورسوله». قال: وأما اتخاذ الله إبراهيم خليلًا فإنه إنما اتخذه خليلًا على من كان في عصره، من أعداء الله -﷿-، لا على غيره من النبيين، وهو أنه هداه إلى معرفته، ووفّقه لتوحيده، حين كان الكفر طَبَّق الأرض، ولم يكن في الدنيا نسمة تعرف الله، وتعرف به غيره، فاتخذه خليلًا، بأن جعله أهلًا لهدايته أوّلًا، ثم بأن أمره، ونهاه، فظهرت منه الطاعة ثانيًا، ثم بأن ابتلاه، فوجد منه الصبر ثالثًا، فكان يومئذ خليله، وأهل الأرض كلهم أعداؤه؛ لأنه كان المطيع، والناس غيره عصاة. وقد اتخذ محمدٌ -ﷺ- حبيبًا بدلالة الكتاب، وهو قوله -﷿-: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ الآية [آل عمران: ٣١]، فإذا كان اتّباعه يفيد للمتبع محبة الله -﷿-، فالمتبع بها يكون أَولى، ودرجة المحبة فوق درجة الْخُلّة، وقد تكلم أهل العلم في الفرق بين الحبيب والخليل بكلام كثير، وهو في كتب أهل التذكير مذكور. ثم أخرج البيهقيّ بسنده عن جعفر بن محمد في قوله -﷿-: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥] قال: أظهر اسم الخلة لإبراهيم -﵇-؛ لأن الملك ظاهر في المعنى، وأبقى اسم المحبة لمحمد -ﷺ- لتمام حاله؛ إذ لا يحب الحبيب إظهار حال حبيبه، بل يحب إخفاءه، وسَتْره؛ لئلا يَطَّلع عليه أحد سواه، ولا يدخل أحد بينهما، فقال لنبيّه وصفيّه محمد -ﷺ- لمّا أظهر له حال المحبة: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ الآية [آل عمران: ٣١]؛ أي: ليس الطريق إلى محبة الله إلا اتباع حبيبه، ولا يتوصل إلى الحبيب بشيء أحسن من متابعة حبيبه ذلك رضاه. قال: قال أبو عبد الرحمن السلمي: الحبيب يوجب اتباعه اسم المحبة لذلك، لم يوقع عليه هذا الاسم، فإن حاله أجلّ من أن يعبّر عنه بالمحبة؛ لأن متّبعيه استحقوا هذا الاسم بمتابعته، ألا ترى الله -﷿- يقول: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ الآية [آل عمران: ٣١]، والخليل لا يوجب اتباعه، لذلك أطلق له اسم الخلة، قال: والحبيب يقسم به؛ لقوله: ﴿لَعَمْرُكَ﴾ [الحجر: ٧٢]، والخليل يقسم لقوله: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٥٧]، والحبيب يُبدأ بالعطاء من غير سؤال، لقوله: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١)﴾ [الشرح: ١]، والخليل يَسأل؛ لقوله: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ الآية [إبراهيم: ٤٠]، والحبيب مجاب إلى مراده؛ لقوله: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ الآية [البقرة: ١٤٤]، والخليل ربما لا يجاب، ألا تراه قال: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٢٤]، والحبيب شافع على ربه، ألا تراه حين يقول له: «ارفع رأسك، وَسَلْ تُعطه، واشفع تشفع»، والخليل مشفوع فيه، ألا تراه في القيامة، إذا التجأ إليه الخلق، كيف يقول: لست لها، والحبيب أزيل عنه الرَّوْعة من المشهد الأعلى بالكرم من المعراج لما يجيء من مقام الشفاعة، فلم يرعه شيء لِمَا تقدم من مشاهدة، فيفرغ للشفاعة لأهل الجمع عامة، فيقول: «أنا لها»، ثم لأمته خاصة، فقال: «أمتي، أمتي»، والخليل لم يزل عنه لذلك فرجع من وقت تنفّس جهنم وزفيرها إلى قوله: «نفسي، نفسي». انتهى . وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦١٢١] (. . .) - (وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ، قَالَ: سَمِعْتُ مُخْتَارَ بْنَ فُلْفُلٍ مَوْلَى عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا يَقُولُ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ. بِمِثْلِهِ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء الْهَمْدانيّ الكوفيّ، أحد مشايخ الجماعة بلا واسطة، تقدّم قريبًا. ٢ - (ابْنُ إِدْرِيسَ) هو: عبد الله بن إدريس بن يزيد بن عبد الرحمن الأوديّ -بسكون الواو- أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ عابدٌ [٨] (ت ١٩٢) وله بضع وسبعون سنةً (ع) تقدم في «المقدمة» ٤/ ٢٤. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (بِمِثْلِهِ)؛ يعني: أن حديث عبد الله بن إدريس عن مختار مثل حديث عليّ بن مُسهر عنه. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من رباعيّات المصنّف -﵀-، كسابقيه، وهو (٤٩٦) من رباعيّات الكتاب. [تنبيه]: رواية عبد الله بن إدريس عن مختار بن فُلْفُل هذه ساقها أبو داود -﵀- في «سننه»، فقال: (٤٦٧٢) - حدّثنا زِيَاد بن أيوب، ثنا عبد الله بن إدريس، عن مختار بن فُلْفُل، يذكر عن أنس، قال: قال رجل لرسول الله -ﷺ-: يا خير البريّة، فقال رسول الله -ﷺ-: «ذاك إبراهيم». انتهى ، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦١٢٢] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الْمُخْتَارِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- بِمِثْلِهِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) بن عبيد الْعَنَزيّ -بفتح النون، والزاي- أبو موسى البصريّ، المعروف بالزَّمِن، مشهور بكنيته، وباسمه، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٥٢)، وكان هو وبُنْدار فَرَسَي رِهَان، وماتا في سنة واحدة (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٢.
مصادر المؤلف (١٠)

١. راجع: «الفتح» ٧/ ٦٤٣ - ٦٤٤، كتاب «الأنبياء» رقم (٣٣٥٣).

٢. هذا أَولى مما في «التقريب»: صدوقٌ؛ لأنه وثقه الأئمة الكبار. انظر: «تت».

٣. «تحفة الأحوذيّ» ٩/ ٢٠٠.

٤. «النهاية في غريب الأثر» ١/ ١٢٣.

٥. «المفهم» ٦/ ١٨٠.

٦. «شرح النوويّ» ١٥/ ١٢١ - ١٢٢.

٧. رواه الترمذيّ (٣٦٢٠) وإسناده ضعيف؛ أي: بهذا السياق، وأما حديث: «أنا سيد ولد آدم» فأخرجه مسلم، فتنبّه.

٨. «المفهم» ٦/ ١٨١ - ١٨٢.

٩. «شُعَب الإيمان» للبيهقيّ ٢/ ١٨٣ - ١٨٥ بزيادة شيء يسير.

١٠. «سنن أبي داود» ٤/ ٢١٨.