HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٣٧٠

حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ (يَعْنِي ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِزَامِيُّ) عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «اخْتَتَنَ إِبْرَاهِيمُ، النَّبِيُّ ﵇، وَهُوَ ابْنُ ثَمَانِينَ سنة، بالقدوم».
ج ٤ ص ١٨٣٩

سلسلة الرواة

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣٨ ص١٠١
٢ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ) بن مَهْديّ بن حسّان الْعَنْبَريّ مولاهم، أبو سعيد البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، حافظٌ، عارف بالرجال والحديث، قال ابن المدينيّ: ما رأيت أعلم منه [٩] (ت ١٩٨) وهو ابن ثلاث وسبعين سنةً (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٨٨. ٣ - (سُفْيَانُ) بن سعيد الثوريّ، تقدّم في الباب الماضي. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (بِمِثْلِهِ)؛ يعني: أن حديث سفيان الثوريّ عن المختار مثل حديث علي بن مُسهر. [تنبيه]: رواية سفيان الثوريّ عن المختار بن فُلْفُل هذه ساقها الإمام أحمد -﵀- في «مسنده»، فقال: (١٢٩٣) - حدثنا عبد الرحمن، عن سفيان، عن المختار بن فلفل، قال: سمعت أنس بن مالك، قال: قال رجل للنبيّ -ﷺ-: يا خير البريّة، قال: «ذاك إبراهيم». انتهى . وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦١٢٣] (٢٣٧٠) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ -يَعْنِي: ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِزَامِيَّ- عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «اخْتَتَنَ إِبْرَاهِيمُ النَّبِيُّ -﵇-، وَهُوَ ابْنُ ثَمَانِينَ سَنَةً بِالْقَدُومِ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (الْمُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِزَامِيُّ) هو: الْمُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بن عبد الله بن خالد بن حِزَام -بمهملة، وزاي- المدنيّ، لقبه قُصَيّ، ثقةٌ، له غرائب [٧] قال أبو داود: كان قد نزل عسقلان (ع) تقدم في «الطهارة» ٢٦/ ٦٥٣. والباقون ذُكروا في الباب الماضي، وقبله بباب. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-، وفيه قوله: «يَعْنِي: ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِزَامِيَّ»، وهو من قول المصنّف حيث لم ينسبه شيخه قتيبة، وأراد أن يعرّفه لمن يُحدّثهم، فزاد كلمة «يعني» فصلًا بين كلام شيخه، وبين ما زاده هو للتعريف، وإليه أشار السيوطيّ -﵀- في «ألفيّة الأثر» حيث قال: وَلَا تَزِدْ فِي نَسَبٍ أَو وَصْفِ مَنْ … فَوْقَ شُيُوخٍ عَنْهُمُ مَا لَمْ يُبَنْ بِنَحْوِ «يَعْنِي» أَو بـ «أَنَّ» أَو بـ «هُو» … أَمَّا إِذَا أَتَمَّهُ أَوَّلهُ أَجِزْهُ فِي الْبَاقِي لَدَى الْجُمْهُورِ … وَالْفَصْلُ أَوْلَى قَاصِرَ الْمَذْكُورِ وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة -﵁- قد سبق القول فيه قريبًا. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) -﵁- أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «اخْتَتَنَ) بالبناء للفاعل، (إِبْرَاهِيمُ النَّبِيُّ -﵇-)، وقوله: (وَهُوَ ابْنُ ثَمَانِينَ سَنَةً) جملة في محلّ النصب على الحال من الفاعل، (بِالْقَدُومِ») قال النوويّ -﵀-: رُواةُ مسلم متفقون على تخفيف «الْقَدُوم»، ووقع في روايات البخاريّ الخلاف في تشديده، وتخفيفه، قالوا: وآلة النجار يقال لها: قَدُوم بالتخفيف، لا غير، وأما «الْقَدُّوم» مكان بالشام، ففيه التخفيف، فمن رواه بالتشديد أراد القرية، ومن رواه بالتخفيف يَحْتَمِل القرية، والآلة، والأكثرون على التخفيف، وعلى إرادة الآلة، وهذا الذي وقع هنا، وهو ابن ثمانين سنةً هو الصحيح، ووقع في «الموطأ»: «وهو ابن مائة وعشرين سنةً» موقوفًا على أبي هريرة -﵁-، وهو متأوَّلٌ، أو مردود. انتهى كلام النوويّ -﵀- . وقال القرطبيّ -﵀-: قوله: «بالقدوم» اختَلَف الرواة في تخفيف دال القدوم، وتشديدها، واختلفوا أيضًا في معناها، فالذي عليه أكثر الرواة التخفيف، ويعني به: آلة النَّجَّار، وهو قول أكثر أهل اللغة في آلة النجارة، ورواه بعضهم مشدَّدًا، وفسَّره بعض اللغويين بأنه موضع معروف بالشام، ومنهم من قال: بالسَّرَاة، وحُكي عن أبي جعفر اللُّغوي: قدُّوم: المكان مشدَّد، معرفة، لا يدخله الألف واللام. قال: ومن رواه في حديث إبراهيم -ﷺ- مخففًا، فإنما يعني بها: الآلة التي يُنْجَر بها، وفي «الصحاح»: القدوم الذي يُنحت به مخففًا، قال ابن السِّكيت: لا تقل: قدُّوم بالتشديد، والجمع: قُدُم، قال الأعشى [من المتقارب]: أَقَامَ بِهِ شَاهَبُورُ الجنُو … دِ حَوْلَينِ يَضرِبُ فِيهَا القُدُمْ وجمع القُدُم: قدائم، مثل: قُلُص وقلائص، والقدوم أيضًا: اسم موضع مخفَّف. قال القرطبيّ: ويحصل من أقوالهم أن القدوم إذا أريد به الآلة فهو مخفف، وإذا أريد به الموضع ففيه التشديد، والتخفيف، ويَحْتَمِل أن يراد بالقدوم في الحديث الآلة، والموضع. انتهى كلام القرطبيّ -﵀- . وقال في «الفتح»: قوله: «بالقدوم» رَوَيناه بالتشديد عن الأصيليّ، والقابسيّ، ووقع في رواية غيرهما بالتخفيف، قال النوويّ: لم يَختلف الرواة عند مسلم في التخفيف، وأنكر يعقوب بن شيبة التشديد أصلًا. واختُلِف في المراد به، فقيل: هو اسم مكان، وقيل: اسم آلة النجار، فعلى الثاني هو بالتخفيف، لا غير، وعلى الأول ففيه اللغتان، هذا قول الأكثر، وعكسه الداوديّ، وقد أنكر ابن السِّكِّيت التشديد في الآلة. ثم اختُلِف، فقيل: هي قرية بالشام، وقيل: ثنية بالسَّرَاة، والراجح أن المراد في الحديث الآلة، فقد رَوَى أبو يعلى من طريق عليّ بن رَبَاح: «قال: أُمر إبراهيم بالختان، فاختتن بقدوم، فاشتدّ عليه، فأوحى الله إليه، أن عجلت قبل أن نأمرك بآلته، فقال: يا رب كَرِهت أن أؤخر أمرك». قال: اتفقت الروايات على أنه كان ابن ثمانين سنةً عند اختتانه، ووقع في «الموطأ» موقوفًا على أبي هريرة، وعند ابن حبان مرفوعًا: «أن إبراهيم اختتن، وهو ابن مائة وعشرين سنةً»، والظاهر أنه سقط من المتن شيء، فإن هذا القدر هو مقدار عمره، ووقع في آخر «كتاب العقيقة» لأبي الشيخ، من طريق الأوزاعيّ، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيِّب، موصولًا، مرفوعًا مثله، وزاد: «وعاش بعد ذلك ثمانين سنة»، فعلى هذا يكون عاش مائتي سنة، والله أعلم، وجَمعَ بعضهم بأن الأول حُسِب من مبدأ نبوّته، والثاني من مبدأ مولده. انتهى . وقال في «الفتح» أيضًا في «كتاب الاستئذان» بعد ذكر رواية «الموطّأ» بلفظ: «إن إبراهيم أوّلُ من اختتن، وهو ابن عشرين ومائة، واختتن بالقدوم، وعاش بعد ذلك ثمانين سنةً» ما نصّه: ورويناه في «فوائد ابن السماك» من طريق أبي أويس، عن أبي الزناد، بهذا السند مرفوعًا، وأبو أويس فيه لين، وأكثر الروايات على ما وقع في حديث الباب أنه -﵇- اختتن، وهو ابن ثمانين سنةً، وقد حاول الكمال بن طلحة في جزء له في الختان الجمع بين الروايتين، فقال: نُقِل في الحديث الصحيح أنه اختتن لثمانين، وفي رواية أخرى صحيحة أنه اختتن لمائة وعشرين، والجمع بينهما أن إبراهيم عاش مائتي سنة، منها ثمانين سنةً غير مختون، ومنها مائة وعشرين، وهو مختون، فمعنى الحديث الأول: اختتن ثمانين مضت من عمره، والثاني: لمائة وعشرين بقيت من عمره. وتعقبه الكمال ابن العديم في جزء سماه «الملحة في الردّ على ابن طلحة» بأن في كلامه وَهَمًا من أوجه: أحدها: تصحيحه لرواية مائة وعشرين، وليست بصحيحة، ثم أوردها من رواية الوليد عن الأوزاعيّ، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيِّب، عن أبي هريرة، مرفوعةً، وتعقبه بتدليس الوليد، ثم أورده من «فوائد ابن المقرئ» من رواية جعفر بن عون، عن يحيى بن سعيد، به موقوفًا، ومن رواية عليّ بن مُسهر، وعكرمة بن إبراهيم، كلاهما عن يحيى بن سعيد، كذلك. ثانيها: قوله في كل منهما: لثمانين، لمائة وعشرين، ولم يَرِد في طريق من الطرق باللام، وإنما ورد بلفظ: اختتن، وهو ابن ثمانين، وفي الأخرى: وهو ابن مائة وعشرين، وورد الأول أيضًا بلفظ: «على رأس ثمانين»، ونحو ذلك. ثالثها: أنه صرح في أكثر الروايات أنه عاش بعد ذلك ثمانين سنةً، فلا يوافق الجمع المذكور أن المائة وعشرين هي التي بقيت من عمره. رابعها: أن العرب لا تزال تقول: خَلَوْن إلى النصف، فإذا تجاوزت النصف قالوا: بَقِين، والذي جمع به ابن طلحة يقع بالعكس، ويلزم أن يقول فيما إذا مضى من الشهر عشرة أيام: لعشرين بقين، وهذا لا يُعرف في استعمالهم. ثم ذكر الاختلاف في سنّ إبراهيم -﵇-، وجزم بأنه لا يثبت منها شيء، منها: قول هشام ابن الكلبيّ، عن أبيه، قال: دعا إبراهيم الناس إلى الحج، ثم رجع إلى الشام، فمات به، وهو ابن مائتي سنة. وذكر أبو حُذيفة البخاريّ، أحد الضعفاء في «المبتدأ» بسند له ضعيف، إن إبراهيم عاش مائة وخمسًا وسبعين سنةً. وأخرج ابن أبي الدنيا من مرسل عُبيد بن عُمير في وفاة إبراهيم، وقصته مع ملَك الموت، ودخوله عليه في صورة شيخ، فأضافه، فجعل يضع اللقمة في فيه، فتتناثر، ولا تثبت في فيه، فقال له: كم أتى عليك؟ قال: مائة وإحدى وستون سنةً، فقال إبراهيم في نفسه، وهو يومئذ ابن ستين ومائة: ما بقي أن أصير هكذا إلا سنةٌ واحدةٌ، فكَرِه الحياة، فقبض ملك الموت حينئذ روحه برضاه. قال الحافظ: فهذه ثلاثة أقوال مختلفة، يتعسر الجمع بينها، لكن أرجحها الرواية الثالثة، وخطر لي بعدُ أنه يجوز الجمع بأن يكون المراد بقوله: وهو ابن ثمانين، أنه من وقت فارق قومه، وهاجر من العراق إلى الشام، وأن الرواية الأخرى: وهو ابن مائة وعشرين؛ أي: من مولده، أو أن بعض الرواة رأى مائة وعشرين، فظنها إلا عشرين، أو بالعكس، والله أعلم . قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي ذكره الحافظ من وجه الجمع لا يخفى ما فيه من التكلّف، والتعسّف، فالحقّ أن ما في الصحيح أصحّ، وهو أنه -﵇- اختتن وهو ابن ثمانين سنة، وما عداه من الروايات مرجوحة، فلا يُلتفت إليها، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الأولى): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤١/ ٦١٢٣] (٢٣٧٠)، و(البخاريّ) في «الأنبياء» (٣٣٥٦) و«الاستئذان» (٦٢٩٨) وفي «الأدب المفرد» (١/ ٤٢٦ و٤٢٨)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٣٢٢ و٤١٧ و٤٣٥)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٦٢٠٤ و٦٢٠٥)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (٥٩٨١)، و(ابن أبي عاصم) في «الأوائل» (٢٠)، و(الطبرانيّ) في «الأوائل» (١١)، وفي «مسند الشاميين» (١/ ٨٨ و٤/ ٢٨٩)، و(الحاكم) في «المستدرك» (٢/ ٦٠٠)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٨/ ٣٢٥) و«شُعَب الإيمان» (٦/ ٣٩٥)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان مشروعيّة الختان، وأنه لا ينبغي تَرْكه، ولو كَبُر سنّه، وقد استوفيت البحث في اختلاف العلماء في حُكمه، وترجيح الراجح بدليله في أوائل «كتاب الطهارة» في شرح حديث الفطرة، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق. ٢ - (ومنها): أن إبراهيم -﵇- هو أول من اختتن، لحديث أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «أول من اختتن إبراهيم. . .» الحديث، رواه الطبرانيّ، وابن أبي عاصم في «أوائلهما». وقال القرطبيّ -﵀- ما حاصله: إن إبراهيم -﵇- أوَّل من اختتن، وأن ذلك لم يزل سُنَّة عامة معمولًا بها في ذريته، وأهل الأديان المنتمين إلى دينه، وهو حُكم التوراة على بني إسرائيل كلهم، ولم تزل أنبياء بني إسرائيل يختتنون، حتى عيسى -﵇-، غير أن طوائف من النصارى تأوَّلوا ما جاء في التوراة من ذلك، بأن المقصود زوال غُلْفَة القلب، لا جلدة الذَّكَر، فتركوا المشروع من الختان بضرب من الهذيان، وليس هذا بأوَّل جهالاتهم، فكم لهم منها وكم! ويكفيك من ذلك أنّهم زادوا على أنبيائهم في الفهم، وغلَّطوهم فيما عملوا عليه، وقضوا به من الحُكم، وقد أشبعنا القول في هذا في كتاب «الإعلام». انتهى كلام القرطبيّ -﵀- . ٣ - (ومنها): ما قال المهلَّب -﵀-: ليس اختتان إبراهيم -﵇- بعد ثمانين مما يوجب علينا مثل فعله؛ إذ عامة من يموت من الناس لا يبلغ الثمانين، وإنما اختتن وقت أوحى الله إليه بذلك، وأَمَره به، قال: والنظر يقتضي أنه لا ينبغي الاختتان إلا قرب وقت الحاجة إليه؛ لاستعمال العضو في الجماع، كما وقع لابن عباس حيث قال: «كانوا لا يختنون الرجل حتى يُدرك»، ثم قال: والاختتان في الصغر؛ لتسهيل الأمر على الصغير؛ لِضَعف عضوه، وقلة فهمه. قال الحافظ: يُستدلّ بقصة إبراهيم -﵇- لمشروعية الختان، حتى لو أُخِّر لمانع حتى بلغ السن المذكور لم يسقط طلبه، وإلى ذلك أشار البخاريّ بالترجمة -أي: حيث قال: «باب الختان بعد الكِبَر»- وليس المراد أن الختان يُشرع تأخيره إلى الكبر، حتى يحتاج إلى الاعتذار عنه، وأما التعليل الذي ذكره من طريق النظر ففيه نظر، فإن حكمة الختان لم تنحصر في تكميل ما يتعلق بالجماع، بل ولمَا يُخشى من انحباس بقية البول في الغُرْلة، ولا سيما للمستجمر، فلا يؤمَن أن يسيل، فينجس الثوب، أو البدن، فكانت المبادرة لِقَطْعها عند بلوغ السن الذي يؤمر به الصبي بالصلاة أليق الأوقات، وقد بيّنت الاختلاف في الوقت الذي يُشرع فيه فيما مضى. انتهى ، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦١٢٤] (١٥١) - (وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- قَالَ: «نَحْنُ أَحَقُّ بِالشَّكِّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ؛ إِذْ قَالَ: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠]، وَيَرْحَمُ اللهُ لُوطًا، لَقَدْ كَانَ يَأْوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ، وَلَوْ لَبِثْتُ فِي السِّجْنِ طُولَ لَبْثِ يُوسُفَ، لأَجَبْتُ الدَّاعِيَ»). قال الجامع عفا الله عنه: هذا الحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم سندًا ومتنًا في «كتاب الإيمان» برقم [٧٣/ ٣٨٩] (١٥١)، وقد استوفيت شرحه، وبيان مسائله هناك، فلا حاجة إلى إعادة ذلك، فإن شئت، فارجع إليه، وبالله تعالى التوفيق. وقوله: («نَحْنُ أَحَقُّ بِالشَّكِّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ) قال النوويّ -﵀-: اختَلَف العلماءُ في معنى:»نحن أحقّ بالشك من إبراهيم» على أقوال كثيرة، أحسنها، وأصحها ما قاله الإمام أبو إبراهيم المزنيّ صاحب الشافعيّ، وجماعات من العلماء، ومعناه: أن الشك مستحيل في حقّ إبراهيم -﵇-، فإن الشك في إحياء الموتى لو كان متطرِّقًا إلى الأنبياء، لكنت أنا أحقّ به من إبراهيم، وقد علمتم أني لم أشكّ، فاعلموا أن إبراهيم -﵇- لم يشك، وإنما خَصّ النبيّ -ﷺ- إبراهيم -﵇-؛ لكون الآية قد يسبق إلى بعض الأذهان الفاسدة منها احتمال الشكّ، وإنما رجَّح إبراهيم على نفسه -ﷺ- تواضعًا، وأدبًا، أو قبل أن يعلم -ﷺ- أنه خير ولد آدم. وقال صاحب «التحرير»: قال جماعة من العلماء: لمّا نزل قول الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ﴾ قالت طائفة: شكَّ إبراهيم، ولم يشكّ نبينا -ﷺ-، فقال النبيّ -ﷺ-: «نحن أحق بالشك منه»، فذكر نحو ما قدمته، ثم قال: ويقع لي فيه معنيان: أحدهما: أنه خرج مخرج العادة في الخطاب، فإن من أراد المدافعة عن إنسان قال للمتكلم فيه: ما كنت قائلًا لفلان، أو فاعلًا معه من مكروه، فقله لي، وافعله معي، ومقصوده: لا تقل ذلك فيه. والثاني: أن معناه أن هذا الذي تظنونه شكًّا أنا أَولى به، فإنه ليس بشكّ، وإنما هو طلب لمزيد اليقين، وقيل غير هذا من الأقوال، فنقتصر على هذه لكونها أصحها، وأوضحها، والله أعلم، وقد تقدّم البحث بأطول مما هنا في الباب المذكور، فلتراجعه تستفد علمًا جمًّا، وبالله تعالى التوفيق. وقوله: (لَقَدْ كَانَ يَأْوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ) المراد بالركن الشديد هو الله -﷾-، فإنه أشد الأركان، وأقواها، وأمنعها، ومعنى الحديث -والله أعلم-: أن لوطًا -ﷺ- لَمّا خاف على أضيافه، ولم يكن له عشيرة تمنعهم من الظالمين، ضاق ذرعه، واشتَدّ حزنه عليهم، فغلب ذلك عليه، فقال في ذلك الحال: لو أن لي بكم قوة في الدفع بنفسي، أو آوي إلى عشيرة تَمْنع لَمَنعتكم، وقَصْد لوط - ﷺ - إظهار العذر عند أضيافه، وأنه لو استطاع دفع المكروه عنهم بطريق ما لفعله، وأنه بذل وُسعه في إكرامهم، والمدافعة عنهم، ولم يكن ذلك إعراضًا منه - ﷺ - عن الاعتماد على الله تعالى، وإنما كان لِما ذكرناه من تطيب قلوب الأضياف، وقد تقدّم البحث باتمّ مما هنا في الباب المذكور، فراجعه تستفد علماَ، وبالله تعالى التوفيق. وقوله: (وَلَوْ لَبِثْتُ فِي السِّجْنِ طُولَ لَبْثِ يُوسُفَ … إلخ) هذا من النبيّ - ﷺ - ثناء على يوسف -﵇ -، وبيان لصبره، وتأنيه، والمراد بالداعي رسول الملِك الذي أخبر الله -﷾ - أنه قال: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ (٥٠)﴾ [يوسف: ٥٠]، فلم يخرج يوسف -﵇ - مبادرًا إلى الراحة، ومفارقة السجن الطويل، بل تثبّت، وتوقّر، وراسل الملك في كشف أمره الذي سُجن بسببه، ولتظهر براءته عند الملِك وغيره، ويلقاه مع اعتقاده براءته مما نُسب إليه، ولا خَجَل من يوسف، ولا غيره، فبيّن نبينا - ﷺ - فضيلة يوسف -﵇ - في هذا، وقوّة نفسه في الخير، وكمال صبره، وحُسن نَظَره، وقال النبيّ - ﷺ - عن نفسه ما قاله تواضعًا، وإيثارًا للإبلاع في بيان كمال فضيلة يوسف - ﷺ -، والله أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀ - أوّلَ الكتاب قال: [٦١٢٥] (. . .) - (وَحَدَّثَنَاهُ -إِنْ شَاءَ اللهُ - عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ، حَدَّثنَا جُوَيْرِيَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيّب، وَأَبا عُبَيْدٍ أَخْبَرَاهُ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - بِمَعْنَى حَدِيثِ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ). قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدّم هذا الحديث أيضًا في «كتاب الإيمان» برقم [٧٣/ ٣٩٠] (١٥١)، وقد استوفيت البحث فيه هناك، فلتراجعه، تستفد علمًا، وبالله تعالى التوفيق. رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ) بن عبيد الضُّبَعيّ -بضم المعجمة، وفتح الموحّدة -أبو عبد الرحمن البصريّ، ثقةٌ جليلٌ [١٠] (ت ٢٣١) (خ م د س) تقدم في «الإيمان» ٤٧/ ٢٩٧. ٢ - (جُوَيْرِيَةُ) -تصغير جارية- ابن أسماء بن عُبيد الضُّبَعيّ البصريّ، صدوقٌ [٧] (ت ١٧٣) (خ م د س ق) تقدم في «الإيمان» ٧٣/ ٣٩٠. ٣ - (مَالِكُ) بن أنس بن مالك بن أبي عامر بن عمرو الأصبحيّ، أبو عبد الله المدنيّ، الفقيه، إمام دار الهجرة، رأس المتقنين، وكبير المتثبتين، حتى قال البخاريّ: أصح الأسانيد كلها: مالك، عن نافع، عن ابن عمر [٧] (ت ١٧٩)، وكان مولده سنة ثلاث وتسعين، وقال الواقديّ: بلغ تسعين سنةً (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٧٨. ٤ - (أَبُو عُبَيْدٍ) سعد بن عُبيد الزهريّ، مولى عبد الرحمن بن أزهر المدنيّ، ثقةٌ [٣] (ت ٩٨) وقيل: له إدراك (ع) تقدم في «الإيمان» ٧٣/ ٣٩٠. والباقون تقدّموا في الباب الماضي. [تنبيه]: قوله: «إِنْ شَاءَ اللهُ» قال النوويّ -﵀-: هذا مما قد ينكره على مسلم مَن لا علم عنده، ولا خِبْرة لديه؛ لكون مسلم: قال: وحدّثني به إن شاء الله تعالى، فيقول: كيف يحتجّ بشيء يشك فيه؟ وهذا خَيال باطلٌ من قائله، فإن مسلمًا لم يحتج بهذا الإسناد، وإنما ذكره متابعةً، واستشهادًا، وقد قدّمنا أنهم يَحْتملون في المتابعات والشواهد ما لا يحتملون في الأصول، والله تعالى أعلم. انتهى . وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦١٢٦] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ، حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: «يَغْفِرُ اللهُ لِلُوطٍ، إِنَّهُ أَوَى إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبِ) بن شدّاد أبو خيثمة النسائيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٣٤) وهو ابن أربع وسبعين سنةً (خ م د س ق) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٣. ٢ - (شَبَابَةُ) بن سَوّار المدائنيّ، أصله من خُرَاسان، يقال: كان اسمه مروان، مولى بني فَزَارة، ثقةٌ حافظٌ، رُمي بالإرجاء [٩] (ت ٤ أو ٥ أو ٢٠٦) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٤٠. ٣ - (وَرْقَاءُ) بن عمر الْيَشْكُريّ، أبو بشر الكوفيّ، نزيل المدائن، صدوق، في حديثه عن منصور لِينٌ [٧] (ع) تقدم في «الصلاة» ٣١/ ٩٩٩. والباقون ذُكروا في الباب. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) -﵁- (عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ-) أنه (قَالَ: «يَغْفِرُ اللهُ لِلُوطٍ، إِنَّهُ أَوَى إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ»)؛ أي: إلى الله -﷾-، يشير -ﷺ- إلى قوله تعالى: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَو آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ [هود: ٨٠]، ويقال: إن قوم لوط لم يكن فيهم أحد يجتمع معه في نسبه؛ لأنهم من سَدُوم، وهي من الشام، وكان أصل إبراهيم ولوط من العراق، فلما هاجر إبراهيم إلى الشام، هاجر معه لوط، فبعث الله لوطًا إلى أهل سدوم، فقال: لو أن لي مَنَعَةً، وأقارب، وعَشيرةً، لكنت أستنصر بهم عليكم؛ ليدفعوا عن ضيفاني، ولهذا جاء في بعض طرق هذا الحديث كما أخرجه أحمد، من طريق محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبيّ -ﷺ- قال: «قال لوط: لو أن لي بكم قوّةً، أو آوي إلى ركن شديد، قال: فإنه كان يأوي إلى ركن شديد، ولكنه عَنَى عشيرته، فما بعث الله نبيًّا إلا في ذروة من قومه»، زاد ابن مردويه، من هذا الوجه: «ألم تر إلى قول قوم شعيب: ﴿وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ﴾ [هود: ٩١]؟». وقيل: معنى قوله: «لقد كان يأوي إلى ركن شديد»؛ أي: إلى عشيرته، لكنه لم يأو إليهم، وأوى إلى الله. انتهى، قال الحافظ: والأول أظهر؛ لِمَا بيّناه. وقال النوويّ: يجوز أنه لَمّا اندَهَش بحال الأضياف قال ذلك، أو أنه التجأ إلى الله في باطنه، وأظهر هذا القول للأضياف اعتذارًا، وسُمِّي العشيرة
مصادر المؤلف (٩)

١. »مسند الإمام أحمد بن حنبل«٣/ ١٨٤.

٢. «شرح النوويّ» ١٥/ ١٢٢.

٣. «المفهم» ٦/ ١٨٢ - ١٨٣.

٤. «الفتح» ٧/ ١٤٦ - ١٤٧، كتاب «أحاديث الأنبياء» رقم (٣٣٥٦).

٥. «الفتح» ١٤/ ٢٦٦، كتاب «الاستئذان» رقم (٦٢٩٨).

٦. «المفهم» ٦/ ١٨٣.

٧. «الفتح» ١٤/ ٢٦٧ - ٢٦٨، كتاب «الاستئذان» رقم (٦٢٩٨).

٨. هذا الرقم تقدّم، فهو مكرّر، فتنبّه.

٩. «شرح النوويّ» ٢/ ١٨٣.