HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٣٧١

وحدثني أبو الطاهر. أخبرنا عبد الله بن وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ عَنْ أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أن رسول الله ﷺ قَالَ «لَمْ يَكْذِبْ إِبْرَاهِيمُ النَّبِيُّ، ﵇، قَطُّ إِلَّا ثَلَاثَ كَذَبَاتٍ. ثِنْتَيْنِ فِي ذات الله. قوله: إني سقيم. وقوله: بل فعله كبيرهم هذا. وَوَاحِدَةٌ فِي شَأْنِ سَارَةَ. فَإِنَّهُ قَدِمَ أَرْضَ جَبَّارٍ وَمَعَهُ سَارَةُ. وَكَانَتْ أَحْسَنَ النَّاسِ. فَقَالَ لها: إن هذا الجبار، إن لا يعلم أنك امرأتي، يغلبني عليك. فإن سأل فَأَخْبِرِيهِ أَنَّكِ أُخْتِي. فَإِنَّكِ أُخْتِي فِي الْإِسْلَامِ. فَإِنِّي لَا أَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ مُسْلِمًا غَيْرِي وَغَيْرَكِ. فَلَمَّا دَخَلَ أَرْضَهُ رَآهَا بَعْضُ أَهْلِ الْجَبَّارِ. أَتَاهُ فَقَالَ لَهُ: لَقَدْ قَدِمَ أَرْضَكَ امْرَأَةٌ لَا يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تَكُونَ إِلَّا لَكَ. فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا فَأُتِيَ بِهَا. فَقَامَ إِبْرَاهِيمُ ﵇ إِلَى الصَّلَاةِ. فَلَمَّا دَخَلَتْ عَلَيْهِ لَمْ يَتَمَالَكْ أَنْ بَسَطَ يَدَهُ إِلَيْهَا. فَقُبِضَتْ يَدُهُ قَبْضَةً شَدِيدَةً. فَقَالَ لَهَا: ادْعِي اللَّهَ أَنْ يُطْلِقَ يَدِي وَلَا أَضُرُّكِ. فَفَعَلَتْ. فَعَادَ. فَقُبِضَتْ أَشَدَّ مِنَ الْقَبْضَةِ الْأُولَى. فَقَالَ لَهَا مِثْلَ ذَلِكَ. فَفَعَلَتْ. فَعَادَ. فَقُبِضَتْ أَشَدَّ مِنَ الْقَبْضَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ. فَقَالَ: ادْعِي اللَّهَ أَنْ يُطْلِقَ يَدِي. فَلَكِ اللَّهَ أَنْ لَا أَضُرَّكِ. فَفَعَلَتْ. وَأُطْلِقَتْ يَدُهُ. وَدَعَا الَّذِي جَاءَ بِهَا فَقَالَ لَهُ: إِنَّكَ إِنَّمَا أَتَيْتَنِي بِشَيْطَانٍ. وَلَمْ تَأْتِنِي بِإِنْسَانٍ. فَأَخْرِجْهَا مِنْ أَرْضِي، وَأَعْطِهَا هَاجَرَ. قَالَ فَأَقْبَلَتْ تَمْشِي. فَلَمَّا رَآهَا إِبْرَاهِيمُ ﵇ انْصَرَفَ. فَقَالَ لَهَا: مَهْيَمْ؟ قَالَتْ: خَيْرًا. كَفَّ اللَّهُ يَدَ الْفَاجِرِ. وَأَخْدَمَ خَادِمًا. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَتِلْكَ أُمُّكُمْ يَا بَنِي مَاءِ السَّمَاءِ.
ج ٤ ص ١٨٤٠

سلسلة الرواة

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣٨ ص١١٢
ركنًا؛ لأن الركن يُستند إليه، ويُمتنع به، فشبَّههم بالرُّكن من الجبل؛ لشدّتهم، ومَنَعَتهم . وقال في «العمدة»: قوله: ﴿إِنْ كَانَ﴾ كلمة «إن» هذه مخففة من المثقلة؛ أي: إنه كان، وقوله: ﴿إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾؛ أي: إلى الله -﷾-، ويشير بذلك إلى قوله تعالى: ﴿قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَو آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ (٨٠)﴾ [هود: ٨٠]؛ أي: إلى عشيرته، لكنه لم يأو إليهم، ولكنه آوى إلى الله. انتهى . مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤١/ ٦١٢٦] (١٥١)، و(البخاريّ) في «الأنبياء» (٣٣٧٥)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٣٢٢)، و(سعيد بن منصور) في «سننه» (٥/ ٣٥٤)، و(الطبرانيّ) في «مسند الشاميين» (٤/ ٢٨٣)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦١٢٧] (٢٣٧١) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، عَنْ أيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- قَالَ: «لَمْ يَكْذِبْ إِبْرَاهِيمُ النَّبِيُّ -﵇- قَطُّ إِلَّا ثَلَاثَ كَذَبَاتٍ: ثِنْتَيْنِ فِي ذَاتِ اللهِ، قَوْلُهُ: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩]، وَقَوْلُهُ: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ [الأنبياء: ٦٣]، وَوَاحِدَةً فِي شَأْنِ سَارَةَ، فَإِنَّهُ قَدِمَ أَرْضَ جَبَّارٍ، وَمَعَهُ سَارَةُ، وَكَانَتْ أَحْسَنَ النَّاسِ، فَقَالَ لَهَا: إِنَّ هَذَا الْجَبَّارَ إِنْ يَعْلَمْ أَنَّكِ امْرَأَتِي يَغْلِبْنِي عَلَيْكِ، فَإِنْ سَأَلَكِ، فَأَخْبِرِيهِ أَنَّكِ أُخْتِي، فَإِنَّكِ أُخْتِي فِي الإِسْلَامِ، فَإِنِّي لَا أَعْلَمُ فِي الأَرْضِ مُسْلِمًا غَيْرِي وَغَيْرَكِ، فَلَمَّا دَخَلَ أَرْضَهُ رَآهَا بَعْضُ أَهْلِ الْجَبَّارِ أَتَاهُ، فَقَالَ لَهُ: لَقَدْ قَدِمَ أَرْضَكَ امْرَأَةٌ، لَا يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تَكُونَ إِلَّا لَكَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا، فَأُتِيَ بِهَا، فَقَامَ إِبْرَاهِيمُ -﵇- إِلَى الصَّلَاةِ، فَلَمَّا دَخَلَتْ عَلَيْهِ، لَمْ يَتَمَالَكْ أَنْ بَسَطَ يَدَهُ إِلَيْهَا، فَقُبِضَتْ يَدُهُ قَبْضَةً شَدِيدَةً، فَقَالَ لَهَا: ادْعِي اللهَ أَنْ يُطْلِقَ يَدِي، وَلَا أَضُرُّكِ، فَفَعَلَتْ، فَعَادَ، فَقُبِضَتْ أَشَدَّ مِنَ الْقَبْضَةِ الأُولَى، فَقَالَ لَهَا مِثْلَ ذَلِكَ، فَفَعَلَتْ، فَعَادَ، فَقُبِضَتْ أَشَدَّ مِنَ الْقَبْضَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ، فَقَالَ: ادْعِي اللهَ أَنْ يُطْلِقَ يَدِي، فَلَكِ اللهَ أَنْ لَا أَضُرَّكِ، فَفَعَلَتْ، وَأُطْلِقَتْ يَدُهُ، وَدَعَا الَّذِي جَاءَ بِهَا، فَقَالَ لَهُ: إِنَّكَ إِنَّمَا أَتَيْتَنِي بِشَيْطَانٍ، وَلَمْ تَأْتِنِي بِإِنْسَانٍ، فَأَخْرِجْهَا مِنْ أَرْضِي، وَأَعْطِهَا هَاجَرَ، قَالَ: فَأَقْبَلَتْ تَمْشِي، فَلَمَّا رَآهَا إِبْرَاهِيمُ -﵇- انْصَرَفَ، فَقَالَ لَهَا: مَهْيَمْ؟ قَالَتْ: خَيْرًا، كَفَّ اللهُ يَدَ الْفَاجِرِ، وَأَخْدَمَ خَادِمًا»، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَتِلْكَ أُمُّكُمْ، يَا بَنِي مَاءِ السَّمَاءِ). رجال هذا الإسناد: ستّة: ١ - (جَرِيرُ بْنُ حَازِمِ) بن زيد بن عبد الله الأزديّ، أبو النضر البصريّ، ثقةٌ، لكن في حديثه عن قتادة ضعف، وله أوهام إذا حدّث من حفظه [٦] (ت ١٧٠) (ع) تقدم في«المقدمة»٦/ ٨١. ٢ - (أَيُّوبُ السَّخْتِيَانِيُّ) -بفتح المهملة بعدها معجمة ثم مثناة ثم تحتانية وبعد الألف نون- ابن أبي تَمِيمة كيسان، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حجةٌ، من كبار الفقهاء العُبّاد [٥] (ت ١٣١) وله خمس وستون سنةً (ع) تقدّم في«شرح المقدّمة»جـ ١ ص ٣٠٥. ٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ) الأنصاريّ، أبو بكر بن أبي عمرة البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ عابدٌ، كبير القَدْر، كان لا يرى الرواية بالمعنى [٣] (ت ١١٠) (ع) تقدّم في«شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٠٨. والباقون ذُكروا في الباب الماضي. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-، وأنه مسلسل بالبصريين من جرير، إلا الصحابيّ، فمدنيّ، والباقيان مصريّان، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة -﵁- سبق القول فيه قريبًا. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) -﵁- (أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- قَالَ) هكذا رواية جرير بن حازم عن أيوب مرفوعة، ووقع في رواية حمّاد بن زيد عن أيوب عند البخاريّ غير مرفوع، قال في «الفتح»: أورده البخاريّ من وجهين عن أيوب، وساقه على لفظ حماد بن زيد، عن أيوب، ولم يقع التصريح برفعه في روايته، وقد رواه في «النكاح» عن سليمان بن حرب، عن حماد بن زيد، فصرّح برفعه، لكن لم يَسُق لفظه، ولم يقع رَفْعه هنا في رواية النسفيّ، ولا كريمة، وهو المعتمَد في رواية حماد بن زيد، وكذا رواه عبد الرزاق، عن معمر، غير مرفوع، والحديث في الأصل مرفوع، كما في رواية جرير بن حازم، وكما في رواية هشام بن حسّان، عن ابن سيرين، عند النسائيّ، والبزار، وابن حبان، وكذا تقدم في «البيوع» من رواية الأعرج، عن أبي هريرة، مرفوعًا، ولكن ابن سيرين كان غالبًا لا يصرّح برفع كثير من حديثه. انتهى . («لَمْ يَكْذِبْ إِبْرَاهِيمُ النَّبِيُّ -ﷺ- قَطُّ)؛ أي: فيما مضى من الزمن، (إِلَّا ثَلَاثَ كذَبَاتٍ) قال القرطبيّ -﵀-: قد تقدَّم الكلام على هذه الكذبات في»كتاب الإيمان«، وذكرنا هناك أنها أربع، زيد فيها قوله للكوكب: ﴿هَذَا رَبِّي﴾ [الأنعام: ٧٧]، ولم يذكرها في هذا الحديث، مع أنه قد جاء بلفظ الحصر، فينبغي ألا يقال عليها كذبة في حق إبراهيم؛ إذ قد نفاها الرسول -ﷺ- بهذا الحصر؛ وإنَّما لم تُعَدّ عليه كذبة، وهي أدخل في الكذب من هذه الثلاث؛ لأنَّه -والله أعلم- حين قال ذلك في حال الطفولية، وليست حال تكليف، ويقوي هذا المعنى قول من حكى عنه ذلك، كما تقدَّم في»الإيمان«. انتهى . وقال في«الفتح»: قوله:«ثلاث كذبات»، قال أبو البقاء: الجيِّد أن يقال: بفتح الذال في الجمع؛ لأنه جمع كَذْبة بسكون الذال، وهو اسم، لا صفة؛ لأنك تقول: كَذَبَ كَذْبَةً، كما تقول: رَكَعَ رَكْعَةً، ولو كان صفة لسُكّن في الجمع. وقد أُورد على هذا الحصر ما رواه مسلم من حديث أبي زرعة، عن أبي هريرة، في حديث الشفاعة الطويل، فقال في قصة إبراهيم:«وذَكَرَ كذباته»، ثم ساقه من طريق أخرى، من هذا الوجه، وقال في آخره: وزاد في قصة إبراهيم، وذكر قوله في الكوكب: ﴿هَذَا رَبِّي﴾ [الأنعام: ٧٦]، وقوله لآلهتهم: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ [الأنبياء: ٦٣]، وقوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩]. انتهى. قال القرطبيّ: ذِكْر الكوكب يقتضي أنها أربع، وقد جاء في رواية ابن سيرين بصيغة الحصر، فيحتاج في ذِكر الكوكب إلى تأويل. قال الحافظ: الذي يظهر أنها وَهَمٌ من بعض الرواة، فإنه ذَكَر قوله في الكوكب، بدل قوله في سارة، والذي اتَّفَقَت عليه الطرق ذِكر سارة، دون الكوكب، وكأنه لم يُعَدّ مع أنه أدخلُ مِن ذِكر سارة؛ لِمَا نُقِل أنه قاله في حال الطفولية، فلم يَعُدّها؛ لأن حال الطفولية ليست بحال تكليف، وهذه طريقة ابن إسحاق، وقيل: إنما قال ذلك بعد البلوغ، لكنه قاله على طريق الاستفهام الذي يُقصد به التوبيخ، وقيل: قاله على طريق الاحتجاج على قومه؛ تنبيهًا على أن الذي يتغير لا يصلح للربوبية، وهذا قول الأكثر أنه قال توبيخًا لقومه، أو تهكّمًا بهم، وهو المعتمد، ولهذا لم يُعَدّ ذلك في الكذبات. وأما إطلاقه الكذب على الأمور الثلاثة، فلكونه قال قولًا يعتقده السامع كذبًا، لكنه إذا حُقِّق لم يكن كذبًا؛ لأنه من باب المعاريض المحتمِلة للأمرين فليس بكذب محض. فقوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ يَحْتَمِل أن يكون أراد: إني سقيم؛ أي: سأسقم، واسم الفاعل يُستعمل بمعنى المستقبَل كثيرًا، ويَحْتَمِل أنه أراد: إني سقيم بما قُدّر عليّ من الموت، أو سقيم الحجة على الخروج معكم. وحَكَى النوويّ عن بعضهم أنه كان تأخذه الحمى في ذلك الوقت، وهو بعيد؛ لأنه لو كان كذلك لم يكن كذبًا، لا تصريحًا، ولا تعريضًا. وقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ﴾ قال القرطبيّ: هذا قاله تمهيدًا للاستدلال على أن الأصنام ليست بآلهة، وقطعًا لقومه في قولهم: إنها تضرّ، وتنفع، وهذا الاستدلال يُتَجَوَّز فيه في الشرط المتصل، ولهذا أردف قوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ﴾ بقوله: ﴿فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ﴾، قال ابن قتيبة: معناه: إن كانوا ينطقون فقد فعله كبيرهم هذا، فالحاصل أنه مشترط بقوله: إن كانوا ينطقون، أو أنه أَسند إليه ذلك؛ لكونه السبب، وعن الكسائي أنه كان يقف عند قوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ﴾؛ أي: فعله من فعله كائنًا من كان، ثم يبتدئ: ﴿كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾، وهذا خبر مستقلّ، ثم يقول: ﴿فَاسْأَلُوهُمْ﴾ إلى آخره، ولا يخفى تكلفه. وقوله: «هذه أختي» يُعتذر عنه بأن مراده أنها أخته في الإسلام، كما سيأتي واضحًا، قال ابن عَقِيل: دلالة العقل تَصْرِف ظاهر إطلاق الكذب على إبراهيم، وذلك أن العقل قَطَع بأن الرسول ينبغي أن يكون موثوقًا به؛ ليُعْلَم صِدق ما جاء به عن الله، ولا ثقة مع تجويز الكذب عليه، فكيف مع وجود الكذب منه؟ وإنما أُطلق عليه ذلك؛ لكونه بصورة الكذب عند السامع، وعلى تقديره فلم يصدُر ذلك من إبراهيم -﵇-؛ يعني: إطلاق الكذب على ذلك، إلا في حال شدّة الخوف؛ لعلوّ مقامه، وإلا فالكذب المحض في مثل تلك المقامات يَجُوز، وقد يجب؛ لتَحَمُّل أخفّ الضررين دفعًا لأعظمهما، وأما تسميته إياها كذبات، فلا يريد أنها تذم، فإن الكذب، وإن كان قبيحًا مُخِلًّا، لكنه قد يَحْسُن في مواضع، وهذا منها، ذكر هذا كلّه في «الفتح» . (ثِنْتَيْنِ فِي ذَاتِ اللهِ) قال القرطبيّ -﵀-: يعني به: وجود الله المنزه عن صفات المخلوقات، والمقدَّس عن ذوات المُحْدَثات، وفيه دليل على جواز إطلاق لفظ الذات على الله تعالى المقدس، فلا يُلتفت لإنكار من أنكر إطلاقه من المتكلمين. وقال أيضًا: قوله: «اثنتين في ذات الله»؛ أي: في الدفع عن وجود الله تعالى، وبيان حجته على أن المستحق للإلهية هو الله تعالى لا غيره، فاعتذر عمَّا دعوه إليه من الخروج معهم بأنه سقيم، فوَرَّى بهذا اللفظ، وهو يريد خلاف ما فهموا عنه -كما بيَّناه في الإيمان- حتى يخلو بالأصنام، فيكسرها، ففعل ذلك، وترك كبير الأصنام؛ لينسب إليه كَسْرها بذلك قولًا يقطعهم به، فإنَّهم لمّا رجعوا من عيدهم، فوجدوا الأصنام مكسَّرة: ﴿قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ (٥٩)﴾ [الأنبياء: ٥٩]، فقال بعضهم: ﴿سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾ [الأنبياء: ٦٠]، وكان هذا الذكر هو قول إبراهيم لهم: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ (٥٧)﴾ [الأنبياء: ٥٧]، فلما أحضروه: ﴿قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَاإِبْرَاهِيمُ (٦٢)﴾ [الأنبياء: ٦٢]، فأجابهم بقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ (٦٣) فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ﴾؛ أي: رجع بعضهم إلى بعض رجوع القطع عن حجَّته المتفطِّن لحجَّة خصمه: ﴿فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الأنبياء: ٦٣، ٦٤]؛ أي: بعبادة من لا ينطق بلفظة، ولا يملك لنفسه لحظة، فكيف ينفع عابديه، ويدفع عنهم البأس من لا يردُّ عن رأسه الفأس: ﴿ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ﴾ [الأنبياء: ٦٥]؛ أي: عادوا إلى جهلهم، وعنادهم، فقالوا: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٦٥]، فقال قاطعًا لِما به يهذون، ومفحمًا لهم فيما يتقولون: ﴿أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ (٦٦) أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [الأنبياء: ٦٦، ٦٧]. انتهى . وقال في «الفتح»: خَصّ الثنتين بذات الله؛ لأن قصة سارة، وإن كانت أيضًا في ذات الله، لكن تضمنت حظًّا لنفسه، ونفعًا له، بخلاف الثنتين الأخيرتين، فإنهما في ذات الله محضًا، وقد وقع في رواية هشام بن حسان: «إن إبراهيم لم يكذب قطّ إلا ثلاث كذبات، كل ذلك في ذات الله»، وفي حديث ابن عباس عند أحمد: «والله إن جادل بهنّ إلا عن دين الله». (قَوْلُهُ: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾، وَقَوْلُهُ: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ تقدّم ما يتعلّق بهاتين الخصلتين آنفًا، (وَوَاحِدَةً فِي شَأْنِ سَارَةَ) بتخفيف الراء، وتشديدها، وهي امرأة إبراهيم، والدة إسحاق بن إبراهيم -﵇-. قال القرطبيّ -﵀-: هذه الواحدة هي من إبراهيم -ﷺ- مدافعةٌ عن حكم الله تعالى الذي هو: تحريم سارة على الجبَّار، والثنتان المتقدِّمتان مدافعة عن وجود الله تعالى، فافترقا، فلذلك فرَّق في الإخبار بين النوعين. انتهى . [تنبيه]: اختُلف في والد سارة -﵂-، مع القول بأن اسمه هاران، فقيل: هو ملك حَرّان، وأن إبراهيم تزوجها لما هاجر من بلاد قومه إلى حَرّان، وقيل: هي ابنة أخيه، وكان ذلك جائزًا في تلك الشريعة، حكاه ابن قتيبة، والنقّاش، واستُبْعِد، وقيل: بل هي بنت عمة، وتوافق الاسمان، وقد قيل في اسم أبيها: توبل، ذكره في «الفتح» . (فَإِنَّهُ)؛ أي: إبراهيم -﵇- (قَدِمَ) بكسر الدال، (أَرْضَ جَبَّارٍ)، واسم الجبار المذكور: عمرو بن امرئ القيس بن سبأ، وأنه كان على مصر، ذكره السهيليّ، وهو قول ابن هشام في «التيجان»، وقيل: اسمه صادوق، وحكاه ابن قتيبة، وكان على الأردنّ، وقيل: سنان بن علوان بن عبيد بن عريج بن عملاق بن لاود بن سام بن نوح، حكاه الطبريّ، ويقال: إنه أخو الضحاك الذي مَلَك الأقاليم. وقوله: (وَمَعَهُ سَارَةُ) جملة حاليّة من الفاعل، وكذا قوله: (وَكَانَتْ أَحْسَنَ النَّاسِ) تقدّم في «صحيح مسلم» في حديث الإسراء الطويل من رواية ثابت، عن أنس في ذكر يوسف: «أُعطيَ شطر الحُسْن»، زاد أبو يعلى من هذا الوجه: «أُعطي يوسف، وأمه شطر الحُسْن»؛ يعني: سارة، وفي رواية للبخاريّ: «هاجر إبراهيم بسارة، فدخل بها قرية، فيها ملك، أو جبار، فقيل: دخل إبراهيم بامرأة، هي من أحسن النساء»، وفي رواية البخاريّ: «فقيل له: إن ها هنا رجلًا، معه امرأة، من أحسن الناس». (فَقَالَ) إبراهيم (لَهَا)؛ أي: لسارة، (إِنَّ هَذَا الْجَبَّارَ إِنْ يَعْلَمْ) «إن» شرطيّة، ولذا جُزم الفعل بها بعدها، (أَنَّكِ امْرَأَتِي)؛ أي: زوجتي، (يَغْلِبْنِي عَلَيْكِ) ظاهر هذا أن هذا القول قاله إبراهيم -﵇- قبل أن يلقى الجبّار، ويتكلّم معه، وفي رواية البخاريّ: «فأرسل إليه، فسأله عنها، فقال: من هذه؟ قال: أختي، فأتى سارة، فقال: يا سارة ليس على وجه الأرض. . . إلخ»، وهذا ظاهر في أنه سأله عنها أوّلًا، ثم أعلمها بذلك؛ لئلا تكذّبه عنده. ووجْه الجمع بينهما -كما في «الفتح»- أن يقال: إن إبراهيم -﵇- أحسّ بأن الملك سيطلبها منه، فأوصاها بما أوصاها، فلما وقع ما حَسِبه أعاد عليها الوصية. واختُلِف في السبب الذي حَمَل إبراهيم على هذه الوصية، مع أن ذلك الظالم يريد اغتصابها على نفسها أختًا كانت، أو زوجةً، فقيل: كان من دين ذلك الملك أن لا يتعرض إلا لذوات الأزواج، كذا قيل، ويحتاج إلى تَتِمَّة، وهو أن إبراهيم أراد دفع أعظم الضررين بارتكاب أخفهما، وذلك أن اغتصاب الملك إياها واقع لا محالة، لكن إن عَلِم أن لها زوجًا في الحياة حملته الغيرة على قتله، وإعدامه، أو حَبْسه، وإضراره، بخلاف ما إذا عَلِم أن لها أخًا، فإن الغيرة حينئذ تكون من قِبَل الأخ خاصّة، لا من قِبَل الملك، فلا يبالي به. وقيل: أراد: إن عَلِم أنك امرأتي ألزمني بالطلاق. قال الحافظ: والتقرير الذي قررته أولًا جاء صريحًا عن وهب بن منبه، فيما أخرجه عبد بن حميد في «تفسيره» من طريقه. وقيل: كان من دِين الملِك أن الأخ أحقّ بأن تكون أخته زوجته من غيره، فلذلك قال: هي أختي؛ اعتمادًا على ما يعتقده الجبار، فلا ينازعه فيها. وتُعُقّب بأنه لو كان كذلك لقال: هي أختي، وأنا زوجها، فلم اقتصر على قوله: هي أختي، وأيضًا فالجواب إنما يفيد لو كان الجبار يريد أن يتزوجها، لا أن يغتصبها نفسها. وذكر المنذريّ في «حاشية السنن» عن بعض أهل الكتاب أنه كان من رأي الجبار المذكور أن من كانت متزوجة لا يقربها، حتى يقتل زوجها، فلذلك قال إبراهيم: «هي أختي»؛ لأنه إن كان عادلًا خطبها منه، ثم يرجو مدافعته عنها، وإن كان ظالِمًا خلص من القتل. قال الحافظ: وليس هذا ببعيد مما قررته أوّلًا، وهذا أُخذ من كلام ابن الجوزي في «مشكل الصحيحين»، فإنه نقله عن بعض علماء أهل الكتاب، أنه سأله عن ذلك، فأجاب به. وقال القرطبيّ: «يَغْلِبْنِي عَلَيْكِ» قيل: إن ذلك الجبَّار كانت سيرته أنه لا يغلبُ الأخ على أخته، ولا يظلمه فيها، وكان يغلب الزوج على زوجته، وعلى هذا يدلّ مساق هذا الحديث، وإلا فما الذي فرَّق بينهما في حق جبَّار ظالم؟ انتهى . (فَإنْ سَأَلَكِ، فَأَخْبِرِيهِ أَنَّكِ أُخْتِي، فَإِنَّكِ أُخْتِي فِي الإِسلَامِ)؛ أي: لا في النسب، فلا يكون كذبًا في الحقيقة، قال القرطبيّ -﵀-: هذا صحيح، ليس فيه من الكذب شيء، وهذا كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠]، لكن لما كان الأسبق للفهم من لفظ الإخوة إنما هي أخوَّة النسب، كان من باب المعاريض؛ لأنَّ ظاهر اللفظ يوهم شيئًا، ومراد المتكلم غيره، وأُطلق عليه كذب توسُّعًا، وأطلق النبيّ -ﷺ- عليها كذبًا؛ لأنَّ الله تعالى قد أعلمه أن إبراهيم يُطلق ذلك على نفسه يوم القيامة كما تقدم في «كتاب الإيمان»، وأيضًا: فليُنبَّه بذلك على أن الأنبياء -﵈- منزَّهون عن الكذب الحقيقيّ؛ لأنَّهم إذا كانوا يَفْرَقُون من مثل هذه المعاريض التي يجادلون بها عن الله تعالى، وعن دينه، وهي من باب الواجب، كان أحرى، وأَولى أن لا يصدر عنهم شيء من الكذب الممنوع. انتهى . (فَإِنِّي لَا أَعْلَمُ فِي الأَرْضِ مُسْلِمًا غَيْرِي وَغَيْرَكِ) هذا يُشكل عليه كون لوط كان معه، كما قال تعالى: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ [العنكبوت: ٢٦]، ويمكن أن يجاب بأن مراده بالأرض: الأرض التي وقع له فيها ما وقع، ولم يكن معه لوط إذ ذاك. (فَلَمَّا دَخَلَ أَرْضَهُ)؛ أي: أرض الجبّار، (رَآهَا بَعْضُ أَهْلِ الْجَبَّارِ)، وفي «كتاب التيجان» أن قائل ذلك رجل كان إبراهيم يشتري منه الْقَمْح، فَنَمّ عليه عند الملك، وذكر أن من جملة ما قاله للملك: إني رأيتها تطحن، وهذا هو السبب في إعطاء الملك لها هاجر في آخر الأمر، وقال: إن هذه لا تصلح أن تخدُم نفسها ، فـ (آتَاهُ)؛ أي: الجبّار، (فَقَالَ لَهُ: لَقَدْ قَدِمَ أَرْضَكَ امْرَأَةٌ، لَا يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تَكُونَ إِلَّا لَكَ)؛ أي: لأنها من أحسن الناس، وأجملهم، (فَأَرْسَلَ) الجبّار (إِلَيْهَا)؛ أي: إلى سارة، (فَأُتيَ بِهَا) بالبناء للمفعول، (فَقَامَ إِبْرَاهِيمُ -﵇- إِلَى الصَّلَاةِ)؛ أي: ليتضرّع إلى الله -﷾-، ويستعين بها على دفع ما وقع له من تسلّط الجبّار على زوجته، كما قال الله -﷿-: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ الآية [البقرة: ٤٥]، وأخرج أبو داود عن حذيفة -﵁- قال: «كان النبيّ -ﷺ- إذا حَزَبَه أمر صلى» . (فَلَمَّا دَخَلَتْ عَلَيْهِ، لَمْ يَتَمَالَكْ أَنْ بَسَطَ يَدَهُ إِلَيْهَا) «أن» مصدريّة، والمصدر المؤوّل مجرور بحرف جرّ محذوف قياسًا، كما قال في «الخلاصة»: وَعَدِّ لَازِمًا بِحَرْفِ جَرِّ … وَإِنْ حُذِفْ فَالنَّصْبُ لِلْمُنْجَرِّ نَقْلًا وَفي «أَنَّ»، و«أَنْ» يَطَّرِدُ … مَعْ أَمْنِ لَبْسٍ كَـ «عَجِبْتُ أَنْ يَدُوا» والمعنى: لم يملك نفسه عن بسط يدها إليها. (فَقُبِضَتْ) بالبناء للمفعول، (يَدُهُ قَبْضَةً شَدِيدَةً)، وفي رواية للبخاريّ: «فلما دخلت عليه، ذهب يتناولها بيده، فَأُخِذ»، كذا في أكثر الروايات، وفي بعضها: «ذهب يناولها يده»، وفي رواية أبي الزناد، عن الأعرج، من الزيادة: «فقام إليها، فقامت توضأ، وتصلي، فقالت: اللهم إن كنت آمنت بك، وبرسولك، وأحصنت فرجي، إلا على زوجي، فلا تسلط عليّ الكافر، فغُطّ حتى رَكَض برجله». وقوله في هذه الرواية: «فغُطّ» هو بضم المعجمة في أوله، وقوله: «حتى رَكَض برجله»؛ يعني: أنه اختَنَقَ، حتى صار كأنه مصروع، قيل: الغَطّ صوت النائم من شدّة النفخ، وحَكَى ابن التين أنه ضُبط في بعض الأصول: فَغَطّ بفتح الغين، والصواب ضمّها. ويمكن الجمع بأنه عوقب تارةً بقبض يده، وتارةً بصراعه. وقوله: «فدَعَت» من الدعاء، وقولها: «اللهم إن كنت تعلم. . . إلخ» مع كونها قاطعةً بأنه ﷾ يعلم ذلك محمول على أنها ذكرته على سبيل الفرض هضمًا لنفسها، أفاده في «الفتح» . قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن «إن» هنا ليست للشكّ، بل للتحقيق، والتأكيد، فهي بمعنى: «إذ» على مذهب الكوفيين، كما بيّنه ابن هشام في «المغني» ، وحملوا عليه قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، ويقول الرجل لابنه: إن كنت ولدي فلا تفعل كذا، ولا يتشكّك في كونه ولده، وإنما هو تهييج، وتأكيد للأمر. والحاصل: أن هذا مما قالته على جهة التأكيد، واليقين؛ توسّلًا بعملها الصالح على إنجاح دعائها، والله تعالى أعلم. (فَقَالَ) الجبّار (لَهَا)؛ أي: لسارة، (ادْعِي اللهَ أَنْ يُطْلِقَ يَدِي، وَلَا أَضُرُّكِ)؛ أي: لا أفعل بك سوءًا. قال القرطبيّ -﵀-: هذا يدلّ على أن هذا الجبَّار كان عنده معرفة بالله تعالى، وبأن لله من عباده من إذا دعاه أجابه، ومع ذلك فلم يكن مسلمًا؛ لأنَّ إبراهيم -ﷺ- قد قال لسارة: «ما أعلم على الأرض مسلمًا غيري وغيرك» . (فَفَعَلَتْ)، وفي رواية البخاريّ: «قال أبو سلمة: قال أبو هريرة: قالت: اللهم إن يمت يقولوا: هي التي قتلته، قال: فأُرسل». (فَعَادَ)؛ أي: إلى بَسْط يده إليها، وفي رواية البخاريّ: «ثم تناولها الثانية»، في رواية: «ثم قام إليها، فقامت تَوضَّأ، وتصلي»، (فَقُبِضَتْ) يده (أَشَدَّ مِنَ الْقَبْضَةِ الأُولَى)، وفي رواية البخاريّ: «فأُخذ مثلها، أو أشدّ»، (فَقَالَ لَهَا مِثْلَ ذَلِكَ، فَفَعَلَتْ، فَعَادَ، فَقُبِضَتْ أَشَدَّ مِنَ الْقَبْضَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ، فَقَالَ: ادْعِي اللهَ أَنْ يُطْلِقَ يَدِي، فَلَكِ اللهَ أَنْ لَا أَضُرَّكِ) قال القرطبيّ -﵀-: الرواية فيه بنصب «اللهَ»، لا يجوز غيره، وهو قسم، ومقسَم به، ومقسَم عليه، وفيه حذف يتبيَّن بالتقدير، وتقدير ذلك: أُقسم بالله على ألا أضرك، فحُذف الخافض، فتعدَّى الفعل، فنُصب، ثم حُذف فِعل القَسَم، وبقي المقسَم به -وهو الله تعالى- منصوبًا، وكذلك المقسم عليه، وهو «ألا أضرك»؛ يعني: مفتوح همزة «ألا»، ويجوز في «أضرك» رفع الراء على أن تكون «أن» مخففة من الثقيلة، ويجوز فيها النصب على أن تكون «أن» الناصبة للفعل المضارع. انتهى . (فَفَعَلَتْ، وَأُطْلِقَتْ يَدُهُ، وَدَعَا الَّذِي جَاءَ بِهَا) لم يُعرف اسمه، وفي رواية البخاريّ: «فدعا بعض حجبته» بفتح الحاء المهملة، والجيم، والموحّدة: جمع حاجب، (فَقَالَ لَهُ: إِنَّكَ إِنَّمَا أَتَيْتَنِي بِشَيْطَانٍ، وَلَمْ تَأْتِنِي بِإِنْسَانٍ)، وفي رواية للبخاريّ: «إنك لم تأتني بإنسان، إنما أتيتني بشيطان»، في رواية: «ما أرسلتم إليّ إلا شيطانًا، أرجعوها إلى إبراهيم»، وهذا يناسب ما وقع له من الصرع، والمراد بالشيطان: المتمرد من الجن، وكانوا قبل الإسلام يعظّمون أمر الجن جدًّا، وَيرَوْن كل ما وقع من الخوارق مِنْ فِعلهم، وتصرّفهم، قاله في «الفتح». وقال القرطبيّ -﵀-: وقول الجبَّار للذي جاءه بسارة: «إنما أتيتني بشيطان، ولم تأتني بإنسان» كلام يناقض قوله لها: «ادعي الله لي»، فيكون ذمُّه لها عنادًا، بعد أن ظهر له كرامتها على الله، أو إخفاء لحالها؛ لئلا يُتَحَدَّث بما ظهر عليها من الكرامة، فتَعْظُم في نفوس الناس، وتُتَّبع، فلبَّس على السامع بقوله: «إنما أتيتني بشيطان» . (فَأَخْرِجْهَا مِنْ أَرْضِي، وَأَعْطِهَا هَاجَرَ)، وفي رواية البخاريّ: «فَأَخْدَمها هاجر»؛ أي: وَهَبها لها لتخدمها؛ لأنه أعظمها أن تخدُم نفسها. وقال في «الفتح»: وفي رواية مسلم: «فأَخْرِجها من أرضي، وأعطها آجر»، ذكرها بهمزة بدل الهاء، وهي كذلك في رواية الأعرج، والجيم مفتوحة، على كل حال، وهي اسم سُريانيّ، ويقال: إن أباها كان من ملوك القبط، وإنها من حَفْن -بفتح الحاء المهملة، وسكون الفاء- قرية بمصر، قال اليعقوبيّ: كانت مدينةً. انتهى، وهي الآن كَفْر مِن عمل أنصنا بالبرّ الشرقيّ من الصعيد في مقابلة الأشمونين، وفيها آثار عظيمة باقية. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: هذه النسخة التي ذكرها في «الفتح» بأنها في «صحيح مسلم» بلفظ: «آجر» بالهمز لم أرها فيما بين يديّ من النسخ، بل كلها متّفقة على لفظ: «هاجر» بالهاء كما هو عند البخاريّ، ولعل الحافظ وقع في نسخته هكذا، فإنه إمام حافظ دقيق النقل والعزو، والله تعالى أعلم. (قَالَ) -ﷺ- (فَأَقْبَلَتْ) سارة، حال كونها (تَمْشِي، فَلَمَّا رَآهَا إِبْرَاهِيمُ -﵇- انْصَرَفَ)؛ أي: من صلاته، والظاهر أنه وافق وقت خروجه من الصلاة، أو خرج منها؛ لشدّة ما أصابه من الغمّ والهمّ بشأنها، (فَقَالَ لَهَا: مَهْيَمْ؟) -بفتح الميم، والياء، وإسكان الهاء، بينهما -؛ أي: ما شأنُك؟ وما خبرك؟ ، وفي رواية المستملي: «مهيا»، وفي رواية ابن السكن: «مهين» بنون، وهي بدل الميم، وكأن المستملي لمّا سمعها بنون ظنها نون تنوين، ويقال: إن الخليل أول من قال هذه الكلمة، ومعناها: ما الخبر؟. وقال القرطبيّ -﵀-: «مهيم» قال الخليل: هي كلمة لأهل اليمن خاصّة، معناها: ما هذا؟ وفي «الصحاح»: هي كلمة يُستفهم بها، معناها: ما حالك؟ وما شأنك؟ ونحوه قال الطبريّ . (قَالَتْ: خَيْرًا) منصوب بفعل مضمر؛ أي: فعل الله خيرًا، ثمّ فسّرت الخيريّة بقولها: (كَفَّ اللهُ يَدَ الْفَاجِرِ)؛ أي: منع الله يده من أن يتناول جسدها، (وَأَخْدَمَ خَادِمًا»)؛ أي: أعطانا الفاجر هاجر خادمًا، والخادم يُطلق على الذكر والأنثى، قال الفيّوميّ -﵀-: خَدَمَهُ يَخْدُمُهُ، من بابي ضرب، ونصر خِدْمَةً، فهو خادم، غلامًا كان، أو جاريةً، والخَادِمَةُ بالهاء في المؤنث قليل، والجمع: خَدَمٌ، وخُدَّامٌ، وقولهم: فُلانَةٌ خَادِمَةٌ غَدًا، ليس بوصف حقيقيّ، والمعنى ستصير كذلك، كما يقال: حائضة غدًا، وأَخْدَمْتُهَا بالألف: أعطيتها خادمًا، وخَدَّمْتُهَا بالتثقيل: للمبالغة، والتكثير، واسْتَخْدَمْتُهُ: سألته أن يَخْدُمني، أو جعلته كذلك. انتهى . وفي رواية البخاريّ: «ردّ الله كيد الكافر، أو الفاجر في نحره»، قال في «الفتح»: هذا مَثَلٌ تقوله العرب لمن أراد أمرًا باطلًا، فلم يَصِل إليه، ووقع في رواية الأعرج: «أشَعَرت أن الله كَبَتَ الكافرَ، وأخدم وليدةً»؛ أي: جارية للخدمة، و«كَبَت» بفتح الكاف، والموحّدة، ثم مثناة؛ أي: ردّه خاسئًا، ويقال: أصله كَبَدَ؛ أي: بلغ الهمّ كَبِده، ثم أُبدلت الدال مثناةً، ويَحْتَمِل أن يكون «وأخدم» معطوفًا على «كبت»، ويَحْتَمِل أن يكون فاعل «أَخْدَم» هو الكافر، فيكون استئنافًا. انتهى . وقال القرطبيّ -﵀-: «كفّ الله يد الفاجر، وأخدم خادمًا»؛ أي: عصمها الله منه بما أظهر من كرامتها، وأعطاها الله خادمًا، وهي: هاجر، ويقال: آجر -بالهمزة يُبدلونها من الهاء- وفيه: جواز قبول هدية المشرك، وقد تقدم القول فيها. انتهى . (قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) -﵁- (فَتِلْكَ أُمُّكُمْ، يَا بَنِي مَاءِ السَّمَاءِ) قال القرطبيّ -﵀-: فتلك: إشارة إلى هاجر، والمخاطَب العرب، قال الخطابيّ: سُمُّوا بذلك؛ لانتجاعهم المطر، وماء السماء للرعي، وقال غيره: سُمُّوا بذلك؛ لخلوص نَسَبهم، وصفائه، وشبَّهه بماء السماء، قال القاضي أبو الفضل: والأظهر عندي أن المراد به الأنصار، نَسَبَهم إلى جَدِّهم عامر بن حارثة بن امرئ القيس بن ثعلبة بن مازن بن الأزد، وكان يُعرف بماء السماء، وهو مشهور، والأنصار كلهم بنو حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر المذكور، والله أعلم . وقال في «الفتح»: قوله: «فتلك أمكم» كأنه خاطب بذلك العرب؛ لكثرة ملازمتهم للفلوات التي بها مواقع القطر؛ لأجل رعي دوابهم، ففيه تمسُّك لمن زعم أن العرب كلهم من ولد إسماعيل، وقيل: أراد بماء السماء زمزم؛ لأن الله أنبعها لهاجر، فعاش ولدها بها، فصاروا كأنهم أولادها، قال ابن حبان في «صحيحه»: كلُّ من كان من ولد إسماعيل يقال له: ماء السماء؛ لأن إسماعيل وَلَدُ هاجر، وقد رُبّي بماء زمزم، وهي من ماء السماء. وقيل: سُمُّوا بذلك؛ لخلوص نَسَبهم، وصفائه، فأشبه ماء السماء، وعلى هذا فلا متمسَّك فيه. وقيل: المراد بماء السماء: عامرٌ ولد عمرو بن عامر بن مزيقيا بن حارثة بن الغطريف، وهو جدّ الأوس والخزرج، قالوا: إنما سُمِّي بذلك؛ لأنه كان إذا قَحَط الناس أقام لهم ماله مقام المطر، وهذا أيضًا على القول بأن العرب كلها من وَلَدِ إسماعيل. انتهى ، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤١/ ٦١٢٧] (٢٣٧١)، و(البخاريّ) في «البيوع» (٢٢١٧) و«الهبة» (٢٦٣٥) و«الأنبياء» (٣٣٥٧ و٣٣٥٨) و«النكاح» (٥٠٨٤) و«الإكراه» (٦٩٥٠)، و(أبو داود) في «الطلاق» (٢٢١٢)، و(الترمذيّ) في «التفسير» (٣١٦٦)، و(النسائيّ) في «الكبرى» (٥/ ٩٨)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٥٧٣٧)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٧/ ٣٦٦)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان مشروعية أن يقال: أخي في غير النسب، ويراد به الأخوّة في الإسلام . ٢ - (ومنها): إباحة المعاريض، والرخصة في الانقياد للظالم والغاصب، قال القرطبيّ -﵀-: وفي هذا ما يدلّ على جواز المعاريض، والحيل في التخلص من الظَّلمة، بل نقول: إنه إذا لم يُخلِّص من الظالم إلا الكذب الصَّراح جاز أن يكذبَه، بل قد يجب في بعض الصور بالاتفاق بين الفِرَق؛ ككذبة تُنجي نبيًّا، أو وليًّا ممن يُريد قتله، أو أمنًا من المسلمين من عدوهم. انتهى . ٣ - (ومنها): أنه يدلّ على أن العمل بالأسباب المعتادة التي يُرْجَى بها دفع مضرَّة، أو جلب منفعة لا يقدح في التوكل، خلافًا لِمَا ذهب إليه جُهَّال المتوكِّلة، وقد تقدَّم كثير من نحو هذا . ٤ - (ومنها): قبول صلة الملِك الظالم، وقبول هدية المشرك. ٥ - (ومنها): إجابة الدعاء بإخلاص النية. ٦ - (ومنها): كفاية الرب -﷾- لمن أخلص في الدعاء بعمله الصالح، وسيأتي نظيره في قصة أصحاب الغار. ٧ - (ومنها): أن فيه ابتلاءَ الصالحين لرفع درجاتهم، ويقال: إن الله تعالى كشف لإبراهيم -﵇- حتى رأى حال الملك مع سارة معاينةً، وأنه لَمْ يصل منها إلى شيء، ذكر ذلك في «التيجان»، ولفظه: فأمر بإدخال إبراهيم وسارة عليه، ثم نحى إبراهيم إلى خارج القصر، وقام إلى سارة، فجعل الله القصر لإبراهيم كالقارورة الصافية، فصار يراهما، ويسمع كلامهما. ٨ - (ومنها): بيان أن من نابه أمر مهمّ من الكرب، ينبغي له أن يَفْزَع إلى الصلاة، وقد تقدم حديث حذيفة - ﵁ -: «كان رسول الله - ﷺ - إذا حزبه أمر صلّى»، وهو حديث حسن، رواه أبو داود. ٩ - (ومنها): بيان أن الوضوء كان مشروعًا للأمم قبلنا، وليس مختصًّا بهذه الأمة، ولا بالأنبياء؛ لثبوت ذلك عن سارة، وإنما الذي اختصتّ به هذه الأمة هو الغرة والتحجيل، وذهب بعضهم إلى نبوّة سارّة، والجمهور على أنَّها ليست بنبيّة . ١٠ - (ومنها): ما كتبه النوويّ -﵀- عند قوله: «لَمْ يكذب إبراهيم … إلخ»: قال المازريّ: أما الكذب فيما طريقه البلاغ عن الله تعالى، فالأنبياء معصومون منه، سواء كثيرة وقليله، وأما ما لا يتعلق بالبلاغ، ويُعَدّ من الصفات؛ كالكذبة الواحدة في حقير من أمور الدنيا، ففي إمكان وقوعه منهم، وعصمتهم منه القولان المشهوران للسلف والخلف. وقال القاضي عياض: الصحيح أن الكذب فيما يتعلق بالبلاغ لا يُتصور وقوعه منهم، سواء جوّزنا الصغائر منهم، وعِصمتهم منه، أم لا، وسواء قَلَّ الكذب، أم كثُر؛ لأنَّ منصب النبوة يرتفع عنه، وتجويزه يرفع الوثوق بأقوالهم. وأما قوله - ﷺ -: «ثنتين في ذات الله تعالى، وواحدة في شأن سارة»، فمعناه: أن الكذبات المذكورة إنما هي بالنسبة إلى فَهْم المخاطَب والسامع، وأما في نفس الأمر فليست كذبًا مذمومًا؛ لوجهين: أحدهما: أنه وَرَّى بها، فقال في سارة: أختي في الإسلام، وهو صحيح في باطن الأمر. والوجه الثاني: أنه لو كان كذبًا لا تورية فيه، لكان جائزًا في دفع الظالمين، وقد اتَّفَقَ الفقهاء على أنه لو جاء ظالم يطلب إنسانًا مختفيًا ليقتله، أو يطلب وديعة لإنسان ليأخذها غصبًا، وسأل عن ذلك وجب على من عَلِم ذلك إخفاؤه، وإنكار العلم به، وهذا كذب جائز، بل واجب؛ لكونه في دفع الظالم، فنبَّه النبيّ - ﷺ - على أنَّ هذه الكذبات ليست داخلة في مطلق الكذب المذموم. قال المازريّ: وقد تأول بعضهم هذه الكلمات، وأخرجها عن كونها كذبًا، قال: ولا معنى للامتناع من إطلاق لفظ أطلقه رسول الله - ﷺ -. قال النوويّ: أما إطلاق لفظ الكذب عليها فلا يَمتنع؛ لورود الحديث به، وأما تأويلها فصحيح، لا مانع منه. قال العلماء: والواحدة التي في شأن سارة هي أيضًا في ذات الله تعالى؛ لأنَّها سببُ دَفْعِ كافر ظالم عن مواقعة فاحشة عظيمة، وقد جاء ذلك مفسَّرًا في غير مسلم، فقال: «ما فيها كذبة إلَّا يُماحِل بها عن الإسلام»؛ أي: يجادل، ويدافع، قالوا: وإنما خَصَّ الثنتين بأنهما في ذات الله تعالى؛ لكون الثالثة تضمَّنت نفعًا له، وحظًّا مع كونها في ذات الله تعالى، وذكروا في قوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾؛ أي: سأسقم؛ لأنَّ الإنسان عُرْضة للأسقام، وأراد بذلك الاعتذار عن الخروج معهم إلى عيدهم، وشهود باطلهم، وكفرهم، وقيل: سقيم بما قُدِّر عليّ من الموت، وقيل: كانت تأخذه الحمى في ذلك الوقت. وأما قوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ﴾، فقال ابن قتيبة، وطائفة: جعل النطق شرطًا لِفعل كبيرهم؛ أي: فَعَله كبيرهم إن كانوا ينطقون، وقال الكسائيّ: يوقف عند قوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ﴾؛ أي: فعله فاعله، فأضمر، ثم يبتدئ، فيقول: ﴿كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾، فاسألوهم عن ذلك الفاعل، وذهب الأكثرون إلى أنَّها على ظاهرها، وجوابها ما سبق، والله تعالى أعلم . ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٤٢) - (بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ مُوسَى - ﷺ -) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦١٢٨] (٣٣٩) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاق، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ يَغْتَسِلُونَ عُرَاةً، يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى سَوْأَةِ بَعْضٍ، وَكَانَ مُوسَى -﵇- يَغْتَسِلُ وَحْدَهُ، فَقَالُوا: وَاللهِ مَا يَمْنَعُ مُوسَى أَنْ يَغْتَسِلَ مَعَنَا، إِلَّا أَنَّهُ آدَرُ، قَالَ: فَذَهَبَ مَرَّةً يَغْتَسِلُ، فَوَضَعَ ثَوْبَهُ عَلَى حَجَرٍ، فَفَرَّ الْحَجَرُ بِثَوْبِه، قَالَ: فَجَمَحَ مُوسَى بِأَثَرِه، يَقُولُ: ثَوْبي حَجَرُ، ثَوْبِي حَجَرُ، حَتَّى نَظَرَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ إِلَى سَوْأَةِ مُوسَى، فَقَالُوا: وَاللهِ مَا بِمُوسَى مِنْ بَأسٍ، فَقَامَ الْحَجَرُ بَعْدُ، حَتَّى نُظِرَ إِلَيْه، قَالَ: فَأَخَذَ ثَوْبَهُ، فَطَفِقَ بِالْحَجَرِ ضَرْبًا»، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَاللهِ إِنَّهُ بِالْحَجَرِ نَدَبٌ سِتَّةٌ، أَو سَبْعَةٌ، ضَرْبُ مُوسَى -﵇- بِالْحَجَرِ). قال الجامع عفا الله عنه: هذا الحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى للمصنف في«كتاب الحيض»سندًا ومتنًا برقم [١٧/ ٧٧٦] (٣٣٩)، وقد استوفيت شرحه، وبيان مسائله هناك، فلا حاجة إلى إعادة ذلك إلَّا بعض المواضع المستشكلة، فإن أردت الاستفادة فراجع ذلك الباب، تجد بُغيتك، وبالله تعالى التوفيق. وقوله: (كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ) هم أولاد يعقوب -﵇-، فـ«إسرائيل»لقبه، وأولاده كانوا اثني عشر، تقدّم بيانهم في الباب المذكور. وقوله: (عُرَاةً) بالضمّ جمع عار، وهو منصوب على الحال، والظاهر أن التعريّ ليس حرامًا في شريعتهم، ولذا أقرّهم موسى -﵇- عليه، هذا هو الصحيح. وأما ما قاله القرطبيّ: إنما كانت بنو إسرائيل تفعل ذلك معاندة للشرع، ومخالفة لموسى - ﷺ -، وهو من جملة عتوِّهم، وقلّة مبالاتهم باتباع شرع موسى، ألا ترى أن موسى - ﷺ - كان يستتر عند الغسل، فلو كانوا أهل توفيق، وعقل اتبعوه، ثم لَمْ يَكْفهم مخالفتهم له حتى آذوه بما نسبوا إليه من آفة الأُدْرة، فأظهر الله تعالى براءته مما قالوا بطريق خارق للعادة، زيادة في أدلة صدق موسى - ﷺ -، ومبالغة في قيام الحجة عليهم. انتهى . ففيه نظر لا يخفي، بل الصواب أن هذا كان جائزًا في شرعهم، ولذا لَمْ يظهر من موسى -﵇- إنكار، ولا يمكن أن يسكت على المنكر، فتبصّر بالإنصاف، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. وقوله: (إِلَى سَوْأَةِ بَعْضٍ) السوءة بالفتح: العورة. وقوله: (وَكَانَ مُوسَى -﵇- يَغْتَسِلُ وَحْدَهُ) بيّن في الرواية التالية سبب ذلك، حيث قال: «وكان موسى رجلًا حييًّا، لا يُرى متجرّدًا». وقوله: (فَقَالُوا)؛ أي: بنو إسرائيل. وقوله: (إِلَّا أَنَّهُ آدَرُ) بالمدّ، وفتح الدال؛ أي: منتفخ الخصيتين. وقوله: (فَوَضَعَ ثَوْبَهُ عَلَى حَجَرٍ) قيل: إنه الحجر الذي كان يحمله معه في الأسفار، فيضربه، فتفجّر منه الماء. وقوله: (فَجَمَحَ مُوسَى)؛ أي: أسرع في مشيه خلف الحجر؛ ليأخذ ثوبه، والْجَمُوح من الخيل: هو الذي يركب رأسه في إسراعه، ولا يَثْنيه شيء، وهو عيب فيها؛ وإنَّما أُطلق على إسراع موسى خلف الحجر جماحًا؛ لأنَّه اشتدَّ خلفه اشتدادًا لا يُثنيه شيء عن أخْذ ثوبه، وهو مع ذلك ينادي: «ثوبي حجر! ثوبي حجر!»، كلُّ ذلك استعظام لكشف عورته، فسبقه الحجر إلى أن وصل إلى جَمْع بني إسرائيل، فنظروا إلى موسى -﵇-، فكذَّبهم الله في قولهم، وقامت حجته عليهم . وقوله: (بِأَثَرِهِ) بكسر الهمزة، وسكون المثلّثة، وبفتحتين أيضًا لغتان؛ أي: بَعْده. وقوله: (يَقُولُ) جملة حاليّة من الفاعل؛ أي: حال كونه قائلًا. وقوله: (ثَوْبي) مفعول لفعل محذوف؛ أي: أعطني، أو رُدّ عليّ ثَوْبِي. وقوله: (حَجَرُ) منادى حُذف منه حرف النداء، كما قال الحريريّ -﵀-: وَحَذْفُ «يَا» يَجُوزُ فِي النِّدَاءِ … كَقَوْلِهِمْ «رَبِّ اسْتَجِبْ دُعَائِي» وقال القرطبيّ -﵀-: وقول موسى - ﷺ -: «ثوبي حجر! ثوبي حجر!» منصوب بفعل مضمَر، وحجرُ منادى مفرد محذوفُ حرفِ النداء، وتقدير الكلام: أعطني ثوبي يا حجر! أو اترك ثوبي يا حجر! فحُذف الفعل لدلالة الحال عليه، وحُذف حرف النداء هنا استعجالًا للمنادي، وقد جاء في كلام العرب حَذف حرف النداء مع النكرة، كما قالوا: أَطْرِقْ كَرَا، وافتدِ مخنوقُ، وهو قليل، وإنما نادى موسى - ﷺ - الحجر نداء من يعقل؛ لأنَّه صدر عن الحجر فِعل من يعقل. وفي وَضْع موسى -﵇- ثوبه على الحجر، ودخوله في الماء عريانًا: دليلٌ على جواز ذلك، وهو مذهب الجمهور. ومَنَعه ابن أبي ليلى، واحتج بحديث لَمْ يصح، وهو قوله - ﷺ -: «لا تدخلوا الماء إلَّا بمئزر، فإنَّ للماء عامرًا»، قال القاضي عياض: وهو ضعيف عند أهل العلم. انتهى . وقوله: (وَاللهِ مَا بِمُوسَى مِنْ بَأْسٍ)؛ أي: من عيب؛ أي: ليس به ما كنّا نظنّه فيه من أنه آدر. وقوله: (فَقَامَ الْحَجَرُ بَعْدُ)؛ أي: توقّف عن السير بعد أن وصل إلى ملأ بني إسرائيل. وقوله: (حَتَّى نُظِرَ إِلَيْهِ) بالبناء للمفعول؛ أي: حتى نظرت بنو إسرائيل إلى موسى بريئًا مما اتهموه به. وقوله: (فَأَخَذَ ثَوْبَهُ) زاد عند البخاريّ: «فلبسه». وقوله: (فَطَفِقَ) بكسر الفاء، وفتحها؛ أي: شرع. وقوله: (بِالْحَجَرِ) الباء زائدة، والحجر منصوب بقوله: «ضَرْبًا»؛ لأنه نائب مناب يضرب، وقيل: هو منصوب بالمفعل المقدّر، والجملة خبر طفق. وقوله: (قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) هو من تَتِمّة كلام همّام بن منبّه، وليس معلّقًا. وقوله: (وَاللهِ إِنَّهُ) الضمير للشأن. وقوله: (بِالْحَجَرِ) خبر مقدّم لقوله: (نَدَبٌ)، وفي بعض النسخ: «إن بالحجر ندبًا». وقوله: (سِتَّةٌ) بدل من «ندبٌ»، (أَو سَبْعَةٌ) «أو» للشكّ من الراوي. وقوله: (ضَرْبُ مُوسَى -﵇-) خبر لمحذوف؛ أي: هو ضرب موسى -﵇-. وقوله: (بِالْحَجَرِ) الباء زائدة، وهو منصوب بـ«ضرب»، وإن أردت استيفاء الشرح، وبيان المسائل، فارجع إلى أوائل الكتاب بالرقم المذكور، وبالله تعالى التوفيق. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦١٢٩] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِيُّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُريعٍ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ شَقِيقٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ: كَانَ مُوسَى -﵇- رَجُلًا حَيِيًّا، قَالَ: فَكَانَ لَا يُرَى مُتَجَرِّدًا، قَالَ: فَقَالَ بَنُو إِسْرَائِيلَ: إِنَّهُ آدَرُ، قَالَ: فَاغْتَسَلَ عِنْدَ مُوَيْهٍ، فَوَضَعَ ثَوْبَهُ عَلَى حَجَرٍ، فَانْطَلَقَ الْحَجَرُ يَسْعَي، وَاتَّبَعَهُ بِعَصَاهُ يَضْرِبُهُ: ثَوْبِي حَجَرُ، ثَوْبِي حَجَرُ، حَتَّى وَقَفَ عَلَي مَلإٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَنَزَلَتْ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا (٦٩)﴾ [الأحزاب: ٦٩]). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِيُّ) البصريّ، تقدّم قريبًا. ٢ - (يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعِ) -بتقديم الزاي، مصغّرًا- أبو معاوية البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٢) (ع) تَقدم في «الإيمان» ٧/ ١٣٢. ٣ - (خَالِدٌ الْحَذَّاءُ) ابن مِهْران، أبو المنازل -بفتح الميم، وقيل: بضمها، وكسر الزاي- البصريّ، ثقةٌ حافظٌ يرسل، أشار حماد بن زيد إلى أن حفظه تغيّر لَمّا قَدِم من الشام، وعاب عليه بعضهم دخوله في عمل السلطان [٥] (ت ١ أو ١٤٢) (ع) تقدم في «الإيمان» ١٠/ ١٤٤. ٤ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ شَقِيقٍ) الْعُقيلي -بالضمّ- البصريّ، ثقةٌ فيه نَصْبٌ [٣] (ت ١٠٨) (بخ م ٤) تقدم في «الإيمان» ٨٤/ ٤٥٠. و«أبو هريرة» ذُكر قبله. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيات المصنّف -﵀-، وأنه مسلسلٌ بالبصريين، غير الصحابيّ، فمدنيّ، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة - ﵁ - أحفظ من روى الحديث في دهره. شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ شَقِيقٍ) الْعُقيليّ أنه (قَالَ: أنبَأَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ) - ﵁ - (قَالَ: كَانَ مُوسَى -﵇-) هكذا رواية المصنّف من رواية عبد الله بن شقيق موقوفًا على أبي هريرة - ﵁ -، وقد رواه البخاريّ في «صحيحه» من رواية الحسن البصريّ، وابن سيرين، وخِلاس ثلاثتهم عن أبي هريرة مرفوعًا، ولفظه: «عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: كان موسى رجلًا حييًّا» الحديث. (رَجُلًا حَيِيًّا) بفتح الحاء المهملة، وكسر التحتانيّة: على وزن فعيل بمعنى فاعل؛ أي: كثير الحياء، زاد في رواية البخاريّ: «سَتِيرًا»، وهو بفتح السين المهملة على وزن فَعِيل، بمعنى فاعل؛ أي: من شأنه، وإرادته حبّ الستر والصون. (قَالَ) أبو هريرة - ﵁ - مما رواه عن النبيّ - ﷺ -؛ لأننا قدّمنا أن الحديث مرفوع عند البخاريّ، فتنبّه. (فَكَانَ) موسى -﵇- (لَا يُرَى) بالبناء للمفعول؛ أي: لا يراه أحد ممن لا تجوز رؤية عورته، حال كونه (مُتَجَرِّدًا) من الثياب. (قَالَ) أبو هريرة مما رواه عنه - ﷺ - أيضًا، كما أسلفته آنفًا، (فَقَالَ بَنُو إِسْرَائِيلَ)؛ أي: أولاد يعقوب -﵇-، (إِنَّهُ)؛ أي: موسى، (آدَرُ)؛ أي: إنما لا يغتسل معنا؛ لأنه معيب فيه داء الأُدْرة، و«الآدر» بالمد: بوزن آدم: منتفخ الخصيتين، و«الأدرة» بضم الهمزة، وسكون الدال، على المشهور، وحَكَى الطحاويّ عن بعض مشايخه فتح الهمزة، والدال، وقال ابن الأثير: الأدرة بالضم: نفخة في الخصية، يقال: رجل آدر: بَيّن الأَدَر، بفتح الهمزة والدال . (قَالَ) أبو هريرة (فَاغْتَسَلَ) موسى -﵇- (عِنْدَ مُوَيهٍ) قال النوويّ -﵀-: هكذا هو في جميع نُسخ بلادنا، ومعظم غيرها: «مُويه» بضم الميم، وفتح الواو، وإسكان الياء، وهو تصغير «ماء»، وأصله: مَوَهٌ، والتصغير يردّ الأشياء إلى أصولها، وقال القاضي عياض: وقع في بعض الروايات «مُويه»، كما ذكرناه، وفي معظمها: «مَشْرَبة» بفتح الميم، وإسكان الشين، وهي حُفْرة في أصل النخلة، يُجمَع الماء فيها لِسَقْيها، قال القاضي: وأظن الأول تصحيفًا، كما سبق، والله أعلم . (فَوَضَعَ) موسى (ثَوْبَهُ عَلَى حَجَرٍ) تقدّم الكلام عليه في الحديث الماضي. (فَانْطَلَقَ)؛ أي: ذهب (الْحَجَرُ) حال كونه (يَسْعَى)؛ أي: يسرع في المشي، ويجري حتى لا يلحقه موسى -﵇-، (وَاتَّبَعَهُ) موسى (بِعَصَاهُ) متعلّق بقوله: «يضربه»، قال الفيّوميّ -﵀-: «العَصَا» مقصورٌ مؤنثةٌ، والتثنية: عَصَوَان، والجمع: أَعْصٍ، وعِصِيٌّ، على فُعُول مثل أَسَدٍ وأُسُود، والقياس: أَعْصَاءُ، مثل سَبَب وأَسْبَاب، لكنه لَمْ يُنقل، قاله ابن السكيت. انتهى . وقوله: (يَضْرِبُهُ) جملة حاليّة مقدّرة؛ أي: حال كونه قاصدًا ضربه بتلك العصا. (ثَوْبِي حَجَرُ)؛ أي: دع لي ثوبي يا حجر، تقدّم البحث فيه قبله، وقوله: (ثَوْبِي حَجَرُ) كرّره للتأكيد، (حَتَّى وَقَفَ) ذلك الحجر (عَلَى مَلإٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ)؛ أي: على جماعة منهم، قال الفيّوميّ -﵀-: الملأُ مهموزٌ: أشراف القوم، سُمُّوا بذلك؛ لِمَلاءتهم بما يُلْتَمَس عندهم من المعروف، وجَوْدة الرأي، أو لأنهم يَملئُونَ العيون أُبَّهَةً، والصدور هَيْبَةً، والجمع: أَمْلاءٌ، مثل سَبَبٍ وأسباب. انتهى . (وَنَزَلَتْ) تصديقًا لهذا الحديث، والفاعل قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا. . .﴾ إلخ، فهو محكيّ؛ لِقَصْد لفظه، وإنما أنّث الفعل بتأويله بالآية. (﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا (٦٩)﴾ [الأحزاب: ٦٩]). قال الإمام ابن جرير الطبريّ -﵀- مفسّرًا للآية: يقول تعالى ذِكره لأصحاب نبيّ الله - ﷺ -: يا أيها الذين آمنوا بالله ورسوله، لا تؤذوا رسول الله بقول يكرهه منكم، ولا بفعل لا يحبه منكم، ولا تكونوا أمثال الذين آذوا موسى نبي الله - ﷺ -، فَرَموه بعيب كذبًا وباطلًا، فبرّأه الله مما قالوا فيه من الكذب، والزور بما أظهر من البرهان على كذبهم، وكان عند الله وجيهًا، يقول: وكان موسى عند الله مُشَفَّعًا فيما يسأل، ذا وجه، ومنزلة عنده بطاعته إياه. انتهى . قال ابن جرير: ثم اختَلَف أهل التأويل في الأذى الذي أوذي به موسى الذي ذكره الله في هذا الموضع، فقال بعضهم: رموه بأنه آدر، ثم أخرج حديث الباب بأسانيده، ثم قال: وقال آخرون: بل كان أذاهم إياه ادعاءهم عليه قتل هارون أخيه، ثم ذكر بسنده عن ابن عباس عن علي بن أبي طالب -﵃- في قول الله: ﴿لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى﴾ الآية قال: صَعِد موسى وهارون الجبل، فمات هارون، فقالت بنو إسرائيل: أنت قتلته، وكان أشدّ حبًّا لنا منك، وألْين لنا منك، فآذوه بذلك، فأمر الله الملائكة، فحملته، حتى مروا به على بني إسرائيل، وتكلمت الملائكة بموته، حتى عرف بنو إسرائيل أنه قد مات، فبرّأه الله من ذلك، فانطلقوا به، فدفنوه، فلم يطّلع على قبره أحد من خلق الله، إلَّا الرَّخَم، فجعله الله أصم أبكم. قال: وأَولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن بني إسرائيل آذوا نبي الله ببعض ما كان يكره أن يؤذي به، فبرّأه الله مما آذوه به، وجائز أن يكون ذلك كان قيلهم: إنه أبرص، وجائز أن يكون كان ادّعاءهم عليه قَتْل أخيه هارون، وجائزِ أن يكون كل ذلك؛ لأنه قد ذُكِر كل ذلك أنهم قد آذوه به، ولا قول في ذلك أَولى بالحقّ مما قال الله: إنهم آذوا موسى، فبرأه الله مما قالوا. انتهى كلام ابن جرير -﵀- . قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي ذكره ابن جرير -﵀- تحقيقٌ نفيس جدًّا، وحاصله: أن كل ما تقدّم من الطعن في موسى -﵇- صالح لأنَّ يراد في هذا المقام، إلَّا أن ما في «الصحيحين» من قصّة قولهم: إنه آدر أصحّ، وإن كان كلّه محتملًا، والله تعالى أعلم. وقال في «العمدة»: هذا خطاب لأهل المدينة ، وقوله: ﴿لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى﴾؛ أي: احذروا أن تكون مؤذين للنبيّ - ﷺ - كما آذى بنو إسرائيل موسى - ﷺ -، فأظهر الله براءته مما قالوه فيه، من أنه آدر، وقيل: كان إيذاؤهم إياه ادِّعاؤهم عليه قَتْل أخيه هارون - ﷺ -، وقوله: ﴿وَكَانَ﴾؛ أي: موسى ﴿عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾؛ أي: ذا جاه، ومنزلة، وقيل: ﴿وَجِيهًا﴾ لَمْ يسأل شيئًا إلَّا أعطاه، وقُرئ شاذًّا: «وكان عبد الله» بالباء الموحّدة. انتهى ، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٢/ ٦١٢٩] (٣٣٩)، و(البخاريّ) في «الأنبياء» (٣٤٠٤) و«التفسير» (٤٧٩٩)، و(الترمذيّ) في «التفسير» (٥/ ٣٦٠)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٥١٤)، و(ابن راهويه) في «مسنده» (١/ ١٧١)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): أن فيه معجزتين ظاهرتين لموسى - ﷺ - إحداهما: مشي الحجر بثوبه إلى ملأ بني إسرائيل، والثانية: حصول النَّدَب في الحجر. ٢ - (ومنها): ومنها وجود التمييز في الجماد؛ كالحجر ونحوه، ومثله تسليم الحجر بمكة على النبيّ - ﷺ -، وحنين الجذع إليه، ونظائره، وسبق قريبًا بيان هذه المسألة مبسوطة. ٣ - (ومنها): جواز الاغتسال عريانًا في الخلوة، وإن كان سَتْر العورة أفضل، وبهذا قال الشافعيّ، ومالك، وجماهير العلماء، وخالفهم ابن أبي ليلى، وقال: إن للماء ساكنًا، واحتجّ في ذلك بحديث ضعيف. ٤ - (ومنها): بيان ما ابتلى الله تعالى به الأنبياء، والصالحين من أذى السفهاء، والجهال، وصَبْرهم عليهم. ٥ - (ومنها): ما قاله القاضي عياض وغيره: إن الأنبياء -صلوات الله عليهم وسلامه- منزَّهون عن النقائص في الْخَلْق والْخُلُق، سالمون من العاهات، والمعايب، قالوا: ولا التفات إلى ما قاله من لا تحقيق له من أهل التاريخ في إضافة بعض العاهات إلى بعضهم، بل نزّههم الله تعالى من كل عيب، وكل شيء يبغض العيون، أو يُنَفّر القلوب، قاله النوويّ -﵀- . وقال القرطبيّ -﵀-: في هذا الحديث ما يدلُّ على أنَّ الله تعالى كمَّل أنبياءه خلقًا وخُلُقًا، ونزّههم في أوّل خَلْقهم من المعايب، والنقائص المنفِّرة عن الاقتداء بهم المُبعدة عنهم، ولذلك لَمْ يُسمع أنه كان في الأنبياء والرسل مَن خَلَقه الله تعالى أعمي، ولا أعور، ولا أقطع، ولا أبرص، ولا أجذم، ولا غير ذلك من العيوب، والآفات التي تكون نقصًا، ووصمًا يوجب لمن اتَّصف بها شينًا وذمًّا، ومن تصفَّح أخبارهم، وعَلِم أحوالهم عَلِم ذلك على القطع،
مصادر المؤلف (٤٦)

١. «الفتح» ٧/ ٦٨٤ - ٦٨٥ رقم (٣٣٧٥).

٢. «عمدة القاري» ١٥/ ٢٧٠.

٣. «الفتح»٧/ ٦٤٧، كتاب«الأنبياء»رقم (٣٣٥٧ و٣٣٥٨).

٤. «المفهم»٦/ ١٨٤.

٥. «الفتح» ٧/ ٦٤٧ - ٦٤٩، كتاب «الأنبياء» رقم (٣٣٥٧ و٣٣٥٨).

٦. «المفهم» ٦/ ١٨٤ - ١٨٥.

٧. «المفهم» ٦/ ١٨٥.

٨. «الفتح» ٧/ ٦٤٧ - ٦٤٩، كتاب «الأنبياء» رقم (٣٣٥٧ و٣٣٥٨).

٩. «المفهم» ٦/ ١٨٥.

١٠. «المفهم» ٦/ ١٨٦.

١١. «الفتح» ٧/ ٦٤٩.

١٢. حديث حسن، أخرجه أبو داود في «سننه» ٢/ ٣٥.

١٣. «الفتح» ٧/ ٦٤٧ - ٦٤٩، كتاب «الأنبياء رقم (٣٣٥٧ و٣٣٥٨).

١٤. راجع:«مغني اللبيب عن كتب الأعاريب» ١/ ٦٢.

١٥. «المفهم» ٦/ ١٨٦ - ١٨٧.

١٦. «المفهم» ٦/ ١٨٦ - ١٨٧.

١٧. «المفهم» ٦/ ١٨٦ - ١٨٧.

١٨. «الفتح» ٧/ ٦٤٧ - ٦٤٩، كتاب «الأنبياء» رقم (٣٣٥٧ و٣٣٥٨).

١٩. «شرح النوويّ» ١٥/ ١٢٥.

٢٠. «المفهم» ٦/ ١٨٦ - ١٨٧.

٢١. «المصباح المنير» ١/ ١٦٥، بزيادة من «القاموس المحيط» ص ٣٥٤.

٢٢. «الفتح» ٧/ ٦٤٧ - ٦٤٩، كتاب «الأنبياء» رقم (٣٣٥٧ و٣٣٥٨).

٢٣. «المفهم» ٦/ ١٨٦ - ١٨٧.

٢٤. «المفهم» ٦/ ١٨٦ - ١٨٧.

٢٥. «الفتح» ٧/ ٦٤٧ - ٦٤٩، كتاب «الأنبياء» رقم (٣٣٥٧ و٣٣٥٨).

٢٦. «عمدة القاري» ١٥/ ٢٥٠.

٢٧. «المفهم» ٦/ ١٨٦.

٢٨. «المفهم» ٦/ ١٨٦.

٢٩. «الفتح» ٧/ ٦٤٧ - ٦٤٩، كتاب «الأنبياء» رقم (٣٣٥٧ و٣٣٥٨)، و«عمدة القاري» ١٥/ ٢٥٠.

٣٠. «شرح النوويّ»١٥/ ١٢٤ - ١٢٥.

٣١. هذا مكرّر، فتنبّه.

٣٢. وفي نسخة:«إن بالحجر ندبًا».

٣٣. «المفهم» ٦/ ١٨٩.

٣٤. «المفهم» ٦/ ١٩٠.

٣٥. «المفهم» ٦/ ١٩٠.

٣٦. «الحذّاء» -بفتح الحاء المهملة، وتشديد الذال المعجمة-، قيل له ذلك: لأنه كان يجلس عند الحذّائين، وقيل: لأنه كان يقول: احذُ على هذا النحو.

٣٧. وأما ضَبْط بعضهم له بكسر السين، وتشديد الياء، وهو المشهور على الألسنة، فلا أصل له، ولم يُثبته أحد من اللغويين؛ كصاحب «اللسان»، و«القاموس»، و«المصباح»، و«النهاية»، كما أوضحته في «شرح النسائيّ»، فتنبّه.

٣٨. «عمدة القاري» ١٥/ ٣٠١.

٣٩. «شرح النوويّ» ١٥/ ١٢٧.

٤٠. «المصباح المنير» ٢/ ٤١٤.

٤١. «المصباح المنير» ٢/ ٥٨٠.

٤٢. «تفسير الطبريّ» ٢٢/ ٥٠.

٤٣. «تفسير ابن جرير» ٢٢/ ٥٠ - ٥٣.

٤٤. هكذا النسخة، والأَولى «للمؤمنين»، فتنبّه.

٤٥. «عمدة القاري» ١٥/ ٣٠١ - ٣٠٢.

٤٦. «شرح النوويّ» ١٥/ ١٢٧.