HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٣٧٥

حَدَّثَنَا هَدَّابُ بْنُ خَالِدٍ وَشَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ قَالَا: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ وَسُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ إن رسول الله ﷺ قَالَ «أَتَيْتُ - وَفِي رِوَايَةِ هَدَّابٍ: مَرَرْتُ - عَلَى مُوسَى لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي عِنْدَ الْكَثِيبِ الْأَحْمَرِ. وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي قَبْرِهِ».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج7 ص102
ج ٤ ص ١٨٤٥

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في مصدرين سنن النسائي, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣٨ ص١٩١
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦١٣٨] (٢٣٧٥) - (حَدَّثَنَا هَدَّابُ بْنُ خَالِدٍ، وَشَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، قَالَا: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ، وَسُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «أتيْتُ -وَفِي رِوَايَةِ هَدَّابٍ- مَرَرْتُ عَلَى مُوسَى لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي، عِنْدَ الْكَثِيبِ الأَحْمَر، وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي قَبْرِهِ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (هَدَّابُ بْنُ خَالِدٍ) -بفتح الهاء، وتشديد الدال المهملة- ويقال له: هُدْبة -بضم أوله، وسكون الدال، بعدها موحّدة- ابن خالد بن الأسود القيسيّ، أبو خالد البصريّ، ثقةٌ عابدٌ، تفرّد النسائي بتليينه، من صغار [٩] مات سنة بضع وثلاثين ومائتين (خ م د) تقدم في «الإيمان» ١١/ ١٥١. ٢ - (شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ) الأُبُلّيّ، تقدّم قبل باب. ٣ - (حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ) بن دينار البصريّ، تقدّم قريبًا. ٤ - (ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ) ابن أسلم البصريّ، تقدّم أيضًا قريبًا. ٥ - (سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ) ابن طَرْخان البصريّ، تقدّم أيضًا قريبًا. ٦ - (أنسُ بْنُ مَالِكٍ) - ﵁ - تقدّم في الباب الماضي. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من رباعيّات المصنّف -﵀-، كلاحقيه، وهو (٤٧٠) من رباعيّات الكتاب، وأنه مسلسل بالبصريين، وفيه أنس بن مالك - ﵁ - من المكثرين السبعة، وآخر من مات من الصحابة -﵃- بالبصرة، وقد جاوز عمره مائة. شرح الحديث: (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) - ﵁ - (أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «أَتَيْتُ -وَفِي رِوَايَةِ هَدَّابٍ- مَرَرْتُ عَلَى مُوسَى) -﵇- (لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي، عِنْدَ الْكَثِيبِ الأَحْمَرِ)»الكثيب» بفتح، فكسر: هو ما ارتفع من الرَّمْل؛ كالتَّلِّ الصغير، قيل: هذا ليس صريحًا في الإعلام بقبره الشريف، ومن ثَمّ اختلفوا فيه. وقال القرطبيّ: الكثيب: هو الكوم من الرمل، ويُجْمَع كُثُبًا، وهذا الكثيب هو بطريق بيت المقدس، كما سيأتي. انتهى . وقال القاضي عياض -﵀-: [فإن قيل]: كيف رأى موسى -﵇- يصلي في قبره، وصلى النبيّ - ﷺ - بالأنبياء ببيت المقدس، ووجدهم على مراتبهم في السماوات، وسلّموا عليه، ورحّبوا به؟. [فالجواب]: أنه يَحْتَمِل أن تكون رؤيته موسى في قبره عند الكثيب الأحمر كانت قبل صعود النبيّ - ﷺ - إلى السماء، وفي طريقه إلى بيت المقدس، ثم وجد موسى قد سبقه إلى السماء. ويَحْتَمِل أنه - ﷺ - رأى الأنبياء -صلوات الله، وسلامه عليهم- وصلى بهم على تلك الحال لأوّل ما رآهم، ثم سألوه، ورحّبوا به، أو يكون اجتماعه بهم، وصلاته، ورؤيته موسى بعد انصرافه، ورجوعه عن سدرة المنتهي، والله تعالى أعلم. انتهى . (وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي قَبْرِهِ) قال شيخ الإسلام ابن تيميّة -﵀-: هذه الصلاة ونحوها مما يتمتّع بها الميت، ويتنعّم بها كما يتنعّم أهل الجنّة بالتسبيح، فإنهم يُلهمون التسبيح، كما يُلهم الناس في الدنيا النفَسَ، فهذا ليس من عمل التكليف الذي يُطلب له ثواب منفصلٌ، بل نفس هذا العمل هو من النعيم الذي تتنعّم به الأنفس، وتتلذّذ به، وقول النبيّ - ﷺ -: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلَّا من ثلاث: صدقة جارية، وعلم يُنتفع به، وولد صالح يدعو له» يريد به العمل الذي يكون له ثواب، لَمْ يُرِدْ به نفس العمل الذي يُتنعم به، فإن أهل الجَنَّة يتنعمون بالنظر إلى الله، ويتنعّمون بذِكره، وتسبيحه، ويتنعمون بقراءة القرآن، و«يقال لقارئ القرآن: اقرأ، وارْقَ، ورَتِّل كما كنت تُرتّل في الدنيا، فإن منزلك عند آخر آية تقرؤها»، ويتنعمون بمخاطبتهم لربهم، ومناجاته، وإن كانت هذه الأمور في الدنيا أعمالًا يترتب عليها الثواب، فهي في الآخرة أعمالٌ يتنعم بها صاحبها أعظم من أكله، وشربه، ونكاحه، وهذه كلها أعمال أيضًا، والأكل والشرب والنِّكَاح في الدنيا مما يؤمر به، ويثاب عليه مع النية الصالحة، وهو في الآخرة نفس الثواب الذي يتنعم به، والله أعلم. انتهى كلام شيخ الإسلام -﵀- ، وهو تحقيقٌ نفيسٌ جدًّا، والله تعالى أعلم. وقال الشيخ بدر الدين الصاحب -﵀- في مؤلَّف له في حياة الأنبياء -﵈-: هذا صريح في إثبات الحياة لموسى -﵇- في قبره، فإنه وصفه بالصلاة، وإنه قائم، ومثل ذلك لا يوصف به الروح، وإنما يوصف به الجسد، وفي تخصيصه بالقبر دليل على هذا، فإنه لو كان من أوصاف الروح لَمْ يُحْتَج لتخصيصه. وقال الشيخ تقي الدين السبكيّ -﵀-: في هذا الحديث أن الصلاة تستدعي جسدًا حيًّا، ولا يلزم من كونها حياة حقيقة أن تكون لابدّ معها كما كانت في الدنيا، من الاحتياج إلى الطعام، والشراب، وغير ذلك من صفات الأجسام التي نشاهدها، بل يكون لها حكم آخر. انتهى . وقال القاضي عياض رحمه الله تعالى: [فإن قيل]: كيف يَحُجُّون، ويُلبّون، وهم أموات، وهم في الدار الآخرة، وليست دار عمل؟. فاعلم أن للمشايخ، وفيما ظهر لنا عن هذا أجوبة: أحدها: أنهم كالشهداء، بل هم أفضل منهم، والشهداء أحياء عند ربهم، فلا يبعد أن يحجّوا، ويصلّوا، كما ورد في الحديث الآخر، وأن يتقرّبوا إلى الله تعالى بما استطاعوا؛ لأنهم، وإن كانوا قد تُوفّوا، فهم في هذه الدنيا التي هي دار العمل، حتى إذا فنيت مدّتها، وتعقبتها الآخرة التي هي دار الجزاء، انقطع العمل. الوجه الثاني: أن عمل الآخرة ذِكْر، ودعاء، قال الله تعالى: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٠)﴾ [يونس: ١٠]. الوجه الثالث: أن تكون هذه رؤية منام، في غير ليلة الإسراء، أو في بعض ليلة الإسراء، كما قال في رواية ابن عمر -﵄-: «بينا أنا نائم، رأيتني أطوف بالكعبة»، وذكر الحديث في قصة عيسىى -﵇-. الوجه الرابع: أنه - ﷺ - أُري أحوالهم التي كانت في حياتهم، ومثّلوا له في حال حياتهم، كيف كانوا؟، وكيف حجّهم، وتلبيتهم؛ كما قال - ﷺ -: «كأني أنظر إلى موسى» و«كأني أنظر إلى عيسى»، و«كأني أنظر إلى يونس» -﵈-. الوجه الخامس: أن يكون أَخبر عما أُوحي إليه - ﷺ -، من أمرهم، وما كان منهم، وإن لَمْ يَرَهُم رؤية عين. انتهى كلام القاضي -﵀-. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن القول الأول هو الأرجح؛ لظواهر النصوص، ولا داعي إلى هذه التأويلات البعيدة عن ظواهر الأحاديث، فتفطّن، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى وليّ التوفيق. ثم رأيت القرطبيّ -﵀- قد أجاد، وأفاد في هذا الموضوع، حيث قال: وهذا الحديث يدلّ بظاهره على أنه - ﷺ - رأى موسى رؤية حقيقية في اليقظة، وأن موسى كان في قبره حيًّا، يصلي فيه الصلاة التي كان يصلّيها في الحياة، وهذا كله ممكن لا إحالة في شيء منه، وقد صحَّ أن الشهداء أحياء يُرزقون، ووجد منهم من لَمْ يتغيّر في قبره من السنين كما ذكرناه، وإذا كان هذا في الشهداء كان في الأنبياء أَحرى وأَولى. [فإنْ قيل]: كيف يصلَّون بعد الموت، وليس تلك الحال حال تكليف؟. [فالجواب]: أن ذلك ليس بحكم التكليف، وإنَّما ذلك بحكم الإكرام لهم والتشريف، وذلك أنهم كانوا في الدنيا حبِّبت لهم عبادة الله تعالى، والصلاة بحيث كانوا يلازمون ذلك، ثم توفوا وهم على ذلك، فشرَّفهم الله تعالى بعد موتهم بأن أبقى عليهم ما كانوا يحبون، وما عُرفوا به، فتكون عبادتهم إلهاميَّة كعبادة الملائكة، لا تكليفية، وقد وقع مثل هذا لثابت البنانيّ -﵀-، فإنَّه حُبِّبت الصلاة إليه حتى كان يقول: اللهم إن كنت أعطيت أحدًا يصلّي لك في قبره، فأعطني ذلك، فرآه مُلْحِدُه، بعدما سوَّى عليه لَحْده قائمًا يصلي في قبره، وقد دلَّ على صحة ذلك كله قول نبينا - ﷺ -: «يموت المرء على ما عاش عليه، ويُحشر على ما مات عليه»، وقد جاء في الصحيح: «أن أهل الجنَّة يُلهمون التسبيح كما تُلهمون النَّفَس». انتهى كلام القرطبيّ -﵀- ، وهو تحقيقٌ نفيس، وبحث أنيسٌ، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك - ﵁ - هذا من أفراد المصنّف -﵀-. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٢/ ٦١٣٨ و٦١٣٩] (٢٣٧٥)، و(النسائيّ) في «المجتبى» (٣/ ٢١٥ - ٢١٦) و«الكبرى» (١/ ٤١٩)، و(عبد الرزّاق) في «مصنّفه» (٣/ ٥٧٧)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (١٤/ ٣٠٧ و٣٠٨)، و(أحمد) في «مسنده» (٣/ ١٢٠ و١٤٨ و٢٤٨)، وفي «الزهد» (١/ ٧٤)، و(عبد بن حُميد) في «مسنده» (١/ ٣٦٢)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (١/ ٢٤٢ و٢٤٣)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (٦/ ٧١)، و(الطبرانيّ) في «مسند الشاميين» (٢/ ٤٢٠)، و(أبو نعيم) في «الحلية» (٦/ ٢٥٣)، و(البغويّ) في «شرح السُّنَّة» (٣٧٦٠)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان علَم من أعلام النبوّة لنبيّنا - ﷺ -، وهو أنه أُسري به بجسده، وروحه إلى البيت المقدس، ثم عُرج به إلى السماوات العلي، حتى ناجى ربه، فأوحى إليه ما أوحي، ولقد رأى من آيات ربّه الكبرى، ومع ذلك ما زاغ بصره، وما طغي، وفرض الله -﷿- عليه وعلى أمته خمسين صلاة، ثم منّ عليه، فخفّف عددها، وأكمل مددها، فصارت خمس صلوات لها أجر خمسين صلاة، وهذا هو الفضل العظيم، من ربّ رؤوف رحيم -﷾-. ٢ - (ومنها): بيان فضيلة موسى -﵇-، حيث منّ الله -﷿- عليه بأن يصلي في قبره. ٣ - (ومنها): بيان أن الأنبياء أحياء في قبورهم، يصلّون، ويحجّون، والله تعالى على كل شيء قدير. ٤ - (ومنها): بيان أن الله تعالى يُكرم بعض عباده في قبورهم بما شاءوا من أنواع العبادة؛ كالصلاة، كما ثبت في موسى -﵇- نصًّا، وكذا في عيسى -﵇- أيضًا، وكما سبق في قصّة ثابت البناء، فقد أخرج ابن الجعد في «مسنده»، فقال: (١٣٧٩) - حَدَّثَنَا الوليد بن شجاع، نا ضمرة، نا ابن شوذب، قال: سمعت ثابتًا البنانيّ يقول: اللهم إن كنت أعطيت أحدًا أن يصلّي في قبره، فأعطني ذلك . (١٣٨٠) - حَدَّثَنَا علي بن مسلم، نا سيار، نا جعفر ، قال: سمعت ثابتًا البنانيّ يقول: اللهم إن كنت أَذِنت لأحد أن يصلي في قبره، فَأْذن لي أن أصلي في قبري . وهذا لا يُستغرب، ولا يُستبعد، فإن البرزخ من عالم الآخرة، وقد ثبت في النصوص قوله -﷿-: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ﴾ [فصلت: ٣١]، وقد أخرج البخاريّ -﵀- في «صحيحه» عن أبي هريرة - ﵁ - أن النبيّ - ﷺ - كان يومًا يحدّث، وعنده رجل من أهل البادية: «أن قال الجامع: لَمْ أعرف رجال إسناده، والله أعلم. رجلًا من أهل الجَنَّة استأذن ربه في الزرع، فقال له: ألست فيما شئت؟ قال: بلي، ولكني أحب أن أزرع، قال: فبذر، فبادر الطرفَ نباته، واستواؤه، واستحصاده، فكان أمثال الجبال، فيقول الله: دونك يا ابن آدم، فإنه لا يُشبعك شيء»، فقال الأعرابيّ: والله لا تجده إلَّا قرشيًّا، أو أنصاريًّا، فإنهم أصحاب زرع، وأما نحن فلسنا بأصحاب زرع، فضحك النبيّ - ﷺ -. انتهى . فإذا كان الله -﷿- وعد للمؤمنين أن لهم في الآخرة ما تشتهيه أنفسهم، وهم يدّعون؛ أي: يطلبون، وأخبر النبيّ - ﷺ - أن هذا الرجل طلب أن يزرع في الجنّة، وأُعطي ذلك، فما بالك بالصلاة، والعلم، والذِّكر ونحو ذلك من أنواع العبادات، مما يموت المرء ملازمًا لها، ومحبّا للاستمرار على العمل بها، إلا يُعطى إن طلب ذلك؟ نعم -إن شاء الله- وفوق ذلك، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: ذكر الإمام ابن حبّان -﵀- في «صحيحه» بعد إخراجه حديث أنس - ﵁ - هذا بحثًا نفيسًا يتعلّق بالحديث، أحببت إيراده هنا تكميلًا للفوائد، ونشرًا للعوائد، قال: قال أبو حاتم: الله جل وعلا قادر على ما يشاء، ربما يُعِدّ الشيء لوقت معلوم، ثم يقضي كون بعض ذلك الشيء قبل مجيء ذلك الوقت، كوعده إحياء الموتى يوم القيامة، وجعله محدودًا، ثم قضى كون مثله في بعض الأحوال، مثل مَن ذَكره الله، وجعله الله جل وعلا في كتابه، حيث يقول: ﴿أَو كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَو بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ﴾ إلى آخر الآية [البقرة: ٢٥٩]، وكإحياء الله جل وعلا لعيسى ابن مريم -صلوات الله عليه- بعض الأموات، فلما صحّ وجود كون هذه الحالة في البشر إذا أراده الله جل وعلا قبل يوم القيامة، لَمْ يُنكَر أن الله جل وعلا أحيا موسى في قبره، حتى مَرّ عليه المصطفى - ﷺ - ليلة أسري به، وذاك أن قبر موسى بمدينة بين المدينة وبين بيت المقدس، فرآه - ﷺ - يدعو في قبره؛ إذ الصلاة دعاء. قال الجامع عفا الله عنه: حَمْله الصلاة على الدعاء غير ظاهر، بل هي الصلاة ذات الأركان على ظاهر الحديث؛ إذ لا داعي إلى التأويل، فتنبّه، والله تعالى أعلم. قال: فلما دخل - ﷺ - بيت المقدس، وأُسري به أُسري بموسى حتى رآه في السماء السادسة، وجرى بينه وبينه من الكلام ما تقدَّم ذِكرنا له، وكذلك رؤيته سائر الأنبياء الذين في خبر مالك بن صعصعة. فأما قوله - ﷺ - في خبر مالك بن صعصعة: «بينما أنا في الحطيم؛ إذ أتاني آتٍ، فشقّ ما بين هذه إلى هذه»، فكان ذلك له فضيلةً، فُضِّل بها على غيره، وأنه من معجزات النبوة؛ إذ البشر إذا شُقّ عن موضع القلب منهم، ثم استُخرج قلوبهم ماتوا. وقوله: «ثم حُشِي» يريد أن الله جل وعلا حشا قلبه - ﷺ - اليقين، والمعرفة الذي كان استقراره في طست الذهب، فنُقل إلى قلبه، ثم أُتي بدابة، يقال لها: البراق، فحُمل عليه من الحطيم، أو الحِجْر، وهما جميعًا في المسجد الحرام، فانطلق به جبريل، حتى أتى به على قبر موسى، على حسب ما وصفناه، ثم دخل مسجد بيت المقدس، فخَرَق جبريل الصخرة بإصبعه، وشدّ بها البراق، ثم صعد به إلى السماء. ذِكْرُ شدّ البراق بالصخرة في خبر بريدة، ورؤيته موسى - ﷺ - يصلي في قبره ليسا جميعًا في خبر مالك بن صعصعة. فلما صعد به إلى السماء الدنيا، استفتح جبريل، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد - ﷺ -، قيل: وقد أُرسل إليه؟ يريد به: وقد أرسل إليه ليسرى به إلى السماء؟ لا أنهم لَمْ يعلموا برسالته إلى ذلك الوقت؛ لأنَّ الإسراء كان بعد نزول الوحي بسبع سنين، فلما فُتح له، فرأى آدم على حسب ما وصفنا قبل، وكذلك رؤيته في السماء الثانية: يحيى بن زكريا، وعيسى ابن مريم، وفي السماء الثالثة: يوسف بن يعقوب، وفي السماء الرابعة: إدريس، ثم في السماء الخامسة: هارون، ثم في السماء السادسة: موسى، ثم في السماء السابعة: إبراهيم؛ إذ جائز أن الله جل وعلا أحياهم؛ لِأنْ يراهم المصطفى - ﷺ - في تلك الليلة، فيكون ذلك آية معجزة يُستدلّ بها على نبوّته، على حسب ما أصّلنا قبلُ، ثم رُفع له سدرة المنتهي، فرآها على الحالة التي وَصَفَ، ثم فُرض عليه خمسون صلاةً، وهذا أمرُ ابتلاءٍ، أراد الله جل وعلا ابتلاء صفيه محمد - ﷺ - حيث فرض عليه خمسين صلاةً؛ إذ كان في علم الله السابق أنه لا يَفرض على أمته إلَّا خمس صلوات فقط، فأمَره بخمسين صلاةً أمْر ابتلاء، وهذا كما نقول: إن الله جل وعلا قد يأمر بالأمر، يريد أن يأتي المأمور به إلى أمره، من غير أن يريد وجود كونه، كما أمر الله جل وعلا خليله إبراهيم بذبح ابنه، أمْره بهذا الأمر أراد به الانتهاء إلى أمْره دون وجود كونه، فلما أسلما وتلّه للجبين، فداه بالذبح العظيم؛ إذ لو أراد الله جل وعلا كون ما أَمر لوُجِد ابنه مذبوحًا، فكذلك فرض الصلاة خمسين أراد به الانتهاء إلى أَمْره دون وجود كونه، فلما رجع إلى موسى، وأخبره أنه أُمر بخمسين صلاةً كل يوم، أَلهم الله موسى أن يسأل محمدًا - صلى الله عليهما وسلم - بسؤال ربه التخفيف لأمته، فجعل جل وعلا قول موسى -﵇- له سببًا لبيان الوجود لصحة ما قلنا: إن الفرض من الله على عباده أراد إتيانه خمسًا، لا خمسين، فرجع إلى الله جل وعلا، فسأله، فوضع عنه عشرًا، وهذا أيضًا أمْر ابتلاء أريد به الانتهاء إليه، دون وجود كونه، ثم جعل سؤال موسى -﵇- إياه سببًا لنفاذ قضاء الله جل وعلا في سابق علمه، أن الصلاة تُفرض على هذه الأمة خمسًا لا خمسين، حتى رجع في التخفيف إلى خمس صلوات، ثم ألهم الله جل وعلا صفيّه - ﷺ - حينئذ، حتى قال لموسى: قد سألت ربي، حتى استحييت، لكني أرضى وأسلّم، فلما جاوز ناداه منادٍ: أمضيتُ فريضتي، أراد به الخمس صلوات، وخففت عن عبادي، يريد عن عبادي مِن أمْر الابتلاء الذي أمرتهم به من خمسين صلاةً التي ذكرناها، وجملة هذه الأشياء في الإسراء رآها رسول الله - ﷺ - بجسمه عيانًا، دون أن يكون ذلك رؤية، أو تصويرًا صُوِّرَ له؛ إذ لو كان ليلة الإسراء، وما رأى فيها نومًا دون اليقظة لاستحال ذلك؛ لأنَّ البشر قد يرون في المنام السماوات، والملائكة، والأنبياء، والجنة، والنار، وما أشبه هذه الأشياء، فلو كان رؤية المصطفى - ﷺ - بما وُصف في ليلة الإسراء في النوم دون اليقظة، لكانت هذه حالة يستوي فيها معه البشر؛ إذ هم يرون في مناماتهم مثلها، واستحال فضله، ولم تكن تلك حالة معجزة يُفضَّل بها على غيره، ضدَّ قول من أبطل هذه الأخبار، وأنكر قدرة الله جل وعلا، وإمضاء حكمه لِما يحب كما يحب جل ربنا وتعالى عن مثل هذا، وأشباهه. انتهى كلام ابن حبّان -﵀- ، وهو بحث مفيدٌ جدًّا، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦١٣٩] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ، أَخْبَرَنَا عِيسَى -يَعْنِي: ابْنَ يُونُسَ- (ح) وَحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، كِلَاهُمَا عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَنَسٍ (ح) وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، سَمِعْتُ أَنَسًا يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَرَرْتُ عَلَى مُوسَى، وَهُوَ يُصَلِّي فِي قَبْرِهِ»، وَزَادَ فِي حَدِيثِ عِيسَى: «مَرَرْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي»). رجال هذا الإسناد: تسعة: ١ - (عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمِ) -بمعجمتين- وزن جعفر المروزيّ، ثقةٌ، من صغار [١٠] (ت ٢٥٧) أو بعدها، وقارب المائة (م ت س) تقدم في «المقدمة» ٤/ ٢٥. ٢ - (عِيسَى بْنُ يُونُسَ) بن أبي إسحاق السَّبِيعيّ أخو إسرائيل الكوفيّ، نزل الشام مرابطًا، ثقةٌ مأمونٌ [٨] (ت ١٨٧) وقيل: (ت ١٩١) (ع) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٢٨. ٣ - (عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عثمان بن محمد بن إبراهيم بن عثمان الْعَبْسيّ، أبو الحسن بن أبي شيبة الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ شهيرٌ [١٠] (ت ٢٣٩) وله ثلاث وثمانون سنةً (خ م د س ق) تقدمة في «الإيمان» ٣٥/ ٢٤٦. ٤ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد بن قُرْط الضبيّ الكوفيّ، نزيل الرَّيِّ وقاضيها، ثقةٌ صحيحُ الكتاب [٨] (ت ١٨٨) وله إحدى وسبعون سنةً (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥٠. ٥ - (عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ) الكِلابيّ، أبو محمد الكوفيّ، يقال: اسمه عبد الرَّحمن، ثقةٌ ثبت، من صغار [٨] (ت ١٨٧) وقيل: بعدها (ع) تقدم في «الإيمان» ٦١/ ٣٣٩. والباقون ذُكروا في الباب، و«سفيان» هو: الثوريّ.
مصادر المؤلف (١٢)

١. «المفهم» ٦/ ١٩٢.

٢. راجع: «شرح النوويّ على مسلم» ٢/ ٢٣٨.

٣. «مجموع الفتاوى» ٤/ ٣٣.

٤. راجع: «زهر الربى في شرح المجتبى» للسيوطيّ -﵀- ٣/ ٢١٥ - ٢١٦.

٥. «المفهم» ٦/ ١٩٢ - ١٩٣.

٦. قال الجامع: هذا إسناد صحيح.

٧. قال الجامع: هذا حديث حسن، وفيه سيار بن حاتم، متكلَّم فيه، وقال في«التقريب»: صدوقٌ، له أوهام، لكن يشهد له الحديث السابق، فلذا حسّنته، فتنبّه.

٨. «مسند ابن الجعد»١/ ٢٠٩.

٩. أخرج أبو نعيم -﵀- في«حلية الأولياء» ٢/ ٣١٩ بسنده عن محمد بن سنان القزّاز، عن شيبان بن جسر، عن أبيه قال: أنا والله الذي لا إله إلَّا هو أدخلت ثابتًا البنانيّ لَحْده، ومعي حميد الطويل، أو رجل غيره -شك محمد- قال: فلما سوينا عليه اللبن، سقطت لبنة، فإذا أنا به يصلي في قبره، فقلت للذي معي: ألا ترى؟ قال: اسكت، فلمّا سوينا عليه، وفرغنا، أتينا ابنته، فقلنا لها: ما كان عمل أبيك ثابت؟ فقالت: وما رأيتم؟ فأخبرناها، فقالت: كان يقوم الليل خمسين سنة، فإذا كان السَّحَر قال في دعائه: اللهم إن كنت أعطيت أحدًا من خلقك الصلاة في قبره، فأعطنيها، فما كان الله ليردّ ذلك الدعاء. انتهى.

١٠. «صحيح البخاريّ» ٢/ ٨٢٦.

١١. هذا يقتضي أنهما شيئان، والظاهر أنهما شيء واحد، فليُتأمل، والله تعالى أعلم.

١٢. «صحيح ابن حبان» ١/ ٢٤٣ - ٢٤٦.