HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٣٧٨

حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا يَحْيَى بن سَعِيدٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ. أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَنْ أَكْرَمُ النَّاسِ؟ قَالَ «أَتْقَاهُمْ» قَالُوا: لَيْسَ عَنْ هَذَا نَسْأَلُكَ. قَالَ «فَيُوسُفُ نَبِيُّ اللَّهِ ابْنُ نَبِيِّ اللَّهِ ابْنِ نَبِيِّ اللَّهِ ابْنِ خَلِيلِ اللَّهِ» قَالُوا: لَيْسَ عَنْ هَذَا نَسْأَلُكَ. قَالَ «فَعَنْ مَعَادِنِ الْعَرَبِ تَسْأَلُونِي؟ خِيَارُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ في الإسلام. إذا فقهوا».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج7 ص103
ج ٤ ص ١٨٤٦

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٣ مصادر سنن الدارمي, صحيح البخاري, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣٨ ص٢٠٩
أمه ، قاله في «الفتح». وقال في موضع آخر: وأما قوله: «ونسبه إلى أبيه»، ففيه إشارة إلى الرد على من زعم أن «مَتَّى» اسم أمه، وهو مَحْكِيّ عن وهب بن مُنَبِّه في «المبتدأ»، وذكره الطبريّ، وتبعه ابن الأثير في «الكامل»، والذي في «الصحيح» أصحّ، وقيل: سبب قوله: «ونسبه إلى أبيه» أنه كان في الأصل يونس بن فلان، فنسي الراوي اسم الأب، وكنى عنه بفلان، وقيل: إن ذلك هو السبب في نسبته إلى أمه، فقال الذي نسي اسم أبيه: يونس بن متّي، وهي أمه، ثم اعتذر، فقال: ونسبه؛ أي: شيخه إلى أبيه؛ أي: سمّاه، فنسيه، ولا يخفى بُعد هذا التأويل، وتكلّفه. انتهى ، والله تعالى أعلم. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس -﵄- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٣/ ٦١٤١] (٢٣٧٧)، و(البخاريّ) في «الأنبياء» (٣٣٩٥ و٣٤١٣) و«التفسير» (٤٦٣٠) و«التوحيد» (٧٥٣٩)، و(أبو داود) في «السُّنَّة» (٤٦٦٩)، و(الطيالسيّ) في «مسنده» (٢٦٥٠)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (١١/ ٥٤١)، و(أحمد) في «مسنده» (١/ ٢٤٢ و٢٥٤ و٢٩١ و٢٩٥ و٣٠١ و٣٢٠ و٣٤٢ و٣٤٨)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (١/ ١٣١)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٦٢٤١)، و(الطحاويّ) في «مشكل الآثار» (١/ ٤٤٦)، و(الطبرانيّ) في «الكبير» (١٢٧٥٣)، والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٤٤) - (بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ يُوسُفَ -﵇-) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦١٤٢] (٢٣٧٨) - (حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَعُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عُبَيْدِ الله، أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِيه، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ الله، مَنْ أَكْرَمُ النَّاسِ؟ قَالَ: «أَتْقَاهُمْ»، قَالُوا: لَيْسَ عَنْ هَذَا نَسْأَلُكَ، قَالَ: «فَيُوسُفُ نَبِيُّ اللهِ ابْنُ نَبِيِّ اللهِ ابْنِ نَبِيِّ اللهِ ابْنِ خَلِيلِ اللهِ»، قَالُوا: لَيْسَ عَنْ هَذَا نَسْأُلَكَ، قَالَ: «فَعَنْ مَعَادِنِ الْعَرَبِ تَسْأَلُونِي؟ خِيَارُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ فِي الْإِسْلَام، إِذَا فَقِهُوا»). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدِ) بن يحيى اليشكريّ، أبو قدامة السرخسيّ، نزيل نيسابور، ثقةٌ، مأمونٌ، سنيّ [١٠] (ت ٢٤١) (خ م س) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٣٩. ٢ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدِ) بن فَرُّوخ التميميّ، أبو سعيد القطان البصريّ، ثقةٌ متقنٌ حافظٌ إمامٌ قُدوةٌ، من كبار [٩] (ت ١٩٨) وله ثمان وسبعون سنةً (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٨٥. ٣ - (عُبَيْدُ اللهِ) بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب العمريّ، أبو عثمان المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ، قدَّمه أحمد بن صالح على مالك في نافع، وقدّمه ابن معين في القاسم عن عائشة على الزهريّ عن عروة عنها [٥] مات سنة بضع وأربعين ومائة (ع) تقدم في «الإيمان» ٢٨/ ٢٢٢. ٤ - (سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ) كيسان المقبريّ، أبو سَعْد المدنيّ، ثقةٌ [٣]، وروايته عن عائشة وأم سلمة مرسلة، مات في حدود العشرين ومائة، وقيل: قبلها، وقيل: بعدها (ع) تقدم في «الإيمان» ٣٦/ ٢٥٠. ٥ - (أَبُوهُ) كيسان، أبو سعيد المقبريّ المدنيّ، مولى أم شريك، ويقال: هو الذي يقال له: صاحب العباء، ثقةٌ ثبتٌ [٢] (ت ١٠٠) (ع) تقدم في «الإيمان» ٧٤/ ٣٩٢. والباقون ذُكروا في البابين الماضيين. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-، وله فيه ثلاثة من الشيوخ قرن بينهم؛ لاتحاد الأخذ والأداء منه ومنهم، كما أسلفناه غير مرّة، وهو مسلسل بالمدنيين من عبيد الله، والباقون بصريون، سوى زهير، فبغداديّ، وفيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض، وفيه رواية الراوي عن أبيه، وفيه أبو هريرة - ﵁ - أحفظ من روى الحديث في عصره. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - ﵁ - أنه (قَالَ: قِيلَ) لَمْ يُعرف القائل . (يَا رَسُولَ الله، مَنْ أَكرَمُ النَّاسِ؟ قَالَ) - ﷺ - («أَتْقَاهُمْ») خبر لمبتدأ محذوف دلّ عليه السؤال؛ أي: أكرمهم أتقاهم؛ أي: أشدهم تقوي، وهو موافق لقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]. (قَالُوا)؛ أي: الصحابة السائلون، (لَيْسَ عَنْ هَذَا نَسْأَلُكَ، قَالَ) - ﷺ - («فَيُوسُفُ نَبِيُّ اللهِ ابْنُ نَبِيِّ اللهِ ابْنِ نَبِيِّ اللهِ ابْنِ خَلِيلِ اللهِ»)، وفي رواية للبخاريّ: «فأكرم الناس يوسف نبيّ الله ابن نبيّ الله ابن نبيّ الله ابن خليل الله». ووقع في نسخة شرح النوويّ -﵇- بحذف «ابن نبيّ الله» الثالث، ولذا قال في «شرحه»: هكذا وقع في مسلم: «نبيّ الله ابن نبيّ الله ابن خليل الله»، وفي روايات للبخاريّ كذلك، وفي بعضها: «نبيّ الله ابن نبيّ الله ابن نبيّ الله ابن خليل الله»، وهذه الرواية هي الأصل، وأما الأُولى فمختصرة منها، فإنه يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل - ﷺ -، فنسبه في الأُولى إلى جدّه، ويقال: يوسف بضم السين، وكسرها، وفتحها، مع الهمز، وتَرْكه، فهي ستة أوجه. قال العلماء: وأصل الكرم كثرة الخير، وقد جمع يوسف - ﷺ - مكارم الأخلاق، مع شرف النبوة، مع شرف النسب، وكونه نبيًّا ابن ثلاثة أنبياء، متناسلين، أحدهم خليل الله - ﷺ -، وانضم إليه شَرَف علم الرؤيا، وتمكّنه فيه، ورياسة الدنيا، وملكها بالسيرة الجميلة، وحياطته للرعية، وعموم نفعه إياهم، وشفقته عليهم، وإنقاذه إياهم من تلك السنين، والله أعلم. قال العلماء: لَمّا سئل - ﷺ -: أي الناس أكرم؟ أخبر بأكمل الكرم، وأعمّه، فقال: أتقاهم لله، وقد ذكرنا أن أصل الكرم كثرة الخير، ومن كان متقيًا كان كثير الخير، وكثير الفائدة في الدنيا، وصاحب الدرجات العلا في الآخرة، فلما قالوا: ليس عن هذا نسألك، قال: يوسف الذي جمع خيرات الآخرة والدنيا، وشَرَفهما، فلما قالوا: ليس عن هذا نسأل، فَهِم عنهم أن مرادهم قبائل العرب، قال: «خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام، إذا فَقِهُوا»، ومعناه: أن أصحاب المروءات، ومكارم الأخلاق في الجاهلية، إذا أسلموا، وفقهوا، فهم خيار الناس. انتهى . وقال في «العمدة»: أي: فيوسف نبي الله أشرفهم؛ لأنَّ معنى الكرم هنا الشرف، وذلك أن من اتقى ربه -﷿- شَرُف؛ لأنَّ التقوى تحمله على أسباب العزّ؛ لأنَّها تُبعده عن الطمع في كثير من المباح، فضلًا عن غيره من المآثم، وما ذاك إلَّا مَن أَسَره هواه، قال: وادَّعَى القرطبيّ أنه يخرج من هذا الحديث أن إخوة يوسف ليسوا أنبياء؛ إذ لو كانوا كذلك لشاركوه في هذه المنقبة، وفيه نظرٌ؛ لأنه ذَكَره لكونه أفضلهم، لاسيما على القول برسالته. وقوله: «ابن نبي الله» هو يعقوب، ابن نبى الله هو إسحاق، ابن خليل الله هو إبراهيم -عليهم الصلاة والسلام- انتهى . (قَالُوا: لَيْسَ عَنْ هَذَا نَسْأَلُكَ، قَالَ) - ﷺ - («فَعَنْ مَعَادِنِ الْعَرَبِ تَسْأَلُونِي؟)؛ أي: أصولهم التي يُنسبون إليها، ويتفاخرون بها، وإنما جُعلت معادن؛ لِمَا فيها من الاستعدادات المتفاوتة، فمنها قابلة لفيض الله على مراتب المعدنيات، ومنها غير قابلة له، وشبّههم بالمعادن؛ لأنهم أوعية للعلوم، كما أن المعادن أوعية للجواهر النفيسة . وقال في«الفتح»: وقوله:«أفعن معادن العرب»؛ أي: أصولهم التي ينسبون إليها، ويتفاخرون بها، وإنما جُعلت معادن؛ لما فيها من الاستعداد المتفاوت، أو شبّههم بالمعادن؛ لكونهم أوعية الشرف، كما أن المعادن أوعية للجواهر. انتهى . (خِيَارُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ فِي الْإِسْلَام، إِذَا فَقِهُوا») بضم القاف على المشهور، وحُكي كسرها؛ أي: صاروا فقهاء، عالمين بالأحكام الشرعية الفقهية، قاله النوويّ -﵀- . وقال في «الفتح»: يَحْتَمِل أن يريد بقوله: «خياركم جمع خير»، ويَحْتَمِل أن يريد أفعل التفضيل، تقول في الواحد: خير، وأخير، ثم القسمة رباعية، فإن الأفضل: مَنْ جَمَع بين الشرف في الجاهلية والشرف في الإسلام، وكان شَرَفهم في الجاهلية بالخصال المحمودة، من جهة ملائمة الطبع، ومنافرته، خصوصًا بالانتساب إلى الآباء المتّصفين بذلك، ثم الشرف في الإسلام بالخصال المحمودة شرعًا، ثم أرفعهم مرتبة: من أضاف إلى ذلك التفقه في الدين، ومقابل ذلك من كان مشرَّفًا في الجاهلية، واستمر مشرَّفًا في الإسلام، فهذا أدنى المراتب، والقسم الثالث: مَن شَرُف في الإسلام، وفَقُه، ولم يكن شريفًا في الجاهلية، ودونه من كان كذلك، لكن لَمْ يتفقه، والقسم الرابع: من كان شريفًا في الجاهلية، ثم صار مشرّفًا في الإسلام، فهذا دون الذي قبله، فإن تفقّه فهو أعلى رتبة من الشريف الجاهل. انتهى . وقال في «العمدة»: قوله: «إذا فقهوا» بكسر القاف، معناه: إذا فَهِموا، وعَلِموا، وهو من باب عَلِم يَعْلَم، وأما فَقُه بضم القاف يَفْقُهُ كذلك، فمعناه: صار فقيهًا عالِمًا، والفقه في العرف خاصّ بعلم الشريعة، ويختص بعلم الفروع ، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٤/ ٦١٤٢] (٢٣٧٨)، و(البخاريّ) في «الأنبياء» (٣٣٥٣ و٣٣٧٤ و٣٣٨٣) و«المناقب» (٣٤٩٠ و٣٤٩٣ و٣٤٩٦ و٣٥٨٨) و«التفسير» (٤٦٨٩) وفي «الأدب المفرد» (١/ ٥٨)، و(النسائيّ) في «الكبرى» (٦/ ٣٦٧)، و(عبد الرزّاق) في «مصنّفه» (٢٠٦٤١)، و(الحميديّ) في «مسنده» (١٠٤٥)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٢٥٧ و٢٦٠ و٣٩١ و٤٣٨ و٤٨٥ و٤٩٨ و٥٢٥ و٥٣٩) وفي «فضائل الصحابة» (١٥١٨ و١٥١٩)، و(الدارميّ) في «سننه» (١/ ٨٤)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٦٤٨)، و(الطحاويّ) في «مشكل الآثار» (٤/ ٣١٥)، و(أبو نعيم) في «الحلية» (٨/ ٣٨٣)، و(القضاعيّ) في «مسند الشهاب» (٦٠٦)، و(البغويّ) في «شرح السُّنَّة» (٣٨٤٤ و٣٨٤٥)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): ما قال القاضي عياض -﵀-: قد تضمَّن الحديث في الأجوبة الثلاثة أن الكرم كله عمومه، وخصوصه، ومجمله، ومبيّنه إنما هو الدّين، من التقوي، والنبوة، والإعراق فيها، والإسلام مع الفقه، فإذا تمّ ذلك، أو ما حصل منه مع شرف الأب المعهود عند الناس، فقد كان شرف الشريف، وكرم الكريم. انتهى . ٢ - (ومنها): أنه إنما قيّد بقوله: «إذا فقهوا» والحال أن كل من أسلم، وكان شريفًا في الجاهلية، فهو خير من الذي لَمْ يكن له الشرف فيها؛ لأنَّ المعنى ليس على ذلك، فإن الوضيع العالم خير من الشريف الجاهل، والعلم يرفع كل من لَمْ يُرْفَع . وقد أخرج مسلم عن عامر بن واثلة، أن نافع بن عبد الحارث، لَقِي عمر - ﵁ - بعسفان، وكان عمر يستعمله على مكة، فقال: من استعملت على أهل الوادي؟ فقال: ابن أبزي، قال: ومن ابن أبزى؟ قال: مولى من موالينا، قال: فاستخلفت عليهم مولى؟ قال: إنه قارئ لكتاب الله -﷿-، وإنه عالم بالفرائض، قال عمر: أما إن نبيكم - ﷺ - قد قال: «إن الله يرفع بهذا الكتاب أقوامًا، وَيضَعُ به آخرين». انتهى . ولقد أحسن من قال، وأجاد في المقال [من البسيط]: الْعِلْمُ يَرْفَعُ بَيْتًا لَا عِمَادَ لَهُ … وَالْجَهْلُ يَهْدِمُ بَيْتَ الْعِزِّ وَالشَّرَفِ ٣ - (ومنها): أنه يدلّ على شرف الفقه في الدين. ٤ - (ومنها): أن العالم يجوز له أن يجيب بحسب ما يظهر له، ولا يلزمه أن يستفصل السائل عن تعيين الاحتمالات، إلَّا إن خاف على السائل غلطًا، أو سوء فهم، فيستفصله . ٥ - (ومنها): ما قال القرطبيّ -﵀-: قول السائل: «من أكرم الناس؟»؛ معناه: مَن أَولى بهذا الاسم، ولذلك أجابه النبيّ - ﷺ - بجواب كُلِّيّ، فقال: «أتقاهم»، وهذا مُنْتَزَعٌ من قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ الآية [الحجرات: ١٣]، فلما قالوا: ليس عن هذا نسألك، نَزَل عن ذلك إلى ما يقابله، وهو الخصوص بشخص معين، فقال: يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم؛ لأنَّه نبيّ ابن نبيّ ابن نبيّ ابن نبيّ، فإنَّ هذا لَمْ يجتمع لغيره من ولد آدم، فهو أحقّ الناس المعنيِّين بهذا الاسم، فلما قالوا: ليس عن هذا نسألك تبيّن له أنهم سألوه عمن هو أحقّ بهذا الاسم من العرب، فأجابهم بقوله: «فعن معادن العرب تسألوني؟»؛ أي: عن أكرم أصولها، وقبائلها؟ وقد تقدَّم أن المعدن هو مأخوذ من عَدَن؛ أي: أقام، والعَدْن: الإقامة، ولمّا كانت أصول قبائل العرب ثابتةً سُمِّيت معادن، ثم قال: «خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا»، فمعنى هذا: أن من اجتمع له خصال شرف زمن الجاهلية، من شرف الآباء، ومكارم الأخلاق، وصنائع المعروف، مع شرف دين الإسلام، والتفقه فيه، فهو الأحق بهذا الاسم، وقد تقدَّم أن الكرم: كثرة الخير، والنفع، ولمّا كان تقوى الله تعالى هو الذي حصل به خير الدنيا والآخرة مطلقًا، كان المتّصف به أحقّ؛ فإنَّه أكرم الناس، لكن هذه قضية عامة، فلما نظر النبيّ - ﷺ - فيمن تعيَّن في الوجود بهذه الصفة، ظهر له أن الأنبياء أحقّ بهذا المعنى؛ إذ لا يبلغ أحد درجتهم، وإن أحقَّهم بذلك من كان مُعْرِقًا في النبوة، وليس ذلك إلَّا يوسف -﵇-، كما ذَكَرَ، ويخرج منه الردّ على من قال: إن إخوة يوسف كانوا أنبياء؛ إذ لو كانوا كذلك لشاركوا يوسف في ذلك المعنى.
مصادر المؤلف (١٤)

١. «الفتح» ٦/ ٤٥١.

٢. «الفتح» ٦/ ٤٥٢.

٣. «تنبيه العلم» ص ٤٠٣.

٤. «شرح النوويّ» ١٥/ ١٣٤ - ١٣٥.

٥. «عمدة القاري» ١٥/ ٢٤٥ ببعض تصرّف.

٦. «عمدة القاري» ١٥/ ٢٤٥.

٧. «الفتح» ٧/ ٦٨٣، كتاب «الأنبياء» رقم (٣٣٧٤).

٨. «شرح النوويّ» ١٥/ ١٣٤ - ١٣٥.

٩. «الفتح» ٧/ ٦٨٣، كتاب «الأنبياء» رقم (٣٣٧٤).

١٠. «عمدة القاري» ١٥/ ٢٤٥.

١١. «إكمال المعلم» ٧/ ٣٦٢.

١٢. «عمدة القاري» ١٥/ ٢٤٥.

١٣. تقدّم في هذا الشرح في كتاب «صلاة المسافرين وقصرها» برقم [٤٨/ ١٨٩٧] (٨١٧).

١٤. «المفهم» ٦/ ٢٢٧.