HadithLab
RU

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في مصدرين سنن ابن ماجه, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣٨ ص٢١٦
قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدّم أن بعضهم تعقّب هذا الاستنباط، لكن الذي يظهر لي هو الذي قاله القرطبيّ -﵀-، فتأمله بالإمعان، والله تعالى أعلم. قال: ثم إنه لمّا نظر النبيّ - ﷺ - بين الأعم والأخصّ، ظهر أن الأحقّ بذلك المعنى نوع من الأنواع المتوسطة بين الجنس الأعم، والنوع الأخص، وظهر له أنهم أشراف العرب، ورؤساؤهم؛ إذا تفقهوا في الدين، وعَلِمُوا، وعَمِلُوا، فحازوا كل الرُّتَب الفاخرة؛ إذ اجتمعَ لهم شرف الدنيا والآخرة. انتهى كلام القرطبيّ -﵀-، وهو بحث نفيسٌ جدًّا، والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٤٥) - (بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ زَكَرِيَّاءَ -﵇-) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦١٤٣] (٢٣٧٩) - (حَدَّثَنَا هَدَّابُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «كَانَ زَكَرِيَّاءُ نَجَّارًا»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو رَافِعِ) نُفَيعٌ الصائغ المدنيّ، نزيل البصرة، ثقةٌ ثبتٌ مشهور بكنيته [٢] (ع) تقدّم في «شَرح المقدّمة» جـ ٢ ص ٤٦٢. والباقون تقدّموا قبل بابين. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-، وأنه مسلسل بالبصريين، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة - ﵁ - رأس المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثًا. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - ﵁ - (أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «كَانَ زَكَرِيَّاءُ) فيه أربع لغات: المدّ، والقصر، وحذف الألف، مع تخفيف الياء، وفيه تشديدها أيضًا، وحذفها، وقال الجوهريّ: لا يُصرف مع المدّ، والقصر، قاله في«الفتح» . وقال المجد -﵀-: وزَكَرِيَّاءُ، ويُقْصَرُ، وكعربِيٍّ، ويُخَفَّفُ: عَلَمٌ، فإن مَدَدْتَ، أو قَصَرْتَ، لَمْ تَصْرِفْ، وإن شَدَّدْتَ صَرَفْتَ، وتَثْنِيَةُ الممْدُودِ زَكَرِيَّاوان، والجمع: زَكَرِيَّاؤونَ، وفي النَّصْبِ والخَفْضِ: زَكَرِيَّاوِينَ، والنِّسْبَةُ: زَكَرِيَّاوِيُّ، فإذا أضَفْتَ إليكَ قلتَ: زَكَرِيَّائِي بلا واوٍ، وفي التَّثْنِيَةِ: زَكَرِيَّاوايَ، وفي الجَمْعِ: زَكَرِيَّاويَّ، وتَثْنِيَةُ المَقْصُور: زَكَرِيَّان، ورأيتُ زَكَرِيَّيْن، وهُمْ زَكَرِيُّونَ، وتَثْنِيَةُ زَكَرِي مُخَفَّفَةً: زَكَرِيَان، والجمع: زَكَرونَ. انتهى . وقال في «التاج»: و«زَكَرِيّاءُ» فيه أَربعُ لُغَات: مَمْدودٌ، مَهْمُوزٌ، وبه قَرَأَ ابنُ كَثِير، ونافِعٌ، وأَبو عَمْرو، وابنُ عَامِر، وَيعْقُوبُ، ويُقْصَرُ، وبه قَرَأَ حَمْزَةُ، والكِسَائِيّ، وحَفْص، وزَكَرِيُّ؛ كعرَبِيّ، بحذْفِ الأَلف، غَيْر مُنَوَّن أَيضًا، ويُخَفَّفُ، وهي اللُّغَةُ الرَّابِعَة، قال الأَزْهَرِيّ: وهذا مَرْفُوض عند سِيبَوَيْه، قُلْت : ولذا اقتصرَ الزَّجَّاجُ، وابنُ دُرَيْد، والجَوْهَرِيّ على الثَّلاثَةِ الُأَول، وشذَّ بعضُ المفسِّرين، فزادَ لُغَةً خَامِسَةً، وقال: زَكَر؛ كجَبَل: عَلَمٌ على رَجلٍ. انتهى . وقال في «تهذيب الأسماء»: قال أهل التواريخ: كان زكريا من ذرية سليمان بن داود -﵈- وقُتل زكريا بعد قتل يحيى ابنه -صلوات الله، وسلامه عليهما- . وقال في «التكملة» : وليس هو زكريا الذي له صحيفة مستقلّة في أسفار العهد القديم لأهل الكتاب؛ لأنه كان قبل المسيح -﵇- بخمسة قرون، وزكريا -﵇- الذي ذُكر في القرآن كان قبل المسيح -﵇-، وابن يحيى، وزوجته اليشع، أخت لحنّة امرأة عمران، وأم مريم، فكانت زوجة زكريا -﵇- خالة لمريم -﵇-، وكان زكريا من سلالة داود -﵇-، وزوجته من ذريّة هارون -﵇-. وقال ابن إسحاق: كان زكريا وابنه آخر من بُعث من بني إسرائيل قبل عيسى، وقال أيضًا: أراد بنو إسرائيل قتل زكريا، ففرّ منهم، فمرّ بشجرة، فانفلقت له، فدخل فيها، فالتأمت عليه، فأخذ الشيطان بهُدبة ثوبه، فرأوها، فوضعوا المنشار على الشجرة، فنشروها حتى قطعوه من وسطه في جوفها. وأما يحيى فقُتِل بسبب امرأة أراد مَلِكهم أن يتزوجها، فقال له يحيى: إنها لا تحلّ لك؛ لكونها كانت بنت امرأته، فتوصلت إلى الملك حتى قَتَل يحيى، قال ابن إسحاق: كان ذلك قبل أن يُرْفَع عيسى، ورَوَى أصلَ هذه القصة الحاكم في «المستدرك» من حديث عبد الله بن الزبير، وروى أيضًا من حديث ابن عباس أن دم يحيى كان يفور، حتى قَتَل عليه بختنصر من بني إسرائيل سبعين ألفًا، فسَكَن، ذكره في «الفتح» . (نَجَّارًا») -بفتح النون، وتشديد الجيم- صيغة مبالغة مِن نَجَر الخشبةَ نجرًا، من باب نصر: إذا نَحَتَها، والحرفة: النِّجارة بالكسر؛ كالتجارة، والزراعة، والحياكة، ونحوها. وقال القرطبيّ -﵀-: هذا يدلّ على شرف النجارة، وعلى أنَّ التحرُّف بالصناعات لا يغض من مناصب أهل الفضائل، بل نقول: إن الْحِرَف والصناعات غير الركيكة زيادة في فضيلة أهل الفضل، يحصل لهم بذلك التواضع في أنفسهم، والاستغناء عن غيرهم، وكسب الحلال الخالي عن الامتنان الذي هو خير المكاسب، كما قد نصَّ عليه النبيّ - ﷺ - حيث قال: «إن خير ما أكل المرء من عمل يده، وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده»، رواه البخاريّ. وقد نُقل عن كثير من الأنبياء أنهم كانوا يحاولون الأعمال، فأوّلهم آدم - ﷺ - علَّمه الله صناعة الحراثة، ونوح - ﷺ - علّمه الله صناعة النجارة، وداود - ﷺ - علَّمه الله صناعة الحدادة، وقيل: إن موسى - ﷺ - كان كاتبًا، كان يكتب التوراة بيده، وكلهم قد رَعَى الغنم، كما قال ﷺ وعليهم أجمعين. انتهى ، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا من أفراد المصنّف -﵀-. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٥/ ٦١٤٣] (٢٣٧٩)، و(ابن ماجه) في «التجارات» (٢١٥٠)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٢٩٦ و٤٠٥)، و(ابن راهويه) في «مسنده» (١/ ١١٣)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٥١٤٢)، و(الطحاويّ) في «مشكل الآثار» (١/ ٤٢٩)، و(الحاكم) في «المستدرك» (٢/ ٥٩٠)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (١١/ ٣١١)، و(ابن عساكر) في «تاريخ دمشق» (١٩/ ٤٩)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان فضل زكريّا -﵇-، فإنه كان صانعًا يأكل من كَسْبه، وأن عمل اليد أفضل المكاسب، فقد أخرج البخاريّ عن المقدام بن معدي كرب - ﵁ -، عن رسول الله - ﷺ - قال: «ما أكل أحد طعامًا قط خيرًا من أن يأكل من عمل يده، وإن نبيّ الله داود -﵇- كان يأكل من عمل يده». وأخرج أيضًا عن أبي هريرة - ﵁ -، عن رسول الله - ﷺ -: «أن داود -﵇- كان لا يأكل إلَّا من عمل يده». انتهى. ٢ - (ومنها): جواز الصنائع، وأن النجارة لا تُسقط المروءة، وأنها صنعة فاضلةٌ. ٣ - (ومنها): ما قال في «الفتح»: وقد استُدِلّ به على مشروعية الإجارة من جهة أن عمل اليد أعمّ من أن يكون للغير أو للنفس، والذي يظهر أن الذي كان يعمله داود بيده هو نسج الدروع، وألان الله له الحديد، فكان ينسج الدروع، ويبيعها، ولا يأكل إلَّا من ثَمَن ذلك، مع كونه كان من كبار الملوك،
مصادر المؤلف (٨)

١. «الفتح» ٨/ ٤٩، كتاب «الأنبياء» رقم (٣٤٣٠).

٢. «القاموس المحيط» ١/ ٥١٣.

٣. القائل صاحب التاج.

٤. «تاج العروس من جواهر القاموس» ١/ ٢٨٩١.

٥. «تهذيب الأسماء» ١/ ١٩٥.

٦. راجع: «تكملة فتح الملهم» ٥/ ٣٧ - ٣٨.

٧. «الفتح» ٨/ ٥١، كتاب «الأنبياء» رقم (٣٤٣٠).

٨. «المفهم» ٦/ ٢٢٧ - ٢٢٨.