HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٤٠١

حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَيَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَيْبَةُ وَابْنُ حُجْرٍ (قَالَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرُونَ: حَدَّثَنَا) إِسْمَاعِيل - يَعْنُونَ ابْنَ جَعْفَرٍ - عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حَرْمَلَةَ، عَنْ عَطَاءٍ وَسُلَيْمَانَ ابني يسار، وأبي سلمة بن عبد الرحمن؛ أن عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُضْطَجِعًا فِي بَيْتِي، كَاشِفًا عَنْ فَخِذَيْهِ. أَوْ سَاقَيْهِ. فَاسْتَأْذَنَ أَبُو بَكْرٍ فَأَذِنَ لَهُ. وَهُوَ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ. فَتَحَدَّثَ. ثُمَّ اسْتَأْذَنَ عُمَرُ فَأَذِنَ لَهُ. وَهُوَ كَذَلِكَ. فَتَحَدَّثَ. ثُمَّ اسْتَأْذَنَ عُثْمَانُ. فَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. وَسَوَّى ثِيَابَهُ - قَالَ مُحَمَّدٌ: وَلَا أَقُولُ ذَلِكَ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ - فَدَخَلَ فَتَحَدَّثَ. فَلَمَّا خَرَجَ قَالَتْ عَائِشَةُ: دَخَلَ أَبُو بَكْرٍ فَلَمْ تَهْتَشَّ لَهُ. وَلَمْ تُبَالِهِ. ثُمَّ دَخَلَ عُمَرُ فَلَمْ تَهْتَشَّ لَهُ وَلَمْ تُبَالِهِ. ثُمَّ دَخَلَ عُثْمَانُ فَجَلَسْتَ وَسَوَّيْتَ ثِيَابَكَ! فَقَالَ «أَلَا أَسْتَحِي من رجل تستحي منه الملائكة».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج7 ص116
ج ٤ ص ١٨٦٦

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في مصدر واحد مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣٨ ص٤٢٤
[تنبيه]: رواية عيسى بن يونس، عن عمر بن سعيد هذه ساقها البخاريّ -﵀- في «صحيحه»، فقال: (٣٤٧٤) - حدّثني الوليد بن صالح، حدّثنا عيسى بن يونس، حدّثنا عُمر بن سعيد بن أبي الحسين المكيّ، عن ابن أبي مُليكة، عن ابن عباس -﵄- قال: إني لواقف في قوم، فدَعَوُا الله لعمر بن الخطاب، وقد وُضع على سريره، إذا رجل من خلفي قد وضع مِرْفقه على مَنكبي، يقول: رحمك الله، إن كنتُ لأرجو أن يجعلك الله مع صاحبيك؛ لأني كثيرًا مما كنت أسمع رسول الله -ﷺ- يقول: كنتُ وأبو بكر، وعمر، وفعلتُ وأبو بكر، وعمر، وانطلقت وأبو بكر، وعمر، فإن كنتُ لأرجو أن يجعلك الله معهما، فالتفتُّ، فإذا هو عليّ بن أبي طالب. انتهى ، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦١٦٩] (٢٣٩٠) - (حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ أَبِي مُزَاحِمٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحِ ابْنِ كَيْسَانَ (ح) وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَالْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ -وَاللَّفْظُ لَهُمْ- قَالُوا: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنِي أَبُو أُمَامَةَ بْنُ سَهْلٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ، رَأَيْتُ النَّاسَ يُعْرَضُونَ، وَعَلَيْهِمْ قُمُصٌ، مِنْهَا مَا يَبْلُغُ الثُّدِيَّ، وَمِنْهَا مَا يَبْلُغُ دُونَ ذَلِكَ، وَمَرَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ يَجُرُّهُ»، قَالُوا: مَاذَا أَوَّلْتَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «الدَّينَ»). رجال هذا الإسناد: أحد عشر: ١ - (مَنْصُورُ بْنُ أَبِي مُزَاحِمٍ) بشير التُّرْكي، أبو نصر البغداديّ الكاتب، ثقة [١٠] (٢٣٥) وهو ابن ثمانين سنة (م د س) تقدم في «الإيمان» ٣٨/ ٢٥٥. ٢ - (أَبُو أُمَامَةَ بْنُ سَهْلٍ) أسعد بن سَهْل بن حُنيف -بضم المهملة- الأنصاريّ، معروف بكنيته، معدود في الصحابة، له رؤية، ولم يَسمع من النبيّ -ﷺ- [٢] مات سنة مائة، وله اثنتان وتسعون سنةً (ع) تقدم في «الحيض» ١٨/ ٧٧٩. والباقون كلّهم تقدّموا في الباب الماضي. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أن للمصنّف فيه إسنادين، فَصَل بينهما بالتحويل، وهو من سُداسيّاته بالنسبة للأول، ومن سُباعيّاته بالنسبة للثاني، وفيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض: صالح، عن ابن شهاب، عن أبي أمامة، وفيه رواية صحابيّ عن صحابيّ على قول من يرى الصحبة لأبي أمامة، وفيه أبو سعيد -﵁- أحد المكثرين السبعة، روى (١١٧٠) حديثًا. شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ أنه قال: (حَدَّثَنِي أَبُو أُمَامَةَ) اسمه أسعد (بْنُ سَهْلٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيد) سعد بن مالك بن سنانٍ -﵁-. قال في «الفتح»: هذا الذي رواه أكثر أصحاب الزهريّ، واتفق عليه الشيخان، وقد أخرجه أحمد من طريق معمر، عن الزهريّ، عن أبي أُمامة بن سهل، عن بعض أصحاب النبيّ -ﷺ-، فأبهمه. انتهى . (الْخُدْرِيَّ) -بضمّ الخاء المعجمة، وسكون الدال المهملة-: نسبة إلى خدرة، واسمه الأبجر بن عوف بن الحارث بن الخزرج بن حارثة، قبيلة من الأنصار، قاله في «اللباب» . (يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «بَيْنَا) أصله»بين«أُشبعت الفتحة، فصارت ألفًا، وقال الجوهريّ:»بينا«فَعْلَى، مشبعة الفتحة، قال الشاعر: فَبَيْنَا نَحْنُ نَرْقُبُهُ أَتَانَا أي: بين أوقات رَقْبتنا إياه، والجُمَل يضاف إليها أسماء الزمان، نحو: أتيتك زمن الحجاجُ أمير، ثم حُذف المضاف الذي هو«أوقات»، ووَلِي الظرف الذي هو بين الجملة التي أقيمت مقام المضاف إليها، والأصمعي يستفصح طرح«إذ»، و«إذا»في جوابه، وآخرون يقولون: بينا أنا قائم إذ جاء، أو إذا جاء فلان، والذي جاء في الحديث هو الفصيح، فلذلك اختاره الأصمعيّ -﵀-. وقوله (أَنَا) مبتدأ، و(نَائِمٌ) خبره، (رَأَيْتُ النَّاسَ يُعْرَضُونَ)؛ أي: يُظهرون لي، يقال: عَرَضَ الشيءَ: إذا أبداه، وأظهره، وفي«العباب»: عَرَض له أمرُ كذا يَعْرِض بالكسر؛ أي: ظهر، وعرضت عليه أمرَ كذا، وعرضت له الشيء؛ أي: أظهرته له، وأبرزته إليه. انتهى . فقوله:«رأيت الناس»جواب«بينا»، من الرؤية، بمعنى الإبصار، فيقتضي مفعولًا واحدًا، وهو قوله:«الناسَ»، فعلى هذا يكون قوله:«يُعرضون عليّ»جملة حالية، ويجوز أن يكون من الرؤيا، بمعنى العلم، فيقتضي حينئذ مفعولين، وهما قوله:«الناس يعرضون عليّ»، ويجوز رفع الناسُ على أنه مبتدأ، وخبره قوله:«يعرضون عليّ»، والجملة مفعول قوله: رأيت، كما في قول الشاعر [من الوافر]: رَأَيْتُ النَّاسَ يَنْتَجِعُونَ غَيْثًا … فَقُلْتُ لِصَيْدَحَ انْتَجِعِي بِلَالَا ويروى:«سمعت الناس» . قال ابن أبي جمرة -﵀- ما ملخصه: المراد بالناس في هذا الحديث المؤمنون؛ لتأويله القميص بالدِّين، قال: والذي يظهر أن المراد خصوص هذه الأمة المحمديّة، بل بعضها، والمراد بالدِّين: العمل بمقتضاه؛ كالحرص على امتثال الأوامر، واجتناب المناهي، وكان لعمر -﵁- في ذلك المقام العالي. انتهى . (وَعَلَيْهِمْ قُمُصٌ) جملة حاليّة، والقمص بضم القاف والميم: جَمْع قميص، نحو رَغِيف ورُغُف، ويُجمع أيضًا على قُمصان، وأقمصة؛ كرُغفان وأرغفة. (مِنْهَا)؛ أي: من تلك القمص، وهو خبر مقدّم لقوله: (مَا يَبْلُغُ الثُّدِيَّ) بضم الثاء المثلثة، وكسر الدال، وتشديد الياء: جمع الثدي، وهو على وزن فَعْل؛ كفلس يُجمع على فُعُول كفلوس، وأصل الثُّدِيّ الذي هو الجمع: ثُدُويٌ، على وزن فُعُول، اجتَمَعت الواو والياء، وسَبَقت إحداهما بالسكون، فأُبدلت الواو ياءً، وأُدغمت الياء في الياء، فصارت ثُدِيّ، بضم الدال، ثم أُبدلت كسرة من ضمة الدال؛ لأجل الياء، فصار ثديًّا، وإلى هذه القاعدة أشار في «الخلاصة» بقوله: إِنْ يَسْكُنِ السَّابِقُ مِنْ وَاوٍ وَيَا … وَاتَّصَلَا وَمِنْ عُرُوضٍ عَرِيَا فَيَاءً الْوَاوَ اقْلِبَنَّ مُدْغِمَا … وَشَذَّ مُعْطًى غَيْرَ مَا قَدْ رُسَمَا وجاء أيضًا: ثِدِيّ، بكسر الثاء أيضًا إتباعًا لِمَا بعدها من الكسرة، وجاء جَمْعه أيضًا على أَثْدٍ، وأصله: أَثْدِيٌ، على وزن أَفْعُل، كيَدٍ تُجْمَع على أَيْدٍ، استُثقلت الضمة على الياء، فحُذفت، فالتقى ساكنان، فحُذفت الياء فصار: أثد. وقال الجوهريّ: الثدي يذكّر ويؤنث، وهي للمرأة والرجل جميعًا، وقيل: يختص بالمرأة، والحديث يردّ عليه. انتهى . و«ما» موصولة في محل الرفع على الابتداء، و«الثُّدِيّ» منصوب؛ لأنه مفعول «يبلغ»، وكذلك إعراب قوله: «ومنها دون ذلك». ومعنى الحديث: أن القميص قصيرٌ جدًّا، بحيث لا يصل من الحلق إلى نحو السرّة، بل فوقها. قاله في «الفتح» . (وَمِنْهَا)؛ أي: تلك القمُص، (مَا يَبْلُغُ دُونَ ذَلِكَ)؛ أي: أقصرُ، فيكون فوق الثدي، لم ينزل إليه، ولم يَصِلْ به؛ لقلّته، قاله في «العمدة». وقال في «الفتح»: يَحْتَمل أن يريد دونه من جهة السفل، وهو الظاهر، فيكون أطول، وَيحتمل أن يريد دونه من جهة العلو، فيكون أقصر، ويؤيّد الأول ما في رواية الترمذيّ الحكيم من طريق أخرى عن ابن المبارك، عن يونس، عن الزهريّ، في هذا الحديث: «فمنهم من كان قميصه إلى سرّته، ومنهم من كان قميصه إلى ركبته، ومنهم من كان قميصه إلى أنصاف ساقيه». انتهى . (وَمَرَّ)، وفي رواية البخاريّ: «وعُرض عليّ» بالبناء للمفعول، (عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ) -﵁- (وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ) جملة حاليّة، وقوله: (يَجُرُّهُ«) في محل رفع صفة لقميص، ويجوز أن يكون محلها النصب على الحال، من الأحوال المتداخلة، وقد عُلم أن الجملة الفعلية المضارعية إذا وقعت حالًا، وكانت مثبتة تكون بلا واو. (قَالُوا)؛ أي: الصحابة الحاضرون عند النبيّ -ﷺ- حينما حدّث برؤياه هذه، وفي رواية الترمذيّ الحكيم:«فقال له أبو بكر: على ما تأولت هذا يا رسول الله»، فتبيّن بهذه الرواية أن القائل هو أبو بكر الصدّيق -﵁-. (مَاذَا أَوَّلْتَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟) من التأويل، وهو تفسير ما يؤول إليه الشيء، والمراد هنا التعبير، وفي اصطلاح الأصوليين: التأويل تفسير الشيء بالوجه المرجوح، وقيل: هو حَمْل الظاهر على المحتمل المرجوح، بدليل يُصَيِّره راجحًا، وهذا أخص منه، وأما تفسير القرآن فهو المنقول عن النبيّ -﵁-، أو عن الصحابة، وأما تأويله فهو ما يُستخرج بحسب القواعد العربية . (قَالَ) -ﷺ- («الدِّينَ») بالنصب مفعولًا لفعل مقدّم دلّ عليه السؤال؛ أي: أوَّلته الدين، ويجوز رفعه، على أنه خبر لمحذوف؛ أي: هو الدين، وفي رواية الترمذيّ الحكيم: «قال: على الإيمان»، قاله في «الفتح» . وقال في «العمدة»: شبَّه الدِّين بالقميص، ووَجْه التشبيه السَّتر، وذلك أن القميص يستر عورة الإنسان، ويحجبه من وقوع النظر عليها، فكذلك الدِّين يستره من النار، ويحجبه عن كل مكروه، فالنبيّ -ﷺ- إنما أوَّله الدينَ بهذا الاعتبار، وقال أهل العبارة: القميص في النوم معناه الدِّين، وجرّه يدلّ على بقاء آثاره الجميلة، وسُنَنه الحسنة في المسلمين بعد وفاته؛ ليُقتَدَى بها. وقال ابن بطال ﵀: معلوم أن عمر -﵁- في إيمانه أفضل مِنْ عمل مَنْ بلغ قميصه ثديه، وتأويله ﵇ ذلك بالدِّين يدل على أن الإيمان الواقع على العمل يسمى دِينًا؛ كالإيمان الواقع على القول، وقال القاضي: أخذ ذلك أهل التعبير من قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤)﴾ [المدثر: ٤] يريد به: نفسك، وإصلاح عملك ودينك، على تاويل بعضهم؛ لأن العرب تعبِّر عن العفّة بنقاء الثوب، والمئزر، وجرّه عبارة عما فَضَل عنه، وانتفع الناس به، بخلاف جرّه في الدنيا للخيلاء، فإنه مذموم، ذكره في «العمدة» . وقال في «الفتح»: قيل: وجه تعبير القميص بالدِّين، أن القميص يستر العورة في الدنيا، والدين يسترها في الآخرة، ويحجبها عن كل مكروه، والأصل فيه قوله تعالى: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ الآية [الأعراف: ٢٦]، والعرب تَكْنِي عن الفضل، والعفاف بالقميص، كما قال شاعرهم [من الطويل]: ثِيَابُ بَنِي عَوْفٍ طَهَارَى نَقِيَّةٌ … وَأَوْجُهُهُم بِيض الْمَسَافِرِ غُرَّانُ ومنه قوله -ﷺ-، لعثمان -﵁-: «إن الله سيُلبِسك قميصًا، فإن أرادوا أن تخلعه، فلا تخلعه»، أخرجه أحمد، والترمذي، وابن ماجه، وصححه ابن حبان، فعبّر عن الخلافة بالقميص، وهي استعارة حسنة معروفة. واتفق أهل التعبير على أن القميص يُعَبَّر بالدِّين، وأن طوله يدل على بقاء آثار صاحبه من بعده. وقال ابن العربي ﵀: إنما أوَّله النبيّ -ﷺ- بالدِّين؛ لأن الدين يستر عورة الجهل، كما يستر الثوب عورة البدن، قال: وأما غير عمر، فالذي كان يبلغ الثُّدِيّ هو الذي يستر قلبه عن الكفر، وإن كان يتعاطى المعاصي، والذي كان يبلغ أسفل من ذلك، وفَرْجه بادٍ، هو الذي لم يستر رجليه عن المشي إلى المعصية، والذي يستر رجليه هو الذي احتجب بالتقوى من جميع الوجوه، والذي يجر قميصه، هو الذي يكون زائدًا على ذلك بالعمل الخالص. انتهى . وقال الحافظ ابن رجب ﵀: وإنما فسّر القمُص في المنام بالدِّين؛ لأن الدين، والإسلام، والتقوى كلُّ هذه توصف بأنها لباسٌ، قال تعالى: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف: ٢٦]، وقال أبو الدرداء: الإيمان كالقميص يلبسه الإنسان تارةً، وينزعه أخرى، وفي الحديث: «لا يزني الزاني حين يزني، وهو مؤمن، ينزع منه سربال الإيمان» . وقال النابغة [من البسيط]: الْحَمْدُ لِلَّهِ إِذْ لَمْ يَأْتِنِي أَجَلِي … حَتَّى اكْتَسَيْتُ مِنَ الإِسْلَامِ سِرْبَالَا وقال أبو العتاهية [من الطويل]: إِذَا الْمَرْءُ لَمْ يَلْبَسْ ثِيَابًا مِنَ التُّقَى … تَقَلَّبَ عُرْيَانًا وَإِنْ كَانَ كَاسِيَا فهذه كلها كسوة الباطن، وهو الروح، وهو زينة لها، كما في حديث عمّار -﵁-: «اللَّهمّ زيّنّا بزينة الإيمان» ، كما أن الرياش زينة للجسد، وكسوة له، قال تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف: ٢٦]، ومن هنا قال مجاهد، والشعبيّ، وقتادة، والضحّاك، والنخعيّ، والزهريّ، وغيرهم في قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤)﴾ [المدّثَر: ٤]: إن المعنى: طهّر نفسك من الذنوب. وقال سعيد بن جُبير: وقلبك فطهّر، وقريبٌ منه قول من قال: وعملك فأصلح، رُوي عن مجاهد، وأبي روق، والضحّاك. وعن الحسن، ومحمد بن كعب القرظيّ، قالا: خُلُقك حسّنه. فكنى بالثياب عن الأعمال، وهي من الدين، والتقوى، والإيمان، والإسلام، وتطهيره إصلاحه، وتخليصه من المفسدات له، وبذلك تحصل طهارة النفس، والقلب، والنيّة، وبه يحصل حُسْن الخُلُق؛ لأن الدين هو الطاعات التي تصير عادة، ودَيدَنًا، وخُلُقًا، قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤]، وفسّره ابن عبّاس بالدين. انتهى كلام ابن رجب ﵀ ، وهو بحث نفيس. [فإن قيل]: يلزم من الحديث أن يكون عمر -﵁- أفضل من أبي بكر -﵁-؛ لأن المراد بالأفضل: الأكثر ثوابًا، والأعمال علامات الثواب، فمن كان دينه أكثر فثوابه أكثر، وهو خلاف الاجماع. [قلت]: لا يلزم؛ إذ القسمة غير حاصرة؛ لجواز قسم رابع. سلمنا انحصار القسمة، لكن ما خَصَّص القسم الثالث بعمر -﵁-، ولم يحصره عليه. سلمنا التخصيص به، لكنه معارَض بالأحاديث الدالة على أفضلية الصدّيق -﵁- بحسب تواتر القدر المشترك بينها، ومثله يسمى بالمتواتر من جهة المعنى، فدليلكم آحاد، ودليلنا متواتر. سلّمنا التساوي بين الدليلين، لكن الإجماع منعقد على أفضليته، وهو دليل قطعيّ، وهذا دليل ظنيّ، والظن لا يعارض القطع، وهذا الجواب يستفاد من نفس تقرير الدليل. وهذه قاعدة كلية عند أهل المناظرة في أمثال هذه الإيرادات، بأن يقال: ما أردته إما مجمَع عليه، أو لا، فإن كان، فالدليل مخصوص بالإجماع، وإلا فلا يتم الإيراد؛ إذ لا إلزام إلا بالمجمَع عليه. لا يقال: كيف يقال: الإجماع منعقد على أفضلية الصديق -﵁-، وقد أنكر ذلك طائفة الشيعة، والخوارج من العثمانية؛ لأنا نقول: لا اعتبار بمخالفة أهل الضلال، والأصل إجماع أهل السُّنَّة والجماعة، ذَكَره في «العمدة» . وقال في «الفتح»: [تنبيه]: قد استشكل هذا الحديث بأنه يلزم منه أن عمر أفضل من أبي بكر الصّدّيق -﵄-. [والجواب] عنه: تخصيص أبي بكر من عموم قوله: «عُرض عليّ الناس»، فلعلّ الذين عُرضوا إذ ذاك لم يكن فيهم أبو بكر -﵁-، وأن كون عمر -﵁- عليه قميص يجرّه، لا يستلزم أن لا يكون على أبي بكر قميصٌ أطول منه، وأسبغ، فلعلّه كان كذلك، إلا أن المراد كان حينئذ بيان فضيلة عمر -﵁-، فاقتصر عليها. انتهى . وقال القرطبيّ ﵀: هؤلاء الناس المعروضون على رسول الله -ﷺ- في النوم هم من دون عمر في الفضيلة، فلم يدخل فيهم أبو بكر، ولو عُرِض أبو بكر -﵁- عليه في هذه الرواية لكان قميصه أطول، فإن فَضْله أعظم، ومقامه أكبر. انتهى . وقال في «الفتح» في موضع آخر ما معناه: ظاهر الحديث فيه إشكالٌ، وملخصه: أن المراد بالأفضل من يكون أكثر ثوابًا، والأعمال علامات الثواب، فمن كان عمله أكثر، فدينه أقوى، ومن كان دينه أقوى، فثوابه أكثر، ومن كان ثوابه أكثر، فهو أفضل، فيكون عمر أفضل من أبي بكر -﵄-. وملخص الجواب: أنه ليس في الحديث تصريح بالمطلوب، فيَحْتَمِل أن يكون أبو بكر لم يُعْرَض في أولئك الناس، إما لأنه كان قد عُرض قبل ذلك، وإما لأنه لا يُعْرَض أصلًا، وأنه لَمّا عُرض كان عليه قميص أطول من قميص عمر. ويَحْتَمِل أن يكون سِرُّ السكوت عن ذِكْره الاكتفاءَ بما عُلِم من أفضليته. وَيحتمل أن يكون وقع ذِكره، فذَهِل عنه الراوي، وعلى التنزل بأن الأصل عدم جميع هذه الاحتمالات، فهو مُعارَض بالأحاديث الدالة على أفضلية الصدّيق، وقد تواترت تواترًا معنويًّا، فهي المعتمَدة. وأقوى هذه الاحتمالات أن لا يكون أبو بكر عُرِض مع المذكورين، والمراد من الخبر: التنبيه على أن عمر ممن حصل له الفضل البالغ في الدين، وليس فيه ما يصرح بانحصار ذلك فيه. انتهى ، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي سعيد الخدريّ -﵁- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢/ ٦١٦٩] (٢٣٩٠)، و(البخاريّ) في «الإيمان» (٢٣) و«المناقب» (٣٦٩١) و«التعبير» (٧٠٠٨ و٧٠٠٩)، و(الترمذيّ) في «الرؤيا» (٢٢٨٥ و٢٢٨٦)، و(النسائيّ) في «المجتبى» (٥٠١٣) و«الكبرى» (٥/ ٥ و٦/ ٥٣٣)، و(عبد الرزّاق) في «مصنّفه» (٢٠٣٨٥)، و(أحمد) في «مسنده» (٣/ ٨٦ و٥/ ٣٧٣ - ٣٧٤) وفي «فضائل الصحابة» (١/ ٢٧٧)، و(الدارمي) في «سننه» (٢٠٥٨)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٦٨٩٠)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (١٢٩٠)، و(الطبرانيّ) في «الأوسط» (٨/ ٣٣١)، و«مسند الشاميين» (٣/ ١٣)، و(ابن منده) في «الإيمان» (١/ ٤١٣)، و(ابن أبي عاصم) في «السُّنَّة» (٢/ ٥٨٣)، و(البغويّ) في «شرح السُّنَّة» (٣٢٩٤)، و(ابن عساكر) في «تاريخ دمشق» (٤٤/ ١٣٣)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان فضيلة عمر -﵁-. ٢ - (ومنها): تعبير الرؤيا، وسؤال العالم بها عن تعبيرها، ولو كان هو الرائي. ٣ - (ومنها): جواز إشاعة العالم الثناء على الفاضل من أصحابه، إذا لم يُحِسّ به بإعجاب ونحوه، ويكون الغرض التنبيه على فضله؛ لِتُعْلم منزلته، ويعامل بمقتضاها، ويرغب الاقتداء به، والتخلق بأخلاقه. ٤ - (ومنها): بيان تفاضل أهل الإيمان فيه بالقلة، والكثرة، وبالقوّة، والضَّعف، ووجه الاستدلال بالحديث أنه -ﷺ- أُري الناس، وعليهم قُمُص مختلفة المقدار بالطول والقصر، وأوّل ذلك على تفاوتهم في الدين، والإيمان، والإسلام بمعنى، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩]، وقال: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]، وقال: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥]، وقال -ﷺ- بعد أن أجاب جبريل ﵇ في سؤاله عن الإيمان، والإسلام، والإحسان: «هذا جبريل جاءكم يعلّمكم دينكم»، فجعل كله دينًا. وقال الحافظ ابن رجب ﵀: وهذا الحديث نصّ في أن الدين يتفاضل، وقد استُدلّ عليه بقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]، وأشار البخاريّ إلى ذلك في موضع آخر. ويدلّ عليه أيضًا قول النبيّ -ﷺ- للنساء: «ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للبّ الرجل الحازم من إحداكنَّ»، متّفقٌ عليه. وفسّر نقصان دينها بتركها الصوم والصلاة أيام حيضها، فدلّ على في خول الصوم والصلاة في اسم الدين. وقد صرّح بدخول الأعمال في الدين طوائف من العلماء، والمتكلّمين، من الحنابلة وغيرهم. فمن قال: الإسلام، والإيمان واحدٌ، فالدين عنده مرادفٌ لهما، وهو اختيار البخاريّ، ومحمد بن نصر المروزيّ، وغيرهما من أهل الحديث، ومن فرّق بينهما، فاختلفوا في ذلك، فمنهم من قال: إن الدين أعمّ منهما، فإنه يشمل الإيمان، والإسلام، والإحسان، كما دلّ عليه حديث جبريل ﵇، وقد أشار البخاريّ إلى هذا فيما بعدُ، لكنه ممن لا يفرّق بين الإسلام والإيمان. ومن قال: الإيمان التصديق، والإسلام الأعمال، فأكثرهم جَعَل الدين هو الإسلام، وأدخل فيه الأعمال، وإنما أخرج الأعمال من مسمّى الدين بعض المرجئة. ومن قال: الإسلام الشهادتان، والإيمان العمل؛ كالزهريّ، وأحمد في رواية، وهي التي نصرها القاضي أبو يعلى؛ جَعَل الدين هو الإيمان بعينه، وأجاب عن قوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ الآية [آل عمران: ١٩] أن بعض الدين الإسلام، وهذا بعيدٌ. وأما من قال: إن كلًّا من الإسلام والإيمان إذا أُطلقا مجرّدًا دخل الآخر فيه، وإنما يُفرَّق بينهما عند الجمع بينهما، وهو الأظهر، فالدين هو مسمّى كل واحد منهما عند إطلاقه، وأما عند اقترانه بالآخر فالدين أخصّ باسم الإسلام؛ لأن الإسلام هو الاستسلام، والخضوع، والانقياد، وكذلك الدين يقال: دانه يدينه: إذا قهره، ودان له: إذا استسلم له، وخضع، وانقاد، ولهذا سمّى الله الإسلام دينًا، فقال: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩]، وقال: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ الآية [آل عمران: ٨٥]، وقال: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]. انتهى كلام ابن رجب ﵀ . قال الجامع عفا الله عنه: قد استوفيت هذا البحث في «كتاب الإيمان»، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق. ٥ - (ومنها): ما قاله في «الفتح»: إن هذا من أمثلة ما يُحمَد في المنام، ويُذَمّ في اليقظة شرعًا، أعني جرّ القميص؛ لِمَا ثبت من الوعيد في تطويله، وعكس هذا ما يُذَمّ في المنام، ويُحمَد في اليقظة. ٦ - (ومنها): ما قاله ابن أبي جمرة ﵀: يؤخذ من الحديث أن كل ما يُرى في القميص، من حُسن، أو غيره، فإنه يعبَّر بدِين لابِسه. قال: والنكتة في القميص أنّ لابسه، إذا اختار نَزَعه، وإذا اختار أبقاه، فلما ألبس الله المؤمنين لباس الإيمان، واتصفوا به كان الكامل في ذلك سابغ الثوب، ومن لا فلا، وقد يكون نَقْص الثوب بسبب نقص الإيمان، وقد يكون بسبب نقص العمل. والله أعلم. وقال غيره: القميص في الدنيا ستر عورة، فما زاد على ذلك كان مذمومًا، وفي الآخرة زينة محضة، فناسب أن يكون تعبيره بحسب هيئته، من زيادة، أو نقص، ومن حُسْن وضدّه، فمهما زاد من ذلك، كان من فضل لابسه، ويُنسب لكل ما يليق به من دين، أو علم، أو جمال، أو حلم، أو تقدم في فئة، وضِدُّهُ لضده. ذَكَره في «الفتح» ، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّلَ الكتاب قال: [٦١٧٠] (٢٣٩١) - (حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ أَخْبَرَهُ، عَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّاب، عَنْ أَبِيه، عَنْ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- قَالَ: «بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ؛ إِذْ رَأَيْتُ قَدَحًا أُتِيتُ بِهِ، فِيهِ لَبَنٌ، فَشَرِبْتُ مِنْهُ، حَتَّى إِنِّي لأَرَى الرِّيَّ يَجْرِي فِي أَظْفَارِي، ثُمَّ أَعْطَيْتُ فَضْلِي عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ»، قَالُوا: فَمَا أَوَّلْتَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «الْعِلْمَ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ) الْمُكَنَّى بأبي عُمارة -بضم العين- القرشيّ العدويّ التابعيّ المدنيّ، شقيق سالم، ثقةٌ [٣] (ع) تقدم في «الصلاة» ٢٢/ ٩٤٥. ٢ - (أَبُوهُ) عبد الله بن عمر بن الخطاب العدويّ، أبو عبد الرحمن، وُلد بعد المبعث بيسير، واستُصغر يوم أُحد، وهو ابن أربع عشرة سنةً، مات -﵁- سنة ثلاث وسبعين في آخرها، أو أول التي تليها (ع) تقدم في «الإيمان» ١/ ١٠٢. والباقون تقدّموا في الباب الماضي. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀، وأن نصفه الأول مسلسلٌ بالمصريين، والثاني بالمدنيين، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، والابن عن أبيه، وفيه ابن عمر -﵄-، أحد المكثرين السبعة، والعبادلة الأربعة من الصحابة -﵃-، وكان من أشدّ الناس اتباعًا للأثر. شرح الحديث: (عَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ)، وفي رواية للبخاريّ: «أخبرني حمزة بن عبد الله»، (عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن عمر بن الخطّاب -﵄- (عَنْ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- قَالَ: «بَيْنَا) تقدّم البحث فيها في الحديث الماضي. (أَنَا نَائِمٌ؛ إِذْ رَأَيْتُ قَدَحًا) بفتحتين واحد الأقداح التي هي للشرب فيها، والقدح بكسر القاف، وسكون الدال: السهم قبل أن يُراش، ويُرَكَّب نصله، وقِدْح الميسر أيضًا، والقِدْح بالكسر: ما يقدحِ به النار . (أُتِيتُ بِهِ) بالبناء للمفعول، وقوله: (فِيهِ لَبَنٌ) جملة حاليّة، (فَشَرِبْتُ مِنْهُ، حَتَّى إِنِّي)»حتى« إما ابتدائية، وإما جارّة، فعلى الأول»إنِّي«بكسر الهمزة، وعلى الثاني بفتحها، وياء المتكلم اسم»إن« وخبره قوله: (لأَرَى الرِّيَّ) بكسر الراء، وتشديد الياء، مصدرٌ، يقال: رَوِيت من الماء -بالكسر- أروي رِيًّا، بالكسر، وحَكَى الجوهريّ الفتح أيضًا، وقال: رِيًّا ورَيًّا، ورِوًى أيضًا مثلُ رَضِيَ رِضًى، وارتويت، وترويت كله بمعنًى، وقال غيره: يقال: رَوِي من الماء، والشراب، بكسر الواو، ويروى بفتحها، رِيًّا بالكسر، في الاسم، والمصدر، قال القاضي: وحَكَى الداوديّ الفتح في المصدر، وأما في الرواية فعكسه، تقول: رَوَيت الحديثَ أرويه روايةً بالفتح في الماضي، والكسر في المستقبل، والرّوَاء من الماء: ما يُروي، إذا مددتَ فتحتَ الراء، وإذا كسرت قصرت. وأصل الريّ: الرِّوْيُ، اجتمعت الواو والياء وسَبقت إحداهما بالسكون، فأُبدلت الياء من الواو، وأُدغمت الياء في الياء، وقد تقدّم هذا في الحديث الماضي في لفظ «الثّدِيّ»، فلا تغفل، وبالله تعالى التوفيق. ثم إن قوله: «أرَى» إن كان من الرؤية بمعنى العلم فيقتضي مفعولين، أحدهما هو قوله: «الرّيّ»، والثاني قوله: «يخرج في أظفاري»، وإن كان من الرؤية بمعنى الإبصار، فلا يقتضي إلا مفعولًا واحدًا وهو قوله: «الرّيّ» . وفيه تأكيد الكلام بصوغه جملة اسمية، وتأكيدها بإِنّ«واللام في الخبر، وهو قوله:»إني لأرى الريّ«. [فإن قلت]: لم تكن الصحابة -﵃- منكرين، ولا مترددين في أخباره -ﷺ-، فما فائدة هذه التأكيدات؟. [أجيب]: بأن قوله:«أرى الريّ يخرج في أظفاري» أورثهم حَيْرة في خروج اللبن من الأظفار، فأزال تلك الحيرة بهذه التأكيدات، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ الآية [يوسف: ٥٣]؛ لأن ما أبرّئ؛ أي: ما أزّكي، أورث المخاطَب حيرة في أنه كيف لا ينزه نفسه عن السوء، مع كونها مطمئنة زكية، فأزال تلك الحيرة بقوله: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ في جميع الأشخاص إلا من عصمه الله، قاله العينيّ ﵀ . قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله العينيّ في قوله: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ﴾ الآية مبنيّ على أن هذا الكلام ليوسف ﵇، والراجح أنه من كلام المرأة، لا من كلامه، فتنبّه، والله تعالى أعلم. (يَجْرِي فِي أَظْفَارِي) بفتح الهمزة: جمع ظُفْر، قال ابن دُريد: الظفر ظفر الإنسان، والجمع أظفار، ولا تقول: ظِفْر بالكسر، وإن كانت العامة قد أُولعت به، وتجمع أظفار على أظافير، قال: وقال قوم: بل الأظافير جمع أظفور، والظفر والأظفور سواء، وأظفار الإبل مناسمها، وأظفار السباع براثنها. انتهى . وقوله أيضًا: (فِي أَظْفَارِي)، وفي رواية ابن عساكر «من أظفاري»، وفي رواية البخاري في «التعبير»: «من أطرافي»، والكل بمعنًى في الحقيقة. [فإن قلت]: «يخرج من أظفاري» ظاهرٌ، فما معنى قوله: «يخرج في أظفاري»؟. [أجيب]: بأنه يجوز أن تكون «في» ههنا بمعنى: «على»؛ أي: على أظفاري، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ الآية [طه: ٧١]؛ أي: عليها، ويكون بمعنى: يظهر عليها، والظفر إما منشأ الخروج، أو ظرفه، قاله العينيّ ﵀ . وقال في «الفتح»: قوله: «حتى أنظر إلى الرِّيِّ»: في رواية عَبْدان: «حتى أني»، ويجوز فتح همزة أني، وكسرها، ورؤية الرِّيّ على سبيل الاستعارة، كأنه لمّا جعل الرّيّ جسمًا أضاف إليه ما هو من خواص الجسم، وهو كونه مرئيًّا، وأما قوله: «أنظر» فإنما أتي به بصيغة المضارع، والأصل أنه ماض استحضارًا لصورة الحال، وقوله: «أنظر» يؤيد أن قوله: «أرى» في الرواية التي في العلم من رؤية البصر، لا من العلم، والرّيّ بكسر الراء، ويجوز فتحها. انتهى . وقال في «الفتح» أيضًا في موضع آخر: قوله: «حتى إني لأرى الرِّيَّ يخرج في أظافيري»: في رواية الكشميهنيّ: «من أظافيري»، وفي رواية صالح بن كيسان: «من أطرافي»، وهذه الرؤيا يَحْتَمِل أن تكون بصريّة، وهو الظاهر، ويَحْتَمِل أن تكون عِلمية، ويؤيد الأول ما عند الحاكم، والطبرانيّ، من طريق أبي بكر بن سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، عن جدّه، في هذا الحديث: «فشرِبت، حتى رأيته يجري في عُروقي بين الجلد واللحم»، على أنه مُحتمل أيضًا. انتهى . (ثُمَّ أَعْطَيْتُ فَضْلِي)؛ أي: ما فَضَل من اللبن الذي هو في القدح الذي شربت منه، (عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ»)، وفي رواية:«ففَضِلت فضلةٌ، فأعطيتها عمر». (قَالُوا)؛ أي: الصحابة الحاضرون مجلسه -ﷺ- حين حدّث بهذه الرؤيا، (فَمَا أَوَّلْتَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟) كلمة«ما»استفهامية، و«أوّلته»جملة من الفعل والفاعل والمفعول، وهو الضمير الذي يرجع إلى شُرب اللبن الذي يدل عليه قوله:«فشربت». [فإن قلت]: ما الفاء في قوله:«فما أولته»؟. [أجيب]: بأنها زائدة، كما في قوله تعالى: ﴿هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ﴾، قاله العينيّ ﵀ . وقوله أيضًا: (فَمَا أَوَّلْتَ ذَلِكَ)؛ أي: فما عبَّرته، والتأويل في اللغة تفسير ما يؤول إليه الشيء، وههنا المراد به تعبير الرؤيا. وقال في«الفتح»: قوله:«قالوا: فما أولته؟ »في رواية صالح:«فقال مَن حَوْلَهُ»، وفي رواية سفيان بن عيينة، عن الزهريّ، عند سعيد بن منصور:«ثم ناول فَضْله عمر، قال: ما أوّلته؟ »وظاهره أن السائل عمر، ووقع في رواية أبي بكر بن سالم: أنه -ﷺ-«قال لهم: أوِّلوها، قالوا: يا نبي الله هذا علمٌ، أعطاكه الله، فملأك منه، ففضلت فضلة، فأعطيتها عمر، قال: أصبتم»، ويُجمع بأن هذا وقع أوّلًا، ثم احتَمَلَ عندهم أن يكون عنده في تأويلها زيادة على ذلك، فقالوا: ما أوَّلته؟ … إلخ. انتهى . (قَالَ:«الْعِلْمَ») بالنصب، والرفع روايتان، أما وجه النصب فعلى المفعولية، والتقدير: أوَّلته العلمَ، وأما وجه الرفع فعلى أنه خبر مبتدأ محذوف؛ أي: المؤول به العلمُ. وتفسير اللبن بالعلم؛ لكونهما مشتركين في كثرة النفع بهما، وفي أنهما سببا الصلاح، فاللبن غذاء الناس، وسبب صلاحهم وقوة أبدانهم، والعلم سبب الصلاح في الدنيا والآخرة، وغذاء الأرواح . وقال المهلّب -﵁-: اللبن يدلّ على الفطرة، والسُّنَّة، والقرآن، والعلم. قال الحافظ ﵀: وقد جاء في بعض الأحاديث المرفوعة تأويله بالفطرة، كما أخرجه البزار من حديث أبي هريرة، رَفَعه: «اللبن في المنام فطرة»، وعند الطبرانيّ من حديث أبي بكرة، رفعه: «من رأى أنه شرب لبنًا فهو الفطرة»، وفي حديث أبي هريرة أنه -ﷺ- لَمّا أخذ قدح اللبن، قال له جبريل: «الحمد لله الذي هداك للفطرة». وذكر الدينوريّ أن اللبن المذكور في هذا يختص بالإبل، وإنه لِشاربه مالٌ حلال، وعلم، وحكمة، قال: ولبن البقر خِصب السَّنَة، ومال حلال، وفطرة أيضًا، ولبن الشاة مالٌ، وسرور، وصحة جسم، وألبان الوحش شكّ في الدِّين، وألبان السباع غير محمودة، إلا أن لبن اللَّبْوة مال، مع عداوة لذي أمر. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: تخصيص اللبن المذكور في هذا الحديث بلبن الإبل يحتاج إلى دليل، وكذا ما بَعده من تفصيل أنواع الألبان، فتنبّه، والله تعالى أعلم. وقال في «الفتح»: ووقع في جزء الحسين بن عرفة من وجه آخر عن ابن عمر -﵄-: «قال: فقالوا: هذا العلم الذي آتاكه الله، حتى إذا امتلأت فَضِلت منه فضلةٌ، فأخذها عمر، قال: أصبتم»، وإسناده ضعيف، فإن كان محفوظًا احتَمَلَ أن يكون بعضهم أوَّل، وبعضهم سأل، ووجه التعبير بذلك من جهة اشتراك اللبن والعلم في كثرة النفع، وكونهما سببًا للصلاح، فاللبن للغذاء البدنيّ، والعلم للغذاء المعنويّ. انتهى ، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عمر -﵄- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢/ ٦١٧٠ و٦١٧١] (٢٣٩١)، و(البخاريّ) في «العلم» (٨٢) و«فضائل الصحابة» (٣٦٨١) و«التعبير» (٧٠٠٦ و٧٠٣٢)، و(الترمذيّ) في «الرؤيا» (٢٢٨٤) و«المناقب» (٣٦٨٧)، و(النسائيّ) في «الكبرى» (٤/ ٣٨٦ و٣٨٧ و٥/ ٤٠)، و(عبد الرزّاق) في «مصنّفه» (٢٠٣٨٤)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٨٣ و١٠٨ و١٣٠ و١٤٧ و١٥٤)، وفي «فضائل الصحابة» (٣٢٠ و٥١٥ و٥٧٠)، و(الدارميّ) في «سننه» (٢/ ١٢٨)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٦٨٧٨)، و(الفسويّ) في «المعرفة» (١/ ٤٥٥ - ٤٥٦)، و(ابن أبي عاصم) في «السُّنَّة» (١٢٥٦)، و(الطبرانيّ) في «مسند الشاميين» (٣/ ٤٩)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٧/ ٤٩)، و(البغويّ) في «شرح السُّنَّة» (٣٨٨٠)، و(ابن عساكر) في «تاريخ دمشق» (٤٤/ ١٢٨ و١٢٩ و١٣٠)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان فضيلة عمر -﵁-. ٢ - (ومنها): مشروعيّة تعبير الرؤيا، ورعاية المناسبة بين التعبير وما له التعبير. ٣ - (ومنها): أن رؤيا اللبن في المنام تعبيره العلم، كما فسّره به النبيّ -ﷺ- في هذا الحديث، قال في «الفتح»: والمراد بالعلم هنا العلم بسياسة الناس، بكتاب الله تعالى وسُنَّة رسول الله -ﷺ-، واختَصَّ عمر -﵁- بذلك؛ لطول مدته بالنسبة إلى أبي بكر، وباتفاق الناس على طاعته بالنسبة إلى عثمان، فإن مدة أبي بكر -﵁- كانت قصيرة، فلم يكثر فيها الفتوح التي هي أعظم الأسباب في الاختلاف، ومع ذلك فَسَاسَ عُمَر فيها مع طول مدته الناس بحيث لم يخالفه أحد، ثم ازدادت اتساعًا في خلافة عثمان، فانتشرت الأقوال، واختلفت الآراء، ولم يتفق له ما اتَّفَق لعمر، من طواعية الخلق له، فنشأت مِن ثَمّ الفتن، إلى أن أفضى الأمر إلى قَتْله -﵁-، واستُخلف عليّ -﵁-، فما ازداد الأمر إلا اختلافًا، والفتن إلا انتشارًا. انتهى . ٤ - (ومنها): أن الرؤيا من شأنها أن لا تُحْمَل على ظاهرها، وإن كانت رؤيا الأنبياء من الوحي، لكن منها ما يحتاج إلى تعبير، ومنها ما يُحْمَل على ظاهره. ٥ - (ومنها): ما قال ابن العربيّ ﵀: اللبن رزق يخلقه الله طيِّبًا بين أخباث، من دم وفرث؛ كالعلم نور يُظهره الله في ظلمة الجهل، فضُرب به المَثَل في المنام، قال بعض العارفين: الذي خَلَّصَ اللبن من بين فرث ودم قادر على أن يخلق المعرفة من بين شك وجهل، ويحفظ العمل عن غفلة وزلل، وهو كما قال، لكن اطَّردت العادة بأن العلم بالتعلم، والذي ذَكَره قد يقع خارقًا للعادة، فيكون من باب الكرامة. ٦ - (ومنها): ما قال ابن أبي جمرة ﵀: تأوَّل النبيّ -ﷺ- اللبنَ بالعلم؛ اعتبارًا بما بُيِّن له أوّلَ الأمر حين أُتي بقدح خمر، وقدح لبن، فأخذ اللبن، فقال له جبريل ﵇: أخذت الفطرة … الحديث، قال: وفي الحديث مشروعية قصّ الكبير رؤياه على من دونه، وإلقاء العالم المسائل، واختبار أصحابه في تأويلها، وأن من الأدب أن يردّ الطالب عِلم ذلك إلى معلمه، قال: والذي يظهر أنه لم يُرِدْ منهم أن يعبروها، وإنما أراد أن يسألوه عن تعبيرها، ففَهِموا مراده، فسألوه، فأفادهم، وكذلك ينبغي أن يُسْلَك هذا الأدبُ في جميع الحالات، قال: وفيه أن عِلم النبيّ -ﷺ- بالله لا يبلغ أحد درجته فيه؛ لأنه شَرِب، حتى رأى الرِّيّ يخرج من أطرافه، وأما إعطاؤه فَضْله عمر، ففيه إشارة إلى ما حصل لعمر من العلم بالله، بحيث كان لا يأخذه في الله لومة لائم، قال: وفيه أن من الرؤيا ما يدل على الماضي، والحال، والمستقبل، قال: وهذه أُوِّلت على الماضي، فإن رؤياه هذه تمثيل بأمر قد وقع؛ لأن الذي أعطيه -ﷺ- من العلم كان قد حصل له، وكذلك الذي أعطيه عمر -﵁-، فكانت فائدة هذه الرؤيا تعريف قَدْر النسبة بين ما أعطيه -ﷺ- من العلم وما أعطيه عمر -﵁- . ٧ - (ومنها): ما قال المهلّب -﵁-: رؤية اللبن في النوم تدلّ على السُّنَّة، والفطرة، والعلم، والقرآن؛ لأنه أول شيء يناله المولود من طعام الدنيا، وبه تقوم حياته، كما تقوم بالعلم حياة القلوب، فهو يناسب العلم من هذه الجهة، وقد يدلّ على الحياة؛ لأنها كانت في الصِّغَر، وقد يدلّ على الثواب؛ لأنه من نعيم الجنة؛ إذ رُوي نهر من اللبن، وقد يدلّ على المال والحلال، قال: وإنما أوَّله النبيّ -ﷺ- بالعلم في عمر -﵁-؛ لصحة فطرته، ودِينه، والعلم زيادة في الفطرة. [فإن قلت]: رؤيا الأنبياء ﵈ حقّ، فهل كان هذا الشراب، وما يتعلق به واقعًا حقيقةً، أو هو على سبيل التخيل؟. [قلت]: واقع حقيقةً، ولا محذور فيه؛ إذ هو ممكن، والله على كل شيء قدير، ذَكَره في «العمدة» ، وهو بحث نفيسٌ، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّلَ الكتاب قال: [٦١٧١] (. . .) - (وَحَدَّثَنَاهُ قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنْ عُقَيْلٍ (ح) وَحَدَّثَنَا الْحُلْوَانِيُّ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، كِلَاهُمَا عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، بِإِسْنَادِ يُونُسَ نَحْوَ حَدِيثِهِ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) القفيّ، أبو رجاء البغلانيّ، تقدّم قريبًا. والباقون ذُكروا في الباب، وقبله، و«عُقيل» هو: ابن خالد الأيليّ، و«صالح» هو: ابن كيسان، وكلاهما يرويان هذا الحديث عن ابن شهاب الزهريّ، كما رواه يونس عنه بسنده في السند الماضي. [تنبيه]: رواية عُقيل عن ابن شهاب هذه ساقها البخاريّ: ﵀ في «صحيحه»، فقال: (٨٢) - حدّثنا سعيد بن عُفير، قال: حدّثني الليث، قال: حدّثني عُقيل، عن ابن شهاب، عن حمزة بن عبد الله بن عمر، أن ابن عمر قال: سمعت رسول الله -ﷺ- قال: «بينا أنا نائم أُتيت بقدح لبن، فشربت، حتى إني لأرى الرِّيَّ يخرج في أظفاري، ثم أعطيت فضلي عمر بن الخطاب»، قالوا: فما أوَّلته يا رسول الله؟ قال: «العلم». انتهى . ورواية صالح بن كيسان ساقها أيضًا البخاريّ ﵀ في «صحيحه»، فقال: (٦٦٠٥) - حدّثنا عليّ بن عبد الله، حدّثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا أبي، عن صالح، عن ابن شهاب، حدّثني حمزة بن عبد الله بن عمر، أنه سمع عبد الله بن عمر -﵄- يقول: قال رسول الله -ﷺ-: «بينا أنا نائم أُتيت بقدح لبن، فشربت منه، حتى إني لأرى الرِّيَّ يخرج من أطرافي، فأعطيت فضلي عمر بن الخطاب»، فقال مَن حَوْلَهُ: فما أوَّلت ذلك يا رسول الله؟ قال: «العلم». انتهى . وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّلَ الكتاب قال: [٦١٧٢] (٢٣٩٢) - (حَدَّثَنَا حَرْمَلَةُ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- يَقُولُ: «بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ، رَأَيْتُنِي عَلَى قَلِيبٍ، عَلَيْهَا دَلْوٌ، فَنَزَعْتُ مِنْهَا مَا شَاءَ اللهُ، ثُمَّ أَخَذَهَا ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ، فَنَزَعَ بِهَا ذَنُوبًا، أَو ذَنُوبَيْن، وَفِي نَزْعِهِ -وَاللهُ يَغْفِرُ لَهُ- ضَعْفٌ، ثُمَّ اسْتَحَالَتْ غَرْبًا، فَأَخَذَهَا ابْنُ الْخَطَّاب، فَلَمْ أَرَ عَبْقَرِيًّا مِنَ النَّاسِ يَنْزِعُ نَزْعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، حَتَّى ضَرَبَ النَّاسُ بِعَطَنٍ»). رجال هذا الإسناد: ستة: وقد تقدّم الإسناد نفسه في الباب الماضي. شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ (أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ أَخْبَرَهُ)؛ أي: أخبر ابنَ شهاب (أنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ) -﵁- حال كونه (يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ-) حال كونه (يَقُولُ: «بَيْنَا) تقدّم البحث فيها قريبًا. (أَنَا نَائِمٌ، رَأَيْتُنِي عَلَى قَلِيبٍ، عَلَيْهَا دَلْوٌ، فَنَزَعْتُ مِنْهَا مَا شَاءَ اللهُ، ثُمَّ أَخَذَهَا ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ) هو: أبو بكر الصدّيق -﵁-. (فَنَزَعَ بِهَا ذَنُوبًا) بفتح الذال المعجمة، وهو الدلو الممتلئ ماءً، وقال ابن فارس: هو الدلو العظيم. وقال القرطبيّ: قوله:«فنزعت»؛ أي: استقيتُ، وأصل النزع: الجذب، والقليب: البئر غير المطويَّة، وهي التي عَبّر عنها في الرواية الأخرى بالحوض، والحوض: مُجْتَمَع الماء، والبكرة: الخشبة المستديرة التي تدور بالحبل. انتهى. وقوله: (أَو ذَنُوبَيْنِ) للشكّ من الراوي، وقال القرطبيّ: الذَّنُوب: الدَّلو، والغَرْب أكبر منها، وقوله:«أو ذنوبًا أو ذنوبين»هو شكّ من بعض الرُّواة، وقد جاء بغير شك:«ذنوبين» في الرواية الأخرى، وهي أحسن. انتهى. وقال النوويّ ﵀: أما القليب: فهي البئر غير المطويّة، والدلو: يُذكّر ويؤنّث، والذنوب بفتح الذال: الدلو المملوءة، والغَرْب: بفتح الغين المعجمة، وإسكان الراء، وهي الدلو العظيمة، والنزع: الاستقاء، والضعف: بضم الضاد، وفتحها، لغتان مشهورتان، والضم أفصح، ومعنى استحالت: صارت، وتحوَّلت، من الصِّغَر إلى الكِبَر، وأما العبقريّ: فهو السيّد، وقيل: الذي ليس فوقه شيء. انتهى . (وَفِي نَزْعِه)؛ أي: في استقائهِ (-وَاللهُ يَغْفِرُ لَهُ- ضَعْفٌ) بفتح الضاد المعجمة، وضمّها لغتان، قال النوويّ ﵀: وليس في قوله: «وفي نزعه ضعف» حطّ من فضيلة أبي بكر الصديق -﵁-، ولا إثبات فضيلة لعمر عليه، وإنما هو إخبار عن مدّة ولايتهما، وكثرة انتفاع الناس في ولاية عمر؛ لِطُولها، ولاتّساع الإسلام، وبلاده، والأموال، وغيرها من الغنائم، والفتوحات، ومَصَّر الأمصارَ، ودَوَّن الدواوين، بخلاف أبي بكر -﵁-، فإنه اشتغل بقتال أهل الردّة، فلم يتفرغ لفتح الأمصار، وجباية الأموال، ولقِصَر مدته، فإنها سنتان وثلاثة أشهر وعشرون يومًا. وكذلك قوله -ﷺ-: «والله يغفر له» فليس فيه تنقيص له، ولا إشارة إلى ذَنْب، وإنما هي كلمة كان المسلمون يُدَعِّمون بها كلامهم، ونِعْمَت الدِّعامة، وقد سبق في الحديث في «صحيح مسلم»: أنها كلمة كان المسلمون يقولونها: افعل كذا، والله يغفر لك، قال العلماء: وفي كل هذا إعلام بخلافة أبي بكر وعمر -﵄-، وصحة ولايتهما، وبيان صفتها، وانتفاع المسلمين بها. انتهى . (ثُمَّ اسْتَحَالَتْ)؛ أي: تحوّلت، وانقلبت تلك الذنوب من الصِّغَر إلى الكِبَر، فصارت (غَرْبًا) بفتح الغين المعجمة، وسكون الراء: الدلو العظيم، يُسقى به البعير، فهي أكبر من الذنوب، (فَأَخَذَهَا)؛ أي: تلك الذنوب التي تحوّلت إلى المغرب عمر (بْنُ الْخَطَّابِ) -﵁-، قال -ﷺ-: (فَلَمْ أَرَ عَبْقَرِيًّا مِنَ النَّاسِ) «الْعَبْقَريّ» -بفتح العين المهملة، وسكون الباء الموحدة، وفتح القاف، وكسر الراء، وتشديد الياء-: هو الحاذق في عمله، وهذا عبقريّ قومه؛ أي: سيدهم، وقيل: أصل هذا من عبقر، وهي أرض يسكنها الجنّ، فصار مَثَلًا لكل منسوب إلى شيء غريب في جودة صنعته، وكمال رفعته، وقيل: عبقر قرية تُعمل فيها الثياب الحسنة، فيُنسب إليها كل شيء جيّد، وقال الخطابيّ: العبقريّ: كل شيء يبلغ النهاية في الخير والشرّ، ذكره في «العمدة» . وقال القرطبيّ: قال الأصمعيّ: سألت أبا عمرو بن العلاء عن العبقريّ، فقال: يقال: هذا عبقريُّ قومه؛ كقولهم: سيّد قومه، وكبيرهم، وقويُّهم. وقال أبو عبيد: وأصله: أنه نسبة إلى أرض تسكنها الجنّ، فصارت مَثَلًا لكل منسوب لشيء رفيع. ويقال: بل هي أرضهن يُعمل فيها الوشي، والبرود، يُنسب إليها الوشي العبقريّ، ومنه قوله تعالى: ﴿وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ﴾ [الرحمن: ٧٦]، وقال أبو عبيد: العبقري: الرجل الذي ليس فوقه شيء. انتهى . (يَنْزِعُ) بكسر الزاي، من باب ضرب، (نَزْعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ) -﵁-، وفي حديث ابن عمر الآتي: «فَلَمْ أَرَ عَبْقَرِيًّا مِنَ النَّاس، يَفْرِي فَرْيَهُ». (حَتَّى ضَرَبَ النَّاسُ بِعَطَنٍ) -بفتح العين، والطاء المهملتين- أي: أرْووا إبلهم، ثم آووها إلى عَطَنها، وهو الموضع الذي تُساق إليه، بعد السقي؛ لتستريح، قاله النوويّ ﵀. وقال الفيّوميّ ﵀: العَطَنُ للإبل: الْمُنَاخُ والْمَبْرَك، ولا يكون إلا حَوْلَ الماء، والجمع: أَعْطَانٌ، مثلُ سَبَب وأَسَبْاَب، والمَعْطِنُ: وزانُ مجلس مِثله، وعَطَنَتِ الإبل، من بابي ضرب، وقتل عُطُونًا، فهي عَاطِنَةٌ، وعَوَاطِنُ، وعَطَنُ الغنم، ومَعْطِنُهَا أيضًا: مَرْبَضُها حولَ الماء، قاله ابن السِّكِّيت، وابن قتيبة، وقال ابن فارس: قال بعض أهل اللغة: لا تكون أَعْطَانُ الإبل إلا حول الماء، فأما مباركها في الْبَرّيّة، أو عند الحيّ، فهي المَأْوَى، وقال الأزهريّ أيضًا: عَطَنُ الإبل: موضعها الذي تتنحى إليه، إذا شربت الشَّرْبة الأولى، فتبرك فيه، ثم يُملأ الحوض لها ثانيًا، فتعود من عَطَنِهَا إلى الحوض، فَتَعُلُّ؛ أي: تشرب الشربة الثانية، وهو العلل، لا تَعْطْنُ الإبل على الماء إلا في حَمَارّةِ القيظ، فإذا بَرَد الزمانُ فلا عَطَن للإبل، والمراد بِالمَعَاطِنِ في كلام الفقهاء: المَبَارك. انتهى . وقال القرطبيّ ﵀: معنى: «حتى ضرب الناس بعطن»؛ أي: أرووا إبلهم، وأصله أنهم يَسقون الإبل، ثم يُعطنونها؛ أي: يتركونها حول الحياض؛ لتستريح، ثم يعيدون شربها، يقال منه: عَطَنت الإبلُ، فهي عاطنة، وعواطن، وأعطنتها أنا. حكاه ابن الأنباريّ. وفي «الصحاح»: عَطَنتُ الجلدَ، أَعْطِنه عَطْنًا، فهو معطون: إذا أخذت عَلْقَى -وهو نبت- أو فرثًا، وملحًا، فألقيت الجدل فيه، وغَممته؛ ليتفسّخ صوفه، ويسترخي، ثم تلقيه في الدباغ، وعَطِن الإهابُ -بالكسر- يَعْطَن عَطَنًا فهو عَطِنٌ: إذا أنْتَن، وسقط في العَطْن، وقد انعطن. والعَطَن والْمَعْطَن واحد الأعطان، والمعاطن، وهي مَبَارِك الإبل عند الماء؛ لتشرب عَلَلًا بعد نَهَلٍ، فإذا استوفت رُدّت إلى المراعي والأظماء، وعَطَنت الإبلُ -بالفتح- تَعْطُن، وتَعْطِن عُطُونًا: إذا رَوِيت، ثم بَرَكَت، فهي: إبل عَاطِنة، وعَوَطِن، وقد ضَرَبت الإبل بعَطَن: أي: بركت. قال ابن السِّكيت: وكذلك تقول: هذا عَطَنُ الغنم ومَعْطَنها: لمرابضها حول الماء . قال القرطبيّ: وقد جاء معنى هذه الرواية مفسَّرًا في الرواية الأخرى التي قال فيها: «فجاء عمر، فأخذه منِّي؛ يعني: الدلو، فلم أَرَ نَزْع رجل قط أقوى منه، حتى تَوَلَّى الناسُ، والحوض ملآنٌ يتفجر»، وفي هذه من الزيادة ما يدلّ على أن عمر -﵁- يُتَوَفَّى ويبقى النصر، والفتح بعده متصلًا، وكذلك كان. انتهى . وقال في «العمدة»: «الْعَطَن»: مبرك الإبل حول موردها؛ لتشرب عَلَلًا بعد نَهَلٍ، وتستريح منه، وقال القاضي: ظاهر لفظ «حتى ضرب الناس» أنه عائد إلى خلافة عمر -﵁-، وقيل: يعود إلى خلافتهما؛ لأن بتدبيرهما، وقيامهما بمصالح المسلمين تَمّ هذا الأمر؛ لأن أبا بكر -﵁- جَمَع شملهم، وابتدأ الفتوح، وتكامل في زمن عمر -﵁-. انتهى ، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢/ ٦١٧٢ و٦١٧٣ و٦١٧٤ و٦١٧٥] (٢٣٩٢)، و(البخاريّ) في «فضائل الصحابة» (٣٦٦٤) و«التعبير» (٧٠٢١ و٧٠٢٢) و«التوحيد» (٧٤٧٥)، و(النسائيّ) في «الكبرى» (٤/ ٣٨٥ و٥/ ٣٩)، و(الشافعيّ) في «مسنده» (١/ ٢٨٠)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (١٢/ ٢١ - ٢٢)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٣٦٨ و٤٥٠٩)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٦٨٩٨)، و(الطبرانيّ) في «مسند الشاميين» (١/ ٣٦٩ و٣/ ٢٣)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٨/ ١٥٣) و«الدلائل» (٦/ ٣٤٤ و٣٤٥)، و(البغويّ) في «شرح السُّنَّة» (٣٨٨٢ و٣٨٨٣)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان فضيلة عمر -﵁-، وإنما حصل له هذا الفضل؛ لطول أيامه، وما فتح الله له من البلاد، والأموال، والغنائم في عهده، وأنه مَصّر الأمصار، ودَوّن الدواوين. ٢ - (ومنها): ما قال النوويّ ﵀: هذا المنام مثالٌ لِمَا جرى للخليفتين، من ظهور آثارهما، وانتفاع الناس بهما، وكل ذلك مأخوذ من النبيّ -ﷺ-؛ إذ هو صاحب الأمر، فقام به أكمل قيام، وقرّر القواعد، ثم خَلَفه أبو بكر -﵁- سنتين، فقاتل أهل الردّة، وقطع دابرهم، ثم خلفه عمر -﵁-، فاتسع الإسلام في زمنه، فقد شبّه أمر المسلمين بقليب فيه الماء الذي به حياتهم، وصلاحهم، وسقيهما قيامهما بمصالحهم، وسقيه هو قيامه بمصالحهم. انتهى . ٣ - (ومنها): ما قال القرطبيّ ﵀: وهذه الرُّؤيا هي مثال لِمَا فتح الله تعالى على يدي النبيّ -ﷺ-، ويدي الخليفتين بعده، من الإسلام، والبلاد، والفيء، فالنبيّ -ﷺ- هو مبدأ الأمر، وممكَّنٌ منه، وأبو بكر -﵁- بعده، غير أن مقدار ما فتح الله على يديه من بلاد الكفر قليل؛ لأن مدَّة خلافته كانت سنتين وثلاثة أشهر اشتَغَل في معظمها بقتال أهل الرِّدَّة، ثم لمّا فرغ منها أَخَذ في قتال أهل الكفر، ففتح في تلك المدَّة بعض العراق، وبعض الشام، ثمَّ مات -﵁-، ففتح الله على يدي عمر -﵁- سائر البلاد، واتَّسعت خُطَّة الإسلام شرقًا، وغربًا، وشامًا، وعَظُمت الفتوحات، وكثرت الخيرات والبركات التي نحن فيها حتى اليوم، فعبَّر عن سنتي خلافة أبي بكر -﵁- بالذَّنوبين، وعن قلَّة الفتوحات فيها بالضعف، وليس ذلك وهنًا في عزيمته، ولا نقصًا في فضله على ما هو المعروف من همَّته، والموصوف من حالته. وقوله: «والله يغفر له» لا يظنّ جاهل بحال أبي بكر -﵁-: أن هذا الاستغفار لأبي بكر كان لذنب صدر عنه، أو لتقصير حصل منه؛ إذ ليس في المنام ما يدلّ على شيء من ذلك؛ وإنما هذا دعامٌ للكلام، وسنادٌ، وصلة، وقد تقدَّم في الحديث أنها كانت كلمة يقولها المسلمون: افعل كذا، والله يغفر لك، وهذا نحو قولهم: تربت يمينك، وألَّت! وقاتله الله! ونحو ذلك، مما تستعمله العرب في أضعاف كلامها على ما تقدَّم. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ ، وهو تحقيقٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّلَ الكتاب قال: [٦١٧٣] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَدِّي، حَدَّثَنِي عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ (ح) وَحَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَالْحُلْوَانِيُّ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، بِإِسْنَادِ يُونُسَ، نَحْوَ حَدِيثِهِ). رجال هذا الإسناد: عشرة: وكلّهم ذُكروا في الباب وقبله. [تنبيه]: رواية عُقيل عن ابن شهاب هذه ساقها البخاريّ ﵀ في «صحيحه»، فقال: (٦٦١٨) - حدّثنا سعيد بن عُفير، حدّثني الليث، قال: حدّثني عُقيل، عن ابن شهاب، أخبرني سعيد، أن أبا هريرة أخبره، أن رسول الله -ﷺ- قال: «بينا أنا نائم، رأيتني على قليب، وعليها دلو، فنزعت منها ما شاء الله، ثم أخذها ابن أبي قُحافة، فنزع منها ذنوبًا، أو ذنوبين، وفي نزعه ضَعْف، والله يغفر له، ثم استحالت غَرْبًا، فأخذها عمر بن الخطاب، فلم أر عَبْقريًّا من الناس، ينزع نَزْع عمر بن الخطاب، حتى ضَرَبَ الناس بِعَطَنٍ. انتهى . ورواية صالح بن كيسان عن ابن شهاب ساقها اللالكائيّ ﵀ في«اعتقاد أهل السُّنَّة»، فقال: (٢٤٨٠) - أنا محمد بن الحسين الفارسيّ، قال: نا أحمد بن سعيد الثقفيّ، قال: نا محمد بن يحيى الذُّهْليّ، قال: نا يعقوب بن إبراهيم بن سعد، نا أبي، عن صالح، عن ابن شهاب، قال: حدّثني سعيد، أن أبا هريرة قال: قال رسول الله -ﷺ-:«بينا أنا نائم، رأيتني نزعت على قليب، فنزعت منها ما شاء الله، ثم نزع ابن أبي قحافة ذَنوبًا أو ذنوبين، وفي نزعه ضعف، وليغفره الله، فأخذها ابن الخطاب، فاستحالت غَرْبًا، فلم أر عَبْقَريًّا نزع نَزْعه، حتى ضرب الناس بِعَطَنٍ». انتهى . [تنبيه آخر]: هذه الرواية ساقها البخاريّ ﵀ في«كتاب التوحيد»، من«صحيحه»، لكنه خالف في إسنادها، فلذا عَدَلت عنه إلى ما أوردته من رواية اللالكائيّ، ونصّه ﵀: (٧٠٣٧) - حدّثنا يَسَرَةُ بن صَفْوان بن جميل اللَّخْميّ، حدّثنا إبراهيم بن سعد، عن الزهريّ، عن سعيد بن المسيِّب، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله -ﷺ-:«بينا أنا نائم، رأيتني على قليب، فنزعت ما شاء الله، أن أنزع، ثم أخذها ابن أبي قُحافة، فنزع ذنوبًا أو ذنوبين، وفي نَزْعه ضعف، والله يغفر له، ثم أخذها عمر، فاستحالت غَرْبًا، فلم أر عبقريًّا من الناس، يَفْري فَرِيَّه، حتى ضَرَب الناسُ حوله بعَطَنٍ». انتهى . فقد خالف رواية مسلم فأسقط صالحًا من السند، ولذلك عدلت عنه، وقد نبّه الحافظ ﵀ على هذا فقال: وقوله في السند:«حدّثنا إبراهيم بن سعد، عن الزهريّ»، خالفه يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، فقال:«عن صالح بن كيسان، عن الزهريّ»، زاد بين إبراهيم والزهريّ صالِحًا، أخرجه مسلم، نَبّه على ذلك أبو مسعود، وقد تعقبه قبله الإسماعيليّ، فقال: إنما يُعرف عن إبراهيم، عن صالح، عن الزهريّ، ثم ساقه من رواية جماعة، عن إبراهيم بن سعد كذلك، وقال: يَبعُد تواطؤهم على الغلط، وقال الْبَرْقانيّ: في كل من رواه عن إبراهيم أدخل بينه وبين الزهري صالِحًا. انتهى ، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّلَ الكتاب قال: [٦١٧٤] (. . .) - (حَدَّثَنَا الْحُلْوَانِيُّ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَا: حَدَّثنَا يَعْقُوبُ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، قَالَ: قَالَ الأَعْرَجُ وَغَيْرُهُ: إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- قَالَ: «رَأَيْتُ ابْنَ أَبِي قُحَافَةَ يَنْزِعُ»، بِنَحْوِ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ). رجال هذا الإسناد: سبعة: وكلّهم ذُكروا في الباب، وقبله، و«الحلوانيّ» هو: الحسن بن عليّ الخلال. [تنبيه]: رواية الأعرج عن أبي هريرة هذه ساقها ابن عساكر ﵀ في «تاريخ دمشق»، فقال: أنبأنا أبو عليّ الحداد، وحدّثني أبو مسعود عبد الرحيم بن عليّ، أنا أبو نعيم الحافظ، نا سليمان بن أحمد، نا أحمد بن عبد الوهاب بن نَجْدة الْحَوْطيّ، نا أبو اليمان، أنا شعيب، نا أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله -ﷺ- «أرى ابن أبي قحافة ينزع ذنوبًا أو ذنوبين، وفي نزعه ضعف، والله يغفر له، ثم نزع ابن الخطاب، فلم أر عبقريًّا من الناس، يَفْرِي فَرِيّه، حتى ضَرَب الناسُ بعَطَن». انتهى . وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّلَ الكتاب قال: [٦١٧٥] (. . .) - (حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ وَهْبٍ، حَدَّثَنَا عَمِّي عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، أَنَّ أَبَا يُونُسَ مَوْلَى أَبِي هُرَيْرَةَ، حَدَّثَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- قَالَ: «بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ أُرِيتُ أَنِّي أَنْزِعُ عَلَى حَوْضِي، أَسْقِي النَّاسَ، فَجَاءَنِي أَبُو بَكْرٍ، فَأَخَذَ الدَّلْوَ مِنْ يَدِي لِيُرَوِّحَنِي، فَنَزَعَ دَلْوَيْن، وَفِي نَزْعِهِ ضُعْفٌ -وَاللهُ يَغْفِرُ لَهُ- فَجَاءَ ابْنُ الْخَطَّاب، فَأَخَذَ مِنْهُ، فَلَمْ أَرَ نَزْعَ رَجُلٍ قَطُّ أَقْوَى مِنْهُ، حَتَّى تَوَلَّى النَّاسُ، وَالْحَوْضُ مَلآنُ يَتَفَجَّرُ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ وَهْبِ) بن مسلم المصريّ، لقبه بَحْشَل -بفتح الموحّدة، وسكون المهملة، بعدها شين معجمة- يكنى أبا عبيد الله، صدوق تغيّر بأخرة [١١] (ت ٢٦٤) (م) تقدم في «المساجد ومواضع الصلاة» ١٩/ ١٢٧٧. ٢ - (عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ) بن يعقوب الأنصاريّ مولاهم المصريّ، أبو أيوب، ثقةٌ فقية حافظٌ [٧] مات قديمًا قبل الخمسين ومائة (ع) تقدم في «الإيمان» ١٦/ ١٦٩. ٣ - (أَبُو يُونُسَ مَوْلَى أَبِي هُرَيْرَةَ) سُلَيم بن جُبير الدَّوْسيّ، المصريّ، ثقةٌ [٣] (ت ١٢٣) (بخ م د ت) تقدم في «الإيمان» ٣٤/ ٢٤٠. والباقيان ذُكرا في الباب. وقوله: (أُرِيتُ … إلخ) بالبناء للمفعول؛ أي: أراني الله تعالى نفسي في المنام. وقوله: (أَنِّي أَنْزِعُ) بكسر الزاي، من باب ضرب. وقوله: (أَنْزِعُ عَلَى حَوْضِي)، وفي رواية البخاريّ: «رأيت أني على حوضٍ، أسقي الناس»، قال في «الفتح»: كذا للأكثر، وفي رواية المستملي، والكشميهنيّ: «على حوضي»، والأول أَولى، وكأنه كان يملأ من البئر، فيسكُب في الحوض، والناس يتناولون الماء لبهائمهم وأنفسهم، وإن كانت رواية المستملي محفوظةً احْتَمَل أن يريد حوضًا له في الدنيا، لا حوضه الذي في القيامة. انتهى . وفي الرواية الماضية: «رأيتني على قليب، عليها دلو، فنزعت منها ما شاء الله»، والجمع بينهما أن القليب هو البئر المقلوب ترابها قبل الطيّ، والحوض هو الذي يُجعل بجانب البئر لِشُرب الإبل، فلا منافاة، قاله في «الفتح» . وقوله: (أَسْقِي النَّاسَ) بفتح الهمزة، من سقى ثلاثيًّا، وضمّها، من أسقى رباعيًّا. وقوله: (لِيُرَوِّحَنِي) بضم أوله، وتشديد الواو، من الترويح، وفي رواية همّام»:«ليُريحني»، من الإراحة؛ أي: ليزيل التعب عني من نَصَب الدنيا، ومعاناة الأمة، ومقاساة تدبيرهم . قال العلماء: فيه إشارة إلى نيابة أبي بكر -﵁- عنه -ﷺ-، وخلافته بعده، وراحته -ﷺ- بوفاته من نَصَب الدنيا، ومشاقّها، كما قال -ﷺ-:«مُستريحٌ، ومستراحٌ منه … »الحديث، و«الدنيا سجن المؤمن»، و«لا كَرْب على أبيك بعد اليوم». وقوله: (فَنَزَعَ دَلْوَيْنِ) إشارة إلى مدّة خلافته -﵁-، وهي نحو سنتين. وقوله: (حَتَّى تَوَلَّى النَّاسُ)؛ أي: تركوا السقي منه؛ لارتواء دوابّهم. وقوله: (وَالْحَوْضُ مَلآنُ)؛ أي: ممتلئ بالماء، يقال: هو مَلآنُ، وهي ملآى، وملآنةُ، والجمع مِلاءٌ بالكسر، أفاده في«القاموس». والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفًى، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّلَ الكتاب قال: [٦١٧٦] (٢٣٩٣) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ -وَاللَّفْظُ لأَبِي بَكْرٍ- قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ سَالِم، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ الله، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- قَالَ: «أُرِيت كَأَنِّي أَنْزِعُ بِدَلْوِ بَكْرةٍ عَلَى قَلِيبٍ، فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ، فَنَزَعَ ذَنُوبًا، أَو ذَنُوبَيْن، فَنَزَعَ نَزْعًا ضَعِيفًا -وَاللهُ ﵎ يَغْفِرُ لَهُ- ثُمَّ جَاءَ عُمَرُ، فَاسْتَقَى، فَاسْتَحَالَتْ غَرْبًا، فَلَمْ أَرَ عَبْقَرِيًّا مِنَ النَّاسِ، يَفْرِي فَرْيَهُ، حَتَّى رَوِيَ النَّاسُ، وَضَرَبُوا الْعَطَنَ »). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ) العبدي، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ [٩] (ت ٢٠٣) (ع) تقدم في «الإيمان» ١/ ١٠٧. ٢ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ) بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب الْعُمَريّ، أبو عثمان المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ، قدَّمه أحمد بن صالح على مالك في نافع، وقدّمه ابن معين في القاسم عن عائشة على الزهريّ، عن عروة، عنها [٥] مات سنة بضع و(١٤٠) (ع) تقدم في «الإيمان» ٢٨/ ٢٢٢. ٣ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ سَالِمِ) بن عبد الله بن عمر بن الخطاب المدنيّ، ثقةٌ [٥]. رَوَى عن أبيه، عن النبيّ -ﷺ- حديث الباب فقط، وروى عنه عبيد الله بن عمر العمريّ، قال أبو حاتم: لا أعرف اسمه، وذكره ابن سعد في الطبقة الرابعة من المدنيين، وقال العجليّ: مدنيّ ثقةٌ. أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وليس له عندهما إلا هذا الحديث فقط. ٤ - (سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عمر بن الخطاب القرشيّ العَدَويّ، أبو عُمر، أو أبو عبد الله المدنيّ، أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال، وكان ثبتًا عابدًا فاضلًا، كان يُشَبَّه بأبيه في الهدي، والسَّمْت، من كبار [٣] مات في آخر سنة (١٠٦) على الصحيح (ع) تقدم في «الإيمان» ١٤/ ١٦٢. والباقون ذُكروا في الباب وقبله. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀، وهو مسلسلٌ بالتحديث إلا في موضعين، وبالمدنيين من عبيد الله، والباقون كوفيّون، وفيه رواية الراوي عن أبيه، عن أبيه، وفيه أبو بكر لا يُعرف اسمه، وهو ممن انفرد الشيخان به، وليس له عندهما إلا هذا الحديث، وفيه سالم أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال، وفيه ابن عمر -﵄- أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، روى (٢٦٣٠) حديثًا. شرح الحديث: عن (عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) الْعُمريّ المدنيّ، أنه قال: (حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ سَالِمِ) بن عبد الله بن عمر بن الخطّاب، قال في «الفتح»: وهو من أقران الراوي عنه، وهما مدنيان، من صغار التابعين، وأما أبوه سالم فمعدود من كبارهم، وهو أحد الفقهاء السبعة، وليس لأبي بكر بن سالم في البخاريّ غير هذا الموضع، ووثّقه العجليّ، ولا يُعرف له راوٍ إلا عبيد الله بن عمر المذكور، وإنما أخرج له البخاريّ في المتابعات. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: كذلك ليس له عند مسلم إلا هذا الحديث، وأخرجه بمتابعة موسى بن عقبة، كما في الرواية التالية، والله تعالى أعلم. (عَنْ) أبيه (سَالِم بْنِ عَبْدِ الله، عَنْ) أبيه (عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) بن الخطّاب -﵄- (أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- قَالَ: «أُرِيتُ) بالبناء للمفعول، كما تقدّم قبله. (كَأَنِّي أَنْزِعُ بِدَلْوِ بَكْرَةٍ) بفتح الموحدة، والكاف على المشهور، وحَكَى بعضهم تثليث أوله، ويجوز إسكانها على أن المراد نسبة الدلو إلى الأنثى من الإبل، وهي الشابة؛ أي: الدلو التي يُسقَى بها، وأما بالتحريك فالمراد: الخشبة المستديرة التي يُعَلّق فيها الدلو، قاله في«العمدة». (عَلَى قَلِيبٍ) بفتح القاف، وكسر اللام: هو البئر، وهو مذكّر، قال الأزهريّ: القليب عند العرب: البئر العاديّة القديمة، مطويّةً كانت، أو غير مطويّة، والجمع: قُلُبٌ، مثلُ بَرِيد وبُرُدٍ، قاله الفيّوميّ . (فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ) الصدّيق -﵁- (فَنَزَعَ ذَنُوبًا، أَو ذَنُوبَيْنِ) قال في«الفتح»: كذا هنا، ومِثْله لأكثر الرواة، ووقع في رواية همام:«ذنوبين»، ولم يشكّ، ومثله في رواية أبي يونس، والذَّنوب بفتح المعجمة: الدلو الممتلئ. انتهى . وقال الفيّوميّ ﵀: الذَّنُوب: وزانُ رَسُول: الدلو العظيمة، قالوا: ولا تُسمّى ذَنُوبًا حتى تكون مملوءةً ماءً، وتُذكّر، وتؤنّث، فيقال: هو الذَّنُوب، وهي الذَّنُوب، وقال الزجّاج: مذكّرٌ لا غير، وجمعه ذِنَابٌ، مثلُ كتاب. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله الزجّاج يردّه هذا الحديث، حيث إنها في قوله:«فاستحالت»بالتاء، فتنبّه، والله تعالى أعلم. (فَنَزَعَ) أبو بكر -﵁- (نَزْعًا ضَعِيفًا) قد ذكر الشافعيّ ﵀ تفسير هذا الحديث في«الأُمّ»، فقال بعد أن ساقه: ومعنى قوله:«وفي نزعه ضعف»: قِصَرُ مدته، وعجلة موته، وشُغْله بالحرب لأهل الردة عن الافتتاح، والازدياد الذي بلغة عمر -﵁- في طول مدته. انتهى، وقد تقدّم ما قاله غير الشافعيّ من الأئمة، قريبًا، فلا تغفل، والله تعالى أعلم. (وَاللهُ ﵎ يَغْفِرُ لَهُ) قال النوويّ: هذا دعاء من المتكلم؛ أي: أنه لا مفهوم له، وقال غيره: فيه إشارة إلى قرب وفاة أبي بكر -﵁-، وهو نظير قوله تعالى لنبيّه -ﷺ-: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (٣)﴾ [النصر: ٣]، فإنها إشارة إلى قُرب وفاة النبيّ -ﷺ-، قال الحافظ: ويَحْتَمِل أن يكون فيه إشارة إلى أن قلة الفتوح في زمانه لا صُنْع له فيه؛ لأن سببه قِصَرُ مدته، فمعنى المغفرة له: رفع الملامة عنه. انتهى. وقد تقدّم البحث قريبًا، فلا تنس. (ثُمَّ جَاءَ عُمَرُ) بن الخطاب -﵁- (فَاسْتَقَى، فَاسْتَحَالَتْ) الذَّنُوب، هذا يردّ ما تقدّم عن الزجّاج، كما أسلفته. (غَرْبًا) بفتح المعجمة، وسكون الراء، بعدها موحدة، وزان فَلْس: الدلوَ العظيمةَ، يُستقى بها على السانية . وقال في «الفتح»: قوله: «فاستحالت في يده غربًا»؛ أي: تحولت الدلو غربًا، وهي بفتح الغين المعجمة، وسكون الراء، بعدها موحَّدة، بلفظِ مقابل الشرق، قال أهل اللغة: الغرب: الدلو العظيمة المتَّخَذة من جلود البقر، فإذا فتحت الراء فهو الماء الذي يسيل بين البئر والحوض، ونقل ابن التين عن أبي عبد الملك البُونيّ أن الغرب كل شيء رفيع، وعن الداوديّ قال: المراد أن الدلو أحالت باطن كفيه حتى صار أحمر من كثرة الاستسقاء، قال ابن التين: وقد أنكر ذلك أهل العلم، ورَدُّوه على قائله. انتهى . (فَلَمْ أَرَ عَبْقَرِيًّا مِنَ النَّاسِ) قال في «المشارق»: العبقريّ: النافذ الماضي الذي لا شيء يفوقه، قال أبو عمر: وعبقريُّ القوم: سيدهم، وقَيِّمهم، وكبيرهم، وقال الفرّاء: -العبقريّ: السيد، والفاخر من الحيوان، والجوهر، والبساط المنقوش، وقيل: هو منسوب إلى عبقر موضع بالبادية، وقيل: قرية يُعمل فيها الثياب البالغة في الحُسن، والبُسُط، وقيل: نسبة إلى أرض تسكنها الجنُّ تَضرب بها العرب المثل في كل شيء عظيم، قاله أبو عبيدة، قال ابن الأثير: فصاروا كلما رأوا شيئًا غريبًا مما يصعب عمله، ويدُقّ، أو شيئًا عظيمًا في نفسه نَسَبوه إليها، فقالوا: عبقريّ، ثم اتُّسِع فيه حتى سُمّي به السيد الكبير. انتهى. (يَفْرِي فَرْيَهُ) قال في «العمدة»: قوله: «يَفرِي» بكسر الراء، و«فَرْيه» بفتح الفاء، وسكون الراء، وتخفيف الياء، ويُرْوَى «فَرِيَّه» بفتح الفاء، وكسر الراء، وتشديد الياء؛ أي: يَعْمل عملًا مُصلحًا، ويقطع قَطْعهُ مُجيدًا، يقال: فلان يَفري فريه: إذا كان يأتي بالعَجَب في عمله، وقال الخليل: يقال في الشجاع: ما يَفري أحد فريه مخففة الياء، ومَن شدَّد أخطأ، يقال: معناه: ما كل أحد يفري على عمله. انتهى . وقال القرطبيّ ﵀: قوله: «يفري فريه»: الرواية المشهورة بكسر الراء وتشديد الياء، ويُروَى بتسكين الراء، وتخفيف الياء، وأنكر الخليل التثقيل، وغلَّط قائله، ومعناه: يعمل عمله، ويقوى قوّته، وأصل الفري: القطع، يقال: فلان يفري الفري؛ أي: يعمل العمل البالغ، ومنه قوله تعالى: ﴿لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾ [مريم: ٢٧]؛ أي: عظيمًا بالغًا في فنِّه، يقال: فَرَيتُ الأديمَ: إذا قطعته على جهة الإصلاح، وأفريته: إذا قطعته على جهة الإفساد. انتهى . وقال النوويّ ﵀: أما «يفري» فبفتحِ الياء، وإسكان الفاء، وكسر الراء، وأما «فريه»، فرُويَ بوجهين: أحدهما: «فرْيه» بإسكان الراء، وتخفيف الياء، والثانية: كسر الراء، وتشديد الياء، وهما لغتان صحيحتان، وأنكر الخليل التشديد، وقال: هو غلط، واتفقوا على أن معناه: لم أر سيِّدًا يَعمل عمله، ويقطع قَطْعه، وأصل الفري بالإسكان: القطع، يقال: فريتُ الشيءَ أَفْرِيه فَرْيًا: قطعته للإصلاح، فهو مَفْريّ، وفَرِيٌّ، وأفريته: إذا شققته على جهة الإفساد، وتقول العرب: تركته يَفري الفَرْيَ إذا عَمِل العمل، فأجاده، ومنه حديث حسان -﵁-: «لأفرينّهم فَرْيَ الأَدِيم»؛ أي: أقطعهم بالهجاء، كما يُقْطَع الأديم. انتهى . (حَتَّى رَوِيَ النَّاسُ) بكسر الواو، وفتح الياء: فعل ماض، ومضارعه يَرْوَى -بفتح الواو- من الرِّيّ: وهو الامتلاء من الشراب، ومعناه: أنهم رَوُوا في أنفسهم، وقوله: (وَضَرَبُوا الْعَطَنَ»)، وفي بعض النسخ:«وضربوا بعطن»؛ أي: رَوَوْا إبلهم، وأصله أنهم يسقون الإبل، ثم يُعطنونها؛ أي: يتركونها حول الحياض؛ لتستريح، ثم يعيدون شربها. وقال في«الفتح»: قوله:«حتى ضرب الناس بعطن»بفتح المهملتين، وآخره نون: هو ما يُعَدّ للشرب حول البئر، من مَبَارك الإبل، والمراد بقوله:«ضَرَبَ»؛ أي: ضَرَبت الإبلُ بعطن بركت، والعطن للإبل؛ كالوطن للناس، لكن غَلَب على مبركها حول الحوض، ووقع في رواية أبي بكر بن سالم، عن أبيه، عند أبي بكر بن أبي شيبة:«حتى رَوِيَ الناسُ، وضربوا بعطن»، ووقع في رواية همام:«فلم يزل ينزِع حتى تولى الناسُ، والحوض يتفجر»، وفي رواية أبي يونس:«ملآن ينفجر». قال القاضي عياض: ظاهر هذا الحديث أن المراد خلافة عمر، وقيل: هو لخلافتهما معًا؛ لأن أبا بكر جَمَع شَمْل المسلمين أوّلًا بدفع أهل الردّة، وابتدأت الفتوح في زمانه، ثم عَهِدَ إلى عمر، فكثرت في خلافته الفتوح، واتسع أمر الإسلام، واستقرت قواعده. وقال غيره: معنى عِظَم الدلو في يد عمر: كون الفتوح كثرت في زمانه، ومعنى«استحالت»: انقلبت من الصِّغَر إلى الكِبَر. وقال النوويّ: قالوا: هذا المنام مثال لِمَا جرى للخليفتين من ظهور آثارهما الصالحة، وانتفاع الناس بهما، وكل ذلك مأخوذ من النبيّ -ﷺ-؛ لأنه صاحب الأمر، فقام به أكمل قيام، وقَرَّر قواعد الدين، ثم خَلَفه أبو بكر، فقاتل أهل الردّة، وقطع دابرهم، ثم خلفه عمر، فاتسع الإسلام في زمنه، فشَبَّهَ أمرَ المسلمين بقليب فيه الماء الذي فيه حياتهم، وصلاحهم، وشَبَّهَ بالمستقى لهم منها، وسقيُهُ هو قيامه بمصالحهم. وفي قوله: «ليريحني» إشارة إلى خلافة أبي بكر بعد موت النبيّ -ﷺ-؛ لأن في الموت راحةً من كَدَر الدنيا، وتعبها، فقام أبو بكر بتدبير أمر الأمة، ومعاناة أحوالهم. وأما قوله: «وفي نزعه ضعف» فليس فيه حطّ من فضيلته، وإنما هو إخبار عن حاله في قِصَر مدة ولايته، وأما ولاية عمر، فإنها لمّا طالت كَثُر انتفاع الناس بها، واتسعت دائرة الإسلام بكثرة الفتوح، وتمصير الأمصار، وتدوين الدواوين. وأما قوله: «والله يغفر له» فليس فيه نقص له، ولا إشارة إلى أنه وقع منه ذَنْب، وإنما هي كلمة كانوا يقولونها، يدعمون بها الكلام. انتهى ، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عمر -﵄- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢/ ٦١٧٦ و٦١٧٧] (٢٣٩٣)، و(البخاريّ) في «الأنبياء» (٣٦٣٣) و«فضائل الصحابة» (٣٦٧٦ و٣٦٨٢) و«التعبير» (٧٠١٩ و٧٠٢٠)، و(الترمذيّ) في «الرؤيا» (٢٢٨٩)، و(النسائيّ) في «الكبرى» (٤/ ٣٨٦)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (١٢/ ٢١)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٢٧ و٢٨ و٣٩ و٨٩ و١٠٤ و١٠٧)، و(الطبرانيّ) في «الكبير» (١٢/ ٢٩٩ و٣٠١)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (٩/ ٣٨٧ و٣٩٤)، و(اللالكائيّ) في «اعتقاد أهل السُّنَّة» (٧/ ١٣٠٨)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٨/ ١٥٤)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): أن فيه الإعلامّ بخلافة الشيخين، وصحة ولايتهما، وكثرة الانتفاع بهما، فكان كما قال -ﷺ-، وقال ابن العربيّ ﵀: ليس المراد بالدلو التقدير الدالّ على قِصَر الحظّ، بل المراد التمكن من البئر. ٢ - (ومنها): أن فيه إشارةً إلى من رأى أنه يَستخرج من بئر ماء أنه يلي ولاية جليلةً، وتكون مدته بحسب ما استخرج قلةً وكثرةً، قال في «الفتح»: وقد تُعْبَر البئر بالمرأة، وما يخرج منها بالأولاد، وهذا الذي اعتمده أهل التعبير، ولم يعوِّجوا على الذي قبله، فهو الذي ينبغي أن يُعَوَّل عليه، لكنه بحَسَب حال الذي ينزع الماء، والله أعلم. انتهى . ٣ - (ومنها): ما قاله في «الفتح»: إن قولَه: «بدلو بكرة» فيه إشارة إلى صِغَر الدلو قبل أن يصير غَرْبًا، وأخرج أبو ذرّ الهرويّ في «كتاب الرؤيا» من حديث ابن مسعود -﵁- نحو حديث الباب، لكن قال في آخره: «فَعَبِّرها يا أبا بكر، قال: أَلِي الأمرَ بعدك، ويليه بعدي عمر، قال: كذلك عَبَرها المَلَك»، وفي سنده أيوب بن جابر، وهو ضعيف، وهذه الزيادة منكَرة. وقد ورد هذا الحديث من وجه آخر بزيادة فيه، فأخرج أحمد، وأبو داود، واختاره الضياء، من طريق أشعث بن عبد الرحمن الجرّميّ، عن أبيه، عن سمرة بن جندب: «أن رجلًا قال: يا رسول الله، رأيت كأن دلوًا دُلِّي من السماء، فجاء أبو بكر، فأخذ بعراقَيها، فشرب شربًا ضعيفًا، ثم جاء عمر، فأخذ بعِراقَيها، فشرب حتى تضلَّع، ثم جاء عثمان، فأخذ بعراقَيها، فشرب حتى تضلَّع، ثم جاء عليّ، فأخذ بعراقيها، فانتُشِطَت، وانتضح عليه منها شيء». وهذا يبيَّن أن المراد بالنزع الضعيف، والنزع القوي: الفتوح والغنائم. وقوله: «دُلِّيَ» بضم المهملة، وتشديد اللام؛ أي: أُرسل إلى أسفل. وقوله: «بعِراقيها» بكسر المهملة، وفتح القاف، والعراقان: خشبتان تُجعلان على فم الدلو، متخالفتان لربط الدلو. وقوله: «تضلع» بالضاد المعجمة؛ أي: ملأ أضلاعه، كناية عن الشبع. وقوله: «انتُشِطَت»، بضم المثناة، وكسر المعجمة، بعدها طاء مهملة؛ أي: نُزِعت منه، فاضطربت، وسقط بعض ما فيها، أو كله. قال ابن العربيّ: حديث سمرة يعارض حديث ابن عمر، أو هما خبران. قال الحافظ: الثاني هو المعتمَد، فحديث ابن عمر مصرِّح بأن النبيّ -ﷺ- هو الرائي، وحديث سمرة فيه أن رجلًا أخبر النبيّ -ﷺ- أنه رأى. وقد أخرج أحمد من حديث أبي الطفيل شاهدًا لحديث ابن عمر، وزاد فيه: «فوَرَدت عليّ غنم سُودٌ، وغنم عُفْرٌ -وقال فيه-: فأوَّلت السُّود العرب، والعُفْر العجم». وفي قصة عمر: «فملأ الحوض، وأروى الواردة». ومن المغايرة بينهما أيضًا أن في حديث ابن عمر: «نزع الماء من البئر»، وحديث سمرة فيه نزول الماء من السماء، فهما قصّتان تشد إحداهما الأخرى، وكأن قصة حديث سمرة سابقة، فنزل الماء من السماء، وهي خزانته، فأُسكِن في الأرض كما يقتضيه حديث سمرة، ثم أخرج منها بالدلو، كما دلّ عليه حديث ابن عمر. وفي حديث سمرة إشارة إلى نزول النصر من السماء على الخلفاء، وفي حديث ابن عمر إشارة إلى استيلائهم على كنوز الأرض بأيديهم، وكلاهما ظاهر من الفتوح التي فتحوها. وفي حديث سمرة زيادةُ إشارةٍ إلى ما وقع لعليّ من الفتن، والاختلاف عليه، فإن الناس أجمعوا على خلافته، ثم لم يلبث أهل الجَمَل أن خرجوا عليه، وامتنع معاوية في أهل الشام، ثم حاربه بصفِّين، ثم غَلَب بعد قليل على مصر، وخرجت الحرورية على عليّ، فلم يحصل له في أيام خلافته راحة، فضُرِب المنام المذكور مثلًا لأحوالهم رضوان الله عليهم أجمعين. انتهى ، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّلَ الكتاب قال: [٦١٧٧] (. . .) - (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ الله، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ رُؤْيَا رَسُولِ اللهِ -ﷺفِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ -﵄- بِنَحْوِ حَدِيثِهِمْ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ يُونُسَ) بن عبد الله بن قيس التميميّ الْيَرْبُوعيّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ، من كبار [١٠] (ت ٢٢٧) وهو ابن أربع وتسعين سنةً (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥٣. ٢ - (زُهَيْرُ) بن معاوية بن حُدَيج، أبو خيثمة الجعفيّ الكوفيّ، نزيل الجزيرة، ثقةٌ، ثبتٌ، إلا أن سماعه عن أبي إسحاق بأخرة [٧] (ت ٢ أو ٣ أو ١٧٤) وكان مولده سنة مائة (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٦٢. ٣ - (مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ) بن أبي عَيّاش الأسديّ، مولى آل الزبير المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ، إمام في المغازي، لم يَصِحّ أن ابن معين لَيَّنه [٥] (ت ١٤١) وقيل: بعد ذلك (ع) تقدم في «الإيمان» ٨١/ ٤٣٣. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (عَنْ رُؤْيَا رَسُولِ اللهِ -ﷺ-) متعلّق بـ «حدّثنا أحمد بن عبد الله بن يونس». وقال في «الفتح»: قوله: «عن رؤيا النبيّ -ﷺ-» كأنه تقدّم للتابعيّ سؤال عن ذلك، فأخبره به الصحابيّ . وقوله: (فِي أَبَي بَكْرٍ وَعُمَرَ بْنِ الْخَطَّاب -﵄-) متعلّق بحال مقدّر عن «رؤيا رسول الله -ﷺ-»؛ أي: حال كونها كائنة فيما يتعلّق بمدّة خلافتهما. وقوله: (بِنَحْوِ حَدِيثِهِمْ)؛ يعني: أن حديث أحمد بن عبد الله بن يونس بنحو حديث ابن أبي شيبة، وابن نُمير، وفيه إطلاق ضمير الجماعة على الاثنين؛ إذ المراد شيخاه في السند الماضي، وهما: ابن أبي شيبة، ومحمد بن عبد الله بن نمير، وقد تقدّم أن الأصحّ أن أقلّ الجمع اثنان، كما قال تعالى: ﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾، بعد قوله: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ﴾ الآية [الأنبياء: ١٧٨] وهذا الوجه أَولى مما سلكه بعض الشرّاح من تغليط الرواية، زاعمًا أن المرجع هو أبو بكر بن سالم. ومما يؤكّد كون مرجع الضمير شيخيه ما يأتي في حديث جابر التالي لهذا الحديث، من قوله: «بمثل حديث ابن نُمير، وزُهير»، فقد نصّ هناك على شيخيه، وهذا مثله دون أيّ فرق، فتنبّه، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: رواية موسى بن عُقبة عن سالم هذه ساقها البخاريّ ﵀ في «صحيحه» بسند المصنّف، فقال: (٦٦١٧) - حدّثنا أحمد بن يونس، حدّثنا زهير، حدثنا موسى، عن سالم، عن أبيه، عن رؤيا النبيّ -ﷺ- في أبي بكر وعمر، قال: «رأيت الناس اجتمعوا، فقام أبو بكر، فنزع ذَنوبًا، أو ذَنوبين، وفي نَزْعه ضُعْفٌ، والله يغفر له، ثم قام ابن الخطاب، فاستحالت غربًا، فما رأيت في الناس مَن يَفْرِي فَرِيَّه، حتى ضَرَبَ الناسُ بعطن». انتهى . قال في «الفتح»: وقوله: «قال: رأيت» القائلُ هو النبيّ -صلى الله ع ليه وسلم-، وحاكي ذلك عنه هو ابن عمر -﵄-. وقوله: «رأيت الناس اجتمعوا، فقام أبو بكر» فيه اختصار، يوضحه ما قبله، وأن النبيّ -ﷺ- بدأ أوّلًا، فنزع من البئر، ثم جاء أبو بكر. انتهى ، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّلَ الكتاب قال: [٦١٧٨] (٢٣٩٤) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، وَابْنِ الْمُنْكَدِر، سَمِعَا جَابِرًا، يُخْبِرُ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- (ح) وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ -وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ ابْنِ الْمُنْكَدِر، وَعَمْرٍو، عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: «دَخَلْتُ الْجَنَّةَ، فَرَأَيْتُ فِيهَا دَارًا، أَو قَصْرًا، فَقُلْتُ: لِمَنْ هَذَا؟ فَقَالُوا: لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَدْخُلَ، فَذَكَرْتُ غَيْرَتَكَ»، فَبَكَى عُمَرُ، وَقَالَ: أَيْ رَسُولَ الله، أَوَ عَلَيْكَ يُغَارُ؟). رجال هذين الإسنادين: ستة: ١ - (سُفْيَانُ) بن عيينة، تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (عَمْرُو) بن دينار الأثرم الجُمحيّ المكيّ، تقدّم قبل باب. ٣ - (ابْنُ الْمُنْكَدِرِ) هو: محمد بن المنكدر بن عبد الله بن الْهُدير -بالتصغير- التيميّ المدنيّ، ثقةٌ فاضلٌ [٣] (ت ١٣٠) أو بعدها (ع) تقدم في «الطهارة» ١١/ ٥٨٤. ٤ - (جَابِرُ) بن عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاريّ، ثم السَّلَميّ -بفتحتين- الصحابيّ ابن الصحابيّ، غزا تسع عشرة غزوةً، ومات بالمدينة بعد السبعين، وهو ابن أربع وتسعين سنةً (ع) تقدم في «الإيمان» ٤/ ١١٧. والباقيان ذُكرا في الباب. [تنبيه]: وقع في بعض النسخ ما نصّه: «حدّثنا محمد بن عبد الله بن نُمير، حدّثنا أبي، حدّثنا سفيان … إلخ» فزاد: «حدّثنا أبي»، وهو غلطٌ، والصواب ما في النُّسخ الأخرى: «حدّثنا محمد بن عبد الله بن نُمير، حدّثنا سفيان»، وهو ابن عيينة، وقد أورده الحافظ المزّي في «تحفته» هكذا، ولم يُشر إلى النسخة الأخرى، فتنبّه، والله تعالى وليّ التوفيق. [تنبيه آخر]: من لطائف هذين الإسنادين: أنهما من رباعيّات المصنّف ﵀؛ كالأسانيد الثلاثة التالية، وهما (٤٧٣ و٤٧٤) من رباعيّات الكتاب، وفيه جابر -﵁- صحابيّ ابن صحابيّ -﵄-، ومن المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثًا. شرح الحديث: (عَنْ جَابِر) -﵁- (عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: «دَخَلْتُ الْجَنَّةَ، فَرَأَيْتُ فِيهَا دَارًا) قال الفيّوميّ ﵀: الدار: معروفة، وهي مؤنّثةٌ، والجمع: أَدْوُرٌ، مثلُ أفلُس، وتُهمز الواو، ولا تُهمز، وتُقلب، فيقال: آدرٌ، وتُجمع أيضًا على دِيار، ودُورٍ، والأصل في إطلاق الدور على الموضع، وقد تُطلق على القبائل مجازًا. انتهى . وقال المجد ﵀: الدارُ: المحلُّ، يَجمعُ البِناءَ والعَرْصَةَ، من دَارَ يَدُورُ؛ لكَثْرِة حَرَكاتِ النَّاسِ فيها، وقد تُذَكَّرُ، جَمْعه: أُدْؤُرٌ، وأدْوُرٌ، وآدُرٌ، ودِيارَةٌ، ودِيرانٌ، ودُورانٌ، ودُوراتٌ، ودِياراتٌ، وأدوارٌ، وأدوِرةٌ، قال: والدارَةِ بهاءٍ: كلُّ أرضٍ واسعةٍ بينَ جبالٍ، وما أحاطَ بالشيءِ؛ كالدائرَة، ومن الرملِ: ما اسْتَدارَ منه. انتهى باختصار ، وبزيادة يسيرة من «التاج» . وقوله: (أَو قَصْرًا) «أو» فيه للشكّ من الراوي، و«القصر» بفتح، فسكون: المنزل، أو كلّ بيت من حَجَر، سُمِّيَ بذلك؛ لأَنّه يُقْصَرُ فيه الحُرَم؛ أي: يُحْبَسْن، وجَمْعه قُصُورٌ، وفي التَّنْزِيل العَزِيز: ﴿وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾ . وفي رواية ابن حبّان: «أُدخلت الجنّة، فرأيت فيها قصرًا من ذهب، أو لؤلؤ، فقلت: لمن هذا القصر؟». (فَقُلْتُ: لِمَنْ هَذَا؟ فَقَالُوا: لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ) قال في «الفتح»: والظاهر أن المخاطِب له بذلك جبريل، أو غيره من الملائكة. (فَأَرَدْتُ أَنْ أَدْخُلَ، فَذَكَرْتُ غَيْرَتَكَ«) -بفتح الغين المعجمة، وسكون التحتانية، بعدها راء- قال عياض وغيره: هي مشتقة من تغيّر القلب، وهَيَجان الغضب بسبب المشاركة فيما به الاختصاص، وأشدّ ما يكون ذلك بين الزوجين . وفي رواية للبخاريّ:«فأردت ان أدخله، فلم يمنعني إلا علمي بغيرتك»، ووقع في رواية عن جابر في هذه القصة:«دخلت الجنة، فرأيت فيها قصرًا يُسمع فيه ضوضاء، فقلت: لمن هذا؟ فقيل: لعمر»، والضوضاء -بمعجمتين مفتوحتين، بينهما واو، وبالمدّ، وهو صوت الناس. وفي حديث أبي هريرة الآتي:«فذكرت غيرة عمر، فولّيت مدبرًا». وقال في«العمدة»: قوله:«فذكرت غيرته»بالفتح، مصدر قولك: غار الرجل على أهله من فلان، وهي الحميّة، والأَنَفَة، يقال: رجل غيورٌ، وامرأة غيورٌ، وجاء امرأة غيراء، وصيغة غيور للمبالغة. انتهى . (فَبَكَى عُمَرُ)، وفي حديث أبي هريرة:«فبكى عمر، ونحن جميعًا في ذلك المجلس مع رسول الله -ﷺ-». قال ابن بطّال ﵀: وبكاء عمر -﵁- يَحْتَمِل أن يكون سرورًا، ويَحْتَمِل أن يكون تشوقًا، أو خشوعًا، ووقع في رواية أبي بكر بن عياش، عن حميد من الزيادة:«فقال عمر: وهل رفعني الله إلا بك؟، وهل هداني الله إلا بك؟ »، قال الحافظ: رَوَيناه في«فوائد عبد العزيز الحربيّ»من هذا الوجه، وهي زيادة غريبة. انتهى . (وَقَالَ: أَيْ)؛ أي: حرف نداء للقريب، وقيل: للبعيد، (رَسُولَ اللهِ) بالنصب على النداء، (أَوَ عَلَيْكَ يُغَارُ؟) بالبناء للمفعول، وفي حديث أبي هريرة:«ثم قال عمر: بأبي أنت يا رسول الله، أعليك أغار؟ »، قال في«الفتح»: قوله:«أعليك أغار؟ »معدود من القلب، والأصل: أعليها أغار منك؟ انتهى . وقال في«العمدة»: قوله ﵀؛«أعليك أغار؟ »هذا من القلب؛ لأن الأصل: أعليها أغار منك؟ وقال الكرمانيّ: والأصل أن يقال: أمنك أغار عليها؟ ثم أجاب بأن لفظ«عليك»ليس متعلقًا بقوله:«أغار»، بل معناه: أمستعليًا عليك أغار عليها؟ قال: ودعوى القياس المذكور ممنوعة؛ إذ لا مُحوِج إلى ارتكاب القلب مع وضوح المعنى بدونه، ويَحْتَمِل أن يكون أطلق«عَلَى»، وأراد«مِنْ»، كما قيل: إن حروف الجر تتناوب. انتهى ، والله تعالى أعلم مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله -﵄- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢/ ٦١٧٨ و٦١٧٩] (٢٣٩٤)، و(البخاريّ) في«النكاح»(٥٢٢٦) و«التعبير»(٧٠٢٤) و«فضائل الصحابة»(٣٦٧٩)، و(ابن أبي شيبة) في«المصنّف»(١٢/ ٢٨)، و(الحميديّ) في«مسنده»(١٢٣٥ و١٢٣٦)، و(أحمد) في«مسنده»(٣/ ٣٠٩)، و(النسائيّ) في«فضائل الصحابة»(٢٣ و٢٤ و٢٥)، و(ابن حبّان) في«صحيحه»(٦٨٨٦)، و(الطحاويّ) في«مشكل الآثار»(٢/ ٣٩٠)، و(أبو يعلى) في«مسنده»(٣/ ٤٦٧)، و(البغويّ) في«شرح السُّنَّة» (٣٨٧٨)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): أن فيه فضيلةً ظاهرةً لعمر -﵁-. ٢ - (ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ -ﷺ- من مراعاة الصحبة. ٣ - (ومنها): بيان جواز ذِكر الرجل بما عُلِم من خُلُقه كغَيرة عمر -﵁-، قال ابن بطال: فيه الحكم لكل رجل بما يُعْلَم من خُلُقه. ٤ - (ومنها): أن الجنّة مخلوقة وموجودة الآن. ٥ - (ومنها): إثبات البشرى بالرؤيا، ولا سيّما رؤيا النبي -ﷺ-؛ لأن رؤيا الأنبياء وحي، وقد أخرج الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة -﵁- قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «لم يبق من النبوة إلا المبشِّرات»، قالوا: وما المبشرات؟ قال: «الرؤيا الصالحة». وأخرجا أيضًا عن أنس بن مالك عن عبادة بن الصامت -﵄- عن النبي -ﷺ - قال: «رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة» ، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّلَ الكتاب قال: [٦١٧٩] (. . .) - (وَحَدَّثَنَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، وَابْنِ الْمُنْكَدِر، عَنْ جَابِرٍ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، سَمِعَ جَابِرًا (ح) وَحَدَّثَنَاهُ عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ الْمُنْكَدِر، سَمِعْتُ جَابِرًا، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ نُمَيْرٍ، وَزُهَيْرٍ). رجال هذه الأسانيد: سبعة: وكلّهم ذُكروا في الباب، و«إسحاق بن إبراهيم» هو: ابن راهويه، و«سفيان» هو: ابن عيينة، و«عمرو» هو: ابن دينار، و«ابن المنكدر» هو: محمد. [تنبيه]: من لطائف هذه الأسانيد: أنها كلها من رباعيّات المصنّف ﵀، كسابقيها، وهي (٤٧٥ و٤٧٦ و٤٧٧)، وفي الإسنادين الأخيرين بيان سماع عمرو وابن المنكدر من جابر -﵁-. وقوله: (بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ نُمَيْرٍ، وَزُهَيْرٍ)؛ يعني: أن حديث إسحاق، وابن أبي شيبة، وعمرو الناقد، كلّهم عن ابن عيينة، مثل حديث ابن نمير، وزهير كلاهما عنه. [تنبيه آخر]: رواية إسحاق بن إبراهيم عن سفيان بن عيينة ساقها أبو يعلى ﵀ في «مسنده»، فقال: (٢٠١٤) - حدّثنا إسحاق، حدّثنا سفيان، عن محمد بن المنكدر، سمعه من جابر، وعمرِو بنِ دينار، سمع جابر بن عبد الله يقول: قال رسول الله -ﷺ-: «دخلت الجنة، فرأيت فيها دارًا، أو قصرًا، فسمعت فيه صوتًا، أو ضوضاء، فقلت: لمن هذا؟ قيل: هو لابن الخطاب»، قال سفيان: زاد ابن المنكدر: «فأردت أن أدخله، فذكرت غَيْرتك، فبكى عمر، قال: يا نبي الله، أوَ أغار عليك؟». انتهى . ورواية أبي بكر بن أبي شيبة، عن سفيان ساقها هو في «مصنّفه»، فقال: (٣١٩٩٣) - حدّثنا ابن عيينة، عن عمرو، سمع جابرًا يقول: قال رسول الله -ﷺ-: «دخلت الجنة، فرأيت فيها دارًا، أو قصرًا، فسمعت صوتًا، فقلت: لمن هذا؟ قيل: لعمر، فأردت أن أدخلها، فذكرت غَيْرتك، فبكى عمر، وقال: يا رسول الله، أعليك أغار؟». انتهى . وأما رواية عمرو الناقد عن سفيان، فلم أجد من ساقها، فَلْيُنْظَرْ، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّلَ الكتاب قال: [٦١٨٠] (٢٣٩٥) - (حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ أَخْبَرَهُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- أَنَّهُ قَالَ: «بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ؛ إِذْ رَأَيْتُنِي فِي الْجَنَّةِ، فَإِذَا امْرَأةٌ تَوَضَّأُ إِلَى جَانِبِ قَصْرٍ، فَقُلْتُ: لِمَنْ هَذَا؟ فَقَالُوا: لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّاب، فَذَكَرْتُ غَيْرَةَ عُمَرَ، فَوَلَّيْتُ مُدْبِرًا»، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَبَكَى عُمَرُ، وَنَحْنُ جَمِيعًا فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ، مَعَ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-، ثُمَّ قَالَ عُمَرُ: بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ الله، أَعَلَيْكَ أَغَارُ؟). رجال هذا الإسناد: ستّةٌ: وقد تقدّم الإسناد نفسه في هذا الباب قبل سبعة أحاديث. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀، وأن نصفه الأول مسلسل بالمصريين، والثاني بالمدنيين، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه ابن المسيّب أحد الفقهاء السبعة، وفيه أبو هريرة -﵁- رأس المكثريثن السبعة. شرح الحديث: (عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ)، وفي رواية البخاريّ: «قال: أخبرني سعيد بن الْمُسَيِّب، أن أبا هريرة قال: بينا نحن جلوس …». (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) -﵁- (عَنْ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- أَنَّهُ قَالَ: «بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ) هي»بين الظرفيّة«، أُشبعت فتحتها فتولّدت منها الألف، قال في»اللسان«: أصل»بينا«:»بَيْنَ«، فأُشبعت الفتحة، فصارت ألفًا، ويقال:»بينا«، و»بينما«، وهما ظرفا زمان بمعنى المفاجأة، ويُضافان إلى جملة من فعل وفاعل، ومبتدإ وخبر، ويحتاجان إلى جواب يَتِمّ به المعنى، والأفصح في جوابهما أن لا يكون فيه»إذ«، و»إذا«، وقد جاءا في الجواب كثيرًا، تقول: بينا زيدٌ جالسٌ دخل عليه عمرو، وإذ دخل عليه، وإذا دخل عليه، ومنه قول الْحُرَقَة بنت النعمان [من الطويل]: فَبَيْنَا نَسُوسُ النَّاسَ وَالأَمْرُ أَمْرُنَا … إِذَا نَحْنُ فِيهِمْ سُوقَةٌ نَتَنَصَّفُ وقوله: (إِذْ رَأَيْتُنِي) بضمّ التاء، والضمير للمتكلّم، وفيه وقوع الفاعل والمفعول ضميرين متّصلين لمسمّى واحد، وهو مختصّ بأفعال القلوب، قال الله ﷿: ﴿أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (٧)﴾ [العلق: ٧]، وأُلحقت في ذلك «رأى» الحُلميّة والبصريّة بكثرة، نحو ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ [يوسف: ٣٦]، وقول الشاعر [من الكامل]: وَلَقَدْ أَرَانِي لِلرِّمَاحِ دَرِيئَةً … مِنْ عَنْ يَمِيْنِي تَارَةً وَأَمَامِي وأُلحقت أيضًا «عَدِمَ»، و«فَقَد»، و«وَجَدَ» بمعنى «لَقِيَ» بقلّة، دون باقي الأفعال، فلا يقال: ضربتني، ولا ظلمتني، اتّفاقًا؛ لئلا يكون الفاعل مفعولًا، بل يقال: ضربت نفسي، وظلمت نفسي؛ ليتغاير اللفظان، وإنما جاز ذلك في أفعال القلوب؛ لأن مفعولها في الحقيقة مضمون الجملة، لا المنصوب بها، فلا ضرر في اتّحاده مع الفاعل ، فتنبّه لهذه القاعدة، فإنها مهمّة، والله تعالى أعلم. (في الْجَنَّةِ) قال الإمام ابن حبّان ﵀ بعد إخراجه لحديث أبي هريرة -﵁- هذا ما نصّه: في هذا الخبر: «بينما أنا نائم»، وفي خبر جابر: «أُدخلت الجنة»، وأُدخل الجنة -ﷺ- ليلة أُسري به، فرأى قصر عمر بن الخطاب -﵁-، فسأل عن القصر، فأخبروه أنه لعمر، وبينما النبيّ -ﷺ- نائم مرّةً أخرى؛ إذ رأى كأنه أُدخل الجنّة، وإذا امرأة إلى جانب قصر تتوضّأ، فسأل عن القصر، فقالت: لعمر بن الخطّاب، لفظ خبر أبي هريرة بخلاف لفظ خبر جابر، فدلّك ذلك على أنهما خبران في وقتين متباينين، من غير أن يكون هناك تضادّ، ولا تَهَاتُر. انتهى كلام ابن حبّان ﵀ ، وهو جَمْع حسنٌ، والله تعالى أعلم. (فَإِذَا امْرَأَةٌ) «إذا» هي الفجائيّة، وهي تختصّ بالجملة الاسميّة، كهذا الحديث، ولا تحتاج إلى جواب، ولا تقع في الابتداء، ومعناها الحال، لا الاستقبال، والتقدير هنا: ففجاءني وجود امرأة. وفي رواية للبخاريّ: «رأيتُني دخلت الجنة، فإذا أنا بالرُّمَيصاء امرأة أبي طلحة»، قال في «الفتح»: هي أم سليم، والرُّميصاء بالتصغير صفة لها؛ لِرَمَصٍ كان بعينها، واسمها سهلة، وقيل: رُميلة، وقيل غير ذلك، وقيل: هو اسمها، ويقال فيه: بِالْغين المعجمة بدل الراء، وقيل: هو اسم أختها أم حرام، وقال أبو داود: هو اسم أخت أم سليم من الرضاعة، وجوَّز ابن التين أن يكون المراد: امرأة أخرى لأبي طلحة. انتهى . (تَوَضَّأُ) بفتح أوله، وأصله تتوضّأ، حُذفت منه إحدى التاءين تخفيفًا؛ كقوله تعالى: ﴿نَارًا تَلَظَّى﴾ [الليل: ١٤]، قال في «الخلاصة»: وَمَا بِتَاءَيْنِ ابْتُدِي قَدْ يُقْتَصَرْ … فِيهِ عَلَى تَا كَـ «تَبَيَّنُ الْعِبَرْ» وقوله: «تَوَضأُ»: جملة في محلّ جرّ صفة لـ «امرأة»؛ أي: وضوءًا حقيقيًّا، وهذا هو الظاهر، وقال في «الفتح»: يَحْتَمِل أن يكون على ظاهره، ولا يُنْكَر كونها تتوضأ حقيقةً؛ لأن الرؤيا وقعت في زمن التكليف، والجنة وإن كان لا تكليف فيها، فذاك في زمن الاستقرار، بل ظاهر قوله: «توضأ إلى جانب قصر» أنها تتوضأ خارجة منه، أو هو على غير الحقيقة، ورؤيا المنام لا تُحمل دائمًا على الحقيقة، بل تَحتمل التأويل، فيكون معنى كونها تتوضأ أنها تحافظ في الدنيا على العبادة، أو المراد بقوله: «توضأ»؛ أي: تستعمل الماء لأجل الوضاءة على مدلوله اللغويّ، وفيه بُعْد. قال الجامع عفا الله عنه: كون الوضوء حقيقيًّا هو الحقّ، كما هو ظاهر الحديث، كما أسلفته، فتنبّه، والله تعالى أعلم. قال: وأغرب ابن قتيبة، وتبعه الخطابيّ، فزعم أن قوله: «تتوضأ» تصحيف، وتغيير من الناسخ، وإنما الصواب امرأة شوهاء، ولم يستند في هذه الدعوى إلا إلى استبعاد أن يقع في الجنة وضوء؛ لأنه لا عمل فيها، وعدم الاطلاع على المراد من الخبر لا يقتضي تغليط الحفاظ، ثم أخذ الخطابيّ في نقل كلام أهل اللغة في تفسير الشوهاء، فقيل: هي الحسناء، ونقله عن أبي عبيدة، وإنما تكون حسناء إذا وُصفت بها الفَرَس، قال الجوهريّ: فرس شوهاء صفة محمودة، والشوهاء: الواسعة الفم، وهو مستحسن في الخيل، والشوهاء من النساء: القبيحة، كما جزم به ابن الأعرابيّ وغيره. وقد تعقب القرطبيّ كلام الخطابيّ، لكن نَسَبه إلى ابن قتيبة فقط، قال ابن قتيبة بدل تتوضأ: شوهاء، ثم نقل أن الشوهاء تُطلق على القبيحة والحسناء. قال القرطبيّ: ووضوء هذه المرأة في الجنّة إنما هو لتزداد حُسْنًا ونورًا، لا لتزيل وَسَخًا، ولا قَذَرًا؛ إذ الجنة مُنَزَّهة عن ذلك، وهذا كما قال في الحديث الآخر: «أمشاطهم الذهب، ومَجَامِرُهم الأَلُوّة»، متّفقٌ عليه . وقال في «الفتح» : وقد ترجم عليه البخاري في «كتاب التعبير»: «باب الوضوء في المنام»، فبَطَل ما تخيّله الخطابي. انتهى. وقال الكرمانيّ: قوله: «تتوضّأ» من الوضاءة، وهي النظافة والحسن، ويَحْتَمِل أن يكون من الوضء، ولا يَمنع من ذلك كون الجنّة ليست دار تكليف؛ لجواز أن يكون على غير التكليف. انتهى . وقال في «الفتح» أيضًا في موضع آخر : ويَحْتَمِل أن لا يراد وقوع الوضوء منها حقيقة؛ لكونه منامًا، فيكون مثالًا لحالة المرأة المذكور، وقد ثبت أنها أم سليم، وكانت في قيد الحياة حينئذ، فرآها النبيّ -ﷺ- في الجنّة إلى جانب قَصْر عمر -﵁-، فيكون تعبيره بأنها من أهل الجنّة؛ لقول الجمهور من أهل التعبير: إن من رأى أنه دخل الجنة أنه يدخلها، فكيف إذا كان الرائي لذلك أصدق الخلق -ﷺ-، وأما وضوؤها، فيُعبّر بنظافتها حسًّا ومعنى، وطهارتها جسمًا وروحًا، وأما كونها إلى جانب قصر عمر -﵁-، ففيه إشارة إلى أنها تُدرك خلافته، وكان كذلك. ولا يُعارض هذا ما ثبت من أن رؤيا الأنبياء حقّ، والاستدلال على ذلك بغَيرة عمر؛ لأنه لا يلزم من كون المنام على ظاهره أن لا يكون بعضه يفتقر إلى تعبير، فإن رؤيا الأنبياء حقّ -يعني: أنها ليست من أضغاث الأحلام- سواء كانت على حقيقتها، أو مثالًا. انتهى كلام الحافظ. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا التأويل الذي ذكره الحافظ ﵀ هو الأظهر عندي، يؤيّد ذلك أن ما يراه النبيّ -ﷺ- وإن كان حقًّا من نوع الوحي، إلا أن بعضه يقبل التأويل، كما في الحديث الذي أخرجه أحمد، والترمذيّ بسند حسن عن ابن عباس -﵄- قال: تنفَّل رسول الله -ﷺسيفه ذا الفقار يوم بدر، وهو الذي رأى فيه الرؤيا يوم أُحد، فقال: رأيت في سيفي ذي الفقار فَلًّا، فأوّلته فَلًّا يكون فيكم، ورأيت أَنِّي مُرْدِفٌ كَبْشًا فأوّلته كبش الكَتِيبة، ورأيت أَني في دِرْعٍ حَصِينة فأوّلتها المدينة، ورأيت بَقَرًا تُذبَح فبقر والله خير، فبقر والله خير، فكان الذي قال رسول الله -ﷺ-. فقد وقع كل ما ذَكره في هذا الحديث على التأويل، فلا يُستبعد أن يكون رؤيته في قصّة وضوء المرأة من هذا القبيل. والله تعالى أعلم. (إِلَى جَانِبِ قَصْر، فَقُلْتُ: لِمَنْ هَذَا؟) القصر (قَقَالُوا)؛ أي: الملائكة: هو (لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ) -﵁- (فَذَكَرْتُ غَيْرَةَ عُمَرَ)؛ أي: شدّة غَيرته، وحِدّتها، قال الجرجاني: «المغيرة»: كراهة شركة الغير في حقّه. انتهى . وقال الفيّوميّ: غار الرجل على امرأته، والمرأة على زوجها يَغار، من باب تعب غَيْرًا وغَيْرَةً، قال ابن السّكّيت: ولا يُقال: غِيرًا وغِيرَةً بالكسر، فالرجل غيورٌ، والمرأة غَيور أيضًا، وغَيْرَى. انتهى . ووقع في حديث جابر -﵁- بلفظ: «فذكرت غَيرتك» بكاف الخطاب، وفي رواية للبخاريّ في «النكاح»: «فأردت أن أدخله، فلم يَمنعني إلا علمي بغيرتك». ووقع في رواية ابن عيينة عن ابن المنكدر وعمرو بن دينار جميعًا عن جابر بلفظ: «دخلت الجنة، فرأيت فيها قَصْرًا، يُسمَع فيه ضَوْضَاء، فقلت: لمن هذا؟ فقيل: لعمر». و«الضوضاء» -بمعجمتين مفتوحتين، بينهما واو، وبالمد-: أصوات الناس. (فَوَلَّيْتُ مُدْبِرًا») حال مؤكّدة، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [البقرة: ٦٠]، قال في«الخلاصة»: وَعَامِلُ الْحَالِ بِهَا قَدْ أُكِّدَا … فِي نَحْوِ«لَا تَعْثُ فِي الأَرْضِ مُفْسِدَا»(قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) -﵁- (فَبَكَى عُمَرُ) -﵁-، وقوله: (وَنَحْنُ جَمِيعًا فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ، مَعَ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-) جملة في محلّ نصب على الحال، (ثُمَّ قَالَ عُمَرُ) -﵁- (بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ)، وفي رواية البخاريّ:«بأبي أنت، وأمّي يا رسول الله»، وقوله:«بأبي أنت وأمي»: الباء متعلقة بمحذوف، تقديره: أنت مَفْديٌّ بأبي، فيكون المحذوف اسمًا، وما بعده في محل الرفع على الخبرية، ويجوز أن يكون المحذوف فعلًا، تقديره: فَدَيْتك بأبي، ويكون ما بعده في محل النصب، قاله في«العمدة». (أَعَلَيْكَ أَغَارُ؟)؛ يعني: أنه وإن كانت الغَيرة في الحقّ محمودة، إلا أنها لا تليق بجنابك، فإنك أعلى من ذلك؛ إذ حصول هذه النعم بسبب، كما قال عمر -﵁- في رواية سبقت:«وهل رفعني الله إلا بك؟ وهل هداني الله إلا بك؟ »، والله تعالى أعلم. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢/ ٦١٨٠ و٦١٨١] (٢٣٩٥)، و(البخاريّ) في«بدء الخلق»(٣٢٤٢) و«فضائل الصحابة»(٣٦٨٠) و«النكاح»(٥٢٢٥) و«التعبير»(٧٠٢٣)، و(النسائيّ) في«الفضائل»(٢٧)، و(ابن ماجه) في«المقدّمة»(١٠٧)، و(ابن حبّان) في«صحيحه»(٦٨٨٨)، و(البغويّ) في«شرح السُّنَّة»(٣٢٩١)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّلَ الكتاب قال: [٦١٨١] (. . .) - (وَحَدَّثَنِيهِ عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَحَسَنٌ الْحُلْوَانِيُّ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ). رجال هذا الإسناد: سبعة: وكلّهم ذُكروا في الباب، و«أبو يعقوب»هو: إبراهيم بن سعد الزهريّ، و«صالح»هو: ابن كيسان الغفاريّ المدنيّ. [تنبيه]: رواية صالح بن كيسان عن الزهريّ هذه ساقها الإمام أحمد ﵀ في«مسنده»، فقال: (٨٤٥١) - حدثنا يعقوب، ثنا أبي، عن صالح، قال ابن شهاب: حدّثني ابن المسيِّب، أن أبا هريرة قال: إن رسول الله -ﷺ- قال:«بينما أنا نائم، رأيتني في الجنة، فإذا امرأة توضأ إلى جنب قصر، فقلت: لمن هذا القصر؟ قالوا: لعمر بن الخطاب، فذكرت غَيْرتك، فوَلَّيتُ مُدْبرًا»، وعمر ﵀ حين يقول ذلك رسول الله -ﷺ- جالس عنده، مع القوم، فبكى عمر حين سمع ذلك من رسول الله -ﷺ- قال: أعليك بأبي أنت أغار يا رسول الله؟. انتهى . وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّلَ الكتاب قال: [٦١٨٢] (٢٣٩٦) - (حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ أَبِي مُزَاحِمٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ -يَعْنِي: ابْنَ سَعْدٍ- (ح) وَحَدَّثَنَا حَسَن الْحُلْوَانِيُّ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ عَبْدٌ: أَخْبَرَنِي، وَقَالَ حَسَنٌ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ -وَهُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ- حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ، أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَخْبَرَهُ، أَنَّ أَبَاهُ سَعْدًا قَالَ: اسْتَأْذَنَ عُمَرُ عَلَى رَسُولِ اللهِ -ﷺ-، وَعِنْدَهُ نِسَاءٌ مِنْ قُرَيْشٍ، يُكَلِّمْنَهُ، وَيَسْتَكْثِرْنَهُ، عَالِيَةً أَصْوَاتُهُنَّ، فَلَمَّا اسْتَأْذنَ عُمَرُ، قُمْنَ يَبْتَدِرْنَ الْحِجَابَ، فَأَذِنَ لَهُ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-، وَرَسُولُ اللهِ -ﷺ- يَضْحَكُ، فَقَالَ عُمَرُ: أَضْحَكَ اللهُ سِنَّكَ يَا رَسُولَ الله، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «عَجِبْتُ مِنْ هَؤُلَاءِ اللَّاتِي كُنَّ عِنْدِي، فَلَمَّا سَمِعْنَ صَوْتَكَ ابْتَدَرْنَ الْحِجَابَ»، قَالَ عُمَرُ: فَأَنتَ يَا رَسُولَ اللهِ أَحَقُّ أَنْ يَهَبْنَ، ثُمَّ قَالَ عُمَرُ: أَيْ عَدُوَّاتِ أَنْفُسِهِنَّ، أَتَهَبْنَنِي، وَلَا تَهَبْنَ رَسُولَ اللهِ -ﷺ-؟، قُلْنَ: نَعَمْ، أَنْتَ أَغْلَظُ، وَأفَظُّ مِنْ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-، قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِه، مَا لَقِيَكَ الشَّيْطَانُ قَطُّ سَالِكًا فَجًّا، إِلَّا سَلَكَ فَجًّا غَيْرَ فَجِّكَ»). رجال هذا الإسناد: عشرة: ١ - (عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ) بن الخطاب العَدَويّ، أبو عُمر المدنيّ، ثقةٌ [٤] تُوُفّي بِحَرَّان في خلافة هشام (ع) تقدم في «السلام» ١٦/ ٥٧٧٠. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ) الزهريّ، أبو القاسم المدنيّ، نزيل الكوفة، كان يُلَقَّب ظلَّ الشيطان؛ لِقِصَره، ثقةٌ [٣] قتله الحجاج بعد الثمانين (خ م مد ت س ق) تقدم في «الإيمان» ٧٢/ ٣٨٨. ٣ - (أَبُوهُ سَعْدُ) بن أبي وقّاص مالك بن وُهيب بن عبد مناف بن زُهْرة بن كلاب الزهريّ، أبو إسحاق، مات بالعقيق سنة خمس وخمسين على المشهور، وهو آخر العشرة وفاة (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٧١. والباقون ذُكروا في الباب. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه بالنسبة للإسناد الأول فهو من سُباعيّاته، فهو أعلى، وبالنسبة للثاني فهو من ثُمانيّاته، فهو أنزل، وفيه أربعة من التابعين في نَسَق واحد، روى بعضهم عن بعض، قرينان، وهما: صالح، وابن شهاب، وقريبان، وهما: عبد الحميد، ومحمد بن سعد، وكلهم مدنيّون ، قال النوويّ: وقد رأى عبدُ الحميد ابنَ عبّاس -﵄-. انتهى، وفيه رواية الراوي عن أبيه، وفيه سعد بن أبي وقّاص -﵁- الصحابيّ الشهير، أحد العشرة المبشّرين بالجنّة، وآخر من مات منهم، وأول من رَمَى بسهم في سبيل الله، ومناقبه كثيرة -﵁-. شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ، أنه قال: (أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ) بن الخطاب، كان واليًا لعمر بن عبد العزيز على الكوفة . (أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَخْبَرَهُ، أَنَّ أَبَاهُ سَعْدًا) -﵁- (قَالَ: اسْتَأْذَنَ عُمَرُ) بن الخطاب (عَلَى رَسُولِ اللهِ -ﷺ-)؛ أي: في الدخول في مجلسه، (وَعِنْدَهُ نِسَاءٌ مِنْ قُرَيْشٍ) جملة في محلّ نصب على الحال، وهؤلاء النساء هنّ من أزواجه، ويَحْتَمِل أن يكون معهنّ من غيرهنّ؛ لكن قرينة قوله: «يستكثرنه» يؤيد الأول، والمراد: أنهنّ يطلبن منه أكثر مما يعطيهنّ، وزعم الداودي أن المراد: أنهن يكثرن الكلام عنده، وهو مردود بما وقع التصريح به في حديث جابر -﵁- عند مسلم أنهن يطلبن النفقة، قاله في «الفتح». قال الجامع عفا الله عنه: قد تعقّب العينيّ كلام الحافظ هذا بما فيه نظرٌ ، فتنبّه. (يُكَلِّمْنَهُ، وَيَسْتَكْثِرْنَهُ)؛ أي: يطلبن منه أن يُعطيهنّ كثيرًا، (عَالِيَةً أَصْوَاتُهُنَّ) بنصب «عالية» على الحال، ويجوز رَفْعه على أنَّ يكون صفة لـ «نساء». وقال النوويّ: قوله: «ويستكثرنه عالية أصواتهن» قال العلماء: معنى «يستكثرنه»: يطلبن كثيرًا من كلامه، وجوابه بحوائجهن، وفتاويهنّ، وقوله: «عالية أصواتهنّ» قال القاضي: يَحْتَمِل أن هذا قبل النهي عن رفع الصوت فوق صوته -ﷺ-، ويَحْتَمِل أن عُلُوّ أصواتهنّ إنما كان باجتماعها، لا أن كلام كل واحدة بانفرادها أعلى من صوته -ﷺ-. انتهى . وقال في «الفتح»: قال ابن التين يَحْتَمِل أن يكون رفع أصواتهنّ على صوته -ﷺ- قبل نزول النهي عن رفع الصوت على صوته، أو كان ذلك طبعهنّ. انتهى، وقال غيره: يَحْتَمِل أن يكون الرفع حصل من مجموعهنّ، لا أن كل واحدة منهنّ كان صوتها أرفع من صوته، وفيه نَظَر، قيل: وَيحتمل أن يكون فيهنّ جهيرة، أو النهي خاصّ بالرجال، وقيل: في حقهن للتنزيه، أو كنّ في حال المخاصمة، فلم يتعمّدن، أو وَثِقن بعفوه، ويُحْتَمَل في الخلوة ما لا يُحْتَمَل في غيرها. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: عندي أقرب الاحتمالات هو الأول، والله تعالى أعلم. (فَلَمَّا اسْتَأْذَنَ عُمَرُ) -﵁- (قُمْنَ يَبْتَدِرْنَ الْحِجَابَ)؛ أي: يتسابقن إلى الدخول فيه قبل أن يواجههنّ عمر بالتعنيف والتوبيخ، (فَأَذِنَ) بكسر الذال المعجمة، من باب عَلِم. (لَهُ رَسُولُ اللهِ الله -ﷺ-)، وقوله: (وَرَسُولُ اللهِ -ﷺ- يَضْحَكُ) جملة في محلّ نصب على الحال، وإنما ضحك -ﷺ- تعجبًّا من حالهنّ حين سمعن صوت عمر -﵁-. (فَقَالَ عُمَرُ) -﵁- (أَضْحَكَ اللهُ سِنَّكَ يَا رَسُولَ اللهِ) لَمْ يُرِدْ به الدعاء بكثرة الضحك، بل لازِمه، وهو السرور، أو نفي ضدّ لازِمه، وهو الحزن . (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «عَجِبْتُ مِنْ هَؤُلَاءِ) النساء (اللَّاتي كُنَّ عِنْدِي) يتكلّمن عاليات أصواتهنّ، (فَلَمَّا سَمِعْنَ صَوْتَكَ ابْتَدَرْنَ الْحِجَابَ»، قَالَ عُمَرُ) -﵁- (فَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ أَحَقُّ أَنْ يَهَبْنَ، ثُمَّ قَالَ عُمَرُ) -﵁- لهؤلاء النساء (أَيْ عَدُوَّاتِ أَنْفُسِهِنَّ، أَتَهَبْنَنِي) بفتح الهاء، من الهيبة؛ أي: توقرنني، وقال البغويّ: هو من قولهم: هِبتُ الرجلَ: إذا وقّرته، وعظّمته، يقال: هَبِ الناسَ يهابوك؛ أي: وقّرهم يوقّروك. انتهى . (وَلَا تَهَبْنَ)؛ أي: لا توقّرن (رَسُولَ اللهِ الله -ﷺ-؟) المستحقّ لذلك، (قُلْنَ: نَعَمْ) نَهَبُك؛ لأنك (أَنْتَ أَغْلَظُ، وَأفَظُّ مِنْ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-) قال النوويّ: الفظّ، والغليظ: بمعنى، وهو عبارة عن شدّة الْخُلُق، وخشونة الجانب، قال العلماء: وليست لفظة أفعل هنا للمفاضلة، بل هي بمعنى فظّ غليظ، قال القاضي: وقد يصحّ حملها على المفاضلة، وأن القَدْر الذي منها في النبيّ -ﷺ- هو ما كان من إغلاظه على الكافرين، والمنافقين، كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ الآية [التوبة: ٧٣]، وكان يَغضب، ويَغلُظ عند انتهاك حرمات الله تعالى، والله أعلم. انتهى . وقال في «الفتح»: «أفظّ، وأغلظ» بالمعجمتين بصيغة أفعل التفضيل، من الفظاظة، والغلظة، وهو يقتضي الشركة في أصل الفعل، ويعارضه قوله تعالى: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ الآية [آل عمران: ١٥٩]، فإنه يقتضي أنه -ﷺ- لم يكن فظًّا ولا غليظًا. والجواب: أن الذي في الآية يقتضي نفي وجود ذلك له صفة لازمة، فلا يستلزم ما في الحديث ذلك، بل مجرد وجود الصفة له في بعض الأحوال، وهو عند إنكار المنكر مثلًا، والله أعلم. وجوَّز بعضهم أن الأفظّ هنا بمعنى الفظّ، وفيه نظر؛ للتصريح بالترجيح المقتضي لحَمْل أفعل على بابه، وكان النبيّ -ﷺ- لا يواجه أحدًا بما يكره إلا في حقّ من حقوق الله، وكان عمر يبالغ في الزجر عن المكروهات مطلقًا، وطَلَب المندوبات، فلهذا قال النسوة له ذلك، قاله في «الفتح» . وقال الطيبيّ -﵀-: قوله: «أَنْتَ أَغْلَظُ، وَأَفَظُّ» لَمْ يُرِد مزيد الفظاظة والغلظة لعمر -﵁- على رسول الله -ﷺ-، فإنه كان حليمًا مواسيًا، رقيق القلب في الغاية، بل المبالغة في فظاظة عمر -﵁- مطلقًا. انتهى . (قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدهِ»، وفي رواية البخاريّ: فقال رسول الله -ﷺ-: إيهًا يا ابن الخطّاب، والذي نفسي بيده … «. وقوله:«إيهًا يا ابن الخطاب»: قال أهل اللغة:«إيهًا»بالفتح والتنوين معناها: لا تبتدئنا بحديث، وبغير تنوين كُفَّ من حديثٍ عهدناه، و«إيه»بالكسر والتنوين معناها: حدّثنا ما شئت، وبغير التنوين: زدنا مما حدثتنا، قال الحافظ: ووقع في روايتنا بالنصب والتنوين، وحَكَى ابن التين أنه وقع له بغير تنوين، وقال: معناه: كُفّ عن لومهنّ. وقال الطيبيّ: الأمر بتوقير رسول الله -ﷺ- مطلوب لذاته تُحمد الزيادة منه، فكان قوله -ﷺ-:«إيه»استزادة منه في طلب توقيره، وتعظيم جانبه، ولذلك عقَّبه بقوله:«والذي نفسي بيده … إلخ»، فإنه يُشعر بأنه رضي مقالته، وحَمِد فِعاله، والله أعلم. انتهى . (مَا لَقِيَكَ الشَّيْطَانُ قَطُّ سَالِكًا فَجًّا)؛ أي: طريقًا واسعًا، وقوله:«قط»تأكيد للنفي، (إِلَّا سَلَكَ فَجًّا غَيْرَ فَجِّكَ«) قال النوويّ: الفجّ: الطريق الواسع، ويُطلق أيضًا على المكان المنخرق بين الجبلين، وهذا الحديث محمول على ظاهره أن الشيطان متى رأى عمر سالكًا فَجًّا هرب هيبةً من عمر، وفارق ذلك الفجّ، وذهب في فجّ آخر؛ لشدة خوفه من بأس عمر -﵁- أن يفعل فيه شيئًا، قال القاضي عياض: ويَحْتمل أنه ضُرب مثلًا لِبُعد الشيطان، وإغوائه منه، وأن عمر في جميع أموره سالك طريق السداد، خلاف ما يأمر به الشيطان، والصحيح الأول. انتهى . وقال القرطبيّ: قوله: «غير فجِّك»: الفج: الطريق الواسع، وهو أيضًا: الطريق بين جبلين، والظاهر بقاء هذا اللفظ على ظاهره، ويكون معناه: أن الشيطان يهابه، ويجانبه؛ لِمَا يَعْلم من هيبته، وقوَّته في الحقِّ، فيفرُّ منه إذا لقيه، ويكون هذا مثل قوله -ﷺ- في الحديث الآخر: «إن الشيطان لَيَفْرَق منك يا عمر، ؛ ويعني بالشيطان: جنس الشياطين، ويَحْتَمِل أن يكون ذلك مثلًا لبُعده عنه، وأنه لا سبيل له عليه، والأَوَّل أولى. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: بل الثاني هو الأَولى؛ لظاهر النصّ، فتنبَّه، والله تعالى أعلم. وقال الحافظ -﵀- ما خلاصته: فيه فضيلة عظيمة لعمر -﵁-؛ لأن هذا الكلام يقتضي أن لا سبيل للشيطان عليه، إلا أن ذلك لا يقتضي وجوب العصمة؛ إذ ليس فيه إلا فرار الشيطان من أن يشاركه في طريق يسلكها، ولا يمنع ذلك من وسوسته له بحَسَب ما تصل إليه قدرته. انتهى . وتعقّب العينيّ كلام الحافظ هذا، فقال: هذا موضع تأمل؛ لأنَّ عدم سلوكه الطريق الذي يَسلك فيه عمر -﵁- إنما كان لأجل خوفه، لا لأجل معنى آخر، والدليل عليه ما رواه الطبرانيّ في «الأوسط» من حديث حفصة -﵂- بلفظ: «إن الشيطان لا يَلْقَى عمر منذ أسلم إلا خَرّ لوجهه»، فالذي يكون حاله مع عمر هكذا كيف لا يُمنع من الوصول إليه لأجل الوسوسة؟ وتمكنُ الشيطان من وسوسة بني آدم ما هو إلا بأنه يجري في عروق بني آدم مثل ما يجري الدم، فالذي يهرُب منه، ويخرّ على وجهه إذا رآه كيف يجد طريقًا إليه؟ وما ذاك إلا خاصّة له، وَضَعها الله فيه؛ فضلًا منه، وكَرَمًا، وبهذا لا نَدَّعي العصمة؛ لأنها من خواص الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام. انتهى كلام العينيّ -﵀- . قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله العينيّ -﵀- وجيهٌ، خلاصته أن الله -﷿- خصَّ عمر -﵁- بفراره منه، فلا يتمكّن من وسوسته، إلا أن ذلك لا يستلزم العصمة، بل هو محفوظ برعاية الله تعالى، فالعصمة في حقّه فضيلة، وفي حقّ الأنبياء واجبة، فتنبّه، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث سعد بن أبي وقّاص -﵁- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢/ ٦١٨٢] (٢٣٩٦)، و(البخاريّ) في«بدء الخلق»(٣٢٩٤) و«فضائل الصحابة»(٣٦٨٣) و«الأدب»(٦٠٨٥)، و(النسائيّ) في«عمل اليوم والليلة»(٢٠٧) و«فضائل الصحابة»(٢٨)، و(أحمد) في«مسنده»(١/ ١٧١ و١٨٢ و١٨٧)، و(ابن حبّان) في«صحيحه»(٦٨٩٣)، و(الطبرانيّ) في«الأوسط»(٨/ ٣٣٢)، و(أبو يعلى) في«مسنده»(٢/ ١٣٢)، و(البغويّ) في«شرح السُّنَّة» (٣٨٧٤)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان فضيلة عمر -﵁-، حيث إنه كان شديدًا في الحقّ. ٢ - (ومنها): بيان فضله أيضًا بفرار الشيطان منه، وعدم سلوكه طريقًا سلكه، وهذه خصوصيّة لم يُعطَها غيره ممن هو من أمثاله، ﴿وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [البقرة: ١٠٥]. ٣ - (ومنها): بيان فضل لِيْن الجانب، والحِلم، والرفق ما لم يفوّت مقصودًا شرعيًّا، قال الله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحجر: ٨٨]، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ الآية [آل عمران: ١٥٩]، وقال تعالى: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨]. ٤ - (ومنها): ما قاله الطيبيّ نقلًا عن التوربشتيّ: فيه تنبيه على صلابة عمر -﵁- في الدِّين، واستمرار حاله على الجِدّ الصِّرْف، والحقّ المحض، حتى كان بين يدي رسول الله -ﷺ-؛ كالسيف الصارم، والْحُسام القاطع، إن أمضاه مضي، وإن كفّه كَفّ، فلم يكن له على الشيطان سلطان إلا من قِبَل رسول الله -ﷺ-، فكان كالوازع بين يدي الملِك، فلهذا كان الشيطان ينحرف عن الفجّ الذي سلكه، ولمّا كان النبيّ -ﷺ- رحمةً مهداةً إلى العالمين، مأمورًا بالعفو عن المذنبين، معنيًّا بالصفح عن الجاهلين، لم يكن ليواجههم فيما لا يحمده من فعل مكروه، أو سوء أدب بالفظاظة والغلظة، والزجر البليغ؛ إذ لا يُتصوّر الصفح والعفو مع تلك الخلال، فلهذا تسامَحَ هو فيها، واستحسن استشعارهنّ الهيبة من عمر -﵁-. انتهى ما قاله الطيبيّ -﵀- ، وهو تحقيق مفيدٌ، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦١٨٣] (٢٣٩٧) - (حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ، حَدَّثَنَا بِهِ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنِي سُهَيْلٌ، عَنْ أَبِيه، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللهِ -ﷺ-، وَعِنْدَهُ نِسْوةٌ، قَدْ رَفَعْنَ أَصْوَاتَهُنَّ عَلَى رَسُولِ اللهِ -ﷺ-، فَلَمَّا اسْتَأْذَنَ عُمَرُ ابْتَدَرْنَ الْحِجَابَ، فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ) المروزيّ، أبو علي الخزاز الضرير، نزيل بغداد، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣١) وله أربع وسبعون سنةً (خ م د) تقدم في «الإيمان» ٦٣/ ٣٥٠. ٢ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدِ) بن عُبيد الدّراوَرْديّ، أبو محمد الْجُهَنيّ مولاهم، المدنيّ، صدوقٌ كان يحدِّث من كُتُب غيره فيخطئ، قال النسائيّ: حديثه عن عبيد الله العمري منكَر [٨] (ت ٦ أو ١٨٧) (ع) تقدم في «الإيمان» ٨/ ١٣٥. ٣ - (سُهَيْلُ) بن أبي صالح ذكوان السمّان، أبو يزيد المدنيّ، صدوقٌ، تغيّر حِفظه بأَخَرَةٍ، روى له البخاريّ مقرونًا وتعليقًا [٦] مات في خلافة المنصور (١٣٨) (ع) تقدم في «الإيمان» ١٤/ ١٦١. ٤ - (أَبُوهُ) ذكوان، أبو صالح السمّان الزيّات المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ، وكان يجلُب الزيت إلى الكوفة [٣] (ت ١٠١) (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٤. و«أبو هريرة» ذُكر في الباب. وقوله: (حَدَّثَنَا بِهِ)؛ أي: بهذا الحديث الآتي. وقوله: (فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ) فاعل «ذَكَرَ» ضمير سُهيل، ويَحْتَمل غيره. [تنبيه]: حديث أبي هريرة -﵁- هذا الذي أحاله المصنّف على ما قبله لم أجد من أخرجه غير المصنّف، فلْيُنْظَر، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦١٨٤] (٢٣٩٨) - (حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: «قَدْ كَانَ يَكُونُ فِي الأُمَمِ قَبْلَكُمْ مُحَدَّثُونَ، فَإِنْ يَكُنْ فِي أُمَّتِي مِنْهُمْ أَحَدٌ، فَإِنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ مِنْهُمْ»، قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: تَفْسِيرُ مُحَدَّثُونَ: مُلْهَمُونَ). رجال هذا الإسناد: ستة: وكلهم ذُكروا في البابين الماضيين. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-، وأنه مسلسل بالمدنيين من إبراهيم، والباقيان مصريّان، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه عائشة -﵂- من المكثرين السبعة. شرح الحديث: (عَنْ عَائِشَةَ) -﵂-، هكذا قال ابن وهب عن إبراهيم بن سعد، وخالفه أصحاب إبراهيم، فقالوا: عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، وهو الذي أخرجه البخاريّ، قال في «الفتح» عند قوله: «عن أبي هريرة»: كذا قال أصحاب إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبيه، عن أبي سلمة، وخالفهم ابن وهب، فقال: عن إبراهيم بن سعد بهذا الإسناد، عن أبي سلمة، عن عائشة، قال أبو مسعود: لا أعلم أحدًا تابع ابن وهب على هذا، والمعروف عن إبراهيم بن سعد أنه عن أبي هريرة، لا عن عائشة، وتابع زكريا بن أبي زائدة إبراهيمَ بن سعد. وقال محمد بن عجلان: عن سعد بن إبراهيم، عن أبي سلمة، عن عائشة، أخرجه مسلم، والترمذيّ، والنسائيّ، قال أبو مسعود: وهو مشهور عن ابن عجلان، فكأنّ أبا سلمة سمعه من عائشة، ومن أبي هريرة ﵄ جميعًا. قال الحافظ: وله أصل من حديث عائشة -﵂-، أخرجه ابن سعد من طريق بن أبي عَتيق، عنها، وأخرجه من حديث خُفاف بن إيماء أنه كان يصلي مع عبد الرحمن بن عوف، فإذا خطب عمر سمعه يقول: أشهد أنك مُكَلَّم. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن الحديث محفوظ عن أبي هريرة، وعائشة ﵄ جميعًا، وهذا هو الحقّ، وقد استدرك الدارقطنيّ إسناد عائشة على مسلم، ورجّح الإرسال على الوصل، والحقّ أن الوصل هو الأرجح؛ لأن الذين وصلوه جماعة من الحفّاظ، وقد أجاد الشيخ ربيع بن هادي -حفظه الله- البحث في هذا في دراسته: «بين الإمامين: مسلم، والدارقطنيّ»، وحقّق وأفاد، ورجّح الوصل على الإرسال، وهو الحقّ ، فراجع كلامه تستفد، والله تعالى وليّ التوفيق. (عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ-) أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: «قَدْ كَانَ يَكُونُ فِي الأُمَمِ قَبْلَكُمْ) أراد بني إسرائيل، قال القرطبيّ -﵀-:»كان«الأُولى بمعنى الأمر، وَالشأن؛ أي: كان الأمر والشان، وهي نحو»ليس«في قولهم: ليس خلق الله مثله، و»تكون«الثانية ناقصة، واسمها»محدِّثون«، وخبرها الجارّ والمجرور، ويصح أن تكون تامَّة، وما بعدها أحوال . وقوله: (مُحَدَّثُونَ) -بفتح الدال- هي الرواية، اسم مفعول، وقد فسَّر ابن وهب المحدَّثين بالملهمين؛ أي: يُحدَّثون في ضمائرهم بأحاديث صحيحة، هي من نوع الغيب، فيظهر على نحو ما وقع لهم، وهذه كرامةٌ يُكرم الله تعالى بها من يشاء من صالحي عباده، ومن هذا النوع ما يقال عليه: فِراسةٌ، وتوسُّم، كما قد رواه الترمذيّ من حديث أبي سعيد الخدريّ -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: اتَّقوا فِراسة المؤمن، فإنَّه ينظر بنور الله» ، ثم قرأ: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ (٧٥)﴾ [الحجر: ٧٥]، وقد تقدَّم القول في نحو هذا، وقد قال بعضهم: إن معنى محدِّثين: مكلَّمون؛ أي: تكلِّمهم الملائكة، قال: وهذا راجعٌ لِمَا ذكرته، غير أن ما ذكرته أعمّ، فقد يخلق الله تعالى الأحاديث بالغيب في القلب ابتداء من غير واسطة مَلَك، وقال بعضهم: إن معناه أنهم مصيبون فيما يظنونه، وإليه ذهب البخاريّ، وهذا نحو من الأول، غير أن الأوَّل أعمّ، والله أعلم. انتهى . وقال في «الفتح»: قال الأكثر: المحدَّث -بالفتح- هو الرجل الصادق الظنّ، وهو مَن أُلقي في رُوعه شيء من قِبَل الملأ الأعلى، فيكون كالذي حدَّثه غيره به، وبهذا جزم أبو أحمد العسكريّ. وقيل: مَن يجري الصواب على لسانه من غير قصد، وقيل: مُكَلَّم؛ أي: تكلّمه الملائكة بغير نبوّة، وهذا ورد من حديث أبي سعيد الخدريّ، مرفوعًا، ولفظه: «قيل: يا رسول الله، وكيف يُحَدَّث؟ قال: تتكلم الملائكة على لسانه»، قال الحافظ: رَوَيناه في «فوائد الجوهريّ»، وحكاه القابسيّ، وآخرون، ويؤيده ما ثبت في الرواية المعلّقة ، ويَحْتَمِل ردّه إلى المعنى الأول؛ أي: تكلمه في نفسه، وإن لَمْ يَرَ مُكلِّمًا في الحقيقة، فيرجع إلى الإلهام. وفسّره ابن التين: بالتفَرُّس، ووقع في «مسند الحميديّ» عقب حديث عائشة -﵂-: «المحدَّث: الْمُلْهَم بالصواب الذي يُلْقَى على فيه». وعند مسلم من رواية ابن وهب: «ملهمون»، وهي الإصابة بغير نبوة ، وفي رواية الترمذيّ عن بعض أصحاب ابن عيينة -﵀-: «مُحَدَّثون»؛ يعني: مُفَهَّمون، وفي رواية الإسماعيليّ: قال إبراهيم -يعني: ابن سعد راويه-: قوله: «مُحَدَّث»؛ أي: يُلْقَى في رُوعه. انتهى. ويؤيده حديث: «إن الله جعل الحقّ على لسان عمر، وقلبه»، أخرجه الترمذيّ من حديث ابن عمر، وأحمد من حديث أبي هريرة، والطبراني من حديث بلال، وأخرجه في «الأوسط» من حديث معاوية، وفي حديث أبي ذرّ عند أحمد، وأبي داود: «يقول به» بدل قوله: «وقلبه»، وصححه الحاكم، وكذا أخرجه الطبرانيّ في «الأوسط» من حديث عمر نفسه. انتهى . (فَإِنْ يَكُنْ فِي أُمَّتِي مِنْهُمْ)؛ أي: من المحدَّثين، (أَحَدٌ، فَإِنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ مِنْهُمْ») قال -ﷺ- ذلك على سبيل التوقع، وقد وقع ذلك بحمد الله تعالى، وفيه منقبة عظيمة لعمر بن الخطاب -﵁-، وفيه كرامة الأولياء، وأنها لا تنقطع إلى يوم الدين . وقال الطيبيّ -﵀-: وقوله:«فإن يكن في أمتي» قيل: لم يورِد هذا القول مَوْرِد الترديد، فإن أمته أفضل الأمم، وإذا ثبت أن ذلك وُجد في غيرهم، فبالأحرى أن يكونوا موجودين في هذه الأمة أكثر عددًا، وأعلى رتبةً، وإنما أورده مورد التأكيد والقطع به، ولا يخفى على ذي الفهم محلّه من المبالغة، كما في قول الرجل: إن يكن لي صديق، فإنه فلان، يريد اختصاصه بكمال الصداقة، لا نفي الأصدقاء، ونحوه قول الأجير: إن كنت عملت لك، فوفِّني حقي، وهو عالم بذلك، ولكنه يُخيّل في كلامه أن تفريطك في الخروج عن الحقّ فعلُ مَنْ عِنده شكٌّ في الاستحقاق مع وضوحه. فالمراد بالمحدَّث: الملهَم المبالغ فيه الذي انتهى إلى درجة الأنبياء في الإلهام، فالمعنى: لقد كان فيما قبلكم من الأمم أنبياء مُلهَمُون من قِبَل الملأ الأعلى، فإن يك في أمتي أحد هذا شأنُه، فهو عمر، جَعَله لانقطاع قرينه، وتفوّقه على أقرانه في هذا كأنه تردّد هل نبيّ أم لا؟ فاستعمل «إنْ»، ويؤيده حديث: «لو كان بعدي نبيّ لكان عمر»، فـ «لو» فيه بمنزلة «إن» في هذا الحديث على سبيل الفرض والتقدير، كما قول عمر -﵁-: «نعم العبد صُهيب، لو لم يَخف الله لم يعصه». انتهى . قال الحافظ: والحديث المشار إليه أخرجه أحمد، والترمذيّ، وحسَّنه، وابن حبان، والحاكم، من حديث عقبة بن عامر، وأخرجه الطبرانيّ في «الأوسط» من حديث أبي سعيد، ولكن في تقرير الطيبيّ نظر؛ لأنه وقع في نفس الحديث: «من غير أن يكونوا أنبياء»، ولا يتم مراده إلا بفرض أنهم كانوا أنبياء. وقيل: الحكمة فيه أن وجودهم في بني إسرائيل كان قد تحقّق وقوعه، وسبب ذلك احتياجهم، حيث لا يكون حينئذ فيهم نبيّ، واحتَمَل عنده -ﷺ- أن لا تحتاج هذه الأمة إلى ذلك؛ لاستغنائها بالقرآن عن حدوث نبيّ، وقد وقع الأمر كذلك، حتى إن المحدَّث منهم إذا تُحُقِّق وجوده لا يَحكُم بما وقع له، بل لا بدّ له من عَرْضه على القرآن، فإن وافقه، أو وافق السُّنَّة عَمِل به، وإلا تَرَكه، وهذا وإن جاز أن يقع، لكنه نادر ممن يكون أمْره منهم مبنيًّا على اتّباع الكتاب والسُّنَّة، وتمحضت الحكمة في وجودهم، وكثرتهم بعد العصر الأَوَّل في زيادة شرف هذه الأمة بوجود أمثالهم فيه. وقد تكون الحكمة في تكثيرهم مضاهاة بني إسرائيل في كثرة الأنبياء فيهم، فلما فات هذه الأمة كثرة الأنبياء فيها؛ لكون نبيّها -ﷺ- خاتم الأنبياء عُوِّضوا بكثرة الملهَمين. انتهى . ثم ذكر تفسير ابن وهب، فقال: (قَالَ) عبد الله (بْنُ وَهْبٍ) الراوي عن إبراهيم بن سعد: (تَفْسِيرُ مُحَدَّثُونَ: مُلْهَمُونَ)، وقد تقدّم أقوالً غيره آنفًا، فلا تغفل، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: قال البخاريّ في «صحيحه» معلّقًا بعد إخراج الحديث ما نصّه: زاد زكرياء بن أبي زائدة، عن سعد، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال النبيّ -ﷺ-: «لقد كان فيمن كان قبلكم من بني إسرائيل رجال، يُكَلَّمون من غير أن يكونوا أنبياء، فإن يكن من أمتي منهم أحد فعمر». قال في «الفتح»: ورواية زكريا وَصَلها الإسماعيليّ، وأبو نعيم في «مستخرجيهما»، قال: وفي روايته زيادتان: إحداهما: بيان كونهم من بني إسرائيل، والثانية تفسير المراد بالمحدَّث في رواية غيره، فإنه قال بدلها: «يكلمون، من غير أن يكونوا أنبياء». انتهى ، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة -﵂- هذا من أفراد المصنّف -﵁-، وقد أخرجه البخاريّ من حديث أبي هريرة -﵁-. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢/ ٦١٨٤ و٦١٨٥] (٢٣٩٨)، و(الترمذيّ) في «المناقب» (٣٦٩٣)، و(النسائيّ) في «الكبرى» (٥/ ٣٩)، و(الحميديّ) في «مسنده» (٢٥٣)، و(أحمد) في «مسنده» (٦/ ٥٥)، و(ابن راهويه) في «مسنده» (٢/ ٤٧٩)، و(الحاكم) في «المستدرك» (٣/ ٨٦)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٦٨٩٤)، و(الفسويّ) في «المعرفة» (١/ ٤٥٧ و٤٦١)، و(اللالكائيّ) في «اعتقاد أهل السُّنَّة» (٧/ ١٣١١ و١٣١٢)، و(ابن أبي عاصم) في «السُّنَّة» (٢/ ٥٨٣). وأخرجه (البخاريّ) من حديث أبي هريرة -﵁- (٣٤٦٩ و٣٦٨٩)، و(النسائيّ) في «فضائل الصحابة» (١٩)، و(البغويّ) في «شرح السُّنَّة» (٣٨٧٣)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): أن فيه منقبةً عظيمةً لعمر بن الخطاب -﵁-. ٢ - (ومنها): بيان كرامة الأولياء، وأنها لا تنقطع إلى يوم الدين. ٣ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ -﵀-: قوله: «فإنْ يكن في أمتي أحدٌ منهم فعمر» دليلٌ على قلَّة وقوع هذا، ونُدُوره، وعلى أنه ليس المراد بالمحدَّثين المصيبون فيما يظنون؛ لأنَّ هذا كثير في العلماء، والأئمة الفضلاء؛ بل وفي عوّام الخلق كثير ممن يَقْوَى حَدْسه، فتصح إصابته، فترتفع خصوصية الخبر، وخصوصية عمر -﵁- بذلك، ومعنى هذا الخبر قد تَحقَّق، ووُجد في عمر قطعًا؛ وإن كان النبيّ -ﷺ- لم يجزم فيه بالوقوع، ولا صرَّح فيه بالإخبار؛ لأنَّه إنما ذكره بصيغة الاشتراط، وقد دلَّ على وقوع ذلك لعمر حكايات كثيرة عنه؛ كقصَّة: «الجبلَ يا ساريةُ» ، وغيره، وأصح ما يدلّ على ذلك: شهادة النبيّ -ﷺ- له بذلك، كما رواه الترمذيّ، عن ابن عمر، مرفوعًا: «إن الله جعل الحقّ على لسان عمر وقلبه» ، وقال ابن عمر -﵄-: «ما نزل بالناس أمرٌ قط قالوا فيه، وقال فيه عمر، إلا نزل القرآن على نحو ما قال فيه عمر»، قال الترمذيّ: هذا حديث حسن صحيح. ومن ذلك قول عمر -﵁-: «وافقت ربي في ثلاث …» الحديث، متّفقٌ عليه. وقد ادعى هذا الحال كثير من أهل الْمِحال ، لكن تشهد بالفضيحة شواهد صحيحة. انتهى ، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦١٨٥] (. . .) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ (ح) وَحَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (ابْنُ عَجْلَانَ) هو: محمد بن عَجْلان القرشيّ مولاهم، أبو عبد الله المدنيّ، صدوقٌ، إلا أنه اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة -﵁-[٥] (ت ١٤٨) (خت م ٤) تقدم في «الإيمان» ١٠/ ١٥٠. والباقون كلّهم ذُكروا في الباب. [تنبيه]: رواية الليث بن سعد عن ابن عجلان ساقها النسائيّ -﵀- في «الكبرى» بسند المصنّف، فقال: (٨١١٩) - أخبرنا قتيبة بن سعيد، قال: أنا الليث بن سعد، عن ابن عجلان، عن سعد بن إبراهيم، عن أبي سلمة، عن عائشة، قالت: قال رسول الله -ﷺ-: «قد كان يكون في الأمة مُحدَّثون، فإن يكن في أمتي أحد، فعمر بن الخطاب». انتهى . وساقها أيضًا الترمذيّ -﵀- بسند المصنّف في «جامعه»، فقال: (٣٦٩٣) - حَدَّثَنَا قتيبة، حدّثنا الليث، عن ابن عجلان، عن سعد بن إبراهيم، عن أبي سلمة، عن عائشة، قالت: قال رسول الله -ﷺ-: «قد كان يكون في الأمم مُحدَّثون، فإن يك في أمتي أحدٌ، فعمر بن الخطاب»، قال أبو عيسى: هذا حديث صحيح، قال: حدّثني بعض أصحاب سفيان، قال: قال سفيان بن عيينة: مُحَدَّثون؛ يعني: مُفَهَّمون. انتهى . (٢٥٣) - حدثنا الحميدي قال: ثنا سفيان قال: نا محمد بن عجلان أنه سمع سعد بن إبراهيم يحدث عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عائشة أنها قالت: قال رسول الله -ﷺ-: «أنه كان في الأمم قبلكم محدَّثون، فإن يكن في هذه الأمة فهو عمر بن الخطاب». وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦١٨٦] (٢٣٩٩) - (حَدَّثَنَا عُقْبَةُ بْنُ مُكْرَمٍ الْعَمِّيُّ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ، قَالَ: جُوَيْرِيَةُ بْنُ أَسْمَاءَ أَخْبَرَنَا عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ: وَافَقْتُ رَبِّي فِي ثَلَاثٍ فِي مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ، وَفِي الْحِجَابِ، وَفِي أُسَارَى بَدْرٍ). رجال هذا الإسناد: ستّة: ١ - (عُقْبَةُ بْنُ مُكْرَمٍ الْعَمِّيُّ) هو: عقبة بن مُكْرَم -بضم الميم، وسكون الكاف، وفتح الراء- الْعَمِّيّ -بفتح المهملة، وتشديد الميم- أبو عبد الملك البصريّ، ثقةٌ [١١] مات في حدود (٢٥٠) (م د ت ق) تقدم في «الإيمان» ٢٧/ ٢٢٠. [تنبيه]: قوله: «الْعَمّيّ» -بفتح العين المهملة، وتشديد الميم-: نسبة إلى العمّ، وهو بطنٌ من تميم، قاله في «اللباب» . ٢ - (سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ) الضُّبَعيّ -بضم المعجمة، وفتح الموحّدة- أبو محمد البصريّ ثقةٌ صالحٌ، وقال أبو حاتم: رُبّما وَهِمَ [٩] (ت ٢٠٨) وله ست وثمانون سنةً (ع) تقدم في «صلاة المسافرين وقصرها» ٤/ ١٦٠٨. ٣ - (جُويرِيَةُ بْنُ أَسْمَاءَ) بن عُبيد الضُّبَعيّ البصريّ، صدوقٌ [٧] (ت ١٧٣) (خ م د س ق) تقدم في «الإيمان» ٧٣/ ٣٩٠. ٤ - (نَافِعٌ) أبو عبد الله المدنيّ، مولى ابن عمر، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ مشهورٌ [٣] (ت ١١٧) أو بعد ذلك (ع) تقدم في «الإيمان» ٢٨/ ٢٢٢. ٥ - (ابْنُ عُمَرَ) هو: عبد الله -﵁-، ذُكر في الباب. ٦ - (عُمَرُ) بن الخطّاب، ذُكرت ترجمته في أول الباب. [تنبيه]: هذا الإسناد مما انتقده الحافظ أبو الفضل بن عمّار الشهيد -﵀، فقال: وجدت له علّةً، حدّثني محمد بن إسحاق بن إبراهيم السّرّاج، حدّثنا محمد بن إدريس، حدّثنا محمد بن عُمر بن عليّ، حدّثنا سعيد بن عامر، عن جويرية، عن رجل، عن نافع أن عمر قال: «وافقني ربي في ثلاث …»، فذكر الحديث، ولم يذكر ابن عمر في إسناده، وأدخل بين جويرية ونافع رجلًا غير مسمّى. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: حاصل ما أشار إليه أبو الفضل أن في هذا الحديث علّتين: أولاهما: أن شيخ جويرية مجهول، وثانيهما: الانقطاع؛ لأن نافعًا لم يلق عمر -﵁-. والجواب عن هذا: أن مسلمًا ترجح لديه الوصل؛ لأنه زيادة ثقة؛ إذ عقبة بن مكرم ثقةٌ تُقبل زيادته، فالحديث صحيح، لا تضرّه المخالفة المذكورة، والله تعالى أعلم. [تنبيه آخر]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-، وأن نصفه الأول مسلسلٌ بالبصريين، والثاني بالمدنيين، وفيه رواية الابن عن أبيه، وصحابيّ عن صحابيّ -﵄-. شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) -﵄- أنه (قَالَ: قَالَ عُمَرُ) بن الخطّاب -﵁- (وَافَقْتُ رَبِّي) من الموافقة، من باب المفاعلة التي تدلّ على مشاركة اثنين في فعلٍ يُنسب إلى أحدهما، متعلقًا بالآخر، والمعنى في الأصل: وافقني ربي، فأنزل القرآن على وِفْق ما رأيتُ، ولكنه راعى الأدب فأسند الموافقة إلى نفسه، لا إلى الربّ، قاله في «العمدة» . وقال في «الفتح»: والمعنى: وافقني ربي، فأنزل القرآن على وفق ما رأيتُ، لكن لرعاية الأدب أسند الموافقة إلى نفسه، أو أشار به إلى حدوث رأيه، وقِدَم الْحُكْم، وليس في تخصيصه العدد بالثلاث ما ينفي الزيادة عليها؛ لأنه حصلت له الموافقة في أشياء غير هذه، من مشهورها قصة الصلاة على المنافقين، واجتماع أزواجه -ﷺ- في الغَيرة عليه، وهما في الصحيح، وصحح الترمذيّ من حديث ابن عمر، أنه قال: «ما نَزَل بالناس أمر قطّ، فقالوا فيه، وقال فيه عمر، إلا نزل القرآن فيه على نحو ما قال عمر»، وهذا دالّ على كثرة موافقته، قال الحافظ: وأكثر ما وقفنا منها بالتعيين على خمسة عشر، لكن ذلك بحَسَب المنقول. انتهى . وقال القرطبيّ -﵀-: قوله: «وافقت ربي في ثلاث»؛ يعني: أنَّه وقع له في قلبه حديث عن تلك الأمور، فأنزل الله تعالى القرآن على نحو ما وقع له، وذلك أنَّه وقع له أن مقام إبراهيم -ﷺ- محلّ شرَّفه الله تعالى، وكرَّمه؛ بأن قام فيه إبراهيم -ﷺ- للدُّعاء، والصَّلوات، وجعل فيه آيات بيّنات، وغَفَر لمن قام فيه الخطيئات، وأجاب فيه الدَّعوات، وقد تقدَّم في الحج ذِكر الخلاف فيه. وكذلك وقع له شرف أزواج النبيّ -ﷺ-، وعلوِّ مناصبهنَّ، وعظيم حرمتهنَّ، وأن الذي يناسب حالهنَّ أن يحتجبن عن الأجانب؛ فإنَّ اطلاعهم عليهنَّ ابتذال لهنَّ، ونقصٌ من حرمة النبيّ -ﷺ-، وحرمتهنّ، فقال للنبيّ -ﷺ-: «احجب نساءك، فإنَّهن يراهنَّ البرّ والفاجر»، وقد استوفينا الكلام على هذا في النكاح. ووقع له أيضًا قَتْل أسارى بدر، وأشار على النبيّ -ﷺ- به، وأشار عليه أبو بكر بالإبقاء، والفداء، فمالَ النبيّ -ﷺ- إلى ما قال أبو بكر -﵁-، فأنزل الله تعالى القرآن على نحو ما وقع لعمر -﵁- في الأمور الثلاثة، فكان ذلك دليلًا قاطعًا على أنه محدَّث بالحقّ، مُلْهَمٌ لوجه الصَّواب، وقد تقدَّم القول في الصلاة على عبد الله بن أُبَيّ، وفي قضية بدر في «الجهاد». انتهى . وقوله: (فِي ثَلَاثٍ)؛ أي: وقائع، قاله في «الفتح» ، فأفاد أنه إنما ذكّر «ثلاث»؛ لأن المميّز مؤنّث؛ وهي وقائع جَمْع واقعة، وقال في «العمدة»: قوله: «في ثلاث»؛ أي: في ثلاثة أمور، وإنما لم يؤنث الثلاث، مع أن الأمر مذكَّر؛ لأن المميَّز إذا لم يكن مذكورًا جاز في لفظ العدد التذكير والتأنيث. انتهى . [فإن قلت]: حصلت الموافقة له في أشياء غير هذه الثلاث، منها في أسارى بدر حيث كان رأيه أن لا يَفْدُون فنزل: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى﴾ [الأنفال: ٦٧] ومنها في مَنْع الصلاة على المنافقين فنزل: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ [التوبة: ٨٤] ومنها في تحريم الخمر، ومنها ما رواه أبو داود الطيالسي من حديث حماد بن سلمة: حدثنا علي بن زيد، عن أنس قال عمر: وافقت ربي في أربع … وذَكَر ما في البخاري، قال: ونزلت: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢)﴾ [المؤمنون: ١٢] إلى قوله: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ فقلت أنا: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤] فنزلت كذلك، ومنها في شأن عائشة -﵂- لمّا قال أهل الإفك ما قالوا، فقال: يا رسول الله من زوّجكها؟ فقال: الله تعالى، قال: أفتنظر أن ربك دلَّس عليك فيها، ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٦]، فأنزل الله ذلك، ذَكَره المحب الطبري في أحكامه، وقد ذكر أبو بكر بن العربي أن الموافقة في أحد عشر موضعًا، قلت: يشهد لذلك ما رواه الترمذي مصحَّحًا من حديث ابن عمر: ما نزل بالناس أمر قط فقالوا فيه، وقال فيه عمر رضي الله تعالى عنه إلا نزل فيه القرآن على نحو ما قال عمر -﵁-، وهذا يدل على كثرة موافقته. فإذا كان كذلك فكيف نص على الثلاث في العدد؟ قلت: التخصيص بالعدد لا يدل على نفي الزائد، وقيل: يحتمل أنه ذكر ذلك قبل أن يوافق في أربع وما زاد وفيه نظر؛ لأنَّ عمر أخبر بهذا بعد موت النبي فلا يتجه ما ذكر من ذلك، ويقال: يحتمل أن الراوي اعتنى بذكر الثلاث دون ما سواها لغرض له. (في مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ)؛ أي: في اتخاذه مصلّي، وفي رواية البخاريّ عن أنس، قال: «قال عمر وافقت ربي في ثلاث: فقلت: يا رسول الله، لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلي، فنزلت: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾، وآية الحجاب، قلت: يا رسول الله، لوأمَرت نساءك أن يحتجبن، فإنه يكلمهنّ البرّ والفاجر، فنزلت آية الحجاب، واجتَمَع نساء النبيّ -ﷺ- في الغيرة عليه، فقلت لهنّ: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ﴾، فنزلت هذه الآية. انتهى . [تنبيه]: قال الإمام ابن كثير -﵀-: وقد اختلف المفسرون في المراد بالمقام ما هو؟ فأخرج ابن أبي حاتم بسنده عن ابن عباس -﵄-: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ قال: مقام إبراهيم الحرم كله، وروي عن مجاهد وعطاء مثل ذلك. وأخرج أيضًا عن ابن جريجٍ قال: سألت عطاء عن: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾، فقال: سمعت ابن عباس قال: أما مقام إبراهيم الذي ذكر ههنا فمقام إبراهيم هذا الذي في المسجد، ثم قال: ومقام إبراهيم يُعَدّ كثيرًا، مقام إبراهيم الحج كله، ثم فسّره لي عطاء، فقال: التعريف، وصلاتان بعرفة، والمَشْعر، ومني، ورمي الجمار، والطواف بين الصفا والمروة، فقلت: أَفسَّره ابن عباس؟ قال: لا، ولكن قال: مقام إبراهيم الحج كله، قلت: أسمعت ذلك لهذا أجمع؟ قال: نعم سمعته منه. وقال سفيان الثوريّ عن عبد الله بن مسلم، عن سعيد بن جبير: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ قال: الحَجَر مقام إبراهيم نبي الله، قد جعله الله رحمة، فكان يقوم عليه، ويناوله إسماعيل الحجارة، ولو غسل رأسه كما يقولون لاختلف رجلاه. وقال السديّ: المقام الحَجَر الذي وضعته زوجة إسماعيل تحت قدم إبراهيم حتى غسلت رأسه، حكاه القرطبيّ، وضعّفه، ورجحه غيره، وحكاه الرازي في «تفسيره» عن الحسن البصريّ، وقتادة، والربيع بن أنس. وأخرج ابن أبي حاتم عن جعفر بن محمد، عن أبيه، سمع جابرًا يحدّث عن حجة النبيّ -ﷺ- قال: لما طاف النبيّ -ﷺ- قال له عمر: هذا مقام أبينا؟ قال: «نعم»، قال: أفلا نتخذه مصلى؟ فأنزل الله: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾. انتهى باختصار . (وَفِي الْحِجَابِ)؛ أي: وفي طلب احتجاب أزواجه -ﷺ- عن الرجال الأجانب، فقد قال عمر -﵁-: قلت: يا رسول الله، إن نساءك يدخل عليهن البرّ والفاجر، فلو أمرتهنّ أن يحتجبن، فنزلت آية الحجاب، وفي رواية أبي عوانة في «صحيحه» من طريق الزُّبيديّ، عن ابن شهاب: «فأنزل الله الحجاب، ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾ الآية [الأحزاب: ٥٣]». وقال الكرمانيّ -﵀-؛ الحجاب؛ أي: حُكم الحجاب؛ يعني: حجاب النساء عن الرجال، فأنزل الله آية الحجاب، ويَحْتَمِل أن يراد بآية الحجاب الجنس، فيتناول الآياتِ الثلاث: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ الآية [الأحزاب: ٥٩]، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ الآية [الأحزاب: ٥٣]، وقوله تعالى: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ الآية [النور: ٣١]، وأن يراد به العهد من واحدة من هذه الثلاث. قال العينيّ -﵀-: رواية أبي عوانة المذكورة فسَّرت المراد من آية الحجاب صريحًا كما ذكرنا. وسبب نزولها قصّة زينب بنت جحش -﵂- لَمّا أَوْلَمَ عليها، وتأخر النفر الثلاثة في البيت، واستحيى النبيّ -ﷺ- أن يأمرهم بالخروج، فنزلت آية الحجاب، متّفقٌ عليه. وروى ابن جرير في «تفسيره» من طريق مجاهد قال: بينا النبيّ -ﷺ- يأكل، ومعه بعض أصحابه، وعائشة تأكل معهم؛ إذ أصابت يد رجل منهم يدها، فكره النبيّ ذلك، فنزلت آية الحجاب. [فإن قلت]: ما طريقة الجمع بين هذه؟. [قلت]: أسباب نزول الحجاب تعددت، وكانت قصة زينب آخرها للنص على قصّتها في الآية. وقال التيميّ: الحجاب هنا استتارهنّ بالثياب حتى لا يُرَى منهنّ شيء عند خروجهنّ، وأما الحجاب الثاني فهو إرخاؤهنّ الحجاب بينهنّ وبين الناس. وتعقّبه العينيّ، فقال: رواية أبي عوانة تخدش هذا الكلام على ما لا يخفى. [ثم اعلم]: أن الحجاب كان في السَنَة الخامسة في قول قتادة، وقال أبو عبيد: في الثالثة، وقال ابن إسحق: بعد أم سلمة، وعند ابن سعد: في الرابعة في ذي القعدة، ذكر هذا كلّه في «العمدة» . (وَفِي أُسَارَى بَدْرٍ) حيث كان رأيه أن لا يَفْدُون، فنزل: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ الآية [الأنقال: ٦٧]. وقصّة أسارى بدر تقدّمت في «كتاب الجهاد والسِّيَر» [١٨/ ٤٥٧٨] (١٧٦٣)، «باب الإمداد بالملائكة في غزوة بدر، وإباحة الغنائم»، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عمر -﵁- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢/ ٦١٨٦] (٢٣٩٩)، و(البخاريّ) في «الصلاة» (٤٠٢) و«التفسير» (٤٤٨٣ و٤٧٩٠ و٤٩١٦)، و(الترمذيّ) في «التفسير» (٢٩٥٩ و٢٩٦٠)، و(النسائيّ) في «الكبرى» (١٠٩٩٨ و١١٤١٨)، و(ابن ماجه) في «الصلاة» (١٠٠٩)، و(أحمد) في «مسنده» (١/ ٢٣ - ٢٤ و٣٦ - ٣٧) وفي «فضائل الصحابة» (٤٣٤ و٤٣٧)، و(الدارميّ) في «سننه» (٢/ ٤٤)، و(سعيد بن منصور) في «سننه» (٢/ ٦٠٧)، و(الطبرانيّ) في «الأوسط» (٦/ ٩٢ و٢٠٧) و«الصغير» (٢/ ١١٠)، و(الطحاويّ) في «مشكل الآثار» (٤/ ٨٢٥)، و(البزّار) في «مسنده» (١/ ٣٣٩)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٦٨٩٦)، و(اللالكائيّ) في «اعتقاد أهل السُّنَّة» (٧/ ١٣٠٧)، و(ابن أبي عاصم) في «السُّنَّة» (٢/ ٥٨٦)، و(البغويّ) في «شرح السُّنَّة» (٣٨٨٧)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان فضيلة عمر -﵁-، حيث إن الله تعالى أيَّد به الدِّين، وأنزل الوحي على موافقته في كثير مما رآه -﵁-. ٢ - (ومنها): مشروعيّة مراجعة الأَدْوَن للأعلى في الشيء الذي يتبيَّن له. ٣ - (ومنها): فضل المراجعة إذا لم يقصد بها التعنت، فإنه قد يتبيّن فيها من العلم ما خفي، فإن نزول الآية، وهي قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الآية كان سببه المراجعة. ٤ - (ومنها): ما قاله النوويّ -﵀-: هذا من أجل مناقب عمر -﵁-، وفضائله، وهو مطابق للحديث قبله، ولهذا عقّبه مسلم به، وجاء في هذه الرواية: «وافقت ربي في ثلاث»، وفسَّرها بهذه الثلاث، وجاء في رواية أخرى في «الصحيح»: «اجتمع نساء رسول الله -ﷺ- عليه في الغَيْرة، فقلت: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ﴾ فنزلت الآية بذلك»، وجاء في الحديث الذي ذَكره مسلم بعد هذا موافقته في منع الصلاة على المنافقين، ونزول الآية بذلك، وجاءت موافقته في تحريم الخمر، فهذه ستّ، وليس في لفظه ما ينفي زيادة الموافقة، والله أعلم. انتهى . وقال في «العمدة»: هذه -يعني: آية الحجاب- إحدى ما وافق فيها عمر -﵁- ربه. والثانية: في قوله: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ﴾ الآية [التحريم: ٥]. والثالثة: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥]، وهذه الثلاثة ثابتة في «الصحيح» . والرابعة: موافقته في أسرى بدر. والخامسة: في منع الصلاة على المنافقين، وهاتان في «صحيح مسلم». والسادسة: موافقته في آية المؤمنين، رَوَى أبو داود الطيالسيّ في «مسنده» من حديث عليّ بن زيد: «وافقت ربي لمَّا نزلت: ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾، فقلت أنا: تبارك الله أحسن الخالقين، فنزلت». والسابعة: موافقته في تحريم الخمر. والثامنة: موافقته في قوله ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ﴾ الآية، ذكره الزمخشريّ، وقال ابن العربيّ: قدَّمنا في «الكتاب الكبير» أنه وافق ربه تعالى تلاوةً ومعنًى في أحد عشر موضعًا، وفي «جامع الترمذيّ» مصححًا عن ابن عمر -﵄-: «ما نزل بالناس أمرٌ قطّ، فقالوا فيه، وقال عمر فيه، إلا نزل فيه القرآن على نحو ما قال عمر -﵁-» . وقد نظم السيوطيّ -﵀- أرجوزة في موافقات عمر -﵁- ، ونصّها: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَصَلَّى اللَّهُ … عَلَى نَبِيِّهِ الَّذِي اجْتَبَاهُ يَا سَائِلِي وَالْحَادِثَاتُ تَكْثُرُ … عَنِ الَّذِي وَافَقَ فِيهِ عُمَرُ وَمَا يُرَى أُنْزِلَ فِي الْكِتَابِ … مَوَافِقًا لِرَأْيِهِ الصَّوَابِ خُذْ مَا سَأَلْتَ عَنْهُ فِي أَبْيَاتِ … مَنْظُومَةٍ تَأْمَنُ مِنْ شَتَاتِ فَفِي الْمَقَامِ وَأُسَارَى بَدْرِ … وَآيَتَيْ تَظَاهُرٍ وَسَتْرِ وَذِكْرِ جِبْرِيلَ لأَهْلِ الْغَدْرِ … وَآيَتَيْنِ أُنْزِلَا فِي الْخَمْرِ وَآيَةُ الصِّيَامِ فِي حِلِّ الرَّفَثْ … وَقَوْلُهُ نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ يُبَثّْ وَقَوْلُهُ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى … يُحَكّمُوكَ إِذْ بِقَتْلٍ أَفْتَى وَآيَةٌ فِيهَا لِبَدْرٍ أَوْبَهْ … وَلَا تُصَلِّ آيَةٌ فِي التَّوْبَهْ وَآيَة فِي النُّورِ هَذَا بُهْتَانْ … وَآيَة فِيهَا بِهَا الاسْتِئْذَانْ وَفِي خِتَامِ آيَةٍ فِي الْمُؤْمِنِينْ … تَبَارَكَ اللَّهُ بحِفْظِ الْمُتَّقِينْ وَثُلَّةٌ مِنْ فِي صِفَاتِ السَّابِقِينْ … وَفِي سَوَاءٌ آيَةُ الْمُنَافِقِينْ وَعَدَّدُوا مِنْ ذَاكَ نَسْخَ الرَّسْمِ … لآيَةٍ قَدْ نَزَلَتْ فِي الرَّجْمِ وَقَالَ قَوْلًا هُوَ فِي التَّوْرَاةِ قَدْ … نَبَّهَهُ كَعْبٌ عَلَيْهِ فَسَجَدْ وَفِي الأَذَانِ الذِّكْرُ لِلرَّسُولِ … رَأَيْتُهُ فِي خَبَرٍ مَوْصُولِ وَفِي الْقُرْآنِ جَاءَ بِالتَّحْقِيقِ … مَا هُوَ مِنْ مُوَافِقِ الصِّدِّيقِ كَقَوْلِهِ هُوَ الَّذِي يُصَلّي … عَلَيْكُمُ أَعْظِمْ بِهِ مِنْ فَضْلِ وَقَوْلُهُ فِي آخِرِ الْمُجَادِلَهْ … لَا تَجِدُ الآيَةَ فِي الْمُخَالَلَهْ نَظَمْتُ مَا رَأَيْتُهُ مَنْقُولًا … وَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى مَا أَوْلَى ٥ - (ومنها): ما قاله في «الفتح»: قال ابن الجوزيّ: إنما طلب عمر الاستنان بإبراهيم -﵇- مع النهي عن النظر في كتاب التوراة؛ لأنه سمع قول الله تعالى في حق إبراهيم: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ﴾، وقوله تعالى: ﴿أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾، فعَلم أن الائتمام بإبراهيم من هذه الشريعة، ولكون البيت مضافًا إليه، وأن أثر قدميه في المقام كرقم الباني في البناء؛ ليُذكَر به بعد موته، فرأى الصلاة عند المقام كقراءة الطائف بالبيت اسمَ من بناه. انتهى. وهي مناسبة لطيفة، ثم قال: ولم تزل آثار قَدَمَيْ إبراهيم حاضرة في المقام، معروفة عند أهل الحرم، حتى قال أبو طالب في قصيدته المشهورة [من الطويل]: وَمْوِطئُ إِبْرَاهِيمَ فِي الصَّخْرِ رَطْبَةٌ … عَلَى قَدَمَيْهِ حَافِيًا غَيْرَ نَاعِلِ وفي «موطأ ابن وهب» عن يونس، عن ابن شهاب، عن أنس، قال: «رأيت المقام فيه أصابع إبراهيم، وأخمص قدميه، غير أنه أذهبه مسح الناس بأيديهم». وأخرج الطبريّ في «تفسيره» من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، في هذه الآية: إنما أُمروا أن يصلّوا عنده، ولم يؤمروا بمسحه، قال: ولقد ذَكَر لنا من رأى أثر عقبه، وأصابعه فيها، فما زالوا يمسحونه حتى اخلولق، وانمحى. وكان المقام من عهد إبراهيم لَزِق البيت إلى أن أخّره عمر -﵁- إلى المكان الذي هو فيه الآن، أخرجه عبد الرزاق في «مصنفه» بسند صحيح، عن عطاء وغيره، وعن مجاهد أيضًا. وأخرج البيهقيّ عن عائشة -﵂- مثله بسند قويّ، ولفظه: «أن المقام كان في زمن النبيّ -ﷺ-، وفي زمن أبي بكر ملتصقًا بالبيت، ثم أخّره عمر». وأخرج ابن مردويه بسند ضعيف عن مجاهد: أن النبيّ -ﷺ- هو الذي حوّله، والأول أصحّ. وقد أخرج ابن أبي حاتم بسند صحيح عن ابن عيينة، قال: كان المقام في سقع البيت في عهد رسول الله -ﷺ-، فحوّله عمر، فجاء سيل فذهب به، فردّه عمر إليه، قال سفيان: لا أدري أكان لاصقًا بالبيت، أم لا؟ انتهى. ولم يُنكر الصحابة فِعل عمر، ولا من جاء بعدهم، فصار إجماعًا، وكان عمر رأى أن إبقاءه يَلزم منه التضييق على الطائفين، أو على المصلّين، فوَضَعه في مكان يرتفع به الحَرَج، وتهيأ له ذلك؛ لأنه الذي كان أشار باتخاذه مصلي، وأول من عمل عليه المقصورة الموجودة الآن. انتهى ، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦١٨٧] (٢٤٠٠) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ الله، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ، جَاءَ ابْنُهُ عَبْدُ الَلّهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ إِلَى رَسُولِ اللهِ -ﷺ-، فَسَأَلَهُ أَنْ يُعْطِيَهُ قَمِيصَهُ أَنْ يُكَفِّنَ فِيهِ أَبَاهُ، فَأَعْطَاهُ، ثُمَّ سَأَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْه، فَقَامَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- لِيُصَلِّيَ عَلَيْه، فَقَامَ عُمَرُ، فَأَخَذَ بِثَوْبِ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، أَتُصَلِّي عَلَيْه، وَقَدْ نَهَاكَ اللهُ أَنْ تُصَلِّيَ عَلَيْهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «إِنَّمَا خَيَّرَنِيَ اللهُ، فَقَالَ: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَو لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ الآية [التوبة: ٨٠]، وَسَأَزِيدُ عَلَى سَبْعِينَ»، قَالَ: إِنَّهُ مُنَافِقٌ، فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-، وَأَنْزَلَ اللهُ -﷿-: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ (٨٤)﴾ [التوبة: ٨٤]). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو أُسَامَةَ) حماد بن أسامة القرشيّ مولاهم الكوفيّ، مشهور بكنيته، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٩] (ت ٢٠١) وهو ابن ثمانين سنةً (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥١. والباقون ذُكروا في الباب، و«عبيد الله» هو: ابن عمر الْعُمَريّ. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-، وهو مسلسل بالمدنيين من عبيد الله، والباقيان كوفيّان، ومسلسلٌ أيضًا بالتحديث إلا في موضعين، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه ابن عمر -﵄- من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة. شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) -﵄- أنه (قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ) بمنع الصرف؛ لأنه عَلَم امرأة، والصواب كتابة «ابن» فيه بهمزة الوصل؛ ويُعرب بإعراب «ابنُ أُبيّ»؛ لأنه صفة ثانية لعبد الله، فأُبيّ أبوه، وسَلُولُ أمه، فهو ابن سَلُولَ، كما أنه ابن أُبيّ، فتنبّه، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: ذكر الواقديّ، ثم الحاكم في «الإكليل» أنه مات بعد منصرفهم من تبوك، وذلك في ذي القعدة سنة تسع، وكانت مدة مرضه عشرين يومًا، ابتداؤها من ليالٍ بقيت من شوال، قالوا: وكان قد تخلّف هو ومن تبعه عن غزوة تبوك، وفيهم نزلت: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا﴾ الآية [التوبة: ٤٧]، وهذا يدفع قول ابن التين: إن هذه القصة كانت في أول الإسلام قبل تقرير الإحكام، ذَكَره في «الفتح» . (جَاءَ ابْنُهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ إِلَى رَسُولِ اللهِ -ﷺ-)، وقع في رواية الطبريّ من طريق الشعبيّ: «لمّا احتُضِر عبد الله جاء ابنه عبد الله إلى النبيّ -ﷺ-، فقال: يا نبي الله إن أبي قد احتُضِر، فأُحِبّ أن تشهده، وتصلّي عليه، قال: ما اسمك؟ قال: الحباب -يعني: بضم المهملة، وموحدتين، مخففًا- قال: بل أنت عبد الله، الحباب اسم الشيطان. وكان عبد الله بن عبد الله بن أُبَيّ هذا من فضلاء الصحابة، وشَهِد بدرًا وما بعدها، واستُشهد يوم اليمامة في خلافة أبي بكر الصديق، ومن مناقبه أنه بلغة بعض مقالات أبيه، فجاء إلى النبيّ -ﷺ- يستأذنه في قَتْله، قال: »بل أحْسِن صُحْبته«، أخرجه ابن منده من حديث أبي هريرة، بإسناد حسن، وفي الطبرانيّ من طريق عروة بن الزبير، عن عبد الله بن عبد الله بن أُبَيّ أنه استأذن، نحوه، وهذا منقطع؛ لأن عروة لم يدركه، وكأنه كان يَحْمِل أمر أبيه على ظاهر الإسلام، فلذلك التمس من النبيِّ -ﷺ- أن يحضر عنده، ويصلي عليه، ولا سيما وقد ورد ما يدل على أنه فعل ذلك بعهد من أبيه، ويؤيد ذلك ما أخرجه عبد الرزاق، عن معمر، والطبريّ من طريق سعيد، كلاهما عن قتادة، قال: »أرسل عبد الله بن أُبَيّ إلى النبيّ -ﷺ-، فلما دخل عليه قال: أهلكك حب يهود، فقال: يا رسول الله إنما أرسلت إليك لتستغفر لي، ولم أرسل إليك لتوبخني، ثم سأله أن يعطيه قميصه، يكفن فيه، فأجابه»، وهذا مرسلٌ، مع ثقة رجاله، ويعضده ما أخرجه الطبرانيّ من طريق الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: «لما مَرِض عبد الله بن أُبَيّ جاءه النبيّ -ﷺ-، فكلمه، فقال: قد فَهِمت ما تقول، فامنن عليّ، فكفّنّي في قميصك، وصلّ عليّ، ففعل»، وكأن عبد الله بن أُبَيّ أراد بذلك دفع العار عن ولده، وعشيرته بعد موته، فأظهر الرغبة في صلاة النبيّ -ﷺ- عليه، ووقعت إجابته إلى سؤاله بحَسَب ما ظهر من حاله، إلى أن كشف الله الغطاء عن ذلك، وهذا من أحسن الأجوبة فيما يتعلق بهذه القصة، قاله في «الفتح» . (فَسَأَلَهُ)؛ أي: سأل عبد الله بن عبد الله بن أبيّ النبيّ -ﷺ- (أَنْ يُعْطِيَهُ قَمِيصَهُ أَنْ يُكَفِّنَ فِيهِ)؛ أي: في ذلك القميص، (أَبَاهُ) عبد الله بن أُبَيّ، (فَأَعْطَاهُ) -ﷺ- القميص (ثُمَّ سَأَلَهُ)؛ أي: سأل عبد الله النبيّ -ﷺ- (أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ)؛ أي: على أبيه، (فَقَامَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ) في حديث ابن عبّاس عن عمر: «فلما قام رسول الله -ﷺ- ..»، وفي حديث الترمذيّ: «فقام إليه، فلما وقف عليه يريد الصلاة عليه، وَثَبْتُ إليه، فقلت: يا رسول الله، أتصلّي على ابن أُبَيّ؟ وقد قال يوم كذا: كذا وكذا، أُعَدِّد عليه قوله»، يشير بذلك إلى مثل قوله: ﴿لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا﴾ الآية [المنافقون: ٧]، وإلى مثل قوله: ﴿لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ الآية [المنافقون: ٨]. (فَقَامَ عُمَرُ) بن الخطّاب (فَأَخَذَ بِثَوْبِ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، أَتُصَلِّي عَلَيْه، وَقَدْ نَهَاكَ اللهُ أَنْ تُصَلِّيَ عَلَيْهِ؟) قال في «الفتح»: كذا في هذه الرواية إطلاق النهي عن الصلاة، وقد استُشكل جدًّا حتى أقدم بعضهم، فقال: هذا وَهَمٌ من بعض رواته، وعاكسه غيره، فزعم أن عمر اطَّلَع على نهى خاصّ في ذلك، وقال القرطبيّ: لعل ذلك وقع في خاطر عمر، فيكون من قبيل الإلهام، ويَحْتَمِل أن يكون فَهِم ذلك من قوله: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ الآية [التوبة: ١١٣]، قال الحافظ: الثاني -يعني: ما قاله القرطبيّ -أقرب من الأول؛ لأنه لم يتقدم النهي عن الصلاة على المنافقين، بدليل أنه قال في آخر هذا الحديث: «قال: فأنزل الله: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾». والذي يظهر أن في رواية الباب تجوّزًا بيَّنته الرواية الأخرى عن عبد الله بن عمر، بلفظ: «فقال: تصلي عليه، وقد نهاك الله أن تستغفر لهم». ورَوَى عبد بن حميد، والطبريّ من طريق الشعبيّ، عن ابن عمر، عن عمر، قال: «أراد رسول الله -ﷺ- أن يصلي على عبد الله بن أُبَيّ، فأخذت بثوبه، فقلت: والله ما أمرك الله بهذا، لقد قال: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾». ووقع عند ابن مردويه من طريق سعيد بن جبير، عن ابن عباس: «فقال عمر: أتصلي عليه، وقد نهاك الله أن تصلي عليه؟ قال: أين؟ قال: قال: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ الآية»، وهذا مثل رواية الباب، فكأن عمر قد فهم من الآية المذكورة ما هو الأكثر الأغلب من لسان العرب، من أن «أو» ليست للتخيير، بل للتسوية في عدم الوصف المذكور؛ أي: إن الاستغفار لهم وعدم الاستغفار سواء، وهو كقوله تعالى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لم تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾، لكن الثانية أصرح، ولهذا ورد أنها نزلت بعد هذه القصة. وفَهِم عمر أيضًا من قوله: ﴿سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ أنها للمبالغة، وأن العدد المعيَّن لا مفهوم له، بل المراد نفي المغفرة لهم، ولو كَثُر الاستغفار، فيحصل من ذلك النهي عن الاستغفار، فأَطْلَقه. وفَهِم أيضًا أن المقصود الأعظم من الصلاة على الميت طلب المغفرة للميت، والشفاعة له، فلذلك استلزم عنده النهي عن الاستغفار تَرْك الصلاة، فلذلك جاء عنه في هذه الرواية إطلاق النهي عن الصلاة، ولهذه الأمور استنكر إرادة الصلاة على عبد الله بن أُبَيّ. هذا تقرير ما صدر عن عمر، مع ما عُرِف من شدّة صلابته في الدين، وكثرة بُغضه للكفار والمنافقين، وهو القائل في حقّ حاطب بن أبي بلتعة، مع ما كان له من الفضل، كشهوده بدرًا، وغير ذلك؛ لكونه كاتَبَ قريشًا قبل الفتح: دعني يا رسول الله أضرب عنقه، فقد نافق، فلذلك أقدم على كلامه للنبيِّ -ﷺ- بما قال، ولم يلتفت إلى احتمال إجراء الكلام على ظاهره؛ لِمَا غلب عليه من الصلابة المذكورة. قال الزين ابن المنير: وإنما قال ذلك عمر حرصًا على النبيّ -ﷺ-، ومشورةً، لا إلزامًا، وله عوائد بذلك، ولا يبعد أن يكون النبيّ -ﷺ- كان أَذِن له في مثل ذلك، فلا يستلزم ما وقع من عمر أنه اجتهد مع وجود النصّ، كما تمسَّك به قوم في جواز ذلك، وإنما أشار بالذي ظهر له فقط، ولهذا احْتَمَل منه النبيِّ -ﷺ- أخْذَه بثوبه، ومخاطبته له في مثل ذلك المقام، حتى التفتَ إليه متبسمًا، كما في حديث ابن عباس بذلك. انتهى . (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «إِنَّمَا خَيَّرَنِيَ اللهُ، فَقَالَ: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَو لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ الآية [التوبة: ٨٠]، وَسَأَزِيدُ عَلَى سَبْعِينَ») في حديث ابن عباس عن عمر من الزيادة: «فتبسَّم رسول الله -ﷺ-، وقال: أَخِّر عني يا عمر، فلما أكثرت عليه قال: إني خُيِّرت، فاخترت»؛ أي: خُيِّرت بين الاستغفار وعدمه، وقد بيَّن ذلك حديث ابن عمر حيث ذكر الآية المذكورة، وقوله في حديث ابن عباس، عن عمر: «لوأعلم أني إن زدت على السبعين يُغفر له لَزِدْتُ عليها»، وحديث ابن عمر جازم بقصة الزيادة، وآكد منه ما روى عبد بن حميد من طريق قتادة، قال: لمّا نزلت: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَو لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ قال النبيّ -ﷺ-: «قد خيَّرني ربي، فوالله لأزيدنّ على السبعين»، وأخرجه الطبريّ من طريق مجاهد مثله، والطبريّ أيضًا، وابن أبي حاتم من طريق هشام بن عروة، عن أبيه مثله، وهذه طُرُقٌ، وإن كانت مراسيل، فإن بعضها يعضد بعضًا، وقد خَفِيت هذه اللفظة على من خَرَّج أحاديث «المختصر»، و«البيضاويّ»، واقتصروا على ما وقع في هذا الباب. ودلّ ذلك على أنه -ﷺ- أطال في حال الصلاة عليه من الاستغفار له. وقد ورد ما يدلّ على ذلك، فذكر الواقديّ أن مُجَمِّع بن جارية قال: «ما رأيت رسول الله -ﷺ- أطال على جنازة قطّ ما أطال على جنازة عبد الله بن أُبَيّ من الوقوف». ورَوَى الطبريّ من طريق مغيرة، عن الشعبيّ قال: قال النبيّ -ﷺ-: «قال الله: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾، فأنا أستغفر لهم سبعين، وسبعين، وسبعين» . (قَالَ) عمر -﵁- (إِنَّهُ)؛ أي: عبد الله بن أُبيّ، (مُنَافِقٌ، فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-) أما جَزْم عمر -﵁- بأنه منافق، فجرى على ما كان يَطَّلع عليه من أحواله، وإنما لم يأخذ النبيّ -ﷺ- بقوله، وصلى عليه؛ إجراءً له على ظاهر حُكْم الإسلام، كما تقدم تقريره، واستصحابًا لظاهر الحكم، ولمَا فيه من إكرام وَلَدِه الذي تحققت صلاحيته، ومصلحة الاستئلاف لقومه، ودَفْع المفسدة، وكان النبيّ -ﷺ- في أول الأمر يصبر على أذى المشركين، ويعفو، ويصفح، ثم أُمر بقتال المشركين، فاستمرّ صفحة، وعفوه عمن يظهر الإسلام، ولو كان باطنه على خلاف ذلك؛ لمصلحة الاستئلاف، وعدم التنفير عنه، ولذلك قال: «لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه»، فلما حصل الفتح، ودخل المشركون في الإسلام، وقلّ أهل الكفر، وذَلُّوا أُمر بمجاهرة المنافقين، وحَمْلهم على حُكْم مُرّ الحقّ، ولا سيما وقد كان ذلك قبل نزول النهي الصريح عن الصلاة على المنافقين، وغير ذلك، مما أُمر فيه بمجاهرتهم، وبهذا التقرير يندفع الإشكال عما وقع في هذه القصة بحمد الله تعالى، قاله في «الفتح» . (وَأَنْزَلَ اللهُ -﷿-: وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ (٨٤)﴾ [التوبة: ٨٤] زاد يحيى القطان، عن عبيد الله بن عمر التالي في آخره: «فترك الصلاة عليهم»، وأخرجه ابن أبي حاتم، عن أبيه، عن مسدّد، وحماد بن زاذان، عن يحيى، وقد أخرجه البخاريّ في «الجنائز» عن مسدد بدون هذه الزيادة، وفي حديث ابن عباس: «فصلى عليه، ثم انصرف، فلم يمكث إلا يسيرًا حتى نزلت»، زاد ابن إسحاق في «المغازي»: قال: «حدّثني الزهريّ عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عبّاس، عن عمر قال:»فما صلى رسول الله -ﷺ- على منافق بعده، حتى قبضه الله«. ومِن هذا الوجه أخرجه ابن أبي حاتم، وأخرجه الطبريّ من وجه آخر، عن ابن إسحاق، فزاد فيه:«ولا قام على قبره». وروى عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، قال:«لما نزلت: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَو لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ قال النبيّ -ﷺ-: لأزيدن على السبعين، فأنزل الله تعالى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لم تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾، ورجاله ثقات، مع إرساله، ويَحْتَمِل أن تكون الآيتان معًا نزلتا في ذلك، قاله في »الفتح« ، وهو بحثٌ نفيسٌ جدًّا، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عمر -﵄- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢/ ٦١٨٧ و٦١٨٨] (٢٤٠٠)، و(البخاريّ) في «الجنائز» (١٢٦٩) و«التفسير» (٤٦٧٠ و٤٦٧١ و٤٦٧٢) و«اللباس» (٥٧٩٦)، و(الترمذيّ) في «التفسير» (٣٠٩٨)، و(النسائيّ) في «الجنائز» (٤/ ٣٦)، وفي «الكبرى» (١/ ٦٢١ و٦/ ٣٧٥)، و(ابن ماجه) في «الجنائز» (١/ ٤٨٧)، و(أحمد) في «مسنده» (١/ ١٦ و٢/ ١٨)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٣١٧٥ و٣١٧٦)، و(الطبرانيّ) في «الكبير» (١٧٠٥١)، و(الطبريّ) في «تفسيره» (١٧٠٥٠ و١٧٠٥٥)، و(البزّار) في «مسنده» (١/ ٢٩٨)، و(عبد بن حُميد) في «مسنده» (١/ ٣٥)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٣/ ٤٠٢ و٨/ ١٩٩) و«دلائل النبوّة» (٥/ ٢٨٧)، و(البغويّ) في «تفسيره» (٢/ ٣١٦)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان فضل عمر بن الخطّاب -﵁-، وصلابته في الدِّين، وشدّة بغضه للمنافقين. [تنبيه]: قد جمع أبو نعيم الحافظ صاحب «حلية الأولياء» في جزء له جَمَع فيه طُرُق هذا الحديث، وتكلم على معانيه، فلخّصه الحافظ في «الفتح». ٢ - (ومنها): قال: فمن ذلك أنه قال: وقع في رواية أبي أسامة وغيره عن عبيد الله العمريّ في قول عمر: «أتصلي عليه، وقد نهاك الله عن الصلاة على المنافقين؟» ولم يبيّن محلّ النهي، فوقع بيانه في رواية أبي ضمرة، عن العُمَريّ، وهو أن مراده بالصلاة عليهم الاستغفار لهم، ولفظه: «وقد نهاك الله أن تستغفر لهم». ٣ - (ومنها): أن في قول ابن عمر: «فصلى رسول الله -ﷺ-، وصلّينا معه»، أن عمر تَرَك رأي نفسه، وتابع النبيّ -ﷺ-، ونبَّه على أنَّ ابن عمر حَمَل هذه القصّة عن النبيّ -ﷺ- بغير واسطة، بخلاف ابن عباس، فإنه إنما حملها عن عمر؛ إذ لم يشهدها. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله أبو نعيم -﵀- من كون الحديث من مسند ابن عمر، هو الظاهر؛ للرواية المذكورة، لكن خالف ذلك أصحاب الأطراف؛ كالحافظ المزّيّ -﵀-، فجعلوه من مسند عمر -﵁-، وتابَعْتُهم: إذ هو ظاهر أكثر الروايات، وما في الرواية المذكورة يَحْتَمِل التأويل بأن المراد: فصلّى من حضر، فتنبّه، والله تعالى أعلم. ٤ - (ومنها): أن فيه جوازَ الشهادة على المرء بما كان عليه حيًّا وميتًا؛ لقول عمر -﵁-: إن عبد الله منافق، ولم يُنكر النبيُ -ﷺ- قوله، ويؤخذ أن المنهيّ عنه من سبّ الأموات ما قُصِد به الشتم، لا التعريف. ٥ - (ومنها): أن المنافق تُجرَى عليه أحكام الإسلام الظاهرة. ٦ - (ومنها): أن الإعلام بوفاة الميت مجردًا، لا يدخل في النعي المنهيّ عنه. ٧ - (ومنها): جواز سؤال الموسر من المال مَن ترجى بركته شيئًا من ماله؛ لضرورة دينية . ٨ - (ومنها): رعاية الحيّ المطيع بالإحسان إلى الميت العاصي. ٩ - (ومنها): جواز التكفين بالمخيط. ١٠ - (ومنها): جواز تأخير البيان عن وقت النزول إلى وقت الحاجة، والعمل بالظاهر، إذا كان النص محتملًا. ١١ - (ومنها): جواز تنبيه المفضول الفاضل على ما يظن أنه سها عنه، وتنبيه الفاضل المفضول على ما يُشكل عليه. ١٢ - (ومنها): جواز استفسار السائل المسؤول، وعكسه عما يَحتَمِل ما دار بينهما. ١٣ - (ومنها): جواز التبسم في حضور الجنازة عند وجود ما يقتضيه ، وقد استحب أهل العلم عدم التبسم من أجل تمام الخشوع، فيستثنى منه ما تدعو إليه الحاجة، وبالله التوفيق. إلى هنا انتهى ما ذكره أبو نعيم منقولًا من «الفتح» . ١٤ - (ومنها): أنه قد تمسك بهذه القصة مَن جعل مفهوم العدد حجةً، وكذا مفهوم الصفة من باب أولي، ووجه الدلالة أنه -ﷺ- فَهِم أن ما زاد على السبعين بخلاف السبعين، فقال: «سأزيد على السبعين»، وأجاب من أنكر القول بالمفهوم بما وقع في بقية القصّة، قال الحافظ: وليس ذلك بدافع للحجة؛ لأنه لو لم يَقُم الدليل على أن المقصود بالسبعين المبالغة، لكان الاستدلال بالمفهوم باقيًا. انتهى. ١٥ - (ومنها): ما قال الخطابيّ: إنما فعل النبيّ -ﷺ- مع عبد الله بن أُبَيّ ما فَعَل؛ لكمال شفقته على من تعلَّق بطَرَف من الدِّين، ولتطييب قلب ولده عبد الله الرجل الصالح، ولتألُّف قومه من الخزرج؛ لرياسته فيهم، فلو لم يُجب سؤال ابنه، وتَرَك الصلاة عليه قبل ورود النهي الصريح لكان سُبّةً على ابنه، وعارًا على قومه، فاستَعْمَل أحسن الأمرين في السياسة إلى أن نُهِيَ، فانتهى. وتبعه ابن بطال وعبَّر بقوله: ورجا أن يكون معتقدًا لبعض ما كان يُظهره من الإسلام. وتعقبه ابن المنَيِّر بأن الإيمان لا يتبعض، وهو كما قال، لكن مراد ابن بطال أن إيمانه كان ضعيفًا. قال الجامع عفا الله عنه: القول بأن الإيمان لا يتبعّض: من مذاهب المتكلّمين الأشاعرة؛ لأن الإيمان عندهم لا يزيد، ولا ينقص، وهذا مذهب باطلٌ، مخالف لظواهر الكتاب والسُّنَّة، ومذهب السلف، قال البخاريّ -﵀- في «صحيحه»: «باب قول النبيّ -ﷺ-: بُني الإسلام على خمس، وهو قولٌ، وفعلٌ، ويزيد، وينقص»، ثم أورد الأدلة على ذلك من الكتاب والسُّنَّة، وهذا الحقّ، والغريب موافقة الحافظ له سامحه الله بقوله: «وهو كما قال»، فتنبّه، فإن هذا من مزالّ الأقدام، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. [تنبيه]: قال الحافظ -﵀-: وقد مال بعض أهل الحديث إلى تصحيح إسلام عبد الله بن أُبي لكون النبيّ -ﷺ- صلى عليه، وذَهِلَ عن الوارد من الآيات، والأحاديث المصرحة في حقّه بما ينافي ذلك، ولم يقف على جوابٍ شافٍ في ذلك، فأقدم على الدعوى المذكورة، وهو محجوج بإجماع من قبله على نقيض ما قال، وإطباقهم على تَرْك ذِكره في كُتُب الصحابة، مع شهرته، وذِكر من هو دونه في الشرف، والشهرة بأضعاف مضاعفة. وقد أخرج الطبريّ من طريق سعيد، عن قتادة في هذه القصّة قال: «فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾. قال: فذُكِر لنا أن نبيّ الله -ﷺ- قال: وما يغني عنه قميصي من الله، وإني لأرجو أن يُسلم بذلك ألف من قومه». انتهى ، والله تعالى أعلم. (المسألة الرابعة): قال في «الفتح»: ظاهر الآية -يعني: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ - أنها نزلت في جميع المنافقين، لكن ورد ما يدلّ على أنها نزلت في عدد معيَّن منهم، قال الواقديّ: أنبأنا معمر، عن الزهريّ قال: قال حذيفة: قال لي رسول الله -ﷺ-: «إني مسرّ إليك سرًّا، فلا تذكره لأحد، إني نُهيت أن أصلي على فلان وفلان، رهط ذوي عدد من المنافقين»، قال: فلذلك كان عمر إذا أراد أن يصلي على أحد استتبع حذيفة، فإن مشى معه، وإلا لم يصلّ عليه. ومن طريق أخرى عن جبير بن مطعم: أنهم أثنا عشر رجلًا. ولعل الحكمة في اختصاص المذكورين بذلك أن الله علم أنهم يموتون على الكفر، بخلاف من سواهم، فإنهم تابوا. انتهى. (المسألة الخامسة): استُشكِلَ فهمُ التخيير من قوله تعالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَو لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ الآية [التوبة: ٨٠] حتى أقدم جماعة من الأكابر على الطعن في صحة هذا الحديث، مع كثرة طُرُقه، واتفاق الشيخين، وسائر الذين خرّجوا الصحيح على تصحيحه، وذلك ينادي على منكري صحته بعدم معرفة الحديث، وقلّة الاطلاع على طُرُقه. قال ابن المنيّر: مفهوم الآية زلّت فيه الأقدام، حتى أنكر القاضي أبو بكر صحة الحديث، وقال: لا يجوز أن يُقبل هذا، ولا يصحّ أن الرسول -ﷺ- قاله. انتهى. ولفظ القاضي أبي بكر الباقلّانيّ في «التقريب»: هذا الحديث من أخبار الآحاد التي لا يُعلم ثبوتها. وقال إمام الحرمين في «مختصره»: هذا الحديث غير مخرّج في الصحيح، وقال في «البرهان»: لا يصححه أهل الحديث. وقال الغزالي في «المستصفى»: الأظهر أن هذا الخبر غير صحيح. وقال الداوديّ الشارح: هذا الحديث غير محفوظ. والسبب في إنكارهم صحته ما تقرّر عندهم مما قدمناه، وهو الذي فهمه عمر -﵁-، من حَمْل «أو» على التسوية لِمَا يقتضيه سياق القصّة، وحَمْل السبعين على المبالغة. قال ابن المنيّر: ليس عند أهل البيان تردُّد أن التخصيص بالعدد في هذا السياق غير مراد. انتهى. وأيضًا فشَرْط القول بمفهوم الصفة، وكذا العدد عندهم مماثلة المنطوق للمسكوت، وعدم فائدة أخرى، وهنا للمبالغة فائدة واضحة، فأشكل قوله: «سأزيد على السبعين» مع أن حُكم ما زاد عليها حُكمها. وقد أجاب بعض المتأخرين عن ذلك بأنه إنما قال: «سأزيد على السبعين» استمالةً لقلوب عَشيرته، لا أنه إن زاد على السبعين يُغفر له، ويؤيّده تردده في قوله: «لوأعلم أني إن زدت على السبعين يُغفر له لزدت»، لكن ثبتت الرواية بقوله: «سأزيد» ووعْدُهْ صادق، ولا سيما، وقد ثبت قوله: «لأزيدنّ» بصيغة المبالغة في التأكيد. وأجاب بعضهم باحتمال أن يكون فَعَل ذلك استصحابًا للحال؛ لأن جواز المغفرة بالزيادة كان ثابتًا قبل مجيء الآية، فجاز أن يكون باقيًا على أصله في الجواز، وهذا جواب حسن. وحاصله: أن العمل بالبقاء على حكم الأصل مع فهم المبالغة لا يتنافيان، فكأنه جوّز أن المغفرة تحصل بالزيادة على السبعين، لا أنه جازم بذلك، ولا يخفى ما فيه. وقيل: إن الاستغفار يتنزّل منزلة الدعاء، والعبد إذا سأل ربّه حاجة، فسؤاله إياه يتنزّل منزلة الذِّكر، لكنه من حيث طلبُ تعجيل حصول المطلوب ليس عبادة، فإذا كان كذلك، والمغفرة في نفسها ممكنة، وتعلّق العلم بعدم نَفْعها لا بغير ذلك، فيكون طلبها لا لغرض حصولها، بل لتعظيم المدعوّ، فإذا تعذّرت المغفرة عُوّض الداعي عنها بما يليق به، من الثواب، أو دَفْع السوء، كما ثبت في الخبر، وقد يحصل بذلك عن المدعوّ لم تخفيف، كما في قصّة أبي طالب. هذا معنى ما قاله ابن المنيّر. قال الحافظ: وفيه نظر؛ لأنه يستلزم مشروعية طلب المغفرة لمن تستحيل المغفرة له شرعًا، وقد ورد إنكار ذلك في قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ الآية [التوبة: ١١٣]. ووقع في أصل القصّة إشكال آخر، وذلك أنه -ﷺ- أطلق أنه خُيّر بين الاستغفار لهم، وعدمه بقوله تعالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَو لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ الآية [التوبة: ٨٠]، وأخذ بمفهوم العدد من السبعين، فقال: «سأزيد عليها» مع أنه سبق قيل ذلك بمدّة طويلة نزول قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾ الآية [التوبة: ١١٣]، فإن هذه الآية نزلت في قصّة أبي طالب، حين قال -ﷺ-: «لأستغفرنّ لك، ما لم أُنْهَ عنك»، فنزلت، وكانت وفاة أبي طالب بمكة قبل الهجرة اتفاقًا، وقصة عبد الله بن أُبيّ هذه في السنة التاسعة من الهجرة، كما تقدّم، فكيف يجوز مع ذلك الاستغفار للمنافقين مع الجزم بكفرهم في نفس الآية؟. قال الحافظ: وقد وقفت على جواب لبعضهم عن هذا، حاصله: أن المنهي عنه استغفارٌ تُرجَى إجابته حتى يكون مقصوده تحصيل المغفرة لهم، كما في قصّة أبي طالب، بخلاف الاستغفار لمثل عبد الله بن أُبيّ، فإنه استغفار لِقَصْد تطييب قلوب من بقي منهم. قال الحافظ: وهذا الجواب ليس بمَرْضيّ عندي، ونحوه قول الزمخشريّ، فإنه قال: [فإن قلت]: كيف خفي على أفصح الخلق، وأَخبَرِهم بأساليب الكلام، وتمثيلاته أن المراد بهذا العدد أن الاستغفار، ولو كثر لا يُجدي، ولا سيما وقد تلا قوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ الآية [التوبة: ٨٠]، فبيَّن الصارف عن المغفرة لهم؟. [قلت]: لم يَخفَ عليه ذلك، ولكنه فعل ما فعل، وقال ما قال، إظهارًا لغاية رحمته، ورأفته على من بُعث إليهم، وهو كقول إبراهيم -﵇-: ﴿وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٣٦]، وفي إظهار النبيّ -ﷺ- الرأفة المذكورة لُطْف بأمته، وباعث على رحمة بعضهم بعضًا. انتهى. وقد تعقّبه ابن المنيّر وغيره، وقالوا: لا يجوز نسبة ما قاله إلى الرسول -ﷺ-؛ لأن الله أخبر أنه لا يَغفر للكفار، وإذا كان الله لا يغفر لهم، فطَلَبُ المغفرة لهم مستحيل، وطلب المستحيل لا يقع من النبيّ -ﷺ-. ومنهم من قال: إن النهي عن الاستغفار لمن مات مشركًا لا يستلزم النهي عن الاستغفار لمن مات مظهرًا للإسلام؛ لاحتمال أن يكون معتقَده صحيحًا. وهذا جواب جيّد. وقد رجّح الحافظ في تفسير «سورة القصص» أن نزول الآية كان متراخيًا عن قصة أبي طالب جدًّا، وأن الذي نزل في قصته: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ الآية [القصص: ٥٦]. قال: إلا أن في بقية هذه الآية من التصريح بأنهم كفروا بالله ورسوله ما يدلّ على أن نزول ذلك وقع متراخيًا عن القصّة، ولعلّ الذي نزل أوّلًا، وتمسّك به النبيّ -ﷺ- قوله تعالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَو لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ الآية [التوبة: ٨٠] إلى هنا خاصّة، ولذلك اقتصر في جواب عمر على التخيير، وعلى ذِكر السبعين، فلما وقعت القصّة المذكورة كشف الله عنهم الغطاء، وفَضَحهم على رؤوس الملأ، ونادى عليهم بأنهم كفروا بالله، ورسوله. قال: وإذا تأمل المصنف وجد الحامل لمن ردّ الحديث، أو تعسّف في التأويل ظَنُّهُ بأن قوله: ﴿بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ الآية [التوبة: ٨٠]، نزل مع قوله: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾؛ أي: نزلت الآية كاملة؛ لأنه لو فُرض نزولها كاملة لاقترن بالنهي العلة، وهي صريحة في أن قليل الاستغفار، وكثيرة لا يُجدي، وإلا فإذا فُرض ما حرّرته أن هذا القدر نزل متراخيًا عن صدر الآية ارتفع الإشكال، وإذا كان الأمر كذلك، فحجة المتمسّك من القصّة بمفهوم العدد صحيح، وكون ذلك وقع من النبيّ -ﷺ- متمسّكًا بالظاهر على ما هو المشروع في الأحكام إلى أن يقوم الدليل الصارف عن ذلك لا إشكال فيه، فللَّه الحمد على ما ألهم، وعلّم. انتهى كلام الحافظ -﵀- ملخصًا. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي حرّره الحافظ حسنٌ جدًّا، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦١٨٨] (. . .) - (وَحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَعُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا يَحْيَى -وَهُوَ الْقَطَّانُ- عَنْ عُبَيْدِ الله، بِهَذَا الإِسْنَاد، فِي مَعْنَى حَدِيثِ أَبِي أُسَامَةَ، وَزَادَ: قَالَ: فَتَرَكَ الصَّلَاةَ عَلَيْهِمْ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (يَحْيَى القَطَّانُ) هو: يحيى بن سعيد بن فَرُّوخ -بفتح الفاء، وتشديد الراء المضمومة، وسكون الواو، ثم معجمة- التميميّ، أبو سعيد البصريّ، ثقةٌ، متقنٌ، حافظٌ، إمامٌ، قُدوةٌ، من كبار [٩] (ت ١٩٨) وله ثمان وسبعون سنةً (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٨٥. والباقون ذُكروا في الباب وقبله. وقوله: (وَزَادَ: قَالَ .. إلخ) فاعل «زاد» ضمير يحيى القطّان. [تنبيه]: رواية يحيى القطّان عن عبيد الله هذه ساقها الترمذيّ -﵀- في «جامعه»، فقال: (٣٠٩٨) - حَدَّثَنَا محمد بن بشار، حدّثنا يحيى بن سعيد، حدّثنا عبيد الله، أخبرنا نافع، عن ابن عمر، قال: جاء عبد الله بن عبد الله بن أُبَيّ إلى النبيّ -ﷺ- حين مات أبوه، فقال: أعطني قميصك أكفّنه فيه، وصَلِّ عليه، واستغفِر له، فأعطاه قميصه، وقال: «إذا فرغتم، فآذنوني»، فلما أراد أن يصلي جذبه عمر، وقال: أليس قد نَهَى الله أن تصلي على المنافقين؟ فقال: «أنا بين خِيْرتين: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَو لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾، فصلى عليه، فأنزل الله: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾، فتَرَك الصلاة عليهم، قال أبو عيسى: هذا حديث حسنٌ صحيحٌ. انتهى ، والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٣) - (بَابُ فَضَائِلِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ -﵁-) هو: عثمان بن عفّان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، القرشيّ الأمويّ، أمير المؤمنين، أبو عبد الله، وأبو عمر، وأمه أروى بنت كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس، أسلمت، وأمها البيضاء بنت عبد المطلب عمة رسول الله -ﷺ-، يَجتمع مع النبيّ -ﷺ- في عبد مناف، وعَدَد ما بينهما من الآباء متفاوت، فالنبيّ -ﷺ- من حيث العدد في درجة عفّان، كما وقع لعمر سواءً، وُلد بعد الفيل بست سنين على الصحيح، وكان رَبْعَةً، حسن الوجه، رقيق البشرة، عظيم اللحية، بعيد ما بين المنكبين. أسلم قديمًا، قال ابن إسحاق: كان أبو بكر مؤلّفًا لقومه، فجعل يدعو إلى الإسلام من يثق به، فأسلم على يده فيما بلغني الزبير، وطلحة، وعثمان. وزَوَّج النبيُّ -ﷺ- ابنته رقية من عثمان، وماتت عنده في أيام بدر، فزوّجه بعدها أختها أم كلثوم، فلذلك كان يلقب ذا النورين. وجاء ممن أوجه متواترة أن رسول الله -ﷺ- بشّره بالجنة، وعدّه من أهل الجَنَّة، وشَهِد له بالشهادة. وجاء من طرق كثيرة شهيرة صحيحة عن عثمان لمَّا أنْ حصروه انتشد الصحابة في أشياء، منها تجهيزه جيش العسرة، ومنها مبايعة النبيّ -ﷺ- عنه تحت الشجرة لمَّا أرسله إلى مكة، ومنها شراؤه بئر رومة، وغير ذلك. وهو أول من هاجر إلى الحبشة، ومعه زوجته رقية، وتخلف عن بدر لتمريضها، فكتَب له النبيّ -ﷺ- بسهمه، وأجْره، وتخلف عن بيعة الرضوان؛ لأنَّ النبيّ -ﷺ- كان بَعَثه إلى مكة، فأُشيع أنهم قتلوه، فكان ذلك سبب البيعة، فضرب إحدى يديه على الأخرى، وقال: «هذه عن عثمان»، وقال ابن مسعود لمّا بويع: بايَعْنا خَيْرنا، ولم نَأْلُ، وقال عليّ: كان عثمان أوْصَلَنا للرحم، وكذا قالت عائشة لمّا بلغها قتله: قتلوه، وإنه لَأوصَلُهم للرحم، وأتقاهم للرب. وكان سبب قَتْله أن أمراء الأمصار كانوا من أقاربه، كان بالشام كلها معاوية، وبالبصرة سعيد بن العاص، وبمصر عبد الله بن سعد بن أبي سرح، وبخراسان عبد الله بن عامر، وكان مَن حجّ منهم يشكو من أميره، وكان عثمان ليّن العريكة، كثير الإحسان والحِلْم، وكان يستبدل ببعض أمرائه، فيرضيهم، ثم يعيده بعدُ إلى أن رحل أهل مصو يشكون من ابن أبي سرح، فعزله، وكتب له كتابًا بتولية محمد بن أبي بكر الصديق، فرضوا بذلك، فلما كانوا في أثناء الطريق رأوا راكبًا على راحلة، فاستخبروه، فأخبرهم أنه من عند عثمان باستقرار ابن أبي شرح، ومعاقبة جماعة من أعيانهم، فأخذوا الكتاب، ورجعوا، وواجهوا به، فحلف أنه ما كتب، ولا أَذِن، فقالوا: سلِّمنا كاتبك، فخشي عليه منهم القتل، وكان كاتبه مروان بن الحكم، وهو ابن عمة، فغضبوا، وحصروه في داره، واجتمع جماعة يحمونه منهم، فكان ينهاهم عن القتال إلى أن تسوّروا عليه من دار إلى دار، فدخلوا عليه، فقتلوه، فعَظُم ذلك على أهل الخير من الصحابة وغيرهم، وانفتح باب الفتنة، فكان ما كان، والله المستعان. وروى البخاريّ في قصة قَتْل عمر أنه عَهِد إلى ستة، وأمرهم أن يختاروا رجلًا، فجعلوا الاختيار إلى عبد الرَّحمن بن عوف، فاختار عثمان، فبايعوه، ويقال: كان ذلك يوم السبت غُرّةَ المحرّم سنة أربع وعشرين. وقال ابن إسحاق: قُتل على رأس إحدى عشرة سنة وأحد عشر شهرًا واثنين وعشرين يومًا من خلافته، فيكون ذلك في ثاني وعشرين ذي الحجة سنة خمس وثلاثين، وقال غيره: قُتل لسبع عشرة، وقيل: لثمان عشرة، رواه أحمد، عن إسحاق بن الطباع، عن أبي معشر. وقال الزبير بن بكار: بويع يوم الاثنين لليلة بقيت من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين، وقُتل يوم الجمعة لثمان عشرة خلت من ذي الحجة بعد العصر، ودُفن ليلة السبت بين المغرب والعشاء في حُشّ كوكب، كان عثمان اشتراه، فوسَّع به البقيع، وقُتل، وهو ابن اثنتين وثمانين سنة وأشهر على الصحيح المشهور، وقيل: دون ذلك، وزعم أبو محمد بن حزم أنه لم يبلغ الثمانين. انتهى ملخّصًا من «الإصابة» . وقال القرطبيّ -﵀-: هو عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أميَّة بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصيّ، يُكنى أبا عمرو، وأبا عبد الله، وأبا ليلى بأولادٍ وُلِدوا له، وأشهر كُنَاه: أبو عمرو، ولُقِّب بذي النُّورين؛ لأنَّ النبيّ -ﷺ- زوَّجه ابنتيه: رُقَيّة، وأم كلثوم، واحدة بعد أخرى، وقال -ﷺ-: «لو كانت عندي أخرى لزوَّجتها له»، أسلم قديمًا قبل دخول النبيّ -ﷺ- دار الأرقم، وهاجر إلى أرض الحبشة، وإلى المدينة، ولمّا خرج رسول الله -ﷺ- إلى بدر خلّفه على ابنته رُقية يمرّضها، وضرب له رسول الله -ﷺ- بسهمه، وأجْره، فكان كمن شهدها، وقيل: كان هو في نفسه مريضًا بالْجُدَريّ، وبايع عنه رسول الله -ﷺ- بيده في يده في بيعة الرضوان، وقال: «هذه لعثمان»، وكان النبيّ -ﷺ- قد وجّهه إلى أهل مكة؛ ليكلمهم في أن يُخلُّوا بين النبيّ -ﷺ- وبين العمرة، فأُرجف بأن قريشًا قتلته، فبايع النبيّ -ﷺ- أصحابه بسبب ذلك. انتهى . وقال القرطبيّ أيضًا: وتفصيل كيفية قَتْله، وما جرى لهم معه مذكور في التواريخ، وجملة الأمر أن قومًا من أهل مصرِ وغيرهم غلب عليهم الجهل، والهوي، والتعصب، فنَقَموا عليه أمورًا، أكثرها كَذِب، وسائرها له فيها أوجهٌ من المعاذير، وليس فيها شيء يوجب خَلْعه، ولا قَتْله، فتحزَّبوا، واجتمعوا بالمدينة، وحاصروه في داره، فقيل: شهران، وقيل: تسعة وأربعون يومًا، وهو في كل ذلك يعظهم، ويذكّرهم بحقوقه، ويتنصل مما نسبوه إليه، ويعتذر منه، ويصرح بالتوبة، ويحتج عليهم بحجج صحيحة، لا مَخْلَص لهم عنها، ولا جواب عليها، لكن أعْمَتْهم الأهواء ليغلب القضاء، فدخلوا عليه، وقتلوه مظلومًا، كما شَهِد له النبيّ -ﷺ-، وجماعة أهل السُّنَّة، وأُلقي على مزبلة، فأقام فيها ثلاثة أيام، لم يقدر أحدٌ على دفنه، حتى جاء جماعة بالليل خفية، وحملوه على لوح، وصلّوا عليه، ودُفن في موضع من البقيع، يسمى: «حش كوكب»، وكان مما حبَّسه هو، وزاده في البقيع، وكان إذا مرّ فيه يقول: يُدفن فيك رجل صالح، فكان هو المدفون فيه، وعُمِّي قبره؛ لئلا يُعرف، وقد نَسَب أهلُ الشام قَتْله إلى علي -﵁-، وهي نسبة كذب، وباطل، فقد صحَّ عنه أنه كان في المسجد، وقت دُخِل عليه في الدار، ولمّا بلغة ذلك قال لِقَتَلته: تبًا لكم آخر الدهر، ثم إنه قد تبرأ من ذلك، وأقسم عليه، وقال: من تبرأ من دِين عثمان، فقد تبرأ من الإيمان، والله ما أعَنْت على قتله، ولا أمرت، ولا رضيت، لكنه لم يقدر على المدافعة بنفسه، وقد كان عثمان منعهم من ذلك. وكان مقتل عثمان في أوسط أيام التشريق، على ما قاله أبو عثمان النَّهْديّ، قال ابن إسحاق: على رأس إحدى عشرة سنة، وأحد عشر شهرًا، واثنين وعشرين يومًا من مقتل عمر بن الخطاب -﵁-، وعلى رأس خمس وعشرين سنة من مُتوفَّى رسول الله -ﷺ-، وقال الواقدي: قُتل يوم الجمعة لثمان ليالٍ خلت من ذي الحجة؛ يوم التروية سنة خمس وثلاثين، وقيل: لليلتين بقيتا من ذي الحجة، قال ابن إسحاق: وبويع له بالخلافة يوم السبت غرَّة محرم سنة أربع وعشرين بعد دفن عمر بثلاثة أيام، فكانت خلافته إحدى عشرة سنة، إلا أيامًا اختُلِف فيها حَسَب ما بيَّناه، وقد كان انتهى من الفضل، والعلم، والعبادة إلى الغاية القصوي، كان يصوم الدهر، ويقوم الليل يقرأ القرآن كله في ركعة الوتر. وروى الترمذي، عن ابن عمر -﵄- قال: كنا نقول ورسول الله -ﷺ- حيّ: أبو بكر، وعمر، وعثمان. وقال فيه: حديثٌ صحيحٌ حسن. وقد شَهِد له رسول الله -ﷺ- بأنه شهيد، ومن أهل الجنة، وقَتَلَته مخطئون قطعًا، وقد قَدِموا على ما قَدِمُوا عليه. انتهى ، والله تعالى أعلم بالصواب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦١٨٩] (٢٤٠١) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَيَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ، وَابْنُ حُجْرٍ، قَالَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الآخَرُونَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ -يَعْنُونَ: ابْنَ جَعْفَرٍ- عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حَرْمَلَةَ، عَنْ عَطَاءٍ، وَسُلَيْمَانَ ابْنَيْ يَسَارٍ، وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- مُضْطَجِعًا فِي بَيْتِي كَاشِفًا عَنْ فَخِذَيْهِ، أَو سَاقَيْه، فَاستَأْذَنَ أَبُو بَكْرٍ، فَأَذِنَ لَهُ، وَهُوَ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ، فَتَحَدَّثَ، ثُمَّ اسْتَأْذَنَ عُمَرُ، فَأَذِنَ لَهُ، وَهُوَ كَذَلِكَ، فَتَحَدَّثَ، ثُمَّ اسْتَأْذَنَ عُثْمَانُ، فَجَلَسَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-، وَسَوَّى ثِيَابَهُ -قَالَ مُحَمَّدٌ: وَلَا أَقُولُ: ذَلِكَ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ- فَدَخَلَ، فَتَحَدَّثَ، فَلَمَّا خَرَجَ قَالَتْ عَائِشَةُ: دَخَلَ أَبُو بَكْرٍ، فَلَمْ تَهْتَشَّ لَهُ، وَلَمْ تُبَالِه، ثُمَّ دَخَلَ عُمَرُ، فَلَمْ تَهْتَشَّ لَهُ، وَلَمْ تُبَالِهِ، ثُمَّ دَخَلَ عُثْمَانُ، فَجَلَسْتَ، وَسَوَّيْتَ ثِيَابَكَ؟ فَقَالَ: «أَلَا أَسْتَحِي مِنْ رَجُلٍ تَسْتَحِي مِنْهُ الْمَلَائِكَةُ»). رجال هذا الإسناد: عشرة: ١ - (يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ) المقابريّ، أبو زكريّاء البغداديّ العابد، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٤) وله سبع وسبعون سنةً (عخ م د عس) تقدم في «الإيمان» ٢/ ١١٠. ٢ - (ابْنُ حُجْرٍ) هو: عليّ بن حُجْر بن إياس السعديّ، أبو الحسن المروزيّ، نزيل بغداد، ثم مَرْوَ، ثقةٌ حافظٌ، من صغار [٩] (ت ٢٤٤) وقد قارب المائة، أو جازها (خ م ت س) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٦. ٣ - (إِسْمَاعِيل بْنُ جَعْفَرِ) بن أبي كثير الأنصاريّ الزُّرَقيّ، أبو إسحاق القارئ المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٠) (ع) تقدم في «الإيمان» ٢/ ١١٠. ٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حَرْمَلَةَ) القرشيّ، أبو عبد الله المدنيّ، مولى ابن حويطب ، وقد ينسب إليه، ثقةٌ [٦] مات سنة بضع وثلاثين ومائة (خ م د ت س) تقدم في «صلاة المسافرين وقصرها» ٥٤/ ١٩٣٤. ٥ - (عَطَاءُ) بن يسار الهلاليّ، أبو محمد المدنيّ، مولى ميمونة، ثقةٌ فاضلٌ صاحب مواعظ وعبادة، من صغار [٢] (ت ٩٢)، وقيل: بعد ذلك (ع) تقدم في «الإيمان» ٢٦/ ٢١٣. ٦ - (سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ) الهلاليّ المدنيّ، مولى ميمونة، وقيل: أم سلمة، ثقةٌ فاضلٌ أحد الفقهاء السبعة، من كبار [٣] مات بعد المائة، وقيل: قبلها (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ٢ ص ٤٨٩. والباقون ذُكروا في البابين الماضيين. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-، وأنه مسلسلٌ بالمدنيين من إسماعيل بن جعفر، وفيه عائشة -﵄- من المكثرين السبعة. شرح الحديث: (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حَرْمَلَةَ، عَنْ عَطَاءٍ، وَسُلَيْمَانَ ابْنَيْ يَسَارٍ، وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف (أَنَّ عَائِشَةَ) أمّ المؤمنين -﵂- (قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- مُضْطَجِعًا) بضمّ أوله، وكسر ثالثه، اسم فاعل، من اضطجع، يقال: ضَجَعْتُ ضَجَعًا، من باب نَفَعَ، وضُجُوعًا: وضَعْتُ جنبي بالأرض، وأَضْجَعْتُ بالألف لغة، فأنا ضَاجِعٌ، ومُضْجعٌ، ويقال: اضطجع، واضَّجَعَ: إذا وضع جَنْبه بالأرض أيضًا، وأصله اضتجع، بوزن افْتَعَل، لكن من العرب من يقلب التاء طاء، ويُظهرها عند الضاد، فيقول: اضطجع، ومنهم من يقلب التاء ضادًا، ويُدغمها في الضاد؛ تغليبًا للحرف الأصليّ، وهو الضاد، ولا يقال: اطَّجَعَ بطاء مشدّدة؛ لأنّ الضاد لا تدغم في الطاء؛ فإن الضاد أقوى منها، والحرف لا يدغم في أضعف منه، وما ورد من ذلك شاذّ، لا يقاس عليه، أفاده الفيّوميّ -﵀- . وفي الرواية التالية: «وهو مضطجع على فراشه، لابسٌ مِرْطَ عائشة». (فِي بَيْتِي) حال كونه (كَاشِفًا عَنْ فَخِذَيْهِ) تقدّم أن فيه أربع لغات: فتح الفاء، وكسر الخاء، وإسكانها، مع فتح الفاء، وكسرها، وكسرهما معًا؛ للإتباع، وقوله: (أَوْ سَاقَيْهِ) «أو» هنا للشّكّ من الراوي، هل قال بلفظ الفخد، أو الساقي. (فَاسْتَأْذَنَ)؛ أي: طلب الإذن بالدخول على النبيّ -ﷺ-، (أَبُو بَكْرٍ) الصدّيق -﵁- (فَأَذِنَ) -ﷺ- (لَهُ)؛ أي: لأبي بكر، وقوله: (وَهُوَ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ) جملة حاليّة؛ أي: والحال أنه -ﷺ- كائن على حالته المذكورة، من كَشْف فخذيه، أو ساقيه، (فَتَحَدَّثَ) أبو بكر معه -ﷺ-، وفي الرواية التالية: «فقضى إليه حاجته، ثمّ انصرف». (ثُمَّ اسْتَأْذَنَ عُمَرُ) بن الخطّاب -﵁- (فَأَذِنَ) -ﷺ- (لَهُ)؛ أي: لعمر (وَهُوَ كَذَلِكَ)؛ أي: والحال أنه -ﷺ- على حالته المذكورة، (فَتَحَدَّثَ)، وفي الرواية التالية: «فقضى إليه حاجته، ثمّ انصرف». (ثُمَّ اسْتَأْذَنَ عُثْمَانُ) بن عفّان -﵁- (فَجَلَسَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-) قال الفيّوميّ ﵀-: الجُلُوسُ غير القعود، فإن الجُلُوسَ هو الانتقال من سفل إلى علوّ، والقعود هو الانتقال من علوّ إلى سفل، فعلى الأول يقال لمن هو نائم، أو ساجد: اجْلِسْ، وعلى الثاني يقال لمن هو قائم: اقْعُدْ، وقد يكون جَلَسَ بمعنى قَعَدَ، يقال: جَلَسَ متربعًا، وقَعَدَ متربعًا، وقد يفارقه، ومنه جَلَسَ بين شُعَبها؛ أي: حَصَلَ وتمكن؛ إذ لا يسمى هذا قعودًا، فإن الرجل حينئذ يكون معتمدًا على أعضائه الأربع، ويقال: جَلَسَ متكئًا، ولا يقال: قَعَدَ متكئًا، بمعنى الاعتماد على أحد الجانبين. وقال الفارابيّ، وجماعة: الجُلُوسُ نقيض القيام، فهو أعمّ من القعود، وقد يُستعملان بمعنى الكون والحصول، فيكونان بمعنى واحدٍ، ومنه يقال: جَلَسَ متربعًا، وجَلَسَ بين شُعَبها؛ أي: حَصَلَ، وتَمَكَّن. انتهى . (وَسَوَّى ثِيَابَهُ) بتشديد الواو؛ أي: عدّلها، وفي الرواية التالية: «قال عثمان: ثم استأذنت عليه، فجلس، وقال لعائشة: اجمعي عليك ثيابك». ثم اعترض بين المتعاطفين بتفسير بعض الرواة للمراد من الحديث، فقال: (قَالَ مُحَمَّدٌ)؛ أي: ابن أبي حرملة مفسّرًا للحديث حسب ما رآه، (وَلَا أَقُولُ: ذَلِكَ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ) اسم الإشارة مبتدأ، خبره الجارّ والمجرور؛ يعني: أن دخول هؤلاء الثلاثة على النبيّ -ﷺ- ليس في يوم واحد، وإنما هو في أيام متعدّدة. قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله محمد بن أبي حرملة، محْتَمِل، لا مجزوم به؛ إذ يَحْتَمِل أن يكون في يوم واحد؛ إذ لا مانع من ذلك، والله تعالى أعلم. وقوله: (فَدَخَلَ) معطوف على «فاستأذن»، وما قبله جملة معترضة، (فَتَحَدَّثَ)، وفي الرواية التالية عن عثمان: «فقضيتُ إليه حاجتي، ثم انصرفتُ». (فَلَمَّا خَرَجَ) عثمان -﵁- (قَالَتْ عَائِشَةُ) -﵂- متعجبّة من فِعل النبيّ -ﷺ-، ومستفسرةً ذلك، (دَخَلَ أَبُو بَكْرٍ) -﵁- (فَلَمْ تَهْتَشَّ لَهُ) قال النوويّ -﵀-: هكذا هو في جميع نُسخ بلادنا: «تهتش» بالتاء بعد الهاء، وفي بعض النسخ الطارئة بحذفها، وكذا ذكره القاضي، وعلى هذا فالهاء مفتوحة، يقال: هَشّ يَهَشّ، كشَمَّ يَشَمّ، وأما الهشّ الذي هو خَبْط الورق من الشجر، فيقال منه: هَشّ يَهُشّ، بضمّها، قال الله تعالى: ﴿وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي﴾ الآية [طه: ١٨]، قال أهل اللغة: الهشاشة، والبشاشة، بمعنى طلاقة الوجه، وحُسْن اللقاء. انتهى . وقال القرطبيّ -﵀-: قولها: «فلم تهتشَّ له» يُروَى: تهتش بالتاء باثنتين من فوقها، ويروى بحذفها، وفتح الهاء، وهو من الهشاشة، وهي الخفّة، والاهتزاز، والنشاط عند لقاء من يفرح بلقائه، يقال: هشَّ، وبشَّ، وتبشبش: كلها بمعنى. (وَلَمْ تُبَالِهِ)؛ أي: لم تَكْتَرِث به، وتَحْتفل لدخوله، وقال القرطبيّ: لم تباله؛ أي: لم تعتني بأمره، وأصله من البال، وهو الاحتفال بالشيء، والاعتناء به، والفكر فيه، يقول: جعلته من بالي وفكري، وهو المعبَّر عنه في الرواية الأخرى بقولها: «لم أرك فَزِعت له»؛ أي: لم تُقْبِل عليه، ولم تتفرغ له. انتهى . وقال الفيّوميّ -﵀-: قولهم: لا أُبَالِيه، وَلا أُبَالِي بِهِ؛ أي: لا أهتمّ به، ولا أكترث له، ولَمْ أُبَالِ، ولَمْ أَبلْ؛ للتخفيف، كما حذفوا الياء من المصدر، فقالوا: لا أُبَالِيهِ بَالَةً، والأصل باليةً، مثل عافاه معافاةً وعافيةً، قالوا: ولا تُستعمل إلا مع الجَحد، والأصل فيه قولهم: تَبَالَى القومُ: إذا تبادروا إلى الماء القليل، فاستَقَوا، فمعنى لا أُبَالِي: لا أبادر إهمالًا له، وقال أبو زيد: مَا بَالَيْتُ بِهِ مُبَالاةً، والاسم البِلاءُ، وزانُ كتاب، وهو الهمّ الذي تُحَدِّث به نفسك. انتهى . (ثُمَّ دَخَلَ عُمَرُ) -﵁- (فَلَمْ تَهْتَشَّ لَهُ، وَلَمْ تُبَالِهِ، ثُمَّ دَخَلَ عُثْمَانُ) -﵁- (فَجَلَسْتَ، وَسَوَّيتَ)؛ أي: عدّلت (ثِيَابَكَ؟)؛ أي: فما سبب ذلك؟ (فَقَالَ) -ﷺ- مبيّنًا السبب: («أَلَا أَسْتَحِي مِنْ رَجُلٍ تَسْتَحِي مِنْهُ الْمَلَائِكَةُ») قال النوويّ -﵀-: هكذا هو في الرواية: «أستحي» بياء واحدة في كل واحدة منهما، قال أهل اللغة: يقال: استحيى يستحيي، بياءين، واستحى يستحي، بياء واحدة، لغتان، الأُولى أفصح، وأشهر، وبها جاء القرآن. انتهى . وقال الفيّوميّ -﵀-: حَيِيَ منه حَيَاءً بالفتح، والمدّ، فهو حَيِيٌّ، على فَعِيل، واسْتَحْيَا منه، وهو الانقباض، والانزواء، قال الأخفش: يتعدى بنفسه، وبالحرف، فيقال: اسْتَحْيَيْتُ منه، واسْتَحْيَيْتُهُ، وفيه لغتان: إحداهما لغة الحجاز، وبها جاء القرآن بياءين، والثانية لتميم بياء واحدة. انتهى ، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة -﵂- هذا من أفراد المصنّف -﵀-. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣/ ٦١٨٩] (٢٤٠١)، و(عبد الرزّاق) في «مصنّفه» (٢٠٤٠٩)، و(أحمد) في «مسنده» (٦/ ١٦٧) وفي «فضائل الصحابة» (٧٦٠)، و(ابن راهويه) في «مسنده» (٢/ ٥٦٥)، و(البخاريّ) في «الأدب المفرد» (١/ ٢١١)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٦٩٠٧)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (٤٨١٥)، و(اللالكائيّ) في «اعتقاد أهل السُّنَّة» (٧/ ١٣٤٤)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٢/ ٢٣٠ - ٢٣١)، و(البغويّ) في «شرح السُّنَّة» (٣٩٠٠)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان فضيلة عثمان بن عفّان -﵁-، حيث كان كثير الحياء، بحيث إن الملائكة تستحيي منه، قال النوويّ -﵀-: فيه فضيلة ظاهرة لعثمان -﵁-، وجلالته عند الملائكة. انتهى . ٢ - (ومنها): بيان أن الحياء صفة جميلة من صفات الملائكة، فينبغي للمسلم أن يتحلّى به، وقد قال -ﷺ-: «الحياء خير كلّه»، وفي لفظ: «الحياء لا يأتي إلا بخير». ٣ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ -﵀-: وفي بقاء النبيّ -ﷺ- منكشف الفخذ حتى اطّلع عليه أبو بكر وعمر دليلٌ على أن الفخذ ليس بعورة، وقد تقدَّم الكلام فيه. انتهى . وقال النوويّ -﵀-: هذا الحديث مما يحتج به المالكية، وغيرهم، ممن يقول: ليست الفخذ عورةً، ولا حجة فيه؛ لأنه مشكوك في المكشوف، هل هو الساقان، أم الفخذان؟ فلا يلزم منه الجزم بجواز كشف الفخذ. انتهى . قال المناويّ: لا يعارض هذا الحديث حديث جرهد -﵁- أن النبيّ -ﷺ- مَرَّ به، وهو كاشف عن فخذه، فقال النبيّ -ﷺ-: «غَطِّ فخذك، فإنها من العورة»، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن ؛ لاحتمال أن المراد بكشف فخذه أنه كان مجردًا عن الثوب الذي يخرج به للناس، وليس عليه إلا ثوب مهنة، وذلك هو اللائق بكمال حيائه -ﷺ-، وقد استدلّ بهذا الحديث البخاريّ وغيره على أن الفخذ ليست بعورة، واعترضه الإسماعيليّ بأنه لا تصريح فيه بعدم الحائل، ولا يقال: الأصل عدمه. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: الأرجح في المسألة ما قاله البخاريّ -﵀- في «صحيحه»: «حديث أنس أسند ، وحديث جرهد أحوط، حتى يُخرج من اختلافهم»؛ يعني: أن الأَولى العمل بحديث جرهد المذكور، فإنه صريح في كون الفخذ عورةً، خروجًا من الخلاف، وإن كان حديث أنس الذي دلّ على أن الفخذ ليست بعورة أقوى سندًا، والله تعالى أعلم. ٤ - (ومنها): جواز تدلّل العالم والفاضل بحضرة من يُدِلّ عليه من فضلاء أصحابه، واستحباب تَرْك ذلك إذا حضر غريب، أو صاحب يستحي منه، قاله النوويّ . وقال القرطبيّ -﵀-: وفيه دليلٌ على جواز معاشرة كل واحد من الأصحاب بحَسَب حاله، ألا ترى انبساطه، واسترساله مع العُمَرَين -﵄- على الحالة التي كان عليها مع أهله، لم يُغيِّر منها شيئًا، ثم إنه لمّا دخل عثمان -﵁- غيَّر تلك التي كان عليها، فغطى فخذيه، وتهيَّأ له، ثم لمّا سُئل عن ذلك، قال: «إن عثمان رجل حييّ، وإني خشيت إن أذنت له على تلك الحال ألا يَبْلُغ إليَّ في حاجته»، وفي الرواية الأخرى: «ألا أستحيي من رجل تستحيي منه الملائكة؟!»؛ أي: حياء التوقير والإجلال، وتلك منقبة عظيمة، وخصوصيَّة شريفة ليست لغيره، أعْرَض قَتَلَةُ عثمان -﵁- عنها، ولم يُعرِّجوا عليها. انتهى ، والله تعالى أعلم.
مصادر المؤلف (١٨٤)

١. «صحيح البخاري» ٣/ ١٣٤٥.

٢. «الفتح»٧/ ٤٠٨.

٣. «اللباب في تهذيب الأنساب»١/ ٤٢٦.

٤. «عمدة القاري» ١/ ١٧٣.

٥. القائل هو: ذو الرمة الشاعر المشهور، وصيدح عَلَم الناقة، وينتجعون، من انتجعت فلانًا: إذا أتيته تطلب معروفه، وأراد ببلال: بلال بن أبي بُردة بن أبي موسى الأشعريّ قاضي البصرة، كان جوادًا ممدوحًا -﵀-. قاله في «عمدة القاري» ١/ ١٧٣.

٦. «الْفَتْح» ١٤/ ٤٢٨.

٧. «عمدة القاري»١/ ١٧٣.

٨. «الْفَتْحُ»١٤/ ٤٢٦.

٩. «الْفَتْحُ» ١٤/ ٤٢٦.

١٠. «عمدة القاري» ١/ ١٧٣.

١١. «الْفَتْح» ١٤/ ٤٢٦، في «كتاب التعبير».

١٢. «عمدة القاري» ١/ ١٧٣.

١٣. «الْفَتْح» ١٤/ ٤٢٧، «كتاب التعبير»، بزيادة من «المفهم» ٦/ ٢٥٣ - ٢٥٤.

١٤. متّفقٌ عليه، دون قوله: «ينزع منه سربال الإيمان»، وراجع: «تعظيم قدر الصلاة» ١/ ٤٩٢ - ٤٩٦.

١٥. رواه أحمد في «مسنده» ٤/ ٢٦٤، والنسائيّ في «المجتبى» ٦٢/ ١٣٠٥.

١٦. «فتح الباري بشرح صحيح البخاري» لابن رجب ﵀ ١/ ٩٩ - ١٠١.

١٧. «عمدة القاري» ١/ ١٧٣.

١٨. «الْفَتْحُ» ٧/ ٤٠٨ - ٤٠٩.

١٩. «المفهم» ٦/ ٢٥٢ - ٢٥٣.

٢٠. «الْفَتْحُ» في «كتاب تعبير الرؤيا» ١٤/ ٤٢٧.

٢١. «فتح الباري بشرح البخاري» لابن رجب ﵀ ١/ ٩٨ - ٩٩.

٢٢. «الْفَتْح» ١٤/ ٤٢٨.

٢٣. «عمدة القاري» ٢/ ٨٦.

٢٤. «عمدة القاري» ٢/ ٨٦.

٢٥. «عمدة القاري» ٢/ ٨٦.

٢٦. «عمدة القاري» ٢/ ٨٦.

٢٧. «عمدة القاري» ٢/ ٨٦.

٢٨. «عمدة القاري»٢/ ٨٦.

٢٩. «الفتح»٨/ ٣٧٨ - ٣٧٩، كتاب«فضائل الصحابة»رقم (٣٦٨١).

٣٠. «الفتح»١٦/ ٣٤٦، كتاب«التعبير»رقم (٧٠٠٦).

٣١. «عمدة القاري» ٢/ ٨٦.

٣٢. «الفتح» ١٦/ ٣٤٦، كتاب «التعبير» رقم (٧٠٠٦).

٣٣. «عمدة القاري» ٢/ ٨٧.

٣٤. «الفتح» ١٦/ ٣٤٥، كتاب «التعبير» رقم (٧٠٠٦).

٣٥. «الفتح» ٨/ ٣٧٩، كتاب «فضائل الصحابة» رقم (٣٦٨١).

٣٦. «الفتح» ٨/ ٣٧٩، كتاب «فضائل الصحابة» رقم (٣٦٨١).

٣٧. «الفتح» ٨/ ٣٧٩، كتاب «فضائل الصحابة» رقم (٣٦٨١).

٣٨. «عمدة القاري» ٢/ ٨٧.

٣٩. «صحيح البخاريّ» ١/ ٤٣.

٤٠. «صحيح البخاريّ»٦/ ٢٥٧١.

٤١. «شرح النوويّ» ١٥/ ١٥٩ - ١٦٠.

٤٢. «شرح النوويّ» ١٥/ ١٦١.

٤٣. «عمدة القاري» ١٦/ ١٥٩.

٤٤. «المفهم» ٦/ ٢٥٥.

٤٥. الحَمَارّة -بتخفيف الميم، وتشديد الراء- وتخفّف في الشِّعر: شدّة الحرّ. اهـ. «القاموس».

٤٦. «المصباح المنير» ٢/ ٤١٦ - ٤١٧.

٤٧. «الصحاح» للجوهريّ ص ٧١٧.

٤٨. «المفهم» ٦/ ٢٥٦ - ٢٥٧.

٤٩. «عمدة القاري» ١٦/ ١٥٩.

٥٠. «شرح النوويّ» ١٥/ ١٦١.

٥١. «المفهم» ٦/ ٢٥٤ - ٢٥٥.

٥٢. «صحيح البخاريّ»٦/ ٢٥٧٦.

٥٣. «اعتقاد أهل السُّنَّة»٧/ ١٣٠٧.

٥٤. «صحيح البخاريّ» ٦/ ٢٧١٨.

٥٥. «الفتح» ١٣/ ٤٥٢.

٥٦. «تاريخ مدينة دمشق» ٤٤/ ٢٤٦.

٥٧. «الفتح»١٦/ ٣٧٥ - ٣٧٦.

٥٨. «الفتح»١٦/ ٣٨٠، كتاب«التعبير»رقم (٧٠٢٢).

٥٩. «إكمال المعلم»٧/ ٣٩٧.

٦٠. «شرح النوويّ» ١٥/ ١٦١.

٦١. وفي نسخة: «وضربوا بعطن».

٦٢. «الفتح»٨/ ٣٨٠، كتاب«الفضائل»رقم (٣٦٨٢).

٦٣. «عمدة القاري» ١٦/ ١٩٤، و«الفتح» ٧/ ٤٦.

٦٤. «المصباح المنير» ٢/ ٥١٢.

٦٥. «الفتح» ١٦/ ٣٧٦، كتاب «التعبير» رقم (٧٠١٩).

٦٦. «المصباح المنير» ٢/ ٤٤٤.

٦٧. «الفتح» ١٦/ ٣٧٦، كتاب «التعبير» رقم (٧٠١٩).

٦٨. «عمدة القاري»١٦/ ١٥٩.

٦٩. «المفهم»٦/ ٢٥٥ - ٢٥٦.

٧٠. «شرح النوويّ»١٥/ ١٦٢.

٧١. «الفتح» ١٦/ ٣٧٧ - ٣٧٨، كتاب «التعبير» رقم (٧٠١٩).

٧٢. «الفتح» ١٦/ ٣٧٧ - ٣٧٨، كتاب «التعبير» رقم (٧٠١٩).

٧٣. «الفتح» ١٦/ ٣٧٨ - ٣٧٩، كتاب «التعبير» رقم (٧٠١٩).

٧٤. «الفتح» ١٦/ ٣٧٨ - ٣٧٩.

٧٥. هو: الشيخ الهرريّ، راجع: شرحه ٢٢/ ٤٠٢.

٧٦. «صحيح البخاريّ» ٦/ ٢٥٧٦.

٧٧. «الفتح» ١٦/ ٣٧٩ - ٣٨٠.

٧٨. راجع: «تحفة الأشراف» ٢/ ٢٥٧.

٧٩. «المصباح المنير»١/ ٢٠٢ - ٢٠٣.

٨٠. «القاموس المحيط»١/ ٥٠٣.

٨١. «تاج العروس»١/ ٢٨٣٦.

٨٢. «تاج العروس»١/ ٣٣٩٩.

٨٣. «الفتح»١١/ ٦٦٧ - ٦٦٨ رقم (٥٢٢٠).

٨٤. «عمدة القاري»١٥/ ١٥٢.

٨٥. «الفتح»٨/ ٣٧٧، كتاب«فضائل الصحابة»رقم (٣٦٧٩).

٨٦. «الفتح»٨/ ٣٧٧، كتاب«الفضائل»رقم (٣٦٧٩).

٨٧. «عمدة القاري» ١٦/ ١٩٣، بزيادة من «الفتح» ١٢/ ٤١٦.

٨٨. مرَّ في هذا الشرح في كتاب «الرؤيا» برقم [١/ ٥٨٩٥] (٢٢٦٤).

٨٩. «مسند أبي يعلى» ٤/ ١٣.

٩٠. «مصنف ابن أبي شيبة» ٦/ ٣٥٥.

٩١. «لسان العرب» ١٢/ ٦٦.

٩٢. راجع: «حاشية الخضري على شرح ابن عقيل على الخلاصة» ١/ ٢٢١ - ٢٢٢.

٩٣. راجع: «الإحسان في تقريب صحيح ابن حبّان» ١٥/ ٣١٢.

٩٤. «الفتح» ٨/ ٣٧٦ رقم (٣٦٨٠).

٩٥. «المفهم» ٦/ ٢٥٧ - ٢٥٨.

٩٦. «الفتح» ٧/ ٥٧ - ٥٨.

٩٧. «الفتح» ٨/ ٣٧٦ رقم (٣٦٨٠).

٩٨. هو في كتاب «التعبير» ١٢/ ٥١٩ - ٥٢٠ الحديث رقم (٧٠٢٣ - ٧٠٢٤).

٩٩. راجع:«التعربفات»للشريف الجرجاني ص ١١٦.

١٠٠. «المصباح المنير»٢/ ٤٥٨.

١٠١. «عمدة القاري»٣/ ٣٠٤.

١٠٢. «مسند الإمام أحمد بن حنبل» ٢/ ٣٣٩.

١٠٣. «الفتح» ٨/ ٣٨١.

١٠٤. «عمدة القاري» ١٦/ ١٩٥.

١٠٥. راجع: «عمدة القاري» ١٦/ ١٩٥.

١٠٦. «شرح النوويّ»١٥/ ١٦٤.

١٠٧. «الفتح»٨/ ٣٨١ - ٣٨٢، كتاب«فضائل الصحابة»رقم (٣٦٨٣).

١٠٨. «الفتح»٨/ ٣٨٢، و«عمدة القاري»١٦/ ١٩٥.

١٠٩. «الكاشف عن حقائق السُّنن» ١٢/ ٣٨٥٦.

١١٠. «شرح النوويّ» ١٥/ ١٦٥ - ١٦٦.

١١١. «الفتح» ٨/ ٣٨٢.

١١٢. «الكاشف عن حقائق السُّنن» ١٢/ ٣٨٥٦.

١١٣. «الكاشف عن حقائق السُّنن» ١٢/ ٣٨٥٦.

١١٤. «شرح النوويّ» ١٥/ ١٦٥ - ١٦٦.

١١٥. حديث صحيح، رواه أحمد في «مسنده، ٥/ ٣٥٣.

١١٦. «المفهم»٦/ ٢٥٩.

١١٧. راجع:«الفتح»٨/ ٣٨٢.

١١٨. «عمدة القاري»١٦/ ١٩٦.

١١٩. «الكاشف عن حقائق السُّنن» ١٢/ ٣٨٥٦.

١٢٠. «الفتح»٨/ ٣٨٦ - ٣٨٧، كتاب«فضائل الصحابة»رقم (٣٦٨٩).

١٢١. راجع:«بين الإمامين: مسلم، والدارقطنيّ»ص ٣٨٠ - ٣٨٨.

١٢٢. «المفهم»٦/ ٢٥٩.

١٢٣. حديث ضعيف، رواه الترمذيّ، وفي سنده عطيّة العوفيّ كثير الخطأ، شيعيّ، مدلّس، ومصعب بن سلّام، له أوهام.

١٢٤. «المفهم» ٦/ ٢٥٩ - ٢٦٠.

١٢٥. أي: عند البخاريّ، حيث قال بعد الحديث: قال ابن عبّاس -﵄-: «من نبيّ، ولا محدَّث».

١٢٦. قوله: «وهي الإصابة إلخ» هذا ليس في مسلم، فتنبّه.

١٢٧. «الفتح» ٨/ ٣٨٧، كتاب «فضائل الصحابة» رقم (٣٦٨٩).

١٢٨. «عمدة القاري» ١٦/ ٥٥.

١٢٩. «الكاشف عن حقائق السُّنن» ١٢/ ٣٨٥٤ - ٣٩٥٥.

١٣٠. يعني حديث: «لو كان بعدي نبيّ لكان عمر»، وأما حديث: «نعم العبد صهيب … إلخ»، فرواه بعضهم مرفوعًا، وبعضهم موقوفًا على عمر -﵁-، وعلى التقديرين فلا يُعرف له سند، ولم يوجد في شيء من كتب الحديث، كما قال الحافظ العراقيّ، والشيخ بهاء الدين السبكيّ، راجع ما كتبه في: «شرح الكوكب الساطع» في الأصول ص ١٤٠.

١٣١. «الفتح» ٨/ ٣٨٨.

١٣٢. «الفتح» ٨/ ٣٨٧.

١٣٣. هو ما أخرجه البيهقيّ في «الاعتقاد» ١/ ٣١٤ بسند صحيح عن ابن عمر، أن عمر بن الخطاب بعث جيشًا، وأَمَّر عليهم رجلًا يُدعَى سارية، قال: فبينا عمر يخطب، قال: فجعل يصيح، وهو على المنبر: يا ساريةُ الجبلَ، يا ساريةُ الجبلَ، قال: فقَدِم رسول الجيش، فسأله، فقال: يا أمير المؤمنين لقينا عدوّنا، فهزمونا، وإن الصائح ليصيح: يا ساريةُ الجبلَ، يا ساريةُ الجبلَ، فشددنا ظهورنا بالجبل، فهزمهم الله، فقيل لعمر: إنك كنت تصيح بذلك. انتهى.

١٣٤. رواه الترمذيّ، وحسّنه الشيخ الألبانيّ.

١٣٥. أي: الكيد والمكر.

١٣٦. «المفهم» ٦/ ٢٦٠ - ٢٦١.

١٣٧. «السُّنن الكبرى» ٥/ ٣٩.

١٣٨. «جامع الترمذيّ» ٥/ ٦٢٢.

١٣٩. «اللباب في تهذيب الأنساب» ٢/ ٣٥٩.

١٤٠. تقدّم في «شرح المقدّمة»، فراجع: ١/ ١٥٤.

١٤١. «عمدة القاري» ٤/ ١٤٤.

١٤٢. «الفتح» ٢/ ١٢٦، كتاب «الصلاة» رقم (٤٠٢).

١٤٣. «المفهم» ٦/ ٢٦١ - ٢٦٢.

١٤٤. «الفتح» ٢/ ١٢٦.

١٤٥. «عمدة القاري» ٤/ ١٤٤.

١٤٦. «صحيح البخاريّ» ١/ ١٥٧.

١٤٧. «تفسير ابن كثير» ١/ ١٦٩.

١٤٨. «عمدة القاري» ٤/ ١٤٣ - ١٤٥.

١٤٩. «شرح مسلم» ١٥/ ١٦٦ - ١٦٧.

١٥٠. أي: «صحيح البخاريّ».

١٥١. «عمدة القاري» ٢/ ٢٨٤.

١٥٢. راجع كتابه: «الحاوي للفتاوي» ١/ ٣٧٧ - ٣٧٨.

١٥٣. «الفتح» ٩/ ٦٥٠، كتاب «التفسير» رقم (٤٤٨٣).

١٥٤. «الفتح»١٠/ ١٩٠، كتاب«التفسير»رقم (٤٦٧٠).

١٥٥. «الفتح» ١٠/ ١٩٠، كتاب «التفسير» رقم (٤٦٧٠).

١٥٦. «الفتح» ١٠/ ١٩١ - ١٩٢، كتاب «التفسير» رقم (٤٦٧٠).

١٥٧. «الفتح»١٠/ ١٩١ - ١٩٢، كتاب«التفسير»رقم (٤٦٧٠).

١٥٨. «الفتح»١٠/ ١٩٢ - ١٩٣، كتاب«التفسير»رقم (٤٦٧٠).

١٥٩. «الفتح» ١٠/ ١٩٤ - ١٩٥.

١٦٠. لكن هذا مما لم تَجْر به عادة السلف مع غير النبيّ -ﷺ-، فلم يفعلوه مع أبي بكر، وعمر، وغيرهما من الصحابة -﵃-، فمن أتانا عنهم بشيء مما صحَّ في ذلك، فعلى الرأس والعين، فالحقّ أن هذا التبرّك خاصّ به -ﷺ-، فليُتنبّه، والله تعالى أعلم.

١٦١. هذا الاستنباط فيه نظر؛ لأن ظاهر الروايات تدلّ على أنه وقع قبل حضوره -ﷺ- إلى الجنازة، فتأمل.

١٦٢. «الفتح» ١٠/ ١٩٩ - ٢٠٠.

١٦٣. «الفتح»١٠/ ١٩٤.

١٦٤. «جامع الترمذيّ» ٥/ ٢٧٩.

١٦٥. «الإصابة في تمييز الصحابة» ٤/ ٤٥٩، بزيادة يسيرة من «الفتح» ٨/ ٣٩٣.

١٦٦. «المفهم» ٦/ ٢٦٢ - ٢٦٣.

١٦٧. أي: للخوارج الذين خرجوا عليه.

١٦٨. «المفهم» ٦/ ٢٦٦ - ٢٦٧.

١٦٩. هو: عبد الرحمن بن أبي سفيان بن حُويطب.

١٧٠. راجع:«المصباح المنير»٢/ ٣٥٨.

١٧١. «المصباح المنير»١/ ١٠٥.

١٧٢. «شرح النوويّ» ١٥/ ١٦٨ - ١٦٩.

١٧٣. «المفهم» ٦/ ٢٦٣ - ٢٦٤.

١٧٤. «المصباح المنير» ١/ ٦٢.

١٧٥. «شرح النوويّ» ١٥/ ١٦٩.

١٧٦. «المصباح المنير» ١/ ١٦٠.

١٧٧. «شرح النوويّ» ١٥/ ١٦٩.

١٧٨. «المفهم» ٦/ ٢٦٣.

١٧٩. «شرح النوويّ» ١٥/ ١٦٨.

١٨٠. «جامع الترمذيّ» ٥/ ١١١.

١٨١. «فيض القدير على الجامع الصغير» للمناويّ ٤/ ٤٠٤.

١٨٢. أراد البخاريّ بحديث أنس ما أخرجه في «صحيحه»، مطوّلًا، وفيه: «فأجرى نبيّ الله -ﷺ- في زُقاق خيبر، وإن ركبتي لتمس فخذ نبيّ الله -ﷺ-، ثم حسر الإزار عن فخذه، حتى إني انظر إلى بياض فخذ نبيّ الله -ﷺ- …» الحديث.

١٨٣. «شرح النوويّ» ١٥/ ١٦٨.

١٨٤. «المفهم» ٦/ ٢٦٣.