HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٤١٢

حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ. حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ (يَعْنِي ابْنَ بِلَالٍ) عَنْ يَحْيَى (وَهُوَ ابْنُ سَعِيدٍ) عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: لَقَدْ جَمَعَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَبَوَيْهِ يوم أحد.
ج ٤ ص ١٨٧٦

سلسلة الرواة

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣٨ ص٦١٦
سمعت النبيّ -ﷺ- يجمع أبويه لأحد، إلا لسعد. انتهى ، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦٢١٥] (٢٤١٢) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ -يَعْنِي: ابْنَ بِلَالٍ- عَنْ يَحْيَى -وَهُوَ ابْنُ سَعِيدٍ- عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، قَالَ: لَقَدْ جَمَعَ لِي رَسُولُ اللهِ -ﷺ- أَبوَيْهِ يَوْمَ أُحُدٍ). رجال هذا الإسناد: خمسة: وكلهم ذُكروا في الباب وقبله، و«يحيى بن سعيد» هو: الأنصاريّ، و«سَعِيدٌ» هو: ابن المسيِّب. شرح الحديث: (عَنْ سَعِيدٍ) هو: ابن المسيِّب، (عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقاصٍ) مالك بن وُهيب -﵁-، وفي رواية للبخاريّ: «عن يحيى بن سعيد قال: سمعت سعيد بن الْمُسيِّب قال: سمعت سعدًا يقول …». (قَالَ: لَقَدْ جَمَعَ لِي رَسُولُ اللهِ -ﷺ- أَبَويهِ يَوْمَ أُحُدٍ)؛ أي: في التفدية، وفي رواية للبخاريّ: «قال سعد بن أبي وقّاص -﵁-: جَمَع لي رسول الله -ﷺ- يوم أُحد أبويه كليهما، يريد: حين قال: فداك أبي وأمي، وهو يقاتل». وقال الحافظ -﵀- ورأيت في هذا الحديث زيادة من وجه آخر مرسل، أخرجها ابن عائذ، عن الوليد بن مسلم، عن يحيى بن حمزة، قال: قال سعد: «رميت بسهم، فردّ علي النبيّ -ﷺ- سهمي أعرفه، حتى واليت بين ثمانية أو تسعة، كل ذلك يردّه عليّ، فقلت: هذا سهم دم، فجعلته في كنانتي، لا يفارقني»، وعند الحاكم لهذه القصّة بيان سبب، فأخرج من طريق يونس بن بكير، وهو في المغازي: روايته من طريق عائشة بنت سعد، عن أبيها: «قال: جال الناس يوم أُحد تلك الجولة، تنحيت، فقلت: أذود عن نفسي، فإما أن أنجو، وإما أن أُستَشهَدَ، فإذا رجل محمرّ وجهه، وقد كاد المشركون أن يركبوه، فملأ يده من الحصى، فرماهم، وإذا بيني وبينه المقداد، فأردت أن أسأله عن الرجل، فقال لي: يا سعد هذا رسول الله يدعوك، فقمت، وكأنه لم يصبني شيء من الأذى، وأجلسني أمامه، فجعلت أرمي …»، فذكر الحديث ، والله تعالى أعلم. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث سعد بن أبي وقّاص -﵁- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥/ ٦٢١٥ و٦٢١٦ و٦٢١٧] (٢٤١٢)، و(البخاريّ) في «الفضائل» (٣٧٢٥) و«المغازي» (٤٠٥٦ و٤٠٥٧)، و(الترمذيّ) في «الأدب» (٢٧٥٥ و٢٨٥٦) و«المناقب» (و٣٧٥٦)، و(النسائيّ) في «الكبرى» (٥/ ٦١)، و(ابن ماجه) في «المقدّمة» (١٣٠)، و(أحمد) في «مسنده» (١/ ١٧٤ و١٨٠)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦٢١٦] (. . .) - (حَدَّثنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَابْنُ رُمْحٍ، عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ (ح) وَحَدَّثنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثنَا عَبْدُ الْوَهَّاب، كِلَاهُمَا عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ). رجال هذا الإسناد: ستة: وكلّهم ذُكروا في الباب. وقوله: (كِلَاهُمَا عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) ضمير التثثية للّيث بن سعد، وعبد الوهّاب الثقفيّ. [تنبيه]: رواية الليث عن يحيى بن سعيد الأنصاريّ ساقها البخاريّ -﵀- في «صحيحه»، فقال: (٣٨٣١) - حدّثنا قتيبة، حدّثنا ليث، عن يحيى، عن ابن المسيِّب، أنه قال: قال سعد بن أبي وقاص -﵁-: لقد جمع لي رسول الله -ﷺ- يوم أُحد أبويه كليهما، يريد حين قال: فداك أبي وأمي، وهو يقاتل. انتهى . وأما رواية عبد الوهّاب الثقفيّ عن يحيى بن سعيد، فلم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀ - أوّلَ الكتاب قال: [٦٢١٧] (. . .) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، حَدَّثَنَا حَاتِمٌ -يَعْنِي: ابْنَ إِسْمَاعِيلَ- عَنْ بُكَيْرِ بْنِ مِسْمَارٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيه، أَنَّ النَّبِي -ﷺ- جَمَعَ لَهُ أَبَويهِ يَوْمَ أُحُدٍ، قَالَ: كَانَ رَجُل مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَدْ أَحْرَقَ الْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ -ﷺ-: «ارْمِ فِدَاكَ أَبِي، وَأُمِّي»، قَالَ: فَنَزَعْتُ لَهُ بِسَهْمِ لَيْسَ فِيهِ نَصْلٌ، فَأَصَبْتُ جَنْبَهُ، فَسَقَطَ، فَانْكَشَفَتْ عَوْرَتُهُ، فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- حَتَّى نَظَرْتُ إِلَى نَوَاجِذِهِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: وقد تقدّم الإسناد نفسه في الباب الماضي. شرح الحديث: (عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ) سعد بن أبي وقّاص -﵁- (أَنَّ النَّبيَّ -ﷺ- جَمَعَ لَهُ أَبويهِ)؛ أي: في التفدية، حيث قال: «ارم فداك أبي وأمي». (يَوْمَ أحُدٍ)؛ أي: غزوة أُحُد. (قَالَ) سعد مبيّنًا سبب تفدية النبيّ -ﷺ- له بأبويه: (كَانَ رَجُلٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) قال صاحب «التنبيه»: لا أعرفه . (قَدْ أَحْرَقَ الْمُسْلِمِينَ)؛ أي: أثخن فيهم، وعَمِل فيهم نحو عمل النار، قاله النوويّ ، وقال القرطبيّ: أي: أصاب منهم كثيرًا، وآلمهم حتى كأنه فعل فيهم ما تفعله النار من الإحراق. انتهى . (فَقَالَ لَهُ)؛ أي: لسعد، وفيه التفات، فإن الظاهر أن يقول: فقال لي (النَّبِيُّ -ﷺ-: «ارْمِ فِدَاكَ أَبِي، وَأُمّي»، قَالَ) سعد (فَنَزَعْتُ لَهُ بِسَهْمٍ لَيْسَ فِيهِ نَصْلٌ)؛ أي: رميته بسهم لا حديدة فيه، وأصل النزع: الجذب، (فَأَصَبْتُ جَنْبَهُ) قال النوويّ: كذا في أكثر الأصول بالجيم والنون، وفي بعضها: «حبته» بحاء مهملة، وباء موحّدة مشدّدة، ثم مثناة فوق؛ أي: حبة قلبه. انتهى. وقال القرطبيّ: «فأصبت جنبه» بالجيم والنون، كذا لأكثر الرواة، وكذا رويته، وقيّده القاضي الشهيد: «حبّته» بالحاء المهملة، والموحّدة؛ يعني به: حبة قلبه، وفيه بُعْدٌ. انتهى . (فَسَقَطَ) على الأرض ميتًا، (فَانْكَشَفَتْ) وفي نسخة: «وانكشفت» (عَوْرَتُهُ، فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-) سرورًا بقتل عدوّه، لا بانكشاف عورته، (حَتَّى نَظَرْتُ إِلَى نَوَاجِذِهِ) قال القرطبيّ: النَّواجذ آخر الأضراس، وتقال على الضواحك، وأنها المعنيَّة في هذا الحديث، فإنها هي التي يمكنُ أن يُنظر إليها غالبًا في حال الضحك، وكان -ﷺ- جُلّ ضحكه التبسُّم، فإذا استغرب فغايةُ ما يظهر منه ضواحكه، مع ندور ذلك منه، وقِلَّته. انتهى . والحديث سبق تخريجه، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀ - أوّلَ الكتاب قال: [٦٢١٨] (١٧٤٨) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْب، قَالَا: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا سِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنِي مُصْعَبُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيه، أنَّهُ نَزَلَتْ فِيهِ آيَات مِنَ الْقُرْآن، قَالَ: حَلَفَتْ أمُّ سَعْدٍ أَنْ لَا تُكَلِّمَهُ أَبَدًا، حَتَّى يَكْفُرَ بِدِينِه، وَلَا تَأْكُلَ، وَلَا تَشْرَبَ، قَالَتْ: زَعَمْتَ أَن اللهَ وَصَّاكَ بِوَالِدَيْكَ، وَأَنَا أمّكَ، وَأنا آمُرُكَ بِهَذَا، قَالَ: مكَثَتْ ثَلَاثًا حَتَّى غُشِيَ عَلَيْهَا مِنَ الْجَهْد، فَقَامَ ابْن لَهَا، يُقَالُ لَهُ: عُمَارَةُ، فَسَقَاهَا، فَجَعَلَتْ تَدْعُو عَلَى سَعْدٍ، فَأَنزَلَ اللهُ -﷿- فِي الْقُرْآنِ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي﴾ [العنكبوت: ٨] وَفيهَا: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: ١٥]، قَالَ: وَأَصَابَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- غَنِيمَةً عَظِيمَةً، فَإِذَا فِيهَا سَيْف، فَأَخَذْتُهُ، فَأَتَيْتُ بِهِ الرَّسُولَ -ﷺ-، فَقُلْتُ: نَفِّلْنِي هَذَا السَّيْفَ، فَأَنَا مَنْ قَدْ عَلِمْتَ حَالَهُ، فَقَالَ: «رُدُّهُ مِنْ حَيْثُ أَخَذْتَهُ»، فَانْطَلَقْتُ حَتَّى إِذَا أَرَدْتُ أَنْ ألْقِيَهُ فِي الْقَبَضِ لَامَتْني نَفْسِي، فَرَجَعْتُ إِلَيْه، فَقُلْتُ: أَعْطِنِيه، قَالَ: فَشَدَّ لِي صَوْتَهُ: «رُدُّهُ مِنْ حَيْثُ أَخَدتَهُ»، قَالَ: فَأنزَلَ اللهُ -﷿-: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ [الأنقال: ١]، قَالَ: وَمَرِضْتُ، فَأَرْسَلْتُ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ-، فَأَتَانِي، فَقُلْتُ: دَعْنِي أَقْسِمْ مَالِي حَيْثُ شِئْتُ، قَالَ: فَأَبَى، قُلْتُ: فَالنِّصْفَ، قَالَ: فَأبى، قُلْتُ: فَالثُّلُثَ، قَالَ: فَسَكَتَ، فَكَانَ بَعْدُ الثُّلُثُ جَائِزًا، قَالَ: وَأتيْتُ عَلَى نَفَرٍ مِنَ الأَنْصَارِ وَالْمُهَاجِرِينَ، فَقَالُوا: تَعَالَ، نُطْعِمْكَ، وَنَسْقِيكَ خَمْرًا، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ تُحَرَّمَ الْخَمْرُ، قَالَ: فَأَتيْتُهُمْ فِي حَشٍّ -وَالْحَشُّ: الْبُسْتَانُ- فَإِذَا رَأْسُ جَزُورٍ مَشْوِيٌّ عِنْدَهُمْ، وَزِقّ مِنْ خَمْرٍ، قَالَ: فَأَكَلْتُ، وَشَرِبْتُ مَعَهُمْ، قَالَ: فَذُكِرَتِ الأَنَصَارُ وَالْمُهَاجِرُونَ عِنْدَهُمْ، فَقُلْتُ: الْمُهَاجِرُونَ خَيْرٌ مِنَ الأَنْصَار، قَالَ: فَأَخَذَ رَجُل أَحَدَ لَحْيَيِ الرَّأس، فَضَرَبَنِي بِه، فَجَرَحَ بِأَنْفِي، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ-، فَأَخْبَرْتُهُ، فَأنزَلَ اللهُ -﷿- فِيَّ -يَعْنِي: نَفْسَهُ- شَأْنَ الْخَمْرِ: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ [المائدة: ٩٠]. رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى) الأشيب، أبو عليّ البغداديّ، قاضي الْمَوْصِل وغيرها، ثقةٌ [٩] (ت ٩ أو ٢١٠) (ع) تقدم في «الإيمان» ٥٥/ ٣٢١. ٢ - (زُهَيْرُ) بن معاوية بن حُديج، تقدّم قبل بابين. ٣ - (سِمَاكُ بْنُ حَرْبِ) بن أوس بن خالد الذُّهْليّ البكريّ الكوفيّ، أبو المغيرة، صدوقٌ، وروايته عن عكرمة خاصّة مضطربةٌ، وقد تغيّر بآخره، فكان ربما تلقن [٤] (ت ١٢٣) (خت م ٤) تقدم في «الإيمان» ٦٤/ ٣٦٥. والباقون ذُكروا في الباب وقبله. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-، وأنه مسلسل بالتحديث، وبالكوفيين، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، والابن عن أبيه. شرح الحديث: عن مُصْعَب بْنِ سَعْدٍ (عَنْ أَبيهِ) سعد بن أبي وقّاص -﵁- (أَنَّهُ نَزَلَتْ فِيهِ آيَات مِنَ الْقُرْآنِ) هي أربع آيات، كما يأتي في الحديث التالي، وفي رواية الترمذي قال: أُنزلت فيّ أربع آيات، فذكر قصة، فقالت أم سعد: أليس قد أمر الله بالبر؟ والله لا أطعم طعامًا، ولا أشرب شرابًا حتى أموت، أو تَكْفُر، قال: فكانوا إذا أرادوا أن يُطعموها شَجَروا فاها، فنزلت هذه الآية: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ الآية، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. ورُوي عن سعد أنه قال: كنت بارًّا بأمي، فأسلمتُ، فقالت: لتدعَنّ دينك، أو لا آكل، ولا أشرب، حتى أموت، فتُعَيَّر بي، ويقال: يا قاتل أمه، وبَقِيَتْ يومًا ويومًا، فقلت: يا أماه! لو كانت لك مائة نفس، فخرجت نفسًا نفسًا ما تركت ديني هذا، فإن شئت فَكُلي، وإن شئت فلا تأكلي، فلما رأت ذلك أكَلَتْ، ونزلت: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي﴾ الآية. ثم أشار إلى الآية الأُولى بقوله: (قَالَ: حَلَفَتْ أمّ سَعْدٍ) هي حمنة بنت سفيان بن أميّة بن عبد شمس بن عبد مناف بن قُصيّ، كما ذكرها ابن سعد في «الطبقات» . (أَنْ لَا تُكَلِّمَهُ)؛ أي: سعدًا (أَبَدًا، حَتَّى يَكْفُرَ بِدِينِهِ) دين الإسلام، (وَلَا تَأْكُلَ، وَلَا تَشْرَبَ، قَالَتْ) أمه (زَعَمْتَ أَنَّ اللهَ وَصَّاكَ بِوَالِدَيْكَ)؛ أي: أمَرك بالإحسان إليهما (وَأنَا أمُّكَ)؛ أي: فأحْسِن إليَّ بتنفيذ ما طلبته منك، (وَأنَا آمُرُكَ بِهَذَا)؛ أي: بالكفر بدينك. (قَالَ) سعد (مَكَثَتْ ثَلاثًا)؛ أي: ثلاث ليال، لا تأكل، ولا تشرب (حَتَّى غُشِيَ) بالبناء للمفعول، (عَلَيْهَا مِنَ الْجَهْدِ) بفتح الجيم، وضمّها؛ أي: المشقّة من الجوع والعطش، (فَقَامَ ابْن لَهَا، يُقَالُ لَهُ: عُمَارَةُ) هوأخو سعد، (فَسَقَاهَا، فَجَعَلَتْ تَدْعُو عَلَى سَعْدٍ) حيث حَمَلها على هذا الجَهْد، (فَأَنزَلَ اللهُ -﷿ - فِي الْقُرْآنِ هَذِهِ الآيَةَ) هي آية العنكبوت (﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾)؛ أي: أمرناه بأن يحسن إليهما إحسانًا، (﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ﴾)؛ أي: كلّفاك (﴿لِتُشْرِكَ بِي﴾) ﴿مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا﴾ [العنكبوت: ٨]، (وَ) نزلت أيضًا (فِيهَا) آية لقمان، وفيها (﴿وَصَاحِبْهُمَا﴾) أي الوالدين ﴿فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: ١٥])؛ أي: بالمعروف والإحسان الدنيويّ، من الخُلُق الجميل، والحِلم، والاحتمال، والبرّ، والصلة. قال الإمام ابن كثير -﵀ -: يقول تعالى آمرًا عباده بالإحسان إلى الوالدين بعد الحثّ على التمسك بتوحيده، فإن الوالدين هما سبب وجود الإنسان، ولهما عليه غاية الإحسان، فالوالد بالإنفاق، والوالدة بالإشفاق؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَو كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (٢٣) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (٢٤)﴾ [الإسراء: ٢٣ - ٢٤]. ومع هذه الوصية بالرأفة والرحمة والإحسان إليهما، في مقابلة إحسانهما المتقدم، قال: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا﴾ أي: وإن حَرَصا عليك أن تتابعهما على دينهما إذا كانا مشركين، فإياك وإياهما، لا تطعهما في ذلك، فإن مرجعكم إليّ يوم القيامة، فأجزيك بإحسانك إليهما، وصَبْرك على دينك، وأحشرك مع الصالحين لا في زمرة والديك، وإن كنت أقرب الناس إليهما في الدنيا، فإن المرء إنما يُحشر يوم القيامة مع مَنْ أحب، أي: حبًّا دينيًّا؛ ولهذا قال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ (٩)﴾ [العنكبوت: ٩]. انتهى . ثم أشار إلى الآية الثانية، فـ (قَالَ: وَأَصَابَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- غَنِيمَةً عَظِيمَةً)، وذلك في غزوة بدر، (فَإِذَا فِيهَا سَيْف، فَأَخَذْتُهُ، فَأَتيْتُ بِهِ الرَّسُولَ -ﷺ-، فَقُلْتُ: نَفِّلْنِي)؛ أي: أعطنيه زيادة على نصيبي من المغنم، (هَذَا السَّيْفَ، فَأَنَا مَنْ قَدْ عَلِمْتَ حَالَهُ)؛ أي: من الشجاعة، وقَتْل المشركين، واستئصالهم، (فَقَالَ) -ﷺ- («رُدُّهُ مِنْ حَيْثُ أَخَذْتَهُ»)؛ أي: في الغنائم، والظاهر أنه لم يوحَ إليه بحِلّ الغنائم، فأمَرَه بالردّ حتى يتبيّن أمره. (فَانْطَلَقْتُ)؛ أي: ذهبت لأردّه، (حَتَّى إِذَا أَرَدْتُ أَنْ ألْقِيَهُ فِي الْقَبَضِ) -بفتح القاف، والباء الموحّدة، والضاد المعجمة -: الموضع الذي يُجمع فيه الغنائم . (لَامَتْنِي نَفْسِي)؛ أي: على ردّه، (فَرَجَعْتُ إِلَيْهِ) -ﷺ- (فَقُلْتُ: أَعْطِنِيه، قَالَ: فَشَدَّ لِي صَوْتَهُ)؛ أي: رَفَعه أكثر من الأول مبالغة في الزجر («رُدُّهُ مِنْ حَيْثُ أَخَذْتَهُ»)، قَالَ: فَأَنْزَلَ اللهُ -﷿-: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ الآية [الأنقال: ١])؛ أي: يجعلانها حيث شاءا، ولذلك أعطاه سعدًا، فأخذه، فقد أخرج الإمام أحمد في «مسنده» عن سعد بن أبي وقاص قال: لمّا كان يومُ بدر، وقُتل أخي عُمَيْر، وقَتلت سعيد بن العاص وأخذت سيفه، وكان يسمى «ذا الكتيفة»، فأتيت به نبيّ الله -ﷺ- فقال: «اذهب فاطرحه في القَبَض»، قال: فرجعت وبي ما لا يعلمه إلا الله من قتل أخي، وأخْذ سَلَبي، قال: فما جاوزت إلا يسيرًا حتى نزلت سورة الأنفال، فقال لي رسول الله -ﷺ-: «اذهب فخذ سيفك» . وأخرج أحمد أيضًا عن مصعب بن سعد، عن سعد بن مالك قال: يا رسول الله، قد شفاني الله اليوم من المشركين، فَهَبْ لي هذا السيف، فقال: «إن هذا السيف لا لك، ولا لي، ضعه». قال: فوضعته، ثم رجعت، قلت: عسى أن يعطى هذا السيف اليوم من لا يبلي بلائي! قال: إذا رجل يدعوني من ورائي، قال: قلت: قد أنزل الله فيّ شيئًا؟ قال: «كنتَ سألتني السيف، وليس هو لي وإنه قد وُهب لي، فهو لك». قال: وأنزل الله هذه الآية: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ . قال الجامع عفا الله عنه: ما يتعلّق بقصّة السيف وآية الأنفال قد تقدّم البحث فيه مستوفًى في «كتاب الجهاد والسِّيَر» برقم [١٢/ ٤٥٤٦] (١٧٤٨) فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق. ورواه أبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ من طرق، وقال الترمذيّ: حسن صحيح. (قَالَ) سعد (وَمَرِضْتُ) بكسر الراء، من باب تَعِبَ، (فَأَرْسَلْتُ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ-، فَأَتانِي، فَقُلْتُ: دَعْنِي)؛ أي: اتركني، ولا تمنعني (أَقْسِمْ) بفتح الهمزة مضارع قَسَم ثلاثيًّا، من باب ضرب، (مَالِي حَيْثُ شِئْتُ)؛ أي: على الأقارب، والمساكين. (قَالَ: فَأَبَى) -ﷺ- ذلك، (قُلْتُ: فَالنِّصْفَ) بالنصب على المفعوليّة؛ أي: أَقسم النصف حيث شئت، (قَالَ: فَأبَى، قُلْتُ: فَالثُّلُثَ، قَالَ: فَسَكَتَ)؛ أي: لأن الثلث حقّ الشخص عند موته يتصدّق به، ويوصي به، (فَكَانَ بَعْدُ) بالبناء على الضمّ؛ لِقَطْعها عن الإضافة، ونيّة معناها؛ أي: بعد تلك الواقعة، (الثُّلُثُ)؛ أي: قَسْم الثلث بالوصيّة (جَائِزًا)؛ أي: فيجوز الآن لكلّ أحد أن يوصي بالثلث، وقصّة سعد في الوصيّة قد تقدّم البحث فيها مستوفي في «الوصايا». ثم أشار إلى الآية الثالثة، فـ (قَالَ: وَأَتَيْتُ عَلَى نَفَرٍ) بفتحتين؛ أي: جماعة من الرجال، من ثلاثة إلى عشرة، وقيل: إلى سبعة، ولا يقال: نفرٌ فيما زاد على العشرة . (مِنَ الأنصَارِ وَالْمُهَاجِرِينَ، فَقَالُوا: تَعَالَ) بفتح اللام: أمْر من تعالى يتعالى؛ أي: ارتفع، قال الفيّوميّ: تَعَالَ فِعل أمْر من تعالى يتعالى، وأصله أن الرجل العالي كان ينادي السافل فيقول: تَعَالَ، ثم كَثُر في كلامهم، حتى استُعْمِل بمعنى هَلُمّ مطلقًا، وسواء كان موضع المدعوّ أعلى، أو أسفل، أو مساويًا، فهو في الأصل لمعنى خاصّ، ثم استُعمل في معنى عامّ، ويتصل به الضمائر باقيًا على فَتْحه، فيقال: تَعَالَوا، تَعَالَيَا، تَعْالُينْ، وربما ضُمّت اللام مع جمع المذكر السالم، وكُسرت مع المؤنئة، وبه قرأ الحسن البصريّ في قوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا﴾ الآية [آل عمران: ٦٤]؛ لمجانسة الواو. انتهى . (نُطْعِمْكَ) بضمّ أوله، من الأطعام، (وَنَسْقِيكَ) بفتح أوله، من سقى يسقي ثلاثيًّا، كما قال تعالى: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان: ٢١]، أو بضمّه، من أسقى يُسقي رباعيًّا، كما قال تعالى: ﴿لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾ [الجن: ١٦]. (خَمْرًا، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ تُحَرَّمَ الْخَمْرُ، قَالَ) سعد (فَأتيْتُهُمْ فِي حَشٍّ) بفتح الحاء المهملة، وضمّها، وفسّره بقوله: (-وَالْحَشُّ الْبُسْتَانُ- فَإِذَا) هي الفجائيّة، (رَأْسُ جَزُورٍ) قال الفيّوميّ -﵀-: الجَزُورُ من الإبل خاصّةً يقع على الذكر والأنثى، والجمع: جُزُرٌ، مثل رسول ورُسُل، ويُجمع أيضًا على جُزُرَاتٍ، ثم على جَزَائِرَ، ولفظ الْجَزُور أنثى، يقال: رعت الجَزُورُ، قاله ابن الأنباريّ، وزاد الصغانيّ: وقيل: الجَزُورُ: الناقة التي تُنحر، وجَزَرْتُ الجَزُورَ وغيرها، من باب قتل: نحرتُها، والفاعل جَزَّارٌ، والحرفة الجِزَارَةُ، بالكسر، والمَجْزَرُ: موضع الجزر، مثل جعفر، وربما دخلته الهاء، فقيل: مَجْزَرَةٌ. انتهى . (مَشْوِيٌّ) مفعول مِن شوى اللحم، من باب ضرب، وأصله مشوويٌ، اجتمعت الواو والياء، وسُبقت إحداهما بالسكون، فقُلبت الواو ياء، وأُدغمت في الياء، فصار مشويًّا بياء مشدّدة، كما قال في «الخلاصة»: إِنْ يَسْكُنِ السَّابِقُ مِنْ وَاوٍ وَيَا … وَاتَّصَلَا وَمِنْ عُرُوضٍ عَرِيَا فَيَاءً الْوَاوَ اقْلِبَن مُدْغِمَا … وَشَذَّ مُعْطًا غَيْرَمَا قدْ رُسِما (عِنْدَهمْ، وَزِقٌّ) بكسر الزاي: الظَّرْف، وبعضهم يقول: ظَرْف زَفْتٍ، أو قِيرٍ، والجمع أزقاق، وزِقَاق، وزُقَّاقٌ، مثلُ كِتاب، ورُغْفان، قاله الفيّومي ، وقال المجد: الزِّقّ بالكسر: السِّقَاءُ، أو جلدٌ يُجزّ، ولا يُنتف للشراب وغيره، انتهى . (مِنْ خَمْرٍ، قَالَ) سعد (فَأَكلْتُ) من ذلك المشويّ (وَشَرِبْتُ) من تلك الخمر (مَعَهُمْ، قَالَ: فَذُكِرَتِ) بالبناء للمفعول، (الأنصَارُ وَالْمُهَاجِرُونَ)؛ أي: ذُكر في ذلك المجلس حال الأنصار والمهاجرين، وفي بعض النسخ: «فذَكَرتُ الأنصار … إلخ» بالبناء للفاعل؛ يعني: أن سعدًا هو بدأ بذكرهم (عِنْدَهُمْ، فَقُلْتُ: الْمُهَاجِرُونَ خَيْرٌ مِنَ الأنصَارِ) حيث إنهم هاجروا في الله، وفارقوا الأهل، والأموال، وتركوا الأوطان لله -﷾-، فهم خير. (قَالَ) سعد (فَأَخَذَ رَجُلٌ) زاد في رواية: «منهم»، قال ابن بشكوال: الرجل الأنصاريّ عِتبان بن مالك، وساق له شاهدًا، قال: وقيل: إنه حمزة بن عبد المطّلب، ذكره فتح بن إبراهيم عن أبي الطيّب الحريريّ البغداديّ، صاحب محمد بن جرير الطبريّ، واسم أبي الطيّب أحمد بن سليمان، وقال الشيخ وليّ الدين: قال الزهريّ: إن سعدًا كان هو الضارب لعتبان، ذكره صاحب «التنبيه» . قال الجامع عفا الله عنه: كون الضارب هو حمزة، أو سعد فيه نَظَر لا يخفى؛ لتصريح رواية مسلم بأنه من الأنصار، فتنبّه، والله تعالى أعلم. (أَحَدَ لَحْيَيِ الرَّأْسِ) بفتح اللام، وسكون الحاء المهملة: تثنية لَحْيٍ، وهو عَظْم الحَنَك، وهو الذي عليه الأسنان، وهو من الإنسان حيثُ ينبت الشعرُ، وهو أعلى وأسفلُ، وجمعه أَلْحٍ، ولُحيّ، مثلُ فَلْسٍ، وفُلُوسٍ، وأفلُسٍ . (فَضَرَبَنِي بِهِ) وهذا الذي حصل بين سعد، وبين الأنصاريّ إنما هو لمّا سكروا من شُرب الخمر، كما سيأتي في رواية شعبة بلفظ: «فانتشينا»؛ أي: سَكِرنا، والله تعالى أعلم. (فَجَرَحَ بِأنفِي)، وفي الرواية التالية: «فضرب به أنف سعد، ففزره، -أي: شقّه- وكان أنف سعد مفزورًا»؛ أي: مشقوقًا. (فَأَتيْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ-، فَأَخْبَرْتُهُ) بما حصل بينه وبين الأنصاريّ من الضرب، (فَأنزَلَ اللهُ -﷿- في -يَعْنِي: نَفْسَهُ- شَأْنَ الْخَمْرِ)؛ يعني: أن الله تعالى حرّمها بسبب تلك الواقعة. (﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾)؛ أي: القمار (﴿وَالْأَنْصَابُ﴾)؛ أي: الأصنام التي تُنصب، فتُعبد من دون الله تعالى، (﴿وَالْأَزْلَامُ﴾)؛ أي: القِداح التي يستقسمون بها، كانت في البيت عند سدنة البيت، وخدام الأصنام، يأتي الرجل إذا أراد حاجة، فيقبض منها شيئًا، فإن كان عليه: أمرني ربي، خرج إلى حاجته على ما أحب، أو كره . (﴿رِجْسٌ﴾)؛ أي: خبيث مستقذَر، (﴿مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ الآية [المائدة: ٩٠])؛ أي: مما يحمل الشيطان عليه، فكأنه عَمَله، وتمام الآية: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾، والضمير في «فاجتنبوه» للرجس، أو لعمل الشيطان، أو للمذكور، أو للمضاف المحذوف، كأنه قيل: إنما تعاطي الخمر والميسر، قال النسفيّ -﵀- في «تفسيره»: أكّد تحريم الخمر والميسر من وجوه، حيث صدّر الجملة بـ «إنما»، وقرنهما بعبادة الأصنام، ومنه الحديث: «شارب الخمر كعابد الوثن» ، وجعلهما رجسًا من عمل الشيطان، ولا يأتي منه إلا الشرّ البحت، وأمَر بالاجتناب، وجعل الاجتناب من الفلاح، وإذا كان الاجتناب فلاحًا كان الارتكاب خسارةً. انتهى . [تنبيه]: لم يذكر في هذه الرواية الآية الرابعة، وستأتي، وهي آية: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ الآية [الأنعام: ٥٢]، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث سعد بن أبي وقّاص -﵁- هذا من أفراد المصنّف -﵀ -. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥/ ٦٢١٨ و٦٢١٩] (١٧٤٨)، و(أبو داود) في «سننه» (٢٠٨)، و(الترمذيّ) في «التفسير» (٣١٨٩)، و(أحمد) في «مسنده» (١/ ١٨١ و١٨٥ - ١٨٦)، و(الطبريّ) في «تفسيره» (٩/ ١٧٤ و٢١/ ٧٠)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٤/ ١٠٤)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٦٩٩٢)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (٧٨٢)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٦/ ٢٦٩ و٢٩١ و٨/ ٢٨٥ و٩/ ٢٦)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان فضل سعد بن أبي وقّاص -﵁- حيث نزلت الآيات المذكورة فيه. ٢ - (ومنها): وجوب برّ الوالدين، وإن كانا كافرين بما لا يخالف الشرع. ٣ - (ومنها): حلّ الغنائم خصوصيّةٌ لهذا الأمة، وجواز تنفيل الإمام بعض الغزاة بما يراه. ٤ - (ومنها): جواز الوصيّة، وأنه لا يجوز إلا بالثلث. ٥ - (ومنها): تحريم الخمر بعد أن كانت مباحة، قال أبو عبد الله القرطبيّ المفسّر -﵀-: الأحاديث تدلّ على أن شرب الخمر كان إذ ذاك مباحًا معمولًا به معروفًا عندهم، بحيث لا يُنكَر، ولا يغمر، وأن النبيّ -ﷺ- أقرّهم عليه، وهذا ما لا خلاف فيه، يدل عليه آية النساء: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: ٤٣]. وهل كان يباح لهم شرب القَدْر الذي يُسكر؟ حديث حمزة ظاهر فيه حين بَقَر خواصر ناقَتَي عليّ -﵄-، وجَبّ أسنمتهما، فأَخبر عليّ بذلك النبيّ -ﷺ-، فجاء إلى حمزة، فصدر عن حمزة للنبيّ -ﷺ- من القول الجافي المخالف لِمَا يجب عليه من احترام النبيّ -ﷺ-، وتوقيره، وتعزيره، ما يدل على أن حمزة كان قد ذهب عقله بما يسكر، ولذلك قال الراوي: فعرف رسول الله -ﷺ- أنه ثمل، ثم إن النبي -ﷺ- لم يُنكِر على حمزة ولا عنَّفه، لا في حال سُكره ولا بعد ذلك، بل رجع لمَّا قال حمزة: وهل أنتم إلا عبيد لأبي؟ على عقبيه القهقرى وخرج عنه. وهذا خلاف ما قاله الأصوليون، وحكوه، فإنهم قالوا: إن السكر حرام في كل شريعة؛ لأن الشرائع مصالح العباد لا مفاسدهم، وأصل المصالح العقل، كما أن أصل المفاسد ذهابه، فيجب المنع من كل ما يُذهبه، أو يشوّشه، إلا أنه يَحتمل حديث حمزة أنه لم يقصد بشُربه السُّكر، لكنه أسرع فيه، فغلبه، والله أعلم. انتهى . [تنبيه]: قال أبو عبد الله القرطبيّ المفسّر -﵀- أيضًا: كان تحريم الخمر بتدريج، ونوازل كثيرة، فإنهم كانوا مولَعين بشربها، وأول ما نزل في شأنها: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: ٢١٩]؛ أي: في تجارتهم، فلما نزلت هذه الآية تركها لعض الناس وقالوا: لا حاجة لنا فيما فيه إثم كبير، ولم يتركها بعض الناس وقالوا: نأخذ منفعتها ونترك إثمها، فنزلت هذه الآية: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: ٤٣] فتركها بعض الناس، وقالوا: لا حاجة لنا فيما يَشغلنا عن الصلاة، وشَرِبها بعض الناس في غير أوقات الصلاة حتى نزلت: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ﴾ الآية؛ فصارت حرامًا عليهم حتى صار يقول بعضهم: ما حرَّم الله شيئًا أشد من الخمر. وقال أبو ميسرة: نزلت بسبب عمر بن الخطاب، فإنه ذَكر للنبيّ -ﷺ- عيوب الخمر، وما ينزل بالناس من أجلها، ودعا الله في تحريمها، وقال: اللهم بيِّن لنا في الخمر بيانًا شافيًا، فنزلت هذه الآيات، فقال عمر: انتهينا انتهينا. وروى أبو داود عن ابن عباس قال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: ٤٣]، و﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: ٢١٩] نسختها التي في المائدة: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ﴾. انتهى ، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦٢١٩] (. . .) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيه، أَنَّهُ قَالَ: أُنْزِلَتْ فِيَّ أَرْبَعُ آيَاتٍ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمَعْنَى حَدِيثِ زُهَيْرٍ، عَنْ سِمَاكٍ، وَزَادَ فِي حَدِيثِ شُعْبَةَ: قَالَ: فَكَانُوا إِذَا أَرَادُوا أَنْ يُطْعِمُوهَا شَجَرُوا فَاهَا بِعَصًا، ثُمَّ أَوْجَرُوهَا، وَفِي حَدِيثِهِ أَيْضًا: فَضَرَبَ بِهِ أنفَ سَعْدٍ، فَفَزَرَهُ، وَكَانَ أَنْفُ سَعْدٍ مَفْزُورًا). رجال هذا الإسناد: سبعة: وكلّهم ذُكروا في الباب. وقوله: (وَسَاقَ الْحَدِيثَ … إلخ) فاعل «ساق» ضمير شعبة. وقوله: (يُطْعِمُوهَا شَجَرُوا فَاهَا بعَصًا)؛ أي: فتحوه، ثم صبّوا فيها الطعام، وإنما شَجَروها بالعصا؛ لئلا تُطَبِّقه، فيمتنع وصول الطعام جوفها، قال النوويّ: وهكذا صوابه بالشين المعجمة، والجيم، والراء، وهكذا في جميع النسخ، قال القاضي: ويروى «شحّوا فاها» بالحاء المهملة، وحذف الراء، ومعناه قريب من الأول؛ أي: أوسعوه، وفتحوه، والشَّحْو: التوسعة، ودابة شحوٌ: واسعة الخطو. انتهى . وقوله: (ثُمَّ أَوْجَرُوهَا)؛ أي: صبّوا الطعام في حلقها، لمحال الفيّوميّ -﵀ -: الْوَجُور بفتح الواو، وزانُ رَسُول: الدواء يُصبّ في الحلق، أوجرت المريض إيجارًا، فعلتُ به ذلك، ووجَرْته أَجِرُهُ، من باب وَعَدَ لغةٌ. انتهى . وقال القرطبيّ -﵀-: قوله: «شجروا فاها بعصًا، ثم أوجروها» -بالشين والجيم -؛ أي: فتحوا فمها، وأدخلوا فيه العصا؛ لئلا تُغلقه حتى يوجروها الغذاء، والوَجُور: -بفتح الواو - ما يُصَبُّ في وسط الفم، واللَّدود -بفتح اللام -: ما يُصَبُّ من جانب الفم، ويقال: وجرته، وأوجرته -ثلاثيًّا، ورباعيًّا - وقد رواه بعضُهم: «شحُّوا فاها» -بحاء مهملة، وواو من غير راء - وهو قريب من الأول؛ أي: وسَّعوه بالفتح، والشحو: التوسع في المشي، والدابة الشحواء: الواسعة الخطو، ويقال: شحا فاه، وشحا فوه -مُعَدًّى، ولازمًا -؛ أي: فَتَحه، ووصية الله تعالى بمبرَّة الوالدين المشركين، والإحسان إليهما، وإن كانا كافرَين، وحريصَين على حَمْل الولد على الكفر، يدلُّ دلالة قاطعة على عظيم حرمة الآباء، وتأكُد حقوقهم. انتهى . وقوله: (فَفَزَرَهُ) بزاي، ثم راء؛ أي: شقّه. وقوله: (وَكَانَ أَنْفُ سَعْدٍ مَفْزُورًا)؛ أي: مشقوقًا. [تنبيه]: رواية شعبة، عن سماك بن حرب هذه ساقها ابن حبّان في «صحيحه»، فقال: (٦٩٩٢) - أخبرنا عمر بن محمد الهمدانيّ، حدّثنا بندار، حدّثنا محمد، حدّثنا شعبة، عن سماك بن حرب، قال: سمعت مصعب بن سعد، عن أبيه، قال: أنزلت فيّ أربع آيات، أصبت سيفأ، فأتيت به النبيّ - ﷺ -، فقلت: يا رسول الله - ﷺ - نفّلنيه، قال: ضَعْه، ثم قلت: يا رسول الله - ﷺ - نفّلنيه، وأُجْعَل كمن لا غناء له؟ قال: ضعه من حيث أخذت، فنزلت هذه الآية: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ [الأنفال: ١]. وصنع رجل من الأنصار طعامًا، فدعانا، فشربنا الخمر، حتى انتشينا، فتفاخرت الأنصار وقريش، فقالت الأنصار: نحن أفضل منكم، وقالت قريش: نحن أفضل، فأخذ رجل من الأنصار لحي جزور، فضرب أنف سعد، ففزره، فكان أنف سعد مفزورًا، قال: فنزلت هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠)﴾ [المائدة: ٩٠].
مصادر المؤلف (٣٣)

١. »السُّنن الكبرى«٦/ ٥٦.

٢. «الفتح» ٩/ ١٣٠، كتاب «المغازي» رقم (٤٠٥٦).

٣. «صحيح البخاريّ» ٤/ ١٤٩٠.

٤. وفي نسخة: «وانكشفت».

٥. «تنبيه المعلم» ص ٤١٠.

٦. «شرح النوويّ» ١٥/ ١٨٥.

٧. «المفهم» ٦/ ٢٨١.

٨. «المفهم» ٦/ ٢٨١.

٩. «المفهم» ٦/ ٢٨١.

١٠. هذا الرقم تقدّم، فهو مكرّر.

١١. وفي نسخة: «فحلفت».

١٢. وفي نسخة: «ونُسقيك» بضم النون.

١٣. وفي نسخة: «فقذَكَرتُ الأنصارَ والمهاجرين».

١٤. «الطبقات الكبرى» ٣/ ١٣٧ و٦/ ١٢.

١٥. «تفسير ابن كثير» ٦/ ٢٦٤ - ٢٦٥.

١٦. «شرح النوويّ» ١٥/ ١٨٧.

١٧. «المسند» ١/ ١٨٠.

١٨. «المسند» ١/ ١٧٨.

١٩. «المصباح المنير» ٢/ ٦١٧.

٢٠. «المصباح المنير» ٢/ ٤٢٨.

٢١. «المصباح المنير» ١/ ٩٨.

٢٢. «المصباح المنير» ١/ ٢٥٤.

٢٣. «القاموس المحيط» ص ٥٦٥.

٢٤. «تنبيه المعلم» ص ٤١٠.

٢٥. «المصباح المنير» ٢/ ٥٥١.

٢٦. «تفسير القرطبيّ» ٦/ ٢٨٦.

٢٧. صححه الشيخ الألبانيّ -﵀- «الإيمان» لابن سلام (٩٦).

٢٨. «تفسير النسفيّ» ١/ ٣٠٠.

٢٩. «تفسير القرطبيّ» ٦/ ٢٨٧.

٣٠. «تفسير القرطبيّ» ٦/ ٢٨٦.

٣١. «شرح النوويّ» ١٥/ ١٨٧.

٣٢. «المصباح المنير» ٢/ ٦٤٨.

٣٣. «المفهم» ٦/ ٢٨٢.